خاتمة: في الملحقات

الملحق الأوّل

الأوّل من ملحقات الخاتمة: في ما يترتّب على الجمع العرفي.
إذا تحقّق الجمع العرفي، واقتضى تقديم أحد الدليلين على الآخر، فلا إشكال في لزوم الأخذ بكلّ مقتضيات الدليل المقدّم، أمّا الدليل الآخر فيختلف موارده بين سقوطه رأساً، أو العمل به اجمالا إلى الأقسام التالية:

أقسام خمسة
القسم الأوّل

أحدها: أن لا يبقى له أثر عملي رأساً، وهذا لا كلام فيه، فإنّه يخرج بالتخصّص ولا يشمله دليل الحجّية، ومثاله: صور الحمل على التقية ونحوها ممّا يفقد حجّية الكلام الصادر عن المعصوم (عليه السلام) في بيان الحكم الشرعي.
إنّما الكلام في أنّه هل يصبح وجوده كعدمه، فإذا كان أمراً أو نهياً ظاهراً في الاقتضاء يلغو، فلا استحباب ولا كراهة أيضاً، أم أنّه يحمل على ما يناسبه من المحامل من استحباب وكراهة ؟
وجه الأوّل: أنّه لا واسطة بين النفي والاثبات، فإذا نفيت الحجّية عن دليل، فما الذي يبقى دليلا على بعض المحامل ؟
ووجه الثاني: أنّ الذي اقتضى سقوطه عن الحجّية وجود الدليل المقدّم عليه، وهو ضرورة تقدّر بقدرها، والمتيقّن منها رفع الالزام لا أصل الحكم.
واضطربت ـ في الفقه ـ كلمات الفقهاء في هذا المجال، بل الفقيه الواحد تراه في بعض الموارد أسقط الدليل المغلوب رأساً، وفي بعض الموارد حمله على بعض المحامل، وحكم بالاستحباب، أو الكراهة.
نعم في مقام الحكم الوضعي من الصحّة والفساد، والملكية وعدمها، والحرّية والرقّية، ونحوها، لا مجال لهذه المحامل.

كلام الجواهر

قال في الجواهر في كتاب الطهارة: « قد ذكر بعض مشايخنا: إنّ الخبر إذا علم خروجه مخرج التقية في وجوب أو تحريم، يحكم من جهة بالاستحباب أو الكراهة، وربما يكون الذي دعاه إلى ذلك حكم الأصحاب بالاستحباب في كثير من هذه المقامات مع كون أخبارها موافقة للعامّة.
وقد يناقش فيه: بأنّ حمل الأمر على التقية يقتضي البقاء على الحقيقة، واستعماله في الندب يقتضي المجاز.
واحتمال أن يقال: إنّا نستفيد منه حكم الندب من دون استعمال اللفظ فيه كما ترى.
كالقول: بأنّ الأمر الخارج أفاد شيئين: الأوّل: الوجوب، والثاني: الرجحان، وكون الأوّل للتقية لا يصيّر الثاني كذلك.
نعم، لو لم يعلم خروجه مخرج التقية لكنّه قابل للحمل عليها وعلى الاستحباب ـ بعد أن علم عدم إرادة ظاهره ـ احتمل ترجيح التقية، لأنّها أقرب الاحتمالات بالنسبة إلى أخبارهم: مع كونه فيه إبقاء للأمر على حقيقته، واحتمل ترجيح الندب لأنّه المجاز الشائع حتّى قيل: أنّه مساو للحقيقة، مضافاً إلى أصالة عدم وجود سبب التقية، وللفهم العرفي بعد تأليف الخبرين مثلا، والقطع ببقاء الأوّل على حقيقته... ولعلّه لذا حكم بعض الأصحاب بالندب وإن وافق الخبر العامّة، لأنّه لا يعلم بذلك أنّه خرج لها، فحمله على الندب حينئذ أولى »(1).
وفي هذا الكلام مناقشات أُصولية وفقهية ربما لا تخفى على المتأمّل.

