تقارير عمرانية

ولننظر بتروّ وإمعان في ما كتبه « جرجي زيدان» عن بعض ما يخصّ أمر العمارة والزراعة في الدولة الإسلامية، وفي العهد الذي كان الإسلام نظاماً للحكم وكانت الدولة الإسلامية تسير على هداه، وتطبقه في مختلف مجالات الحياة، أنّه يقول ما يلي:
«... ولكن كثيراً من المدن الإسلامية أصبحت خراباً بعد ذلك بالقياس إلى ما كانت عليه في عهد الدولة الإسلامية، وخصوصاً «العراق» أو «السواد» وعلى الأخص «بغداد» و«البصرة» و«الكوفة» وسائر مدن العراق! وقد وصف الاصطخري(1) مدينة البصرة وصفاً يمثّل ما كانت عليه أرض العراق من العمارة في عصره: قال: البصرة مدينة عظيمة لم تكن في أيام العجم وإنما مصّرها «المسلمون». وليس فيها مياه إلاّ أنهار، وذكر بعض أهل الأخبار: أنّ أنهار «البصرة» عدّت أيام «بلال بن أبي بردة» فزادت على مائة ألف نهر، وعشرين ألف نهر (120000) تجري فيها الزوارق(2) وقد كنت أنكر ما ذكر من عدد هذه الأنهار في أيام «بلال» حتّى رأيت كثيراً من تلك البقاع، فربما رأيت في مقدار رمية سهم عدداً من الأنهار صغاراً تجري في كلّها زوارق صغار، ولكل نهر إسم ينسب إلى صاحبه الذي احتفره، أو إلى الناحية التي يصب فيها، فجوّزت أن يكون ذلك طولَ هذه المسافة وعرضها».
ثمّ يقول ـ جرجي زيدان ـ : «فاعتبر المسافة التي تحفر فيها (120000) نهر أو ترعة كم يمكن أن يكون سكانها؟ وهذا مستغرب عند أهل هذا الزمان، لكنه يدل ـ على كل حال ـ على عمران تلك الأرض...»

 


(1) هو أحد المؤرخين في القرن الرابع الهجري.
(2) الزوارق: جمع «زورق» وهو: السفينة الصغيرة.