تعارض الاطلاقين: الشمولي والبدلي

2. ومنها: تعارض الاطلاق الشمولي مع الاطلاق البدلي، فقد ذكر جماعة ومنهم: المحقّق النائيني (رحمه الله): أنّ النسبة بين الاطلاق الشمولي والاطلاق البدلي هي: النسبة بين العموم والاطلاق، وذلك: لأنّ الاطلاق الشمولي يصلح قرينة على خلاف الاطلاق البدلي، فلا ينعقد ـ مع الشمولي ـ للبدلي ظهور في الاطلاق، كما بين: أكرم عالماً، ولا تكرم الفاسق، حيث إنّ اطلاق الفاسق الشمولي لا يدع مجالا للاطلاق في « عالماً » وذكر لذلك وجوهاً(1):


وجوه تقديم الاطلاق الشمولي

الوجه الأوّل

أحدها: أنّ الاطلاق الشمولي وإن تعلّق بالطبيعة السارية، إلاّ أنّه بالملازمة العقلية ينحلّ بعدد الأفراد، بخلاف الاطلاق البدلي، فإنّه متعلّق بالطبيعة على نحو صرف الوجود، وتقديم الاطلاق البدلي على الشمولي يوجب تقليل أفراد الشمولي وإخراج بعض أفراده، بخلاف العكس فإنّ تقديم الشمولي يوجب تضييق دائرة البدلي، لأنّ البدلي كان عبارة عن فرد واحد، وبقي بعد تقييده بالشمولي فرداً واحداً، إلاّ أنّه كان شاملا لأيّ فرد، والآن أصبح لفرد دون آخر.
مثلا: (فَكُّ رَقَبَة)(2) شامل ـ على سبيل البدل ـ للمؤمنة والكافرة، و (لاَ تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ)(3) شامل لكلّ مصاديق الخبيث على سبيل الشمول: خبيث الرقبة وهو الكافر، وخبيث الطعام وهو الفاسد، وخبيث النقد وهو المغشوش، وهكذا، فإذا قيّدنا الرقبة بـ (لاَ تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ) كانت إطاعة « الرقبة » ضمن فرد واحد قبل التقييد وبعد التقييد، وإنّما قبل التقييد كان مخيّراً بين المؤمنة والكافرة، والآن بعد التقييد صار معيّناً عليه المؤمنة.
أمّا العكس: وهو تقييد « الخبيث » بـ: « إطلاق الرقبة » فإنّه يخرج بعض أفراد « الخبيث » وهو الكافر.

مناقشة الوجه الأوّل

وفيه أوّلا: هذا استحسان، ولا يوجب الأظهرية التي يُلزم العرف بالتصرّف في البدلي بالخصوص بالتقييد، لأجل الشمولي.
وثانياً: الاطلاق البدلي أيضاً شمولي بالنسبة إلى الافراد، فكما أنّ من حقّ المولى أن يأمر بفكّ رقبة واحدة، لتصدق الطاعة مع مصداق واحد، وإن ترك كلّ المصاديق الأُخرى، كذلك من حقّ المولى أن يرخّص في تطبيق العبد هذا الفرد على أيّ فرد شاء، فمن عدم تقييد المولى ذاك الفرد، يكون ـ هذا الاطلاق وعدم التقييد ـ كفيلا بتعميم الحكم على جميع الأفراد ـ على سبيل البدل ـ.
وبعبارة أُخرى: في الاطلاق البدلي الحكم بوجوب فكّ رقبة تعلّق برقبة واحدة، ولكن تلك الرقبة سارية في كلّ المصاديق، فإذا قيّدت بالمؤمنة ـ لتقييد (وَلاَ تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ)(4) لها ـ انكسر هذا الشمول.

الوجه الثاني

ثانيها: الاطلاق البدلي بحاجة إلى مقدّمة زائدة على مقدّمات الحكمة بالنسبة للإطلاق الشمولي، وتلك هي تساوي الأفراد في القيام بغرض المولى، وإلاّ لم يكن إطلاق، بخلاف الشمولي فإنّه يشمل جميع الأفراد حتّى مع إحراز اختلافها في نظر المولى شدّة وضعفاً، فالزنا: من الاطلاق الشمولي، مع إحراز أشدّية الزنا بالمرأة المَحرم، وبذات البعل، وبالإغتصاب، من غيرها، وكذا القتل: من الاطلاق الشمولي، مع إحراز أعظمية قتل النبي (صلى الله عليه وآله) والإمام (عليه السلام) من قتل غيرهما، ومع ذلك فإنّ اطلاقات: (لاَ يَزْنُونَ)(5) و: (لاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ)(6)تشمل الجميع، الأشدّ وغيره، والأعظم وغيره، وكيف تحرز المساواة ـ في البدلي ـ مع معارضته بالشمولية، واحتمال إرادة المولى الشمولي دون البدلي عند التعارض ؟
فإذا قال المولى: « لا تكرم الفاسق » ثمّ قال: « اعط فقيراً ديناراً » فمع عدم إحراز مساواة الفقير الفاسق، مع العادل، في القيام بغرض المولى لاعطاء الدينار، كيف يشمله البدلي ؟
وفيه: أنّه صحيح لزوم إحراز المساواة، لكن يكفي الاطلاق البدلي ـ في مقام البيان ـ دليلا على المساواة، من جهة التنجيز والإعذار، للظهور في الاطلاق.
ففي المثال: إذا أعطى العبد فقيراً فاسقاً الدينار، فلا حجّة للمولى على العبد، وللعبد الحجّة للاطلاق.

الوجه الثالث

ثالثها: تمامية ظهور المطلق البدلي في الاطلاق متوقّفة على عدم المانع ـ أي: إحراز عدم مانعية الاطلاق الشمولي عن شمول البدلي لمورد التعارض ـ والتمسّك لاطلاقه بالاطلاق البدلي دور، فلا محرز للاطلاق البدلي حينئذ.
وفيه نقضاً: بأنّ نفس الدور في الاطلاق الشمولي قائم فإنّ شمول إطلاق لا تكرم الفاسق، لمورد الاجتماع متوقّف على عدم شمول أكرم فقيراً، والتمسّك لعدم شموله باطلاق: الفاسق دور، فلا محرز للاطلاق الشمولي حينئذ.
وحلا: بأنّ كلّ دليلين متعارضين هكذا، ولذا يتساقطان ـ لا أنّه يسقط أحدها دون الآخر ـ على المشهور، أو يخيّر بينهما.


تعارض مفهومي: الغاية والشرط

3. ومنها: تعارض مفهوم الشرط، مع مفهوم الغاية، فإنّه قال جمع ومنهم: الشيخ والمحقّق النائيني وآخرون (رحمهم الله) تبعاً لجمهرة ممّن تقدّم عليهم: بتقديم مفهوم الغاية، والغاء مفهوم الشرط في مورد الاجتماع، بتخصيصه أو تقييده بمفهوم الغاية.
وذلك: لأنّ دلالة الغاية على المفهوم بالوضع، ودلالة الشرط على المفهوم بمقدّمات الحكمة، ولا يتوقّف دلالة الغاية على المفهوم على مقدّمات الحكمة، بخلاف مفهوم الشرط، فإنّ دلالة الشرط على المفهوم متوقّفة على مقدّمات الحكمة، وما دام مفهوم الغاية معارضاً، فهو يصلح قرينة على خلاف مفهوم الشرط في مورد الاجتماع، فيقيّد مفهوم الشرط.
مثلا: تعارض اطلاقي مفهومي: إن جاءك زيد فأكرمه، ولا تكرم زيداً حتّى يبدأك بالإكرام. فعند إكرام زيد له، وعدم مجيئه، يدلّ مفهوم الغاية على إكرامه، ومفهوم الشرط على عدم إكرامه.
فإنّ دلالة الشرط على اطلاق عدم إكرام زيد مع عدم المجيء ـ الشامل هذا الاطلاق لصورة إكرام زيد له ـ متوقّفة على تمامية مقدّمات الحكمة، ومنها: إحراز عدم القرينة على الخلاف، وإطلاق مفهوم الغاية يصلح قرينة على الخلاف، فلا تتمّ مقدّمات الحكمة في طرف مفهوم الشرط، فلا دلالة للشرط على مفهوم مطلق، يشمل صورة المعارضة.
وفيه: ما تقدّم في تعارض العام والمطلق: من أنّ كليهما إطلاق، وإنّما المختلف فيهما سبب هذا الاطلاق ـ ففي أحدهما السبب الوضع، وفي الآخر مقدّمات الحكمة ـ.
والملاك في التقديم هو الأظهرية العرفية، المبنية على القرائن الحالية والمقالية في كلّ مورد، فقد تكون الأظهرية العرفية في جانب العموم، وقد تكون في جانب الاطلاق، وقد لا تكون فيتعارضان.
وكذا في مفهومي: الغاية والشرط، فقد يكون اطلاق مفهوم الغاية أظهر من اطلاق الشرط، وقد يكون العكس، وقد يتعارضان.
والباحث في الفقه يجد أمثلة أفتوا فيها بالتعارض بين المفهومين، أو تقديم مفهوم الشرط، ممّا يؤيّد ما ذكرنا، والله العالم.


تعارض بقية المفاهيم

4. ومنها: تعارض اطلاقات بقية المفاهيم بعضها مع بعض: كتعارض اطلاق مفهوم الاستثناء مع اطلاق مفهوم الشرط، وتعارض اطلاق مفهوم الحصر مع اطلاق مفهوم الشرط.
فإنّ مفهومي: الاستثناء والحصر بالوضع ـ كما هو المعروف ـ دون مفهوم الشرط الذي هو بمقدّمات الحكمة ـ كما تقدّم في الثالث ـ.
والكلام هنا هو الكلام فيما تقدّم وإن لم يذكره المتأخرون هنا. والصحيح هو ما قلناه: من التعارض، لا التقديم، إلاّ بقرائن حالية أو مقالية ـ في كلّ مورد مورد ـ توجب الأظهرية العرفية.


تعارض النسخ والتخصيص

5. ومنها: تعارض النسخ والتخصيص، وتقديم التخصيص على النسخ، وقد بسطوا الكلام فيه(7).
لكنّه حيث لا ثمرة عملية مهمّة له ـ لما حقّق في مباحث الألفاظ: من عدم كون النسخ بالمعنى المعروف، محلّ ابتلاء بعد انقطاع الوحي ـ لم نتعرّض لبحثه.


(1) المصباح: ج3 ص378.
(2) البلد: 13.
(3) البقرة: 267.
(4) البقرة: 267.
(5) الفرقان: 68.
(6) الإسراء: 33.
(7) أُنظر: الرسائل: ص790 من الطبعة الجديدة، وكفاية الأُصول: ص451 من الطبعة الجديدة، وفوائد الأُصول، تقرير الكاظمي لبحث النائيني (رحمهما الله): ج4 ص733 مع تعليقات العراقي وغيرها من كتب الأُصول.