نماذج من كلمات الفقهاء

وإليك نماذج من تعارض الأخبار، وموافقة طرف منها للعامّة، ومع ذلك أفتوا فيها بالاستحباب في مورد، ولم يفتوا بالاستحباب في مورد، بل قابلوا بين الحمل على التقية، وعلى الاستحباب.
فمن الأوّل: ما في الجواهر من عدم نجاسة بول البغال والحمير والدواب، بل كراهتها ـ كما في عبارة الشرائع ـ قال (رحمه الله) « وفي مقابلها ـ أي: مقابل الأخبار الدالّة على عدم النجاسة ـ أخبار فيها الصحيح والموثّق وغيرهما تضمّنت الأمر بغسل الثوب من أبوال الثلاثة: « البغال، والخيل، والحمير » ثمّ قال: لكنّها... وموافقتها لمذهب الشافعي وأبي حنيفة وأبي يوسف... القاضية بعدم إرادة الوجوب من تلك الأوامر أعرض الأصحاب عنها، ورجّحوا غيرها عليها، فحملوا الأمر فيها على إرادة التخلّص عن الكراهة »(2).
ومن الثاني: ما في الجواهر في مقام نفي الاستحباب للموافقة للعامّة، قال: « والظاهر: عدم استحباب الوضوء بأكل ما مسّته النار، أو لمس النساء، أو أكل لحم الجزور... لأنّ كثيراً من هذه الأشياء ذهب إليه بعض العامّة... ولكن بعض منها فاقد للدليل، والبعض الآخر متروك العمل به ولو على جهة الاستحباب بين الأصحاب، وأنا وإن تسامحنا في أدلّة السنن، لكن لا إلى هذا المقدار »(3) أي: إلى مقدار الحكم بالاستحباب فيما وافق العامّة وتركه الأصحاب.
وفي الجواهر أيضاً في موارد كثيرة ذكر التقابل بين الحمل على التقية، وبين الحمل على الاستحباب، ممّا هو كالصريح في أنّ الخبر المحمول على التقية لا مجال له في الحمل على الاستحباب.
فمنها: بالنسبة للروايات الظاهرة في ناقضية المذي للوضوء، قال: « مع أنّ المعروف بين العامّة ناقضيته للوضوء، إلى أن قال: ويمكن حمل هذه الأخبار على الاستحباب، ثمّ قال: وتقدّم لنا سابقاً الكلام في ترجيح الحمل على التقية أو الاستحباب »(4).
ومنها: بالنسبة للودي، قال في الجواهر: « وما وقع في بعض الأخبار من الوضوء منه إمّا محمول على التقية، أو الاستحباب... »(5).
ومنها: غير ذلك ممّا تطفح به كتب الفقه في الأبواب المختلفة مثل أبواب: النجاسات، المفطرات، مبطلات الصلاة، كفّارات الإحرام، ما فيه الزكاة، نواقض الوضوء، الغسل، الكفّارات، وغيرها وغيرها.

حاصل الكلام

والحاصل: أنّه مع الحمل على التقية لأي سبب كان ـ سواء للتعارض وكون أحد المتعارضين موافقاً للعامّة والآخر مخالفاً، أم للقرائن على التقية بدون تعارض، كجراب النورة، وقوله (عليه السلام): « أمّا ابن أبي ليلى، فلا أتمكّن من ردّه » ونحوها ـ لا يبقى أثر عملي للخبر رأساً، فيلغو شمول دليل الحجّية له كي يعارض ما دلّ على خلاف التقية.

نقد وتقييم

أقول: أقسام هذا ثلاثة:
1. ما يحرز وجداناً ـ أو دليلا ـ صدور الآخر تقية، ومعه لا مجال للحمل على حكم لا اقتضائي، أو مرتبة من مراتب اللاّ اقتضاء، لعدم الوجه له.
2. ما يحرز وجداناً أو دليلا ـ ولو من عمل الفقهاء، والجبر السندي أو الدلالي ـ أنّ الآخر يراد به حكم لا اقتضائي، فلا ينبغي ردّه.
3. ما يشكّ في الأمرين، لاحتمال أن يكون الموافق للعامّة موافقاً للواقع بمرتبة، مثلا: العامّة قالوا بالحرمة، ولكن الحكم الواقعي الكراهة أو أنّهم قالوا بالوجوب، والحكم الواقعي الاستحباب.
فالظاهر: ثبوت الاستحباب العقلي ـ أي: الانقياد ـ بذلك، دون الشرعي، اللهمّ إلاّ إذا قيل بشمول قاعدة التسامح لمثله، إمّا من باب قاعدة: كلّما حكم به العقل حكم به الشرع، أو من باب صدق البلوغ للبلوغ العقلي، وكلاهما محلّ إشكال كما تقدّم آنفاً في عبارة الجواهر، وتفصيل قاعدة التسامح قد تقدّم في بابه.

القسم الثاني

ثانيها: عكس الأوّل، وهو وجوب العمل بتمام مدلول الدليل الآخر، كما كان قبل الجمع العرفي، لعدم التنافي بين الدليلين لا في مقام الجعل، ولا في مقام المجعول، وإنّما التنافي بينهما في مقام الفعلية، نظير موارد الجمع العرفي بالورود، مثل: (وَحَرَّمَ الرِّبَا)(6) مع: « ليس بين الرجل وولده ربا »(7) حيث إنّ محمول الأوّل: الحرمة، ومحمول الثاني: نفي كونه ربا، فلا تنافي بين الحرمة، وبين نفي الربوية.
أجل، لا تنافي بينهما لا في مقام الجعل: لأنّ إثبات ونفي الربوية، لا ينافيان الحرمة والحل، إذ المنافي لاثبات الربوية نفيها، وبالعكس، والمنافي للحرمة نفيها أو جعل الحلّ، وبالعكس.
ولا في مقام المجعول بما هو مجعول: لأنّ المجعول انفعال الجعل، فإذا لم يتناف الجعلان لم يتناف المجعولان.
نعم، يتنافيان في مقام الفعلية، إذ لازم نفي الربوية، عن الزيادة بين الوالد والولد، عدم حرمتها، وهذا اللازم ينافي حرمة الزيادة بنحو مطلق.

القسم الثالث

ثالثها: وجوب العمل بتمام الدليل المقدّم، وبعض الدليل الآخر، كموارد التخصيص والتقييد، حيث إنّ الدليل المقدّم هو المخصّص والمقيّد يعمل بتمامه، والدليل الآخر وهو العام والمطلق يعمل ببعض مدلولهما وهو واضح.

