واختلاف عبارات متون الروايات نشأ من أُمور، بعضها يرجع إلى المعصومين أنفسهم
(عليهم السلام)، وبعضها يرجع إلى السامعين.
فمن الأوّل: ملاحظة حال الراوي من حيث البلاغة، واللغة، والفهم، أو ملاحظة
التقية، لأنّه إن كان المتن الصادر دائماً في منتهى البلاغة لعرف بذلك، وسالت دماء
الشيعة أكثر.
ومن الثاني: النقل بالمعنى الشائع عند الرواة، والجائز عقلا وعقلائياً، والمأذون
به شرعاً بالخصوص، فإنّ الراوي إذا صاغ الرواية بعبارته، ضاع ما في الأصل من
البلاغة والجمال التعبيري ـ على فرضه ـ وباختلاف الرواة قدرة على البلاغة والتعبير،
يختلف متون الروايات كما لا يخفى.
ولكلّ ما ذكرنا شواهد في الروايات أنفسها لا حاجة إلى التطويل بتعقيبها.
وإنّما نرى من المفضّل ذكر فهرس للمرجّحات المتنية التي ذكروها خلفاً عن سلف، طيلة
الف عام تقريباً، أنقلها من مفاتيح الأُصول مع ترك ذكر الأقوال فيها،
والاستدلالات، فمن أرادها فليراجعها.
1. الفصيح وغير الفصيح.
2. الأفصح والفصيح.
3. العام غير المخصّص، ويرجّح على العام المخصّص.
4. العام المبتدأ، مثل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا)(1) و (يَا أَيُّهَا
النَّاسُ)(2)يرجّح على العام الوارد على سبب خاص مثل: (الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ
مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ)(3) ومثل: (وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً)(4).
5. يقدّم العام الذي هو أمسّ بالمقصود ممّا ليس كذلك، كتقديم: (وَأَنْ
تَجْمَعُوا بَيْنَ الاُْخْتَيْنِ)(5) على (أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ)(6) و
(فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ...)(7).
6. يقدّم العام الذي من قبيل الشرط والجزاء على النكرة المنفية، لأنّ الشرط
كالعلّة، والمعلّل مقدّم، وقال بعضهم بالعكس، لأنّ النكرة المنفية أقوى العمومات.
7. تقدّم الجمع المحلّى بأل على المفرد المحلّى بأل، للإجماع على عموم الأوّل،
والخلاف في الثاني.
8. تقدّم الجمع المعرّف، على الجمع المنكّر لوجهين:
أ ـ قرب الأوّل من الإجماع دون الثاني، لوجود قول بعموم الأوّل دون الثاني.
ب ـ عدم دخول الابهام في الأوّل، بخلاف الثاني.
وربما رجّح العكس، لكون الجمع المنكّر أقرب إلى الخصوص.
9. تقدّم المعنى الحقيقي على المعنى المجازي فإذا تعارض « كان زيد في الحمّام » مع
« لم يكن الأسد في الحمّام » قدّم الأوّل.
10. تقدّم أقرب المجازين إلى الحقيقة على أبعدهما منها: كالأسد، في الشجاع، على
الأبخر.
11. يقدّم أحد المجازين على الآخر بكونه أشهر، أو أقوى، أو أظهر، كالأمر إذا
دار بين الاستحباب والتهديد، يقدّم الاستحباب.
12. يقدّم ذو المجاز الواحد، على ذي المجازين، سواء كانا طوليين « سبك مجاز من مجاز
» أم عرضيين.
13. يقدّم المجاز على المشترك، لشيوع الأوّل ومسلّميته، وقلّة الثاني والخلاف فيه.
14. يقدّم المجاز المنقول، على المجاز غير المنقول: كالوضوء، فهو لغة حقيقة
بمعنى النور، ومجاز في مطلق الغسل، ومنقول شرعي في الغسل الرافع للحدث، فإذا
تعارض دليلان مثبت للوضوء وناف له بالنسبة لموضوع واحد، كدفن الميّت ـ مثلا ـ قدّم
ما كان بمعنى الوضوء الرافع للحدث، على معنى الوضوء بمعنى مطلق الغسل.
