العراق : أرض السواد

فالعراق كانت تسمى – في العهد الإسلامي – بـ« أرض السواد» وذلك؛ لأنّه لم يكن يوجد فيها من أولها إلى آخرها، ولا في طولها وعرضها أرض خالية عن البناء والزراعة، فكانت العراق قطعة واحدة من الزرع، وحيث أنّ الزرع أخضر اللون، والخضرة تميل إلى السواد، لذلك قيل لها: «أرض السواد» فكان الإنسان إلى حيث يرمي ببصره لا يكاد يقع نظره إلاّ على المزارع والبساتين، والخضار والأشجار التي غطّت البلاد، وإسوّد بها وجه الأرض، وذلك من جميع الجوانب ومن كل الجهات! !
فقد حفظ التأريخ أنّ الديكة كانت تتصايح بين البصرة والكوفة ومعنى ذلك : أنّ البصرة والكوفة كانتا متصلتين، ولم يكن توجد بينهما أرض فارغة عن العمارة والزرع بل كانت البنايات والعمارات، والمزارع والبساتين متواصلة ومتراكمة، تغطّي كل المسافة الشاسعة الموجودة بين المدينتين: البصرة والكوفة، حتّى إذا صاح الديكُ في البصرة صاحت الديكة في المزارع المجاورة للبصرة التي يبلغها صوت ديك البصرة، وعلى أثر صوت ديكة تلك المزارع كانت تصيح الديكة في البساتين المجاورة لتلك المزارع، وعلى اثر صوت ديكة تلك البساتين كانت تصيح ديكة الدور الملصقة بتلك البساتين والتي كانت تسمع صوت ديكة تلك البساتين، وهكذا.. وهلم جراً، حتّى كانت من البصرة إلى الكوفة صيحة واحدة لديكتها.. مع العلم أنّ المسافة بينهما يقرب من خمسمائة كيلو متر..
كما حفظ التأريخ في سطوره البيضاء عن بلدة «سامراء» أنّها كانت واسعة العمران بحيث كان طولها فقط يقرب من ثمانية وأربعين كيلو متراً!
وأنّ «الكوفة» وحدها كانت نفسها تعد بالملايين !
وأنّ «البصرة» وحدها كان فيها مائة وعشرون ألف نهر متفرع عن شطّي دجلة والفرات ! !
مع العلم أنّ جميع هذه البلاد كانت قبل الإسلام أرضاً جرداء أو قرى صغاراً مبعثرة، فلما استولى الإسلام على الحكم العالمي، وتولى قيادة الدنيا، ونفَّذَ قانون «إحياء الموات» بلغت هذه البلاد وغيرها إلى ما بلغت إليه وبقدر مدهش من كثرة النفوس، وزيادة العمارات، وسعة الزراعات، وذلك في ظرف سنين قلائل.