مزارع وادي النيل

اقرأ معي النص التاريخي:
قال المقريزي ـ وهو من المؤرخين ـ ما يلي:
«إنّ هشام بن عبد الملك سنة ـ 107 ـ هجرية أمر عبد الله بن الحجاب عامله على خراج «مصر» : أن يمسحها (أي : يستعلم مساحة أرض مصر الزراعية» فمسحها بنفسه فوجد مساحة أرضها الزراعية مما يركبه النيل ثلاثين مليون فدان (30000000)».
وبعد ما نقلَ جرجي زيدان هذا الكلام عن المقريزي ـ يقول:
«مع أنّ مساحة الأرض الزراعية في وادي النيل سنة 1914(1) مع ما تبذله الحكومة من العناية في إخصابها وتعميرها لم تتجاوز ستة ملايين فدان كثيراً (6000000) ...).
ثمّ يستطرد قائلاً: «لأنّ مساحة مصر بما فيها من الواحات في صحراء «ليبيا»، والأرض بين النيل والبحر الأحمر، وبينه وبين بحر الروم (البحر الأبيض المتوسط) إلى العريش تزيد على اربعمائة ألف (400000) ميل مربع، وذلك يساوي نحو مائة وسبعة وثمانين مليون فدان (187000000)(2).
فلا غرابة ـ إذن ـ في أن يكون العامر منها (30) مليون فدان!»(3).
فتأمل جيداً، وانظر إلى هذه الأسطر التاريخية بدقة وإمعان: إنّها تُخبر عن قرون سابقة، والإسلام جديد الانتشار، وأنظمة حديثة السيادة، والناس قريبو عهد بالإسلام.
في ذلك الحين: وحيث لا أدوات زراعية، ولا تطور في الزراعة حيث الزمان الذي يحرثون الأرض بالثيران، ويزرعون البذور بالأيدي، ويسقون الأرض بالدوالي والنواضح، ويحصدون بالمناجل والآلات البدائية، وقد كانت الحشرات تهاجم الزرع ولا محيص لاصحاب الزرع، ولا قدرة لهم على ازالتها !
في ذلك العهد تماماً ومع كل تلك المشكلات الطبيعية والصناعية تبلغ الزراعة في «مصر» ثلاثين مليون فدان!، بينما هذا الزمان الذي تطورت الزراعة فيه تطوراً كثيراً، وتقدمت الصناعة، وصنعت الآلات الحديثة، والمكائن الزراعية الجديدة، وتحسنت وسائل الرّي وتطورت اجهزته، بحيث اصبحت الماكنة الزراعية تحرث آلاف الأمتار في دقائق، وتزرع البذور في آلاف الأمتار في دقائق، والمضخّات الكهربائية تسقي مساحة كبيرة في دقائق، والحاصدات الزراعية تحصد زرعاً كثيراً في دقائق، ثمّ أنّه لو تسربت الحشرات الفاتكة في الزرع فهناك الأدوية الكيمياوية تقضي على الحشرات فوراً!
في هذا العهد المتطور، ومع هذه الوسائل الحديثة تبلغ الأرض الزراعية في نفس «مصر» ستة ملايين فدان!
أي : خمس النسبة!
ما سبب ذلك؟!
علماً بأنّ الأرض واحدة، والماء واحد، والأدوات الزراعية متطورة، متقدمة بنسبة الواحدة إلى الألف، أو بأكثر من ألف، ومع ذلك تكون الزراعة أقل من الوقت الذي لا أداة فيه للزراعة!!
إنّ معنى ذلك : تدهور الزراعة تدهوراً ذريعاً، فإذا لم تكن الأدوات الزراعية الحديثة موجودة، لكانت الزراعة في «مصر» تبلغ أقل من ستة آلاف فدان ! ولو كانت هذه الأدوات الزراعية الحديثة تستخدم في ظل نظام «إحياء الموات» الإسلامي لكانت النسبة من (30) مليون فدان تترفع حتّى لا تجد شبراً واحداً خالياً من الزرع أو البناء.

 


(1) أي سنة 1333 هجرية، وحيث كان الكاتب قد ذكر التاريخ الميلادي فأمانة للنقل ذكرنا ذلك، وإلا فالتاريخ الميلادي تاريخ غير اسلامي لا يجدر بالمسلمين استعماله.
(2) لكن مساحة أرض مصر ـ كما في بعض الكتب المعنيّة بذلك ـ هي مائتان وسبعة وثلاثون مليون فدان تقريباً (000/000/37» لأنه يقول: إنّ مساحة أرض مصر وحدها تسعمائه ـ وأربعة وتسعون ألف كيلو متر مربع (000/994» وكل كيلو متر مربع هو مليون متر مربع، والفدان المصري «200/4» أربعة آلاف ومائتا متر مربع.
(3) تاريخ التمدن الإسلامي ج1 ص120ـ 121.