15. يقدّم المعنى الحقيقي الذي هو أشهر وأظهر، على المعنى الحقيقي الأقلّ شهرة
وظهوراً، كالعين في الجارية على العين في الذهب.
16. يقدّم المعنى الحقيقي المتّفق عليه، على المعنى الحقيقي المختلف فيه، أو
النادر: كالعين، في الباصرة، أو في الحقيقة المدركة بالحسّ، مقابل الحقيقة المدركة
بالعقل.
17. يقدّم المنطوق على المفهوم.
18. يقدّم مفهوم الموافقة على مفهوم المخالفة، للاتّفاق على الأوّل دون الثاني، وقد
يقال بتقدّم الثاني لوجوه أُخرى.
19. ومنها غير ذلك وهو كثير، ولعلّه ضعف ما ذكرناه أو أكثر، بل لا ينحصر في ما
ذكروه، بل كلّ ما كان هناك مرجّح ـ عقلي، أو شرعي، أو عرفي عام، أو عرفي خاصّ، أو
غيرها ـ كان لازمه: تقديمه على الآخر الفاقد لهذا المرجّح.
وقد تتعارض المرجّحات، فيلاحظ الأقوى منها، أو الأشهر، أو الأكثر، ونحو ذلك.
وقد تقدّم عدم اعتبار شيء من ذلك، فإنّها لا تؤسّس ظهوراً، ولا تهدمه، ولم يلزم
بالترجيح بذلك أحد في الفقه، والله العالم.
الثالث من ملحقات الخاتمة: موارد المرجّحات، ونسبة بعضها مع بعض.
أمّا الموارد والمرجّحات بالنسبة للصدور، فإنّها لا مجال لها في الأخبار القطعية،
وموردها الأخبار الظنّية وإن كانت نبوية.
وأمّا المرجّح الجهي فيتحقّق في الأخبار القطعية أيضاً، إذ مورد المرجّح جهة
الصدور، لا أصله، وحيث إنّ مورد هذا المرجّح خارجاً ينحصر في احتمال التقية ممّن
يدّعون الإسلام، ويخالفون الواقع في أحكام الإسلام، فيختصّ في أخبار الأئمّة
(عليهم السلام)، ضرورة عدم وجود التقية في حقّ النبي (صلى الله عليه وآله)في بيان
الأحكام، وإن كان يتّقي المنافقين والكفّار في أُمور أُخرى، مثلما ورد عنه (صلى
الله عليه وآله): « لولا أنّي أكره أن يقال: أنّ محمّداً استعان بقوم فلمّا ظفر
بعدوّه قتلهم، لضربت أعناق قوم كثير »(8). و: « لولا قومك حديثوا عهد بالجاهلية
لأمرت بالبيت... »(9)وغيرهما.
وأمّا المرجّح المضموني ـ سواء كان خارجياً كالموافقة للكتاب والسنّة، والشهرة،
ونحوها، والمخالفة للعامّة، أم داخلياً كالمرجّحات المتنية على القول بها ـ فلا
يأتي في الأخبار القطعية، وإنّما يعمّ أخبار النبي (صلى الله عليه وآله) أيضاً.
وأمّا النسبة بين المرجّحات، فقد يلاحظ نسبة المرجّح الدلالي مع سائر المرجّحات،
وقد يلاحظ نسبتها ـ غير الدلالي ـ بعضها مع بعض.
أمّا المرجّح الدلالي: فقال المحقّق الآشتياني: « لا إشكال، بل لا خلاف عند بعض، بل الإجماع عليه عند آخر، في تقديم المرجّح من حيث الدلالة على سائر المرجّحات
»(10).
وحاصل ما استدلّ له أمران:
أحدهما: مع وجود المرجّح الدلالي لا تعارض حقيقة، حتّى يحتاج إلى المرجّح، وفي
الحقيقة المرجّح الدلالي ليس مرجّحاً، بل جمعاً عرفياً، وقرينة لأحد الكلامين على
المراد من الآخر.
وثانيهما: الأخبار، ومنها: الأخبار العلاجية، فإنّ مصبّ الترجيح بها سؤالا
وجواباً، لم يكن رفع التعارض بين الخبرين بجعل أحدهما بالخصوص قرينة على المراد من
الآخر بحكم العرف. إلى آخره.
