التصويب بأقسامه وأحكامه

وتفصيل ذلك: هو أنّ قيام دليل على شيء ـ أعمّ من الزام، أو غيره، بالفعل أو غيره، تكليفاً أم وضعاً، أم بيان موضوع ـ على أقسام ثلاثة:
إمّا يوجب المصلحة في نفس المتعلّق، أو في التزام المكلّف بالمؤدّى، أو في عمل المولى ـ من إيجاب، وتحريم، وغيرهما ـ.


القسم الأوّل للتصويب وصوره الأربع

أمّا القسم الأوّل للتصويب: ـ وهو إيجاد المصلحة في نفس المتعلّق ـ فلا يخلو من أربع صور:
1. إمّا أن يكون التعارض بين الدليلين بالتناقض ـ كالوجوب وعدمه ـ.
2. وإمّا أن يكون بالتضادّ من نوعين، على نحو الوجوب والحرمة.
3. وإمّا أن يكون بالتضادّ من نوع واحد، على نحو الوجوب لشيء، والوجوب لشيء آخر، ولا ثالث لهما، كالحركة والسكون، وكوجوب الأكل والكفّ في الصوم.
4. وإمّا أن يكون بالتضادّ من نوع واحد ولهما ثالث، كالقيام والقعود، الذين لهما ثالث وهو الإضطجاع.

حكم الصورة الأُولى

1. فإن كان التعارض بالتناقض، فيستحيل دخوله في التزاحم، وذلك لأنّ التزاحم معناه: عجز المكلّف في مقام الإمتثال، وإجتماع التكليفين على وجه التناقض في مقام الجعل محال مع قطع النظر عن الإمتثال.
إذ المفروض: كون قيام الدليل على الوجوب مثلا موجباً لحدوث المصلحة الملزمة في الفعل، وقيام دليل آخر على عدم الوجوب، موجباً لعدم وجود مصلحة ملزمة في الفعل، أو لزوال المصلحة الملزمة عن الفعل، وإجتماع المصلحة وعدمها بالنسبة لفعل ـ مع بقاء الوحدات السبع الأُخرى، المحقّقة للتناقض ـ محال في نفسه مع قطع النظر عن مقام الإمتثال.
وما في الكفاية(1): من أنّ الدليل الدالّ على الحكم الإقتضائي لا يزاحمه ما دلّ على حكم غير إقتضائي، لعدم التزاحم بين: الإقتضاء واللاّ إقتضاء، وإنّ الإقتضاء مقدّم دائماً على اللاّ إقتضاء.
فيه: إنّ الكبرى صحيحة، إلاّ أنّ ما نحن فيه ليس صغرى لهذه الكبرى، إذ ما نحن فيه: عدم حجّة الإقتضاء واللاّ إقتضاء، لعدم إمكان شمول أدلّة الحجّية للمتناقضين، والمزاحمة وعدمها فرعان للحجّية.
نعم ما ذكره الآخوند (رحمه الله): من أنّه إذا كان اللاّ إقتضاء بنحو الإقتضاء تعارضا، كالسورة في الصلاة الواجبة، دلّ دليل على وجوبها، ودليل على إستحبابها.

حكم الصورة الثانية

2. وإن كان التعارض بين الدليلين بالتضادّ من نوعين: كالوجوب والحرمة:
أ ـ فإن قلنا: بأنّ النهي بمعنى: الزجر، الدالّ على وجود المفسدة، فلا يمكن كونهما متزاحمين، إذ قيام الأمارة على الوجوب بمعنى: حدوث المصلحة الملزمة في الفعل. وقيام الأمارة على الحرمة بمعنى: حدوث المفسدة الأكيدة في الفعل. ولا يمكن إجتماع المصلحة والمفسدة ـ معاً ـ في شيء بلا كسر وإنكسار، فإنّه من إجتماع الضدّين، ولا إشكال في إستحالته، فلا ينقلب التعارض إلى التزاحم هنا، لإستحالته في نفسه قبل الوصول إلى مرحلة الإمتثال.
ب ـ وإن قلنا: بأنّ النهي بمعنى: طلب الترك ـ على ما هو المعروف بينهم ـ فيكون قيام الدليل على الوجوب بمعنى: حدوث المصلحة في الفعل. وقيام الدليل على الحرمة بمعنى: حدوث المصلحة في الترك. وإجتماع المصلحة في الفعل ـ بنحو الإلزام ـ والمصلحة في الترك ـ بنحو الإلزام ـ وإن كان ممكناً كلّ بما هو هو، إلاّ أنّه لا يمكن التكليف بالفعل والترك معاً، إذ التكليف بهما تعييناً تكليف بغير المقدور، وتخييراً طلب للحاصل ـ لعدم خلوّ المكلّف عنهما ـ فيكون التكليف بأحدهما تخييراً لغواً، فلا يكون من التزاحم، لعدم وصول النوبة إلى العجز في مقام الإمتثال.