القسم الرابع

رابعها: أن يتجدّد للدليل المغلوب معنى يغاير معناه الأوّل، ويكون ظهور معنى الدليل المغلوب ساقطاً بأظهرية معنى الدليل الغالب، فالدليل الغالب ـ في الحقيقة ـ هو المعيّن للمعنى الجديد، كما في أمثلة الحكومة التي هي في معنى: أعني ـ على ما ذكره الشيخ (رحمه الله) وغيره ـ مثل: « إذا شككت فابن على الأكثر » مع: « لا شكّ للإمام والمأموم مع حفظ الآخر » حيث إنّ المعنى الأوّل للبناء على الأكثر موضوعه مطلق الشكّ ـ أعمّ من حفظ الآخر وعدمه ـ وهذا الظهور يسقط بأظهرية الحديث الثاني، ويكون معنى الحديث الأوّل (أعني: في غير الإمام والمأموم). وهذا نظير القسم الثالث ـ وهو التخصيص والتقييد ـ إلاّ أنّ الفرق بينهما: أنّ في القسم الثالث تقييد الحكم، وفي القسم الرابع تقييد الموضوع، وإن كان الأثر واحداً.

القسم الخامس

خامسها: نفس الرابع، مع كون الدليل المغلوب هو المعيّن للمعنى الجديد، وهذا إنّما يتمّ فيما كان للدليل المغلوب أكثر من معنى ـ وإن كان ظاهراً في أحدها، وهو الذي عارضه فيه الدليل الغالب ـ.
ثمّ إن كان المعنى الجديد هو الوحيد بعد سقوط المعنى الأوّل بالمعارضة فبها، وإلاّ كان إثبات أحد تلك المعاني من بينها بحاجة إلى قرينة معيّنة، كصيغة الأمر في التسخير، والامتحان، والتهديد، وغيرها.
ومثاله: حمل دليل الأمر على الاستحباب بعد مجيء الترخيص، فإنّه يختلف نحو ذلك باختلاف المباني.
أ ـ فعلى مبنى المحقّق النائيني (رحمه الله) ـ ومن سبقه ولحقه ممّن ذهب مذهبه ـ من كون الوجوب مستفاداً من الدليل العقلي دون لفظ الصيغة لأنّها لمجرّد الطلب على نحو اللاّ بشرط، فيكون ورود الرخصة في مورد الأمر وارداً على حكم العقل بالوجوب، لعدم بقاء موضوع لحكم العقل بعد الترخيص المولوي ـ لأنّ العقل موضوع حكمه بالوجوب عدم مانع عن الوجوب، والترخيص مانع، فلا موضوع ـ.
فيكون هذا مصداقاً للقسم الثاني حيث إنّ الجمع العرفي لا يوجب أيّ تصرّف في شيء من الدليلين بمفاد ألفاظهما.
ب ـ وعلى مبنى من يقول باستفادة الوجوب من لفظ صيغة الأمر بسبب اطلاق الصيغة ـ وعدم تقييدها ـ ببركة مقدّمات الحكمة، فيكون الجمع العرفي مصداقاً للقسم الثالث، الذي يبقى شيء من الدليل المغلوب، لأنّ أصل الطلب بعض مدلول الوجوب، نظير العام والخاص، والمطلق والمقيّد.
ج ـ وعلى مبنى من يقول بأنّ الوجوب مستفاد من الوضع، فدليل الترخيص يصرفه عن الموضوع له إلى الاستحباب، وحيث إنّه لصلاحية صيغة الأمر لذلك، فالجمع العرفي أوجب التصرّف في الدليل المغلوب بما يعيّنه نفس المغلوب، فيكون من قبيل القسم الخامس.


تتمّات الملحق الأوّل

التتمّة الأُولى

حيث إنّ الجمع العرفي بين لفظين متعارضين ـ بالنظرة الابتدائية ـ مبتن على القرائن الحالية أو المقالية، أو الانصرافات المرتكزة في الذهن من العبارات والقرائن، ونحو ذلك، فلذا لا ضابطة خاصّة للجموع العرفية بحيث يحصر الأمر فيها، ولا يتعدّاها، بل الأمر يرجع إلى فهم الشخص، والاستظهار من عبارات القرآن الحكيم، أو الروايات الشريفة.
ومن أجل ذلك ترى الفقهاء منذ الصدر الأوّل حتّى اليوم يختلفون كثيراً في أصل الجمع العرفي، أو في حدوده أو في تشخيصه في كلّ مقام بين الاثبات والنفي، أو التفصيل بتفاصيل مختلفة أيضاً، وما ذلك إلاّ لأجل أنّ الأمر في الجموع العرفية يرجع إلى الاستظهارات الشخصية.
فكما أنّ الاستظهار في الكلمات أو الجمل يختلف، كصيغة الأمر والاستثناء المتعقّب لجمل، ونحوهما، كذلك في الجمع بين الظواهر المختلفة.