أقول: قد يستكشف من موارد كثيرة في الفقه من أوّله إلى آخره، من علاج الروايات
المتعارضة بالحمل على التقية مع وجود جمع دلالي كما في مسائل: نجاسة أهل الكتاب،
المغرب، انفعال القليل، الطواف بين البيت والمقام، الحجّ مع العامّة عند العلم
بالخلاف، وغيرها وهو كثير جدّاً، قد يستكشف عدم تمامية تقدّم الجمع الدلالي على
الجمع الجهي وغيره دائماً.
وكذلك تقديم المشهور، الرواية المعمول بها من قبل المشهور على المتروكة من قبلهم،
مع وجود الجمع الدلالي بينهما وتكافؤهما من حيث الحجّية الصدورية، وذلك في المئات
من المسائل من أوّل الفقه إلى آخره، بل في كثير من الموارد: الاستدلال بالشهرة من
دون تعارض.
ففي طهارة الشيخ الأنصاري (رحمه الله) في موارد عديدة قال: « فالعمدة: فهم
الأصحاب »(11).
وقال أيضاً: « والإنصاف: أنّه لولا فتوى الأصحاب بالوجوب »(12).
وقال أيضاً: « بل لو قيل بحجّية الشهرة بناءً على كشفها قطعاً عن صدور رواية ظنّية
لم يكن بعيداً كما ثبت في الأُصول »(13).
وقال أيضاً: « نعم لو ثبت... تعدّد الروايتين، أمكن ترجيح ما في التهذيب بموافقة
المشهور »(14).
وقال أيضاً: « إلاّ أنّها لمخالفتها للمشهور، وموافقتها لأشقى الجمهور ـ على ما
حكي ـ قوّى طرحها، أو حملها على الاستحباب »(15).
وقال أيضاً: « فالإنصاف: أنّ الحجّة في المسألة هي الشهرة المحقّقة »(16).
إذن: فما هو المقدّم منها ؟ ربما يقال: المقدّم منها كما يلي:
الأوّل: أنّ المقدّم منها في الدرجة الأُولى: الشهرة الفتوائية ـ وخصوصاً العظيمة
منها ـ وذلك لأنّها إمّا هي دليل برأسها، وإمّا لأنّها أقوى المرجّحات.
قال الآخوند (قدس سره): أنّ شهرة أهل الفن والخبرة أقوى من خبر الثقة.
والعمدة: بناء العقلاء.
إذن: فلو كان أحد المتعارضين مشهوراً بالشهرة الفتوائية، وكان الآخر مخالفاً
للعامّة قدّم الأوّل.
وكذا لو كان الآخر ممّا فيه الجمع الدلالي، أو المرجّح الصدوري، أو السندي.
الثاني: أنّ المقدّم منها في الدرجة الثانية: مخالف العامّة الواضح الخلاف،
فإنّه مقدّم على الجمع الدلالي، وعلى المرجّح الصدوري غير الواضح الخلاف، وعلى
السندي، وذلك لأنّ أصالة الجدّ غير عقلائية في الطرف الآخر.
الثالث: أنّ المقدّم منها في الدرجة الثالثة: الجمع الدلالي، فلو كان هناك بعد
التكافؤ جمع دلالي كان مقدّماً على المرجّح الصدوري غير الواضح الخلاف، وعلى
السندي.
الرابع: أنّ المقدّم منها في الدرجة الرابعة: مخالف العامّة غير الواضح الخلاف،
فإنّه مقدّم على المرجّح السندي.
وأمّا الترجيح بموافقة الكتاب: فإنّ مخالف الكتاب باطل، فلا تكافؤ حتّى يكون تعارض
ثمّ ترجيح.
1. أليس هذا الترتيب المذكور هو خلاف الإجماع المركّب ـ على فرض وجوده ـ ؟
والجواب: أ ـ بل هو موافق لعمل المشهور في الفقه، وإن لم يقولوا به في الأُصول.
ب ـ على فرض حجّية الإجماع المركّب إنّما يضرّ الخلاف في المركّب من قولين، لا
أكثر، وهنا فيه أكثر من قولين فلا إشكال فيه، وإلاّ لزم أن يتطابق كلّ اجتهاد مع
أحد الأقوال السابقة.