حكم الصورة الثالثة

3. وإن كان التعارض بين الدليلين بالتضادّ بين فردي نوع واحد، على نحو الوجوب لشيء والوجوب لشيء آخر، ولا ثالث لهما، كالحركة والسكون، والأكل والكفّ في الصوم، فإنّه أيضاً لا يمكن جعلهما معاً، لأنّه تكليف بغير المقدور، ولا جعلهما تخييراً، لكونه تحصيلا للحاصل، وهنا أيضاً لا تصل النوبة إلى مقام الإمتثال، حتّى يكون تزاحماً.

حكم الصورة الرابعة

4. وإن كان التعارض بالتضادّ بين دليلين دالّين على فردي نوع واحد، ولهما ثالث، كالقيام والقعود الذين لهما ثالث وهو الإضطجاع، فقد يتوهّم كونهما من المتزاحمين، لإمكان أمر المولى بهما تخييراً، كيلا تفوت المصلحتان جميعاً، فالمكلّف هو العاجز عنهما معاً في آن واحد، إلاّ أنّ لازم حدوث المصلحة في القيام: عدم المصلحة في الجلوس، وبالعكس، وهذا يجعلهما متعارضين، إذ دلالة أحد الدليلين على حدوث المصلحة في القيام بالمطابقة، ودلالة الدليل الآخر على عدم المصلحة في القيام بالإلتزام، يجعلهما ممّا لا يمكن جمعهما في مقام الجعل، قبل الوصول إلى مرتبة الإمتثال.


القسم الثاني للتصويب

وأمّا القسم الثاني للتصويب، وهو: أنّ قيام الدليل على وجوب شيء يوجب حدوث المصلحة الأكيدة في التزام المكلّف بالمؤدّى.
ففي جميع الصور الماضية الأربع، ربما يتخيّل أنّها من التزاحم، لأنّ الالتزام عمل قلبي، ويمكن اجتماع أعمال متنافية في القلب، إنّما المحال: الامتثال للعمل الخارجي. لكنّه غير تامّ وذلك:
1. لما تقدّم في الصورة الرابعة: من أنّ كلا من الدليلين له دلالة مطابقية بحدوث المصلحة في الالتزام بالآخر، فتتعارض ـ لا تتزاحم ـ كلّ دلالة مطابقية لكلّ منهما مع الدلالة الالتزامية للآخر.
2. إنّ وعاء الاعتبار ـ كوعاء التكوين ـ لا يمكن فيه التناقض والتضادّ، فلا يمكن للمولى جعل اعتبار الوجوب وعدمه، أو الوجوب والتحريم بالنسبة إلى شيء ـ مع تمام شروط التناقض والتضادّ ـ.
فالإشكال في مقام الجعل لا في مقام الامتثال حتّى يقال: يمكن الامتثال، لأنّه لا تنافي بين الأُمور البيّنة المتناقضة أو المتضادّة.
وما في المصباح من عدم وجوب الالتزام في الفرعيات، إشكال مبنوي، لا بنائي، فلا ربط له بما نحن فيه، فتأمّل.


القسم الثالث للتصويب

وأمّا القسم الثالث للتصويب، وهو: أنّ قيام الدليل على وجوب شيء، يوجب حدوث المصلحة في فعل المولى بالايجاب، وفي الحرمة بالتحريم.
وحيث إنّ ذلك يرجع إلى فعل المولى، فلا إشكال في أنّه تزاحم للمولى، لكن لا دخل له بالمكلّف، فإذا رأى المولى الرجحان، رجّح أحدهما على الآخر، وإلاّ خيّر بينهما.
مثال الأوّل: (فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا)(2).
ومثال الثاني: الكفّارات المخيّرة، ككفّارة الإفطار العمدي لصوم شهر رمضان ـ على المشهور ـ.
وأمّا بالنسبة إلى المكلّف، فنتيجة هذا التزاحم عند المولى، هو: التعارض عند المكلّف، إذ الذي له مصلحة هو إمّا الإيجاب أو التحريم، فيدلّ هذا الدليل على أنه الإيجاب، ويدلّ ذاك على أنّه التحريم (أو واحدة أُخرى من الصور الأربع المذكورة في القسم الأوّل) وفي مثله يتعارضان لأنّ التنافي بينهما في مرحلة الجعل ـ لا مرحلة الامتثال ـ ففي مثل الدوران بين الوجوب والتحريم يتعارضان ويتساقطان، وينتهي الأمر إلى الأصل العملي عند الدوران بين المحذورين وهو التخيير، بناءً على نفي الثالث كما هو المختار، وبناءً على عدم نفي الثالث يكون مجرى أصل البراءة.
وفي مثل الدوران بين الوجوب وعدمه ـ من المتناقضين، أو المتضادّين اللذين لا ثالث لهما ـ يؤول الأمر إلى أصل البراءة، للشكّ في أصل تشريع الإلزام.
والحاصل: أنّ رجوع التعارض إلى التزاحم ـ حتّى على القول بالسببية بإقامة الثلاثة ـ ممّا لم يظهر وجهه، والله العالم.


التفصيل في السببية

وللمحقّق النائيني (رحمه الله) هنا تفصيل في السببية(3) وحاصله: أنّه بناءً على السببية المصوّبة ينقلب التعارض تزاحماً، وأمّا على السببية المخطّئة، فلا ينقلب التعارض تزاحماً، وذلك:
لأنّ غاية ما يمكن توجيه الانقلاب به هو: أنّ في سلوك كلّ واحد من الأمارتين المتعارضتين مصلحة لازمة الاستيفاء، وحيث لا يمكن استيفاؤهما ـ للتعارض ـ يستوفي الممكن، فيعود إلى الترجيح، أو التخيير.
قال (رحمه الله): وفيه: أنّ المصلحة السلوكية قائمة بالطريق، فالطريقية تكون بمنزلة الموضوع للمصلحة، والمفروض: سقوط طريقية المتعارضين ـ لأجل الترجيح بلا مرجّح ـ فلا موضوع للمصلحة السلوكية.
مضافاً: إلى أنّ التزاحم إنّما هو بين الأحكام الشرعية، ولا يكفي التزاحم بين المصلحتين.
ثمّ قال (رحمه الله): فالإنصاف: إنّ إدراج الأمارات المتعارضة ـ على مسلك المخطّئة ـ في صغرى التزاحم في غاية الإشكال.
ولعلّ مراد الشيخ (رحمه الله) من السببية ـ هنا ـ السببية التصويبية، ولكن يبعده ـ مضافاً إلى أنّ ذلك خلاف مسلكه ـ تصريحه بالسببية الظاهرية، والسببية التصويبية تكون واقعية لا ظاهرية، انتهى بالمعنى.

مناقشة التفصيل

وأشكله المحقّق العراقي في حاشية الفوائد: بأنّه ماذا أراد المحقّق النائيني (رحمه الله) من الطريق ـ حيث حكم بأنّ المصلحة قائمة به ـ ؟
1. فإن أراد الحجّية الفعلية، فما معنى المصلحة السلوكية الموجبة للأمر بالعمل به ؟ بل لابدّ وأن تكون المصلحة المزبورة مسبوقة بالأمر به أيضاً، فلازمه مع عدم المعارضة أيضاً من قيام الأمرين بالطريق، ولا أظن أحداً يقول به.
وإن أراد من الطريق مطلق الأمارة، فلا معنى للتساقط عند المعارضة، إذ مرجع التساقط إلى عدم شمول دليل الحجّية لأي منهما بمناط الترجيح بلا مرجّح، والمفروض: أنّه لم يكن سابقاً على المصلحة السلوكية دليل وأمر....
ثمّ بعد الغضّ عمّا ذكرنا نقول فيها أيضاً: إذا كان في الوجودين المتضادّين ـ كما هو مفروض السابق ـ كان من باب التضادّ في الأحكام، فتدبّر(4).
أقول: وقد تقدّم منّا: عدم الانقلاب مطلقاً ـ سواء قلنا بالسببية المصوّبة، أم المخطّئة ـ لأنّ التناقض والتضادّ غير ممكنين. وفي المصلحة السلوكية: التناقض والتضادّ بين المصلحتين الفعليتين غير صحيح.


تفصيل آخر

ثمّ قال المحقّق النائيني (رحمه الله): إنّ الانقلاب من التعارض إلى التزاحم، إنّما هو إذا وقع بين الطرق، أو بين الأمارات في الأحكام التكليفية الشرعية.
أمّا حقوق الناس، أو الوضعيات السببية، فلا انقلاب من التعارض إلى التزاحم فيهما، بل قد يتساقطان ـ حتّى على القول بالسببية، كتعارض بيّنتين لشخصين على دار في يد ثالث، حيث تتساقطان، وتبقى الدار بيد الثالث إذا ادّعى الملكية.
وقد لا يوجب التساقط، بل يجب إعمال المتعارضين معاً ـ ولو في بعض المدلول ـ كالمثال إذا لم يدّع ذو اليد الملكية، فإنّه ينصف المال بينهم بالسويّة.
وكذا الحكم إذا وقع التعارض بين الأسباب في الوضعيات، فإنّه تارةً يحكم بتساقط السببين المتعارضين ـ كما إذا عقد الوكيل والموكّل في زمان واحد على مال واحد، مع اختلاف المعقود له ـ كما إذا باع أحدهما من زيد، والآخر من عمرو.
وأُخرى: يحكم فيه باعمال السببين، كما لو وضع شخصان يدهما دفعة واحدة على ما يكون مباحاً بالأصل، في مقام الحيازة، فينصف المال بينهما بالسوية(5).

مناقشة التفصيل الآخر

أقول: لا فرق بين الأموال، وسائر الحقوق، والوضعيات حتّى على القول بالسببية، وذلك: لأنّ ملاك التعارض: التنافي، والتنافي لا يصحّ حتّى على السببية، إذ السببية ليست سوى اعتبار، والتناقض والتضادّ، لا يصحّان حتّى في الاعتباريات.
نعم، في الأموال والحقوق، حيث إنّها قابلة للتبعيض، وقام العقل، والنقل، وبناء العقلاء، على أولوية المخالفة القطعية الجزئية مع الموافقة القطعية الجزئية، على الموافقة الاحتمالية الكلّية، مع المخالفة الاحتمالية الكلّية، لذلك لا يلتزم بالتساقط.
ففي المثال الأوّل: وهو قيام حجّتين على ملكية دار لزيد وعمرو مع يد ثالث عليها، لا تتساقط الحجّتان، ولا تبقى الدار بيد الثالث الذي لا يدّعي الملكية، لأنّ معنى ذلك: ـ إن قيل به ـ تقديم قاعدة اليد على العلم الإجمالي، مع أنّ كلّ الحجج تسقط مقابل العلم الاجمالي، لتنجّزه على المشهور ـ ومنهم: المحقّق النائيني (رحمه الله) ـ مطلقاً.
وفي المثال الثاني: وهو ما إذا لم يدّع ذو اليد الملكية قال المحقّق العراقي (رحمه الله) في التعليقة: « على فرض عدم حجّية القرعة، التنصيف من جهة قاعدة أُخرى لا الجمع بين البيّنتين »(6).
ولعلّه أراد من قوله: قاعدة أُخرى العدل والإنصاف، التي يستند الفقهاء إليها غالباً في الحقوق والأموال القابلة للتبعيض.
وفي المثال الثالث: وهو توارد يدين للحيازة، فحيث إنّه لا يمكن التبعيض ـ بما استفيد من الأدلّة: أنّ الأمر في العقد دائر بين الوجود والعدم ـ لا يبقى إلاّ التساقط، بالسبر والتقسيم بين أعمالهما، واعمال أحدهما خاصّة، وأحدهما غير المعيّن، والتساقط، حيث إنّ الأوّل تناقض أو تضادّ، والثاني ترجيح بلا مرجّح، والثالث لا وجود له، فيبقى التساقط.
وفي المثال الرابع: وهو كالثاني طابق النعل بالنعل، فلا فارق بين الأحكام التكليفية والوضعية، ولا بينها وبين الحقوق والأموال، وإن كان فرق، فتأمّل.


(1) كفاية الاصول: ص440 طبعة آل البيت وبتصرّف.
(2) البقرة: 219.
(3) فوائد الأُصول: ج4 ص760.
(4) تعليقة المحقّق العراقي على الفوائد: ج4 ص761.
(5) تعليقة المحقّق العراقي على الفوائد: ج4 ص762.
(6) تعليقة المحقّق العراقي على الفوائد: ج4 ص762.