ما هو ملاك التعارض ؟

إنّ ملاك التعارض الموجب للتساقط على المشهور هو: التنافي، المؤدّي بالسبر والتقسيم إلى التساقط عبر عدم صحّة الالتزام بشيء غير التساقط، إذ:
1. لا حجّيتهما، للعلم ببطلان الحجّية في كليهما.
2. ولا حجّية واحد منهما على التعيين، لأنّه ترجيح بلا مرجّح.
3. ولا الحجّية التخييرية، لعدم وجود الواحد المردّد خارجاً.
4. فيبقى التساقط.
وهذا الملاك قد يكون بين مدلولي الدليلين، وقد يكون في غير ذلك، ومن الثاني اختلاف النسخ.
ومن أمثلته ـ وهي كثيرة ـ: الرواية في الصلاة في جوف الكعبة: « يصلّي في جوانبها إذا اضطرّ »(1) وفي بعض نسخها: « يصلّي إلى أربع جوانبها »(2).


التعارض وأقسامه

ينقسم التعارض إلى: بدوي، وثابت، ومختلف فيه.
1. فالبدوي: ما يزول بأدنى التفات، كتعارض العام والخاص، والمطلق والمقيّد، ونحوهما.
2. والثابت: ما لا يزول، للتناقض أو التضادّ بينهما، كالعامين المطلقين، والخاصّين، والعامين من وجه في مورد التعارض.
3. والمختلف فيه: في موارد، منها: العام والمطلق، ومنها: المطلق الشمولي والبدلي، ومنها: مفهوم الشرط مع مفهوم الغاية، ومنها: النسخ والتخصيص، ومنها: انقلاب النسبة، ومنها: غير ذلك.
فذهب جمع إلى: حمل المطلق على العام، والبدلي على الشمولي، ومفهوم الشرط على مفهوم الغاية، وتقديم التخصيص على النسخ، وانقلاب النسبة، فلا تعارض ثابت، وإنّما التعارض فيها بدوي يزول بأدنى التفات، فلا يجري فيها أحكام التعارض.
وذهب جمع آخر إلى ثبوت التعارض فيها موضوعاً، فيترتّب على ذلك جريان أحكام التعارض في هذه الموارد ونظائرها.
أمّا مباحث التعارض البدوي فقد تقدّم في مباحث الألفاظ.
وأمّا مباحث التعارض الثابت: فقد تقدّم بعضها هنا، وسيأتي البعض الآخر إن شاء الله تعالى.
وأمّا مباحث التعارض المختلف فيه ـ الذي هو عبارة عن التصرّف في أحد الدليلين، أو الأدلّة لأجل الآخر عرفاً، والذي يعبّر عنه: بكون أحد الدليلين قرينة على التصرّف في الدليل الآخر، أم لا ؟ ـ فإنّ هذا ما نبحثه الآن إن شاء الله تعالى.


ملاك الخروج عن التعارض

لا إشكال في أنّه إذا كان أحد الدليلين ـ بظاهره ـ قرينة عرفية على صرف ظاهر الدليل الآخر المنافي له، يكون خارجاً عن التعارض، لعدم التنافي في المفاد العرفي، وموضوع التعارض هو التنافي في المفاد العرفي.
فالحكومة، والورود، والتخصيص، ليست من التعارض بلا كلام.
إلاّ أن هناك كلّيات ذكر جمع أنّها من أقسام التخصيص أو التقييد عرفاً، وأشكلها جمع آخر، ينبغي بحثها تبعاً للقوم.
فالخلاف فيها ـ واقعاً ـ صغروي.


تعارض العام والمطلق

1. فمنها: تعارض العام والمطلق، وقد اختلف فيه الشيخ والآخوند، فنفى الشيخ تعارضهما وتبعه النائيني وعدد من تلاميذه وتلاميذهم، وأثبته الآخوند وتبعه العراقي، وللمحقّق الأصفهاني هنا تفصيل(3).

دليل تقدّم العام

أمّا دليل تقدّم العام على المطلق ـ لا التعارض ـ فهو ما ذكره الشيخ (رحمه الله): من أنّ ظهور العام تنجيزي، وظهور المطلق تعليقي، لأنّ ظهور العام بالوضع، وظهور المطلق بمقدّمات الحكمة، ومنها: عدم البيان ـ أي: إحراز عدم البيان ـ فمع وجود ما يصلح للبيان مثل العام الصالح لذلك، لا موضوع للاطلاق.
فمثل: أكرم عالماً، ولا تكرم الفسّاق، يكون الفسّاق بالوضع دالا على زيد الفاسق مثلا، لأنّه في قوّة أن يقال: لا تكرم زيداً وعمراً وبكراً وإلى آخره. وأمّا عالماً، فليس في قوّة أن يقال: أكرم زيداً وخالداً وخويلداً وإلى آخره.
وما دام غير محرز مع لا تكرم زيداً، فيكون العموم قرينة عرفية على تقييد الاطلاق.
وقد يمثّل لذلك بقوله تعالى: (فَكُّ رَقَبَة)(4) فإنّه مطلق مع قوله سبحانه: (وَلاَ تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ)(5) بناءً على كون المفرد المحلّى بـ: الـ الجنس دالا على العموم لا الاطلاق، فيتنافيان في: عتق الكافر، في غير كفّارة القتل المجمع على عدم جوازه فيها.

إشكال الآخوند في مورد الاجتماع

وأورد عليه صاحب الكفاية فيها: بأنّ معلّقية ظهور المطلق على عدم ما يصلح بياناً على التقييد إنّما هي في مقام إلقاء الخطاب، لا على عدم البيان إلى الأبد، فإذا انقطع الخطاب ولم يبيّن التقييد متّصلا بالكلام، انعقد للاطلاق ظهور في الشمول، فيعارض هذا الظهور ظهور العام في الشمول في مورد الاجتماع.

إيراد النائيني على الآخوند (قدس سرهما)

وأورد المحقّق النائيني (رحمه الله) على شيخه الآخوند: بأنّ للآخوند كلامين، لا ينسجم أحدهما مع الآخر:
أحدهما: أنّ الاطلاق متوقّف على عدم البيان في مقام التخاطب لا مطلقاً.
ثانيهما: ما ذكروه في بعض فوائده: من أنّه يجب جمع كلمات المعصومين (عليهم السلام) واعتبار جمعها ككلام شخص واحد في زمان واحد ومجلس واحد، ويؤخذ ما هو المتحصّل منها على فرض الاجتماع، ومقتضى هذا: عدم الفرق في مقام التخاطب وغيره، مضافاً إلى أنّ الذي هو من مقدّمات الحكمة هو: عدم البيان المطلق، لا عدم البيان في خصوص مقام التخاطب(6).

مناقشة العراقي للنائيني (قدس سرهما)

وناقشه المحقّق العراقي (رحمه الله): بأنّه لا تنافي، إذ الأوّل لبيان أنّ قوام ظهور المطلق بعدم إقامة القرينة على مراده متّصلا بكلامه، والثاني لبيان تشخيص ميزان الأظهرية، بأنّه لو جمعا في كلام واحد لكان أحدهما قرينة على التصرّف في الآخر(7).

تمحيص وتسديد

أقول: قد يبدو للنظر تمامية مقال المحقّقين: الخراساني والعراقي (رحمهما الله)، وذلك: لأنّ العموم وإن كانت دلالته على الأفراد بالوضع، والاطلاق بمقدّمات الحكمة، كما وأنّ العموم وإن كان ظاهراً في الدلالة على المصاديق الخارجية دلالة مباشرة، والاطلاق دلالته على الجنس وعلى المصاديق الخارجية بالملازمة العقلية، إلاّ أنّهما لا يختلفان (أي: العموم والاطلاق) بالنسبة إلى ما هو المهمّ منهما وهو أمران:
أحدهما: انعقاد الظهور في الشمول الذي هو المهمّ للعبد، فلا فرق في وجوب إكرام كلّ عالم بين أن يقول المولى لعبده: أكرم كلّ عالم، وبين أن يقول: أكرم العالم، فكما أنّ العبد يعصي إذا ترك اكرام عالم واحد، وإن أكرم ألف عالم في العموم، فكذلك في الاطلاق.
ثانيهما: بالنسبة للتنجيز والاعذار، لا فرق بين العموم والاطلاق، وهذا الثاني مسبّب عن الأوّل.
ونتيجة ذلك: أنّه كما ينعقد للعموم ظهور في الشمول حتّى يثبت تخصيص، كذلك الاطلاق ينعقد له ظهور في الشمول حتّى يثبت تقييد.
إذن: فلا فرق بين العموم والاطلاق في الظهور، ولا في مقام الطاعة والمعصية.

مؤيّدات فقهية

ويؤيّد ذلك: أنّ الباحث في الفقه يجد الفقهاء لا يفرّقون بينهما، حتّى الشيخ والمحقّق النائيني (رحمهما الله) يعبّرون عن العموم والاطلاق المتقابلين بكلمتي: من وجه والتعارض. ويعاملونهما معاملة المتعارضين الذين يرجّحون أحياناً الاطلاق لبعض المرجّحات.
1. ففي صوم الجواهر، في مسألة الاتيان بالمفطر جهلا بالحكم، أوجب المشهور القضاء تقديماً لاطلاق أدلّة المفطرات الشامل للعالم والجاهل، على عمومات الرفع عن الجاهل، قال: « أمّا القضاء (أي: وجوب القضاء على الجاهل القاصر) فلإطلاق أدلّته ـ إلى أن قال بعد ذكر صحيحة عبدالصمد: أيّ رجل ركب أمراً بجهالة فلا شيء عليه(8)ـ بناءً على إرادة عدم الإثم والمؤاخذة، واحتمال إرادة الأعمّ من ذلك يدفعه: أنّ التعارض بين الأدلّة حينئذ من وجه، ولا ريب في كون الرجحان لأدلّة القضاء من وجوه... »(9).
ويلاحظ: أن « لا شيء عليه » نكرة في سياق النفي، وهي عموم بلا إشكال. ومع ذلك عارض بينه وبين إطلاق القضاء، وقدّم القضاء.
2. وقال الشيخ الأنصاري (رحمه الله) في صومه في نفس المسألة: « وإن كان (أي: الذي أتى بمفطر جهلا) قاصراً، فالظاهر: عدم القضاء والكفّارة، لعموم القاعدة (أي: قاعدة: كلّما غلب الله عليه فالله أولى بالعذر)(10) وخصوص ما ورد في من أتى امرأته وهو صائم وهو لا يرى إلاّ أنّه له حلال ؟ قال: « ليس عليه شيء »(11) نعم يعارضها اطلاقات وجوب القضاء... »(12).
الشاهد في التعبير عن العام والمطلق المتقابلين: بالتعارض، ولم يشر حتّى إلى احتمال الجمع الدلالي عرفاً(13).


(1) الوسائل: الباب 17 من أبواب القبلة، ح2.
(2) أُنظر: مصباح الفقيه للفقيه الهمداني (قدس سره): ج2 ص90.
(3) أُنظر: تقريرات النائيني للكاظمي، وتعليقات العراقي عليها: ج4 ص729، ومصباح الأُصول: ج3 ص377، ونهاية الدراية: ج5 و6 ص343.
(4) البلد: 13.
(5) البقرة: 267.
(6) فوائد الأُصول: ج4 ص731.
(7) فوائد الأُصول: ج4 ص731.
(8) الوسائل: الباب45 من أبواب تروك الإحرام، ح3.
(9) الجواهر: ج16 ص255.
(10) الوسائل: الباب 24 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، ح6.
(11) الوسائل: الباب 9 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، ح12.
(12) الصوم للشيخ الأنصاري: ص82 من الطبعة الجديدة.
(13) مفاتيح الأُصول: ص91.