جـ ـ ثمّ إنّ المستفاد من عمل الأصحاب هو: أنّ المرجّح الأوّل ـ وهو الشهرة ـ مطلق
بالنسبة إلى ما بعده من المرجّحات، والثاني ـ وهو المخالف للعامّة الواضح الخلاف ـ
مقيّد بالنسبة إلى الأوّل، ومطلق بالنسبة إلى ما بعده، وهكذا الثالث، والرابع.
2. أليس هذا الترتيب المذكور خلاف اطلاقات المرجّحات السندية مثل: « خذ بأعدلهم »
أو خلاف اطلاقات المرجّحات الصدورية مثل: « خذ بما خالف القوم » وترجيح لاطلاق: «
خذ بما اشتهر » وذلك في خصوص الشهرة الفتوائية، على اطلاقات المرجّحات الأُخرى،
مع أنّ بينهما عموماً من وجه، وأنّ الترجيح بالشهرة متأخّر عن الترجيح السندي،
والجهي ؟
ففي مقبولة عمر بن حنظلة: المرجّح السندي أوّلا، ثمّ الترجيح بالشهرة، ثمّ
بموافقة الكتاب ومخالفة العامّة معاً، ثمّ بمخالفة العامّة.
وفي مرفوعة العلاّمة: الترجيح بالشهرة أوّلا، ثمّ المرجّح السندي، ثمّ المرجّح
الجهي، ثمّ الاحتياط، ثمّ التخيير.
وفي صحيح الراوندي: الترجيح بموافقة الكتاب والسنّة معاً، ثمّ بمخالفة العامّة. وفي
مستفيض الروايات: الترجيح بمخالفة العامّة فقط.
والجواب: أنّه لا إشكال في أنّ الترتيب المذكور هو خلاف الاطلاقات، إلاّ أنّه لا
مانع منه بعد كونه بأدلّة أخصّ مطلقاً، أو في موارد لا موضوع للاطلاقات فيها، إذ
التعارض فرع التكافؤ، ولا تكافؤ بين خبر معمول به، وخبر مهجور، وبين خبر يجري
فيه أصالة الجدّ، وخبر لا يجري فيه عند العقلاء ـ لكونه موافقاً للعامّة وله معارض
مخالف لهم ـ وبين خبرين لهما جمع دلالي، ونحو ذلك.
وأمّا المرجّحات السندية: فيمكن القول بأنّها معرض عنها في الفقه، والفقه ببابك.
الرابع من ملحقات الخاتمة: هل يجتمع التعارض والتزاحم في مصداق خارجي أم لا ؟
أنكره المحقّق النائيني وذلك:
1. لأنّ التعارض هو اشتباه الحجّة باللاّ حجّة، ومورده التنافي في مقام الجعل
والتشريع.
بينما التزاحم هو عدم تمكّن المكلّف من الجمع بين التكليفين، ومورده التنافي في
مقام العمل والامتثال.
2. التنافي في التعارض ذاتي للتناقض أو التضادّ، بينما في التزاحم عرضي لرجوعه إلى
التكليف بالمحال.
وأُورد عليه: بأنّه قد يجتمعان في صورة إحراز ملاكين مع العجز عن جمعهما، وقّوة
دليل كلّ منهما على فعلية حكمه حتّى في فرض العجز المذكور، فيكون تعارضاً: بلحاظ
تكاذبهما في فعلية الحكم حتّى مع العجز، للعلم بعدم فعلية كليهما معاً، ويكون
تزاحماً: بلحاظ ثبوت الملاكين والعجز عن جمعهما في مقام الامتثال.
وفيه: أنّ قوله: « وقوّة دليل كلّ منهما على فعلية حكمه حتّى في فرض العجز المذكور
» لم نتحصّله، إذ الفعلية مع الامتناع لا يجتمعان، لتناقض فعلية هذا، وفعلية ذاك،
مع عدم فعلية أحدهما.
والحاصل: أنّه لا يتعقّل جامع بين التعارض والتزاحم، حتّى بلحاظه يحتمل اجتماعهما،
ليرتّب عليه الحكم.
(سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلاَمٌ عَلَى
الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ للهِِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)