موارد من الجموع المتنوّعة
المورد الأوّل

وبالاستقراء يمكن ذكر موارد متنوّعة من الجموع من غير حصر:
منها: الجمع بينهما بحملهما جميعاً على خلاف ظواهرهما، والتصرّف في كليهما لا في أحدهما بالحمل على الرخصة، واللاّ اقتضاء، كما ذكره الشيخ (رحمه الله)في مسألة الجمع بين: « ثمن العذرة سحت » وبين: « لا بأس ببيع العذرة » من أنّ بعضهم جمع بين الأمر والنهي بحمل الأمر على الاباحة، والنهي على الكراهة، وأشكل آخرون على هؤلاء: بأنّ العلاج في الخبرين المتنافيين على وجه التباين الكلّي الرجوع إلى المرجّحات الخارجية، ثمّ التخيير أو التوقّف، لا الغاء ظهور كل منهما(8).
الشاهد في أنّ جمعاً حمل الأمر الظاهر في الوجوب، والنهي الظاهر في الحرمة، على خلاف ظواهرهما.
والذين أشكلوا على هؤلاء إنّما أشكلوا في الصغرى لا في الكبرى، فالكبرى مسلّمة في نفسها، مع أنّ في مورد تعارض الأمر والنهي نصّاً خاصّاً بتركهما، وهو مرسل الاحتجاج عن الإمام الصادق (عليه السلام): « يرد علينا حديثان: واحد يأمرنا بالأخذ به، والآخر ينهانا عنه، قال (عليه السلام): لا تعمل بواحد منهما حتّى تلقى صاحبك فتسأله، قلت: لابدّ أن نعمل بأحدهما، قال: خذ بما فيه خلاف العامّة »(9).
والنصّ وإن كان مرسلا، إلاّ أنّه معمول به في الجملة ـ كما تقدّم ـ وهذا ربما يكشف عن أنّ مورد النصّ ـ ولو بمناسبة الحكم والموضوع ـ ما لا جمع عرفي بينهما، ومورد كلام هؤلاء ما فيه الجمع العرفي بالحمل على الاباحة والكراهة، فتأمّل.

المورد الثاني

ومنها: الجمع بالتصرّف في الدليلين، بالحمل على اللاّ اقتضاء في كليهما كما ذكر الشيخ الأنصاري (رحمه الله) في مسألة تدليس الماشطة، ووصل الشعر بالشعر بنحو مطلق، وعن وصل شعر المرأة، فقال: « ويمكن الجمع بين الأخبار بالحكم بكراهة وصل مطلق الشعر ـ كما في رواية عبدالله بن الحسن ـ وشدّة الكراهة في الوصل بشعر المرأة »(10).
ومثل الشيخ الأنصاري (رحمه الله) إذ يجمع بهذا الجمع لابدّ أنّ نظره إلى أنّه جمع عرفي يفهمه العرف ويستظهره من الخبرين.

المورد الثالث

ومنها: ما يمكن فيه جمعان، يعني: يساعد العرف بعد ملاحظة الطرفين على الجمع بينهما بوجهين، فقد نقل الشيخ (رحمه الله) أيضاً في بحث الغناء وموضوعه عن المحقّق السبزواري وقال: « والموجود فيها (أي: في الكفاية) بعد ذكر الأخبار المتخالفة جوازاً ومنعاً في القرآن وغيره: أنّ الجمع بين هذه الأخبار يمكن بوجهين »(11) ثمّ نقل الشيخ الوجهين.

المورد الرابع

ومنها: ما يجمع بين المتعارضين ـ بدواً ـ بالعمل بهما جميعاً، والغاء التعيين الذي هو ظاهر كلّ واحد منهما، فقد ذكر الشيخ (رحمه الله) في مسألة مجهول المالك، بالنسبة إلى أدلّة التصدّق به، وبالنسبة إلى أدلّة الدفع إلى الحاكم الشرعي، قال: « وقد يقال: إنّ مقتضى الجمع بينه وبين دليل ولاية الحاكم هو التخيير بين الصدقة والدفع إلى الحاكم، فلكلّ منهما الولاية... »(12).

المورد الخامس

ومنها: الجمع بتقديم ما ظرفه الشكّ على ما موضوعه الشكّ، كتقديم الأمارات المعتبرة على الأُصول الشرعية، قال في الكفاية أوّل بحث التعارض(13): « لا يكاد يتحيّر أهل العرف في تقديمها عليها (الأمارات على الأُصول) بعد ملاحظتهما حيث لا يلزم منه (من هذا التقديم) محذور وتخصيص أصلا، بخلاف العكس (تقديم الأُصول على الأمارات) فإنّه يلزم منه محذور التخصيص بلا وجه، أو بوجه دائر ».
أقول: قوله: « بلا وجه » حيث إنّه إذا خصّصنا الأمارة بالأصل الشرعي، لا يبقى للأمارة إلاّ مورد الاطمئنان بصدقها، ومعه لا وجه لجعل الأمارة.
وقوله: « أو بوجه دائر » هذا إذا عمّمنا الأمارة لموارد الشكّ أيضاً، فإذا خصّصناها بالأصل الشرعي، كان بيانه ـ مثلا ـ في البراءة: حجّية البراءة في مورد خبر الثقة متوقّف على تخصيصها لخبر الثقة، وتخصيصها لخبر الثقة متوقّف على حجّية البراءة في مورد خبر الثقة.
ومنها: غير ذلك ممّا تمليه المناسبات بين الأحكام وموضوعاتها، والظواهر المستفادة من جمع الروايتين، أو الآيتين، أو الملفّقتين، وغير ذلك.

التتمّة الثانية

الاحتياط ليس جمعاً عرفياً، بل هو احتياط، والفرق بينهما: أنّ في موارد الجمع العرفي يفهم العرف من مجموع الدليل ما لا يفهمه من كلّ واحد منهما على انفراده، وفي الاحتياط عدم فهم وشكّ.
وبعبارة أُخرى: في الاحتياط اشتباه الحجّة بغير الحجّة، وفي الجمع العرفي جمع حجّتين يكشف كلّ منهما على إرادة شيء آخر من الآخر.
ولا فرق في ذلك بين الاحتياط اللازم كأطراف العلم الاجمالي، كالجمعة والظهر، وغير اللازم، كالعمل بالخبر غير المعتبر سنداً، أو غير الظاهر دلالة، ونحوهما.

التتمّة الثالثة

الجمع العرفي ليس خاصّاً بالأدلّة الألزامية، بل يأتي في اللاّ اقتضائية أيضاً، إذ موضوعه ظهور جمع الدليلين في غير ما يظهر من كلّ منهما لدلالة الآخر، وهذا ليس خاصّاً بالاقتضائيات.
ولذا نرى الفقهاء يجمعون في المستحبّات والمكروهات بين الأدلّة المتعارضة ـ تعارضاً بدوياً ـ جموعاً عرفية بما يكشف عن عدم تعارضها نظير التخيير في نافلة الصبح بين قراءة الجحد في الركعة الأُولى والتوحيد في الثانية أو العكس، مع أنّ كلّ رواية قد عنيت إحداهما بالخصوص.
ونظير ذلك جمع الروايات في أوقات الفضيلة للفرائض والنوافل، ومستحبّات ومكروهات العقود، والنكاح والطلاق، وغيرها.
كما أنّ الجمع العرفي ليس خاصّاً بالأدلّة التكليفية، بل يعمّ الوضعيّات أيضاً، كأدلّة ملك العبد وعدمه، وأدلّة ولاية البكر وأبيها في النكاح، وأدلّة انفعال القليل وعدمه، وأدلّة نجاسة الكتابي وطهارته، وغيرها كثير، إذ اختلاف المدلول والمتعلّق، لا يؤثّر في الدلالة، فملاك الجمع العرفي الدلالة، والوضعية والتكليفية مرتبطتان بالمدلول.

التتمّة الرابعة

الجمع العرفي يجب أن يحرز بعلم أو علمي من داخل الدليلين أو خارجهما، فإذا لم يتوفّر العلم ولا العلمي لا من الداخل ولا من الخارج، فأيّ جمع آخر مبني على الظنّ، أو خصوص القياس، أو الاستحسان، ونحو ذلك ليس عرفياً، وإنّما هو جمع تبرّعي تبرّع الجامع به، ويطلق عليه احتراماً للأعاظم (عليهم السلام) بالتورّعي، المنسوب إلى الورع في العمل بالخبرين ولو في بعض مداليلهما، ودأب الكثير من القدماء على ذلك، فتراهم يجمعون بما لا شاهد له ـ من علم ولا علمي ـ من داخل الدليلين ولا من خارجهما.
قال الشيخ الأنصاري (رحمه الله) في الجمع بين أدلّة جواز وحرمة بيع العذرة، بعد ذكر عدّة جموع: « والأظهر ما ذكره الشيخ (رحمه الله) لو أُريد التبرّع بالحمل، لكونه أولى من الطرح »(14).
والمراد بذلك ما ذكره الشيخ الطوسي (رحمه الله): من حمل رواية الحرمة على عذرة الإنسان، ورواية الجواز على عذرة البهائم(15).

التتمّة الخامسة

لا يشترط في الجمع العرفي قصد المتكلّم من أحد الكلامين القرينية على الآخر، مثل: رأيت أسداً يرمي، بل حتّى إذا لم يقصد بل لم يلتفت، أو تصوّر العدم، يتمّ الجمع العرفي إذا كان ظاهراً عرفاً، وبهذه الطريقة يجمع عرفاً بين أقارير شخص واحد، ليستفاد منه ما لم يقصده المقرّ.

التتمّة السادسة

ملاك الجمع العرفي: اقوائية الظهور، حتّى في العام والخاص، فإذا كان العام أقوى كالظهور في الرخصة مطلقاً، والخاص أضعف ظهوراً، قدّم العام.
وعن النائيني: تقديم الخاص وإن كان أضعف ظهوراً، إذ الخاص بمنزلة القرينة، كما إذا فُرضا في كلام واحد.
ومثل المحقّق النائيني لذلك: بأسد، ويرمي، حيث قال: لا إشكال في اقوائية ظهور الأسد في المفترس لأنّه بالوضع، من يرمي في الرمي بالنبل لأنّه بالاطلاق، ومع ذلك يقدّم الأضعف على الأقوى، وملاك ذلك مجرّد القرينية، لا الاقوائية.
وفيه أوّلا: يرمي أقوى ظهوراً ولو لأظهرية الرمي في بعض أفراده، من الموضوع له، لكثرة استعماله في المجازي.
وثانياً: ربما يشكّك في الظهور العرفي، وإنّما ذلك مثال بين أهل الفن.

التتمّة السابعة

قاعدة: الجمع مهما أمكن أولى من الطرح، تعرّض لها الشيخ الأنصاري (رحمه الله) تبعاً لبعض المتقدّمين عليه، وتبعه عليه معظم المتأخرين عنه.
وأسهب بعضهم في النقض والإبرام فيها كالمحقّق الآشتياني واختصرهما آخرون.
وخلاصة الحديث عنها تتمّ في بيان مطلبين:
1. الدليل عليها.
2. والمراد منها.


هنا مطلبان

المطلب الأوّل

أمّا المطلب الأوّل: وهو الدليل على قاعدة الجمع مهما أمكن أولى من الطرح، فعمدة ما استدلّ به عليها ما ذكره المحقّق الآشتياني من وجوه ثلاثة:

الاستدلال للقاعدة من وجوه
أوّل الوجوه

أحدها: الإجماع المنقول عن ابن أبي جمهور في العوالي، ويظهر من غيره.
وفيه: إن أُريد بالجمع، الجمع في الجملة على نحو القضية المهملة، المتيقّن منه صور الجمع العرفي، المتّفق عليها، كالعام والخاص، والمطلق والمقيّد، ونحوهما، فلا يجدي في ضرب قاعدة كلّية، ولا ينفع في موارد الشكّ التي هي المهمّ في بحث القواعد والأُصول العامّة، سواء أُريد بالأولوية: اللزومية، أم اللاّ اقتضائية.
وإن أُريد بالجمع، الكلّية، والاطلاق، وإن لم يساعد العرف عليه، فالإجماع بالنسبة إليه مقطوع العدم، بل ما قاله الشيخ الأنصاري: من صحّة ادّعاء الإجماع على فساده ناقلا لذلك عن املاء الوحيد البهبهاني (رحمه الله)، في محلّه سواء أُريد بالأولوية: الاقتضائية، أم اللاّ اقتضائية.

ثاني الوجوه

ثانيها: ما عن العلاّمة (رحمه الله) في النهاية: من أنّ دلالة اللفظ على تمام المعنى أصلية، وعلى جزئه تبعية، وإهمال الثاني اللازم على تقدير الجمع، أولى من إهمال الأوّل اللازم على تقدير طرح أحدهما أو كليهما.
وفيه أوّلا: هذا إنّما يصحّ ـ ولعلّه لا إشكال فيه ـ إذا دار الأمر بين طرح أحد الدليلين مطلقاً والعمل بالآخر فقط، وبين العمل بأحدهما مطلقاً وبالآخر جزئياً، كما في العام والخاص، والمطلق والمقيّد، ونحوهما.
وأمّا إذا دار الأمر بين طرح أحدهما مطلقاً والعمل بالآخر كلا، وبين طرح كليهما جزئياً مع العمل بهما جزئياً، فلا كلّية في تقديم الثاني.
وثانياً: أنّ هذا ـ على فرضه ـ استحسان، والمعتمد ما دلّ على التساقط، أو الترجيح، أو التخيير.

ثالث الوجوه

ثالثها: ما عن الشهيد الثاني (رحمه الله) في تمهيد القواعد: « من أنّ الأصل في الدليلين الإعمال، فيجب الجمع مهما أمكن، لاستحالة الترجيح من غير مرجّح »(16).
وفيه ـ مضافاً إلى أنّ غير المعقول هو الترجّح بلا مرجّح، لا الترجيح، لأنّه يكفي في معقوليته الدواعي النفسانية ـ: أنّه على القول بالترجيح فدليل الترجيح مرجّح، وعلى القول بالتخيير فلا رجحان.
نعم، قوله (رحمه الله): « الأصل في الدليلين الإعمال » لعلّ وجهه: أنّ مقتضى الاطلاق في الدليلين الحجّية حتّى في صورة المعارضة، فيجب إعمالهما بالقدر الممكن وهو الجمع بينهما كيفما أمكن.
ثمّ إنّ المحقّق الآشتياني نقل عن بعض فضلاء العصر إنكاره لهذه القاعدة جملة وتفصيلا، وأنّ: « ترك الجمع مهما أمكن أولى من الجمع » إذ المبنى في حجّية الحجج: إمّا الطريقية، أو السببية، وعلى الأُولى: فاللازم التساقط، فلا يجوز الأخذ بشيء منهما، وعلى الثانية: فالعقل يحكم بالتخيير، فلا وجه للأخذ بكليهما.
وفيه: أنّ القائل بالجمع يقدّمه على التساقط والترجيح والتخيير، ففي الحقيقة هي في طول الجمع لا في عرضه.

المطلب الثاني

وأمّا المطلب الثاني: وهو المراد من قاعدة الجمع مهما أمكن أولى من الطرح، فإنّها تتضمّن أربع كلمات: الجمع، وأمكن، وأولى، والطرح، فينبغي بحثها:

كلمة: الجمع في القاعدة

أمّا الجمع: فهل المراد به مطلق الجمع ولو جزئياً، أو الجمع مطلقاً ؟
الثاني: غير ممكن لفرض التعارض، فيبقى الأوّل، وله مراتب لا إشكال في عدم إرادة الجمع بأيّ وجه كان، كما في الأمر بصلاة الجمعة والنهي عنها، بالجمع بإرادة الصيف من الأوّل، والشتاء من الثاني، أو العكس، وإنّما يراد الجمع الذي يساعد عليه العرف، ومع اختلافه، أو تعدّد احتماله ـ كما في: « ثمن العذرة سحت » مع « لا بأس ببيع العذرة » ـ إمّا ينتخب الأقل تصرّفاً في الظاهرين إذا كان هناك أقلّ وأكثر، ومع العدم يخيّر، أو يخيّر مطلقاً.

