وإنما ذهب جمع الى عدم امكان الالتزام بالثالث، لوجوه:
الأوّل: ما في الكفاية(1): من إنّ التعارض موجب للعلم بمخالفة أحدهما ـ لا بعينه ـ
للواقع، وإحتمال موافقة الآخر ـ لا بعينه ـ للواقع، وهو حجّة، لأنّ موضوع الحجّية
مركّب من أمرين:
أحدهما: شمول أدلّة الحجّية له.
ثانيهما: إحتمال مطابقة الواقع.
وهذان الأمران مجتمعان في أحدهما لا بعينه، وهو يكفي في الإحراز التعبّدي بنفي
الثالث، إذ الثالث: أمّا ضدّ، أو نقيض، ولا يجتمعان.
نعم، لا يمكن الأخذ بالمدلول المطابقي للحجّة غير المعيّنة، لعدم تعيّنه.
وأُورد عليه بالإشكال المعروف في الفقه والأُصول، والذي يذكر بتفصيل في بحث العلم
الإجمالي وقد تقدّم بيانه مفصّلا: من أنّ الحجّة المردّدة عنوان إنتزاعي لا وجود
له في الخارج، فلا معنى لكونها حجّة، إذ بعد عدم حجّية خصوص ما دلّ على الوجوب،
ولا خصوص ما دلّ على الحرمة، لم يبق شيء يكون موضوعاً للحجّية، ولا نافياً للثالث ـ
لتضادّه أو تناقضه مع الحجّة ـ.
ويجاب عليه نقضاً: بكلّ موارد العلم الإجمالي في المكلّف به، كدوران الأمر بين
الجمعة والظهر، حيث إنّ الملزم للإتيان بهما هو الحجّة المردّدة بين دليل الظهر
ودليل الجمعة، إذ لا حجّية للظهر بخصوصه، ولا للجمعة بخصوصها، والمردّد بينهما
لا وجود خارجي له، فما هو الحجّة الموجبة لإفراغ الذمّة ؟
وكذلك نقضاً أيضاً بقسمين من إستصحاب الكلّي: الثاني، والرابع، ممّا التزم جمع
بحجّية الإستصحاب فيهما.
وهما: القسم الثاني: كالفيل والبقّ، وفي الشرعيات: كالحدث الأصغر والأكبر
المردّد بينهما، حيث إنّه إذا توضّأ علم بزوال الأصغر ـ إن كان ـ وبقاء الأكبر ـ
إن كان ـ مع أصل عدم الأكبر، والنقض هو: إنّ المقدار المتيقّن من الحدث زال،
والباقي إن كان وهو الأكبر لم يثبت حدوثه.
والقسم الرابع: حدوث فرد وإرتفاعه، مع العلم بفرد يحتمل إنطباقه على المرتفع،
وعلى غيره ممّا هو باق، كمن أجنب وإغتسل، ثمّ رأى منيّاً وإحتمل كونه ممّا إغتسل
منه، وغيره حيث حكم بجريان الإستصحاب فيه أيضاً، وكذلك الواجب الكفائي والتخييري.
وحلا: بأنّ الحجّية أمر إعتباري قد يتعلّق ـ حسب إعتبار المعتبر ـ بالموضوع
التفصيلي بالخصوص، كما في القصاص والحدود، وقد يتعلّق بالأعمّ من الإجمالي، وإن
كان دليله في مقام الإثبات: الإطلاق الشامل لموارد العلم الإجمالي، أو العقل
الحاكم بالإستقلال في باب الإطاعة والمعصية: بأنّ الذمّة تشتغل بالعلم.
الثاني: ما ذكره المحقّق النائيني (رحمه الله) وحاصله: إنّ كلّ دليل له ثلاثة
مقامات: الثبوت، والإثبات، والحجّية.
فما دلّ على وجوب الجمعة، له: مقام ثبوت وهو وجوب الجمعة في الواقع واللوح
المحفوظ، ومقام إثبات وهو ظهور الدليل في الدلالة على الوجوب، ومقام الحجّية وهو
كون هذا الظهور حجّة، مقابل عدم الحجّية بالمعارض، أو الإعراض، أو غير ذلك.
ووجود اللازم يتبع وجود الملزوم في الثبوت والإثبات، ولا يتبعه في مقام الحجّية.
وذلك: لأنّ الاخبار عن الملزوم ينحلّ في الواقع إلى إخبارين: إخبار عن الملزوم،
وإخبار عن اللازم، فإذا تبيّن كذب الملزوم، فلا يمكن صدق اللازم مع كذب الملزوم،
أمّا إذا سقط الملزوم عن الحجّية ـ من أجل اللابدّية للمعارضة ـ فهذا لا يكفي في
الدلالة على سقوط اللازم أيضاً، فيبقى اللازم(2).
والفرق بين هذا الوجه، وبين ما ذكره صاحب الكفاية (رحمه الله) هو: إنّ في ذلك نفي
الثالث يكون بأحد المتعارضين لا بعينه، وفي هذا نفي الثالث يكون بلازم كلا
المتعارضين، فانّ لازمهما كليهما يجتمعان على نفي الثالث.
وهذا الذي ذكره المحقّق النائيني (رحمه الله) هو صريح كلام المحقّق الآشتياني (رحمه
الله)في حاشية الرسائل، قال: « إلاّ إنّ إرتفاعه إنّما هو بالنسبة إلى ما تعارضا
فيه، لا بالنسبة إلى غيره، فضلا عمّا تعاضدا على إثباته، فبالنسبة إلى نفي
الثالث لا مانع من الأخذ بهما، لكونهما متعاضدين في الدلالة عليه »(3).
وأُشكل على هذا الوجه بتقريبات أربعة وكلّها مناقش فيها:
الأوّل: ما أُورد نقضاً وحلا:
أمّا نقضاً: فبموارد ليس شيء منها ممّا نحن فيه.
1. منها: ما إذا قامت بيّنة على وقوع قطرة بول على ثوب، ثمّ أُحرز خطأ البيّنة،
وسقوطها في مدلولها المطابقي، فهل يبقى لازمه، بإحتمال تنجّس الثوب بنجاسة أُخرى
؟
وفيه: مع ثبوت خطأ البيّنة، انعدمت الدلالة المطابقية في مقام الثبوت، ولا إشكال
في تبعية الالتزامية للمطابقية في الثبوت ـ حدوثاً وبقاء ـ بخلاف التساقط، فإنّ
الدلالة المطابقية فيه لم تسقط ثبوتاً، بل حجّة.
2. ومنها: ما إذا كانت دار بيد زيد، وادّعاها عمرو وبكر، وادّعت بيّنة: أنّها
لعمرو، وأُخرى، إنّها لبكر، فبعد تساقطها، هل ينفيان الثالث، وهو: كون الدار
لزيد، حتّى تصبح الدار مجهولا للمالك ؟
وفيه: إنّ لازم حجّية إحدى البيّنتين ـ على قول الآخوند (رحمه الله) ـ ولازم
الجامع للبينتين ـ على قول النائيني (رحمه الله) ـ هو: نفي الثالث أيّاً كان سواء
كان الثالث كون الدار لزيد، أم كونها مجهولا للمالك بالمعنى العامّ للمجهول المالك
الذي أمره موكول لحاكم الشرع، لأنّ ذاك أيضاً ثالث، بالنسبة للمعلوم بالإجمال الذي
هو كالمعلوم بالتفصيل حجّة.
وبعبارة أُخرى: صحيح الدار لا تكون شرعاً لزيد ـ ذي اليد ـ بعد العلم الإجمالي
بأنّها: إمّا لعمرو، أو لبكر، وفي نفس الوقت: لا تكون مجهولا للمالك.
فإذا أراد رابع إستئجار الدار، لا يكفي أن يستأجرها من زيد ذي اليد، بل يجب عليه
إستئذان كلّ من عمرو، وبكر.
وتعامل الدار معاملة جميع الموارد المالية، التي تعلّق بها العلم الإجمالي.
3. ومنها: ما إذا أخبر شاهد واحد عدل بكون الدار لعمرو ـ في المثال الآنف ـ وشاهد
واحد آخر بكونها لبكر، فلا حجّية لشيء منهما في مدلولهما المطابقي مع قطع النظر عن
المعارضة ـ لتوقّف حجّية الشاهد في الماليات إلى إنضمام اليمين ـ فهل يمكن الحكم
بمدلولهما الإلتزامي، وإنّ الدار ليست لذي اليد زيد، لاتّفاق الشاهدين بالنسبة
إليه، فلا حاجة إلى أخذ الدار من زيد إلى اليمين ؟
وفيه: الظاهر إنتزاع الدار من زيد لإجتماع البيّنة عليه، لأنّه علم شرعي، وحكمه
حكم العلم الإجمالي الوجداني، فإذا علم إنّ الدار: إمّا لعمرو، أو لبكر، ففي
ترتيب أحكام الملك هل يحكم بالدار لزيد، لليد ؟ كلاّ.
ولذا فرّق الفقهاء في الآثار، ففي الجواهر ممزوجاً بالشرائع: « ولو تعارض في ذلك
بيّنتان على غير واحدة، كما لو شهد إثنان على سرقة شيء معيّن في وقت، وآخرون على
سرقته في غيره على وجه يتحقّق التعارض بينهما... سقط القطع للشبهة، ولم يسقط
الغرم، بلا خلاف، لثبوت سرقة العين باتّفاق البيّنتين »(4).
مع إنّ ذلك دلالة التزامية على الاتّفاق دون المطابقية.
4. ومنها: ما إذا كانت دار تحت يد زيد، وشهدت البيّنة: بأنّ الدار لزيد، وأقرّ
زيد بعدم كون الدار له، فلا إشكال في سقوط البيّنة في مدلولها المطابقي ـ وهو كون
الدار لزيد ـ لتقدّم الإقرار عليها، فهل يبقى المدلول الإلتزامي للبيّنة ـ وهو:
عدم كون الدار لغير زيد ـ ؟
وفيه: المدلول الإلتزامي للبيّنة أيضاً معارض بالأقوى، وهو: المدلول الإلتزامي
للإقرار، وهو: كون الدار لغير زيد.
إذن: فالمثال خارج تخصّصاً عن مورد البحث، لأنّ البحث إنّما هو في بقاء المدلول
الإلتزامي غير المعارض، لا الإلتزامي المعارض.
وأمّا حلا: فهو إنّ الأخبار عن الملزوم وإن كان إخباراً عن اللازم، إلاّ أنّه ليس
إخباراً عن اللازم بوجوده السعي، بل إخباراً عن حصّة خاصّة هي لازم له، فإنّ
الإخبار عن وقوع البول على الثوب، ليس إخباراً عن نجاسة الثوب بأي سبب كان، بل
إخبار عن نجاسته المسبّبة من وقوع البول عليه، فمع العلم بخطأ البيّنة في الملزوم
يعلم بخطأها في اللازم أيضاً.
وأمّا النجاسة بسبب آخر فهي وإن كانت محتملة، إلاّ أنّها خارجة عن مفاد البيّنة.
وكذا الخبر الدالّ على وجوب الجمعة يدلّ على حصّة من عدم الإباحة ـ وهي حصّة عدم
الإباحة اللازم للوجوب ـ لا مطلق عدم الإباحة.
وكذا الخبر الدالّ على الحرمة يدلّ بالملازمة على حصّة خاصّة من عدم الإباحة اللازم
للحرمة، لا مطلق عدم الإباحة، فإذا سقط الوجوب والحرمة ـ بالتعارض ـ سقطا في
المدلول الإلتزامي لهما أيضاً، وهما: الحصّتان الخاصّتان من عدم الإباحة، لا
مطلق عدم الإباحة، ولذا لا ينفيان الثالث مطلقاً، بل مقدار اللازم من الثالث.
وكذا في بقيّة الأمثلة.
أقول: المفاهيم إنطباقها على مصاديقها ليس على نحو الحصص، بل على نحو المصداقية
بما هي هي، نعم قد تكون بعض المفاهيم متواطئة فيكون إنطباقها على مصاديقها بالسوية، كالرجل، والمرأة، والبيّنة، والماء، ونحوها، وقد يكون بعض المفاهيم مشكّكة
فيكون إنطباقها على مصاديقها بمراتب، بعضها أولى من بعض، للأقوائية، أو الأشدّية، أو الأكثرية، أو للأوّلية، كالمقدار، حيث انّ الرطل مقدار، ونصف الرطل مقدار، وإنطباق مفهوم المقدار على الرطل أولى لأكثريته، من إنطباقه على نصف الرطل،
وكذا الحرارة، فإنّ إنطباقها على النار أولى لأوّليته بالنسبة لإنطباق مفهوم
الحرارة على الحرارة الحاصلة من النار في الإناء، أو في الطعام.
فالمفاهيم لها مراتب، وليس لها حصص، فكلّ مصداق ـ لأي مفهوم ـ مصداق كامل لذاك
المفهوم، لا حصّة من ذاك المفهوم.
فالدليل القائم على الوجوب: الملزوم، قائم على عدم الإباحة: اللازم، فكما إنّ
الوجوب مفهوم ينطبق على مصاديق الوجوب إنطباقاً كاملا، فليس وجوب صلاة الظهر حصّة
من الوجوب، بل هو مصداق تامّ للوجوب، كذلك الإباحة المنفيّة عن صلاة الظهر ليست
حصّة من الإباحة، بل مصداق تامّ للإباحة.
فكما إنّ الإباحة في شرب الماء ـ الذي دلّ عليها الدليل المستقلّ ـ ليست حصّة من
الإباحة، بل مصداق لمفهوم الإباحة، كذلك الإباحة المنفية ـ بغير إستقلال ـ
المستفادة من الوجوب، أو الحرمة.
وكذلك بقيّة الأمثلة، من الملكية، وعدمها، والطهارة، وعدمها، ونحوها.
وإختلاف الأسباب لا يلازم إختلاف الحصص، فالطهارة الحاصلة من الماء، عين الطهارة
الحاصلة من الشمس، أو الأرض، إلاّ أنّها ذات مراتب أحياناً، والملكية الحاصلة من
الإرث، عين الملكية الحاصلة من البيع، وهكذا.
إذن: فالوجوب ينفي الإباحة التي ينفيها الحرمة، والنجاسة تنفي الطهارة التي
تنفيها النجاسة الأُخرى، وهكذا، وبإجتماعهما ينفيان الثالث.
نعم، للنجاسة مراتب شدّة وضعفاً، ولكنّها كلّها مجتمعة في إنّها تنفي الطهارة.
الثاني: إنّ الدلالة العقلية الإلتزامية ليست من دلالة اللفظ على المعنى، بل من
دلالة المعنى على المعنى، فهناك في الحقيقة: دالاّن ومدلولان، أحدهما: اللفظ
والمعنى المطابقي، والآخر: المعنى المطابقي والمعنى الإلتزامي.
وذلك: لأنّ الملازمة العقلية بين المعنيين: المطابقي والإلتزامي، ملازمة تصديقية،
فما دام لم تتحقّق المطابقية ـ بوجودها في مقام الحجّية ـ لا وجود للإلتزامية.
فإذا سقطت الدلالة المطابقية عن الحجّية، فليس ما يدلّ على الإلتزامية.
وفيه أوّلا: ليست الدلالة الإلتزامية من دلالة المعنى على المعنى، بل من دلالة
اللفظ على معنيين بينهما تلازم، فالدالّ هو اللفظ، لكن سبب الدلالة للإلتزامية:
المطابقية، كما إنّ الدلالة الإلتزامية كاشفة عن المطابقية.
وبتعبير أدقّ: التلازم بين المطابقية والإلتزامية هو السبب لدلالة اللفظ عليهما،
فلفظة: الشمس، تدلّ بالمطابقة على هذه الكرة النارية الخاصّة، وللتلازم بين
الكرة وبين الضوء، تدلّ لفظة الشمس على الضوء الخاصّ أيضاً، لا إنّ لفظة الشمس
تدلّ على الكرة فقط دون الضوء، والكرة تدلّ على الضوء.
إذن: فلو سقطت المطابقية بعارض لم يسقط الدالّ ولا المدلول ـ وهو الإلتزامية ـ.
وثانياً: الدلالة المطابقية بالنسبة لأمرين على أنحاء:
1. الدلالة على كلّ منهما معيّناً.
2. الدلالة عليهما جميعاً.
3. الدلالة على أحدهما لا بعينه.
فدليل حجّية البيّنة، بالنسبة لبيّنتين قائمتين على طهارة الثوب، وعلى طهارة
العباءة ـ كلّ بإنفراد على أنحاء:
1. شمول أدلّة حجّية البيّنة لبيّنة طهارة الثوب وشمولها لبيّنة طهارة العباءة كلّ
بإنفراد.
2. وشمولها لكلتيهما جميعاً.
3. وشمولها لإحدى البيّنتين ـ بهذا العنوان غير المعيّن عندي، والمعيّن واقعاً ـ.
فإذا سقطت دلالة أدلّة حجّية البيّنة على النحوين الأوّلين، بقيت الدلالة على
النحو الثالث، وهي دلالة مطابقية تنفي بالإلتزام الثالث، ويكفي هذا المقدار
للدلالة الإلتزامية، وهي: نفي الحجّية للثالث.
الثالث: إنّ ملاك الحجّية في الدلالتين واحد، فإذا سقطت المطابقية، لا يبقى وجه
لحجّية الإلتزامية.
بيانه: إنّ ملاك الحجّية في الأخبار هو: أصالة عدم الخطأ ـ الشامل للكذب
والإشتباه والجهل وغيرها ـ وفي الإنشاء هو: أصالة تطابق الإرادتين: الجدّية
والإستعمالية، فإذا سقطت المطابقية ـ بظهور الخطأ في الخبر، وظهور عدم التطابق
بين الإرادتين في الإنشاء ـ لم يبق وجه لبقاء الدلالة الإلتزامية، لعدم كونها
بدالّ مستقلّ عن المطابقية، وبكاشف ثان.
وفيه: إنّ هذا صحيح في حدود ثبوت الخطأ في الخبر، وفي حدود ثبوت عدم تطابق
الإرادتين في الإنشاء.
وهو في الخبر الواحد الذي ثبت خطأه، والإنشاء الواحد الذي ثبت فيه عدم تطابق
الإرادتين.
أو في الخبرين اللذين ثبت خطأهما جميعاً، وفي الإنشائين اللذين ثبت عدم تطابق
الإرادتين فيهما.
أمّا في الخبرين اللذين ثبت خطأ أحدهما فقط ـ لا كليهما ـ وفي الإنشائين اللذين ثبت
عدم تطابق الإرادتين في أحدهما ـ لا كليهما ـ كالأمرين اللذين ثبت كون أحدهما ـ غير
المعيّن للمكلّف ـ تقيّة، أو أُريد به الخبر لا الإنشاء، كما إذا قال زيد لعمرو:
بعتك الدار، وبعتك البستان، وعلمنا: إنّه أراد الخبر ـ لا الإنشاء ـ في أحدهما
غير المعيّن عند المخاطب ـ والمعيّن عند المتكلّم ـ فهل لازمه وهو تمليك أحدهما
للمشتري لا يتمّ ؟
وفي التقيّة: هل لازم ذلك وهو عدم إباحة ـ أحد الأمرين ـ لا يجري، حتّى لا يجب
الإحتياط للشكّ في المكلّف به ؟
الرابع: التفصيل في المقام وقد ذكره بعضهم: وهو تبعية الدلالة الإلتزامية في
السقوط للمطابقية فيما لم تكن الإلتزامية ـ عرفاً ـ واضحة وبيّنة، وعدم التبعية في
السقوط فيما إذا كانت واضحة بيّنة.
ووجهه: إنّ مع وضوح الإلتزامية، تصير عرفاً بمنزلة مدلولين مستقلّين، فإذا سقط
أحد المدلولين لم يسقط الثاني، كالرواية المتضمّنة لعدّة أُمور، فإذا سقطت في
بعضها، لا تسقط في الآخر.
وربما يمثّل للواضح: بالبيّنتين القائمتين على ملكية الدار لزيد، ولعمرو، الدالّتين
ـ بالإلتزام ـ على عدم إباحتها.
ولغير الواضح: بالبيّنتين القائمتين على إنّ الإناء الذي وقع فيه النجاسة، هذا،
أو ذاك، الدالّتين بالإلتزام ـ الشرعي ـ على نجاسة الملاقي، حيث إنّ هذا الإلتزام
ليس بذاك الوضوح، ولعلّ السرّ في عدم التزام البعض ـ من المشهور ـ لنجاسة الملاقي
هو ذلك، والله العالم.
وفيه: إنّ الوضوح، وعدمه، ليس غير سرعة الإلتفات، وعدم سرعته، وهذا وحده لا يكفي
مسقطاً للظهور العرفي إن كان.
فالظهور العرفي ـ الذي هو الملاك للحجج ـ هو الدلالة، سواء عرفت الدلالة بلا تريّث، أم مع التريّث،
فتأمّل.
الثالث: ما ذكره بعضهم: من إنه إذا كانت الحجّية بمعنى: لزوم الإلتزام، فإنّ الإلتزام بالملزوم، لا يجامع عدم الإلتزام بلازمه، فالتعبّد بالإلتزام بالملزوم، يستلزم التعبّد بالإلتزام بلازمه، فيجب الإلتزام باللازم ـ لا من حيث إنّه مخبر به تبعاً، بل من حيث إنّ لزوم الإلتزام بالمخبر به، يستلزم لزوم الإلتزام بلازمه.
وقد يستشكل عليه بأُمور، كلّها قابلة للمناقشة.
أحدها: إنّ الحجّية ليست سوى التنجيز والإعذار، ولزوم الإلتزام من لوازمها، أو هي
نفسها.
وفيه: إنّه لا فرق بينهما فيما نحن فيه، إذ المهمّ عدم إمكان التنجيز والإعذار، مع
عدم الإلتزام بلوازمهما.
وبعبارة أُخرى: لا يمكن الجمع بين جعل الحجّية لطهارة الماء، مع عدم جعل لوازم
الطهارة إلاّ إستثناءً بدليل أقوى.
ثانيها: إنّه إذا كان لزوم الإلتزام بشيء كاشفاً عن لزوم الإلتزام بلوازمه، إقتضى
جريان ذلك في الأُصول العملية أيضاً، فتكون مثبتاتها حجّة أيضاً، ولا يمكن الإلتزام
به.
وفيه: إنّه لا يتمّ ذلك في الأُصول العملية إذا كان التعبّد فيها بعناوينها
الخاصّة، كالمجهول في البراءة، والمتيقّن السابق في الإستصحاب، ونحوهما ـ وليس
كذلك ـ بل المجهول في الأُصول العملية التعبّد بعنوان الجري العملي على العدم في
البراءة، والجري العملي طبق المتيقّن السابق في الإستصحاب، وهكذا.
فالدليل في الأُصول العملية لا يدلّ على أكثر من الجري العملي طبقها، دون جعل
مؤدّياتها، وتنزيلها منزلة الواقع.
ثالثها: إنّ الإلتزام باللازم إن تمّ، فإنّما هو ما دام الملزوم، فإذا سقط الملزوم
فلا معنى لبقاء اللازم.
وفيه: إنّه قد تقدّم: عدم التلازم في السقوط مطلقاً، إلاّ فيما تعارضا، وما لم
يكن تعارض في الدلالتين الإلتزاميتين، فلا سقوط فيهما.
رابعها: إنّ هذا الإلزام للازم المستفاد من الإلزام بالملزوم، ليس بغير حكم العقل
بعدم إمكان التفكيك بين المتلازمين نظير وجوب المقدّمة، فليس وجوباً شرعياً.
وفيه: الأثر أعمّ من الوجوب الشرعي، فلا يتقيّد به كما لا يخفى.
الرابع: ما يظهر من كلمات المحقّق الايرواني (رحمه الله): من إنّ أدلّة الحجّية بالنسبة لكلّ خبرين شاملة لهذا معيّناً، ولذاك معيّناً، ولجميعهما منضمّين، ولكلّ منهما غير معيّن عند المكلّف، فإذا سقطت الثلاثة الأُوَل، ولم يسقط الرابع، بقي الرابع على الحجّية، والرابع له فردان، فإذا علمنا بعدم حجّية أحد فرديه، كذلك نعلم ببقاء الحجّية للفرد الآخر، وبذاك الفرد الحجّة يُنفى الثالث، وكفى به أثراً للحجّية(5).
ولا يرد عليه إلاّ ما أُورد على الأوّل: من إنّ المردّد لا وجود له، وجوابه، جوابه.
ثمّ إنّه يظهر من بعض المسائل في الفقه: التزام الفقهاء بنفي الثالث، حتّى بعض
الذين صرّحوا في الأُصول بعدم النفي.
1. منها: مسألة تعارض إقرارين من شخص واحد لعين واحدة، لشخصين، حيث إنّهم أفتوا
فيها بوجوب إعطاء العين للأوّل، والغرم للثاني بالقيمة(6).
مع إنّه بالسبر والتقسيم لا وجه لذلك، لأنّه:
1. إن تمّ الإقرار الأوّل، كانت العين للأوّل، ويكون الإقرار الثاني إقراراً في حقّ
الغير، فلا أثر له.
2. وإن كان الإقرار الثاني قرينة صارفة لظهور الأوّل، كانت العين للثاني، فلا أثر
للإقرار الأوّل.
3. وإن تعارض الإقراران، سقطا عن الحجّية، وعلى القول: بعدم نفي الثالث، تبقى العين
على حالتها الأُولى لمن له يد عليها.
إذن: فإعطاء العين للأوّل، وغرامة القيمة للثاني لا وجه له، إلاّ الإجماع المنقول
غير الحجّة على المشهور عند كثير من المتأخرين لإشكاله كبرى أيضاً بالمدركية، ولا
أقلّ من إحتمالها، ولذا أشكل عليه جمع من الفقهاء قديماً وحديثاً(7).
2. ومنها: ما في منهاج الصالحين، في أوّل كتاب الإقرار: « لا يعتبر في نفوذ الإقرار
صدوره من المقرّ ابتداءً، وإستفادته من الكلام بالدلالة المطابقية، أو التضمّنية،
فلو استفيد من كلام آخر على نحو الدلالة الإلتزامية، كان نافذاً أيضاً »(8).
3. ومنها: غير ذلك ممّا يجده المتتبّع في كتب الفقه.
والحاصل من المخض المذكور كلّه: إنّه إذا تساقطت حجّتان للتعارض، ولم يكن بين
لوازمهما ـ وهي حجّة بنفسها ـ تعارض، تبقى حجّية اللوازم، ونتيجتها: نفي الثالث،
إلاّ بدليل خاصّ، كما في موارد عديدة من كتاب القضاء، حيث تتوفّر فيه الأدلّة
الخاصّة، لعدم التساقط، أو لعدم نفي الثالث في صورة التساقط.