القول الثالث: التفصيل بين تساوي الأمارتين واختلافهما

وأمّا القول الثالث: فهو التفصيل بين كون الأمارتين متساويتين إثباتاً، أو نفياً، كما إذا قال بعض الأعراب: هذا الميقات، وقال آخر منهم: ذاك الميقات، فالتساقط أو التخيير ـ على الخلاف ـ.
وأمّا مع إختلافهما: قدّمت أمارة الإثبات مطلقاً أي: سواء كانت أمارة النفي مستندة إلى الحسّ أو الحدس ـ في الأمارات التي حجّيتها مطلقة حتّى مع إستنادها إلى الحدس كاليد ـ كما إذا قال ذو يد: هذا الماء طاهر فتوضّأ به، وقال ذو اليد الآخر: هذا الماء نجس فلا تتوضّأ، بل تيمّم.
وإستدلّ له: بأنّ أمارة الإثبات مستندة إلى العلم، بخلاف أمارة النفي.
وفيه ـ مضافاً إلى أنّ أمارة النفي قد تستند إلى العلم، بل الحسّ، وأمارة الإثبات قد تستند إلى الحدس، أو الأصل ـ: إنّ الملاك حجّية الأمارة المطلقة الشاملة لكلّ ما كان لها من مستند.
نعم، إذا ظهر إنّ إحدى الأمارتين: أمارة على الواقع، والأُخرى على الظاهر، قدّمت الأُولى لحكومتها على الأُخرى.
مثلا: إذا قال ذو يد: هذا الماء ليس طاهراً لأنّي رأيته لاقى نجساً، وقال ذو يد آخر: هذا الