ثمّ إنّ هنا تتمّات:
الأُولى: هل هناك فرق ـ عند التساقط ونفي الثالث، أي: الحجّية الإجمالية
للمتساقطين ـ بين كون دليل حجّية المتعارضين لفظيه أو غيرها ؟
قد يقال: بالفرق، لأنّه ـ مثلا ـ في الخبر الواحد إن كان دليل حجّية الخبر بناء
العقلاء ـ كما هو المعروف بين المتأخّرين، وهو التحقيق على ما تقدّم في باب حجّية
خبر الواحد ـ فالحكم كما تقدّم: من الخلاف والإشكال.
وأمّا إن كان دليل حجّية الخبر الأدلّة اللفظية، فالأمر يختلف بإختلاف صور الحجّية،
فهي لا تخلو من أربع صور:
1. فإمّا أن تكون مقيّدة بعدم التعارض.
2. أو مهملة بالنسبة إلى المتعارضين.
3. أو مطلقة بالإطلاق اللحاظي.
4. أو مطلقة بالإطلاق الذاتي.
ـ والفرق بين اللحاظي والذاتي على ما بُيّن في بحث المطلق والمقيّد هو: إنّ في
اللحاظي للفظ ظهور في لحاظ المولى الإطلاق، وفي الذاتي للفظ إطلاق بدون هذا الظهور
ـ.
أمّا في الصورتين الأُوليين: فلا إشكال في عدم شمول الدليل المتعارضين.
وأمّا في الصورة الثالثة وهي الإطلاق اللحاظي: فحيث إنّه كالتصريح بشمول الدليل
حال التعارض، وشموله لكلّ منهما ولو مجتمعين: إمّا محال، أو أمر بالمحال، أو
الغرض من الشمول لهما التوقّف وهو لغو، وحيث إنّ الحكيم كلامه مصون عن المحال ـ
بقسميه ـ وعن اللغو ـ بدلالة الإقتضاء ـ إقتضى ذلك حمل لحاظ الإطلاق لصورة التعارض
على حفظ الواقع بما يمكن، وليس هو هنا إلاّ التخيير، الموجب لعدم إحراز ترك
الواقع رأساً، فيكون كما لو صرّح المولى بالتخيير في صورة التعارض.
وبهذا البيان يظهر الإشكال فيما قيل هنا: من أنّ الإطلاق لحال التعارض محال، إذ
لا أثر لهذا الإطلاق إلاّ الإجمال، والتعبّد بالصدور بغرض الإجمال نقض للغرض، وهو
محال.
ووجهه: إنّ الغرض لا ينحصر في ذلك، بل من ذلك نعرف: إنّ الغرض التخيير والتحفّظ على
الواقع بما يمكن.
وأمّا في الصورة الرابعة: وهي ما إذا كان لدليل الإعتبار إطلاق ذاتي ـ بدون ظهور
في لحاظ هذا الإطلاق وعدمه، وهو أصحّ المحتملات، للظهور المبنيّ عليه حجّية الألفاظ
الصادرة عن الحكماء ـ فلا إشكال في عدم شمول الإطلاق للمتعارضين معاً.
وإنّما لا إشكال في عدم شمول الاطلاق للمتعارضين معاً، للعلم الإجمالي بعدم صلاحية
الشمول من أجل التناقض أو التضادّ، ومعه فكيف المخرج ؟
أ ـ فهل التصرّف في دليل الإعتبار ـ وتقييده ـ يتقدّر بالقدر اللازم، الذي نتيجته
التخيير بين المتعارضين ؟ ببيان: إنّه إذا دار الأمر بين رفع اليد حال التعارض عن
أصل دليل الإعتبار ـ حتّى يسقط المتعارضان عن الحجّية مطلقاً ـ وبين رفع اليد عن
شمول الدليل لكلّ منهما حال إعمال الآخر، لا مطلقاً، كان الثاني الصحيح، لأنّه
المتيقّن الخروج عن إطلاق دليل الإعتبار.
ب ـ أو أنّ إسقاط دليل الإعتبار بقدر اللازم لا مطلقاً، إنّما هو في صور حفظ
الموضوع إجمالا، ولو في حال التعارض، وذلك:
1. كما في التكاليف النفسية ـ مثل إنقاذ الغريق ـ حيث إنّ المطلوب كلّ واحد من
مصاديقه بما هو هو، فإذا دار الأمر ـ في صورة التزاحم ـ بين تركهما، أو ترك
أحدهما، كان المتعيّن الثاني.
2. وكما في الأُصول العملية، التي موضوعها الشكّ، فإذا دار الأمر ـ في أطراف
العلم الإجمالي بمخالفة أحد الأصلين للواقع ـ بين رفع اليد عن أحد الترخيصين في: «
كلّ شيء نظيف » مثلا، أو عن كليهما، فحيث انّ كلا منهما ـ في حال عدم إعمال الآخر
ـ مشكوك فيه، فالموضوع باق، فلا يرفع اليد عن كليهما، بل عن كلّ عند اعمال الآخر، لا للإناطة بالإرادة،
بل لتحقّق الموضوع.
وأمّا إذا كان التكليف طريقيّاً، جعل لأجل كشف كلّ دليل عن الواقع ولو إحتمالا مع
تتميم كشفه تعبّداً، فعند التعارض لا معنى لإعتبار كلّ منهما هو الكاشف عن الواقع
عند عدم إعمال الآخر، إذ الكشف عن الواقع لا يصحّ جعله باختيار الشخص، لأنّ أمر
الكشف دائر بين الوجود والعدم.
والبحث إنّما هو على مبنى المشهور: من طريقيّة الحجج، فمقام الثبوت في غير
التعبّديات مشكل.
وأمّا في التعبّديات: مثل « كلّ شيء نظيف » و « كلّ شيء حلال » و « رفع ما لا
يعلمون » ونحوها، ممّا لا طريقية للجهل إلى الطهارة، أو الحلّ، أو عدم التكليف،
فلا إشكال في مقام الثبوت، وإنّما الإشكال هناك في مقام الإثبات.
هذا مضافاً إلى أنّ ذلك يرجع إلى أنّ الأمر متى دار بين التخصيص (إخراج مورد
التعارض مطلقاً عن العمومات) وبين التقييد (تقييد الخارج عن العمومات في كلّ واحد
منهما بمورد العمل بالآخر) كان التقييد أولى.
وفيه: أنّه لا يؤسّس ظهوراً حتّى يصحّ الإستناد إليه.
لكن الظاهر: عدم الفرق في نفي الثالث بين كون دليل الحجّية لفظيّاً أم غير لفظي،
وذلك لأنّ ملاك الحجّة المردّدة بين إثنين ليس في المردّد واقعاً، بل المعيّن
واقعاً الذي يجهله المكلّف، وليس علم المكلّف بالحجّة الواقعية علّة لحجّيته، ولا
جهله مانعاً عن حجّيته.
نعم، في صورتي: الدليل اللفظي المهمل، أو المقيّد بعدم التعارض، لا حجّة واقعية
مردّدة أصلا، حتّى يُنفى بها الثالث.
الثانية: لا فرق في كلّ ما ذكر: من تساقط الدليلين، أو عدمه، ونفي الثالث أو
عدمه، بين أن يكون الحجّتان المتعارضتان فردين لدليل واحد، كخبرين، وأصلين
للبراءة، وبيّنتين، ونحوها، أم فردين لدليلين متكافئين.
وذلك: لوحدة الملاك، إذ ملاك كلّ ما ذكر هو: تعارض حجّتين، فالحجّية في كلّ
منهما صارت سبباً لذلك، فدليل الحجّية في كلّ منهما كان هو الدليل في الأُخرى أم
غيره.
قال الشيخ (رحمه الله) في رسائله(1): « سواء كان وجوب كلّ واحد منهما بأمرين، أو
كان بأمر واحد يشمل واجبين ».
الثالثة: ما ذكره المحقّق النائيني (رحمه الله) في نفي الثالث: من التفصيل بين ما
إذا كان الدليلان في حدّ أنفسهما متعارضين فيشتركان في نفي الثالث، وبين ما إذا لم
يكونا متعارضين في حدّ أنفسهما، بل تعارضهما لأجل دليل خارج عنهما، فلا ينفيان
الثالث.
كما إذا أفتى فقيه: بوجوب صلاة الظهر ـ يوم الجمعة ـ وأفتى فقيه آخر: بوجوب
الجمعة، فلا ينفي أحدهما الآخر ليشتركا في نفي الثالث وهو: غير الوجوب مطلقاً،
فليس لأحد من الدليلين دلالة التزامية تنفي غير الوجوب عن غيرهما، ولا مانع ـ في
حدّ أنفسهما ـ من وجوب كلتا الصلاتين ظهر الجمعة.
فلا مانع من سقوط كلّ منهما بالمعارضة، والرجوع إلى البراءة عن وجوب فريضة مطلقاً.
ثمّ قال: نعم، إذا كان لكلّ من الدليلين مفادان:
أحدهما: وجوب فريضة ظهراً.
وثانيهما: تعيّنه في صلاة الظهر.
فلا يصحّ الرجوع إلى البراءة، لإشتراك الدليلين في وجوب فريضة، وهذا مناف للبراءة، لأنّها طرح لكلا الدليلين فيما لم يتعارضا فيه، ولكن ليس مفاد الدليلين ذلك، بل
مفاد كلّ منهما أمر واحد وهو: وجوب هذا، ولا عبرة في باب الظواهر بالتحليل العقلي
إلى الجنس والفصل وإشتراكهما في الجنس، لأنّ التحليل لا يؤسّس ظهوراً، ولا يهدم
ظهوراً(2).
أقول أوّلا: لا فرق في التعارض بين أن يكون ما يدلّ فيهما على التنافي من داخل
المتعارضين، أو من خارجهما، فالمهمّ في التعارض: التنافي، امّا منشأ التنافي ماذا ؟
فذاك أمر آخر.
ولذا في نفس المثال الذي ذكره المحقّق النائيني (رحمه الله) لم يلتزم أحد بترك
الجمعة والظهر جميعاً.
وثانياً: التحليل العقلي لا يؤسّس ظهوراً، ولا يهدم ظهوراً، فإن كان بمعنى السلب
الجزئي فهو في محلّه، والجزئي لا يكون كاسباً ولا مكتسباً، وأمّا إن كان بمعنى
السلب الكلّي فغير صحيح، لأنّ التحليل العقلي حقيقة.
فما دلّ على وجوب صلاة الظهر واقعاً له مفادان.
وبعبارة أُخرى: قد يكون المفاد ملتفتاً إليه بأدنى توجّه، وقد يكون بحاجة إلى
تأمّل، وهذا لا يسلبه كونه مفاداً له.
ولذا يلتزمون ـ ومنهم: المحقّق النائيني (رحمه الله) نفسه ـ بتنجيز العلم الإجمالي
بين الواجب والحرام ـ خلافاً لصاحب الحدائق (رحمه الله) ـ وليس ذاك سوى التحليل
العقلي، إذ الإلزام المستفاد من الواجب والحرام هو مفادهما بالتحليل العقلي،
فالواجب الزام، وبالفعل، والحرام الزام، وبالترك(3).
هذا كلّه بناءً على طريقية أدلّة الطرق والأمارات على ما هو المشهور قديماً
وحديثاً.
وأمّا على القول بالسببية، فقد ذكر الشيخ والآخوند (رحمهما الله) وتبعهما جمع:
إنّ التعارض يدخل حينئذ في باب التزاحم، فلا تعارض حتّى يتساقطان، بل يلزم الأخذ
بأحدهما تعييناً أو تخييراً، وذلك: لأنّ المصلحة موجودة في كليهما، فإذا كان
يُفرض ـ محالا ـ تمكّن المكلّف منهما جميعاً وجب عليه الإتيان بهما، وليس من
إشتباه الحجّة باللاّ حجّة، فقيام الأمارة على وجوب شيء واقعاً، يكون سبباً
ظاهرياً لوجوبه ظاهراً على المكلّف(4).
وإستثنى الآخوند (رحمه الله) من التزاحم: « ما إذا كانت الحجّة خصوص ما لم يعلم
كذبه ـ لا كلّ منهما ـ سواء في أصالة الظهور، وأصالة تطابق الإرادتين، وحجّية
السند، وسواء كان حجّية السند ببناء العقلاء، أم بالأدلّة اللفظية، فإنّها
متطابقة على حجّية ما لم يعلم كذبه »(5).
إن القول بالسببية على أنحاء ثلاثة:
الأوّل: المصلحة السلوكية، وهي بمعنى وجود حكم في الواقع، وبقاؤه حتّى مع خطأ
الحجّة للواقع، وإنّما قيام الحجّة يجعل المؤدّى ذا مصلحة للسلوك ما دام الخطأ غير
منكشف(6).
الثاني: التصويب على ما هو المنسوب إلى الأشاعرة: من أنّه لا واقع أصلا، وإنّما يتولّد الواقع بقيام الحجّة، فما قامت عليه الحجّة فهو الواقع، ومع عدمه فلا واقع.
الثالث: التصويب على ما هو المنسوب إلى المعتزلة: من أنّ الحكم الواقعي ـ المشترك
بين العالم والجاهل ـ موجود، إلاّ أنّه إذا أخطأته الحجّة تبدّل الواقع إلى ما
يوافق الحجّة، فربّ واجب يتبدّل إلى الحرمة بقيام الحجّة عليها، وبالعكس العكس.
والخلاف بين الأشاعرة والمعتزلة ليس في تبعية الواقع لإجتهاد المجتهد، وإنّما في
أنّ هذه التبعية هل هي حدوثاً وبقاءً ـ كما عن الأشاعرة ـ أو بقاءً فقط ـ كما عن
المعتزلة(7).
أمّا على النحو الأوّل: وهو المصلحة السلوكية بمعنى: أنّ تطبيق العمل على الحجّة ذو
مصلحة يتدارك بها مصلحة الواقع الفائت على تقدير مخالفتها للواقع.
وحيث إنّ المصلحة السلوكية تابعة للسلوك على طبق تلك الحجّة، فهي تتفاوت بتفاوت
مقدار السلوك قلّة وكثرة، ومقدار فوت الواقع قلّة وكثرة.
فإذا قامت أمارة على وجوب صلاة الجمعة، وصلاّها الشخص، ثمّ إنكشف الخطأ قبل نهاية
وقت الظهر، فالمصلحة الواقعية الفائتة هي مصلحة صلاة أوّل الوقت، دون مصلحة الظهر
في وقتها، ودون مصلحة الظهر مطلقاً. فحيث لم تفت المصلحتان، فلا يتدارك بمصلحة
الأمارة القائمة، المصلحتان. وكذا بالنسبة لما إذا إنكشف الخطأ بعد الوقت، فلم تفت
مصلحة القضاء خارج الوقت، ففيهما لم تفت مطلق المصلحة، فليس الأمر فيهما من
التزاحم، لأنّ المتزاحمين لا ينكشف الخلاف فيهما أبداً.
وأمّا في صورة عدم إنكشاف الخطأ أصلا، فهي أيضاً لا تكون من المتزاحمين، إذ دليل
المصلحة السلوكية لا يشمل المتعارضين لأدائه إلى التناقض، إلاّ على القول بالتخيير
في المتعارضين أيضاً، لوجود الجامع.
وأمّا على النحوين: الثاني والثالث من التصويب الذي نقل عن العامّة، سواء التصويب
الحدوثي والبقائي ـ كما عن الأشاعرة ـ أم التصويب البقائي فقط ـ كما عن المعتزلة ـ
فلا يوجب القول بالسببية رجوع التعارض إلى التزاحم مطلقاً، لأنّ مرجع ذلك ـ في كلّ
الصور ـ إلى التناقض، وهو محال.