موارد للبحث
أوّل الموارد

وهنا موارد للبحث:
الأوّل: هل هذه القاعدة تأتي في القطعيين من السنّة، أو الآيتين الشريفتين من القرآن، أم تختص بالظنّيين ؟
صرّح المحقّق الآشتياني بالثاني، ونقل التصريح بالأوّل من بعض أفاضل من عاصره.
ولعلّ الخلاف لفظي، من أجل لفظة: « الطرح » في القاعدة، حيث إنّ من نفى لاحظ أنّه لا ينسجم الطرح مع القطع بالصدور، وإن من أثبت نظر إلى ظاهر القطعي لا سنده.
وربما ينفى التعارض بين القطعيين ـ كما تقدّم في أوائل البحث عن التعارض ـ ولكنّه مع إرادة الظاهرين منهما لا إشكال فيه، وما أكثره كقوله تعالى: (وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ)(17) مع قوله تعالى: (مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَة فَمِنَ اللهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَة فَمِنْ نَفْسِكَ)(18).

ثاني الموارد

الثاني: هل الجمع بحاجة إلى دليل عليه ؟ صريح « مهما أمكن »: عدم الاحتياج، وصريح بعض أفاضل من عاصره المحقّق الآشتياني: الاحتياج، وعلّله: بأنّ الأصل في المتعارضين التساقط، ومقتضاه: أنّه لا يخرج عن هذا الأصل إلاّ بدليل.
الظاهر: الأوّل، ولذا تقدّم أنّه لا دليل وجيه للقاعدة من رأس، وإلاّ فإن كان في مورد الجمع دليل ـ في أصله، أو في شخصه ـ فلا إشكال فيه.
وبعبارة أُخرى: الكلام في هذه القاعدة في موارد عدم وجود الدليل الخاص على الجمع إمّا أصلا أو شخصاً، ولذا تقدّم منّا: أنّ هذه القاعدة في طول أُصول: التساقط، والتخيير، والترجيح.

ثالث الموارد

الثالث: الجمع قد يكون مقابل الأصل الأوّلي ـ التساقط ـ فمعناه: عدم التساقط، وإن أوجبه سقوط سند أحدهما أو ظهور أحدهما، أو ظهوريهما بالتصرّف فيهما جميعاً بإرادة الجواز من النهي، والاستحباب من الأمر، أو العكس، كما في الأمر بصلاة الظهر والجمعة.
وقد يكون مقابل الأصل الثانوي ـ الترجيح والتخيير ـ فمعناه: أنّ الجمع أولى من الترجيح الذي لازمه طرح المرجوح، ومن التخيير الذي لازمه طرح أحد الخبرين لا على التعيين.
والتساقط إنّما لتنافي الظهور بدواً، ويمتنع جعل حكمين متنافيين، ومع رفع اليد عن أحد الظهورين أو كلا الظهورين، يكون التعبّد بصدورهما تعبّداً بالمتلائمين، لا بالمتنافيين.
وحينئذ: فيستشكل بأنّه ما هو المرجّح للتعبّد بالصدور، دون التعبّد بالظهور، وحيث لا يمكن التعبّد بالظهورين، فلا يمكن التعبّد بالصدورين(19)؟
أقول: المرجّح هو الفهم العرفي، نظير بقية موارد التعبّد بالصدور، للتصرّف في الظهور، كما في العام والخاص، والمطلق والمقيّد، ونحوهما، وأمّا التخيير والترجيح، فهل يتوقّف على ملاحظة الأخبار العلاجية أم لا ؟ ذكر الشيخ (رحمه الله) في الرسائل ذلك، وأشكل عليه الآخوند (رحمه الله) في حاشية الرسائل.
مقتضى الإجماع على أحدهما ـ في مقابل التساقط ـ ذلك.

كلمة: أمكن في القاعدة

وأمّا الإمكان: ففي حاشية المحقّق الآشتياني (رحمه الله): « أنّ كلماتهم غير نقية عن التشويش والاختلاف في المراد منه ».
ولكن صريح الشيخ، كصريح وظاهر آخرين، ومنهم معظم من بعد الشيخ (رحمه الله): بأنّ المراد منه الامكان العرفي مقابل الامتناع العرفي.
إذ الامكان ـ استقراءً ـ إمّا عقلي أو شرعي أو عرفي، والأوّلان غير صحيحين، إذ العقلي لا يبقي مجالا لأدلّة الترجيح والتخيير، والشرعي مع وجود الدليل عليه لا حاجة إلى قاعدة: الجمع مهما أمكن ومع عدم الدليل فليس شرعياً.
فيبقى العرفي، الذي هو مقتضى الحمل الأوّلي في العبارات، ما لم يدلّ عليه دليل.
لكن الذي يظهر من عمل الفقهاء في الفقه، حتّى أمثال العلاّمة والشهيدين (رحمهم الله) خاصّة المتقدّمين منهم كالصدوق، والشيخ الطوسي، وغيرهما (قدس سرهما) هو محاولة الجمع ولو بالتأويل البعيد الذي لا ينسبق إلى ذهن العرف من جمع اللفظ، ويكون مبناه بعض المناسبات المستنبطة.
وقد مثّل لذلك المحقّق الآشتياني بما إذا حمل العلماء في أكرم العلماء على العدول، وفي لا تكرم العلماء على الفسّاق.
هذا كلّه في الامكان التفصيلي، وأمّا الإمكان الاجمالي، بحمل الروايتين على معاني توجب اجمالهما، فتسقطان عملا، ويرجع في موارد مثله إلى الأُصول العملية.
وهذا الامكان ما قال عنه المحقّق الآشتياني: « فالظاهر: أنّه ليس مراداً من القاعدة اتّفاقاً، لأنّه يوجب سدّ باب الترجيح والتخيير، والهرج والمرج، وفقهاً جديداً قطعاً، وإن أوهمه بعض كلمات شيخنا في الكتاب... ».

كلمة: أولى في القاعدة

وأمّا الأولوية: فظاهرها بمعنى التفضيل الذي هو لازم عدم اللزوم، نعم يستعمل بمعنى اللزوم أيضاً كقوله تعالى: (وَأُوْلُوا الاَْرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْض فِي كِتَابِ اللهِ)(20) ولكنّه ـ ظاهراً ـ مجاز خلاف المتبادر من مادّة الأولوية وبحاجة إلى قرينة.
إلاّ أنّ المتعيّن هو الأوّل لأمرين:
أحدهما: اللاّ خلاف ظاهراً الذي نقله المحقّق الآشتياني(21) قال: « ولم يخالف فيه أحد ظاهراً ».
وفيه: ما لا يخفى صغرى كبرى.
ثانيهما: أنّ الأولوية هنا بمعنى التفضيل ومرجعه في كثير من الموارد إلى التخيير بين الوجود والعدم، وهو غير صحيح في الالزاميات، لكونه خُلفاً.

كلمة: الطرح في القاعدة

وأمّا الطرح: فقد تقدّم في الجمع المقابل للطرح أنّه إمّا مقابل لطرح كلا الدليلين، أو مقابل لطرح أحدهما معيّناً للترجيح، أو غير معيّن للتخيير، فلا نعيد.
والحاصل: أنّ الجمع مهما ساعد عليه العرف ـ سواء بالتصرّف في أحدهما، كالعام والخاص، والمطلق والمقيّد، أو بالتصرّف فيهما جميعاً، كالعامين من وجه، مثل: أكرم العلماء، ولا تكرم الفسّاق ـ فهو أولى بمعنى اللزوم، وهو خارج موضوعاً عن أدلّة التعارض والترجيح والتخيير.
وإن لم يساعد عليه العرف كان تعارضاً، ويخضع لقواعد التعارض على المباني المختلفة فيه.
هذا تمام الكلام باختصار في هذه القاعدة، وقد فصّل بعضهم ـ كالمحقّق الآشتياني وآخرين ـ كثيراً، ولعلّه غير لازم، فمن أراد التفصيل الأكثر رجع إليه.


الملحق الثاني

الثاني من ملحقات الخاتمة: لا ترجيح لأحد المتنين على الآخر ـ في غير ما إذا توفّرت قرائن داخلية أو خارجية أو ملفّقة أوجبت الاطمئنان النوعي أو الشخصي بالترجيح ـ بالمرجّحات التي ذكرها الأصحاب تبعاً لغيرهم، بدءاً من الشيخ في العدّة، وانتهاءً بأساتيذ الشيخ الأنصاري ومعاصريه كالسيّد المجاهد في مفاتيحه، وشريف العلماء في تقارير دروسه، والشيخ (رحمه الله)، وآخرين (رحمهم الله).
ويدلّ على عدم الترجيح أُمور:
1. عدم بناء من العقلاء على ذلك بحيث يرون المرجوح متناً غير حجّة، نظير ما يعامل العقلاء مع المرجّحات الدلالية، كالعام والخاصّ، حيث يرون العام غير حجّة في مورد الخاصّ.
إذن: فهذه المرجّحات لا تؤسّس ظهوراً، ولا تهدم ظهوراً، وإنّما هي استحسانات محضة.
2. إطلاقات أدلّة التخيير والترجيح والارجاء والتوقّف في مواردها، فإنّها شاملة لموارد المرجّحات المتنية، ولا موجب من عقل، أو بناء عقلاء، أو خصوص شرعي، لتقييد تلك المطلقات بهذه المرجّحات المتنية.
3. عدم التزام القائلين بهذه المرجّحات في الأُصول ـ وهم العشرات من الأُصوليين في العشرات من الكتب ـ في الأحكام الشرعية، فقلّما تراهم يذكرون هذه المرجّحات في الفقه، فلا يبنون عليها غالباً، بل لا يذكرونها غالباً حتّى بعنوان المؤيّد.


(1) الجواهر: ج1 ص23 و24.
(2) الجواهر: ج6 ص86 ـ 88.
(3) الجواهر: ج1 ص26.
(4) الجواهر: ج1 ص113 و114.
(5) الجواهر: ج1 ص114.
(6) البقرة: 275.
(7) الوسائل: الباب 7 من أبواب الربا، ح1.
(8) المكاسب: ص4 بخطّ طاهر.
(9) الوسائل: الباب 9 من أبواب صفات القاضي، ح42.
(10) المكاسب: ص21 بخطّ طاهر.
(11) المكاسب: ص38 بخطّ طاهر.
(12) المكاسب: ص71 بخطّ طاهر.
(13) الكفاية: ص438 الطبعة الجديدة.
(14) المكاسب: ص4 بخطّ طاهر.
(15) المكاسب: ص4 بخطّ طاهر.
(16) بحر الفوائد للآشتياني: التعارض، ص15.
(17) النساء: 78.
(18) النساء: 79.
(19) النهاية: ص301 رقم 17.
(20) الأنفال: 75.
(21) الآشتياني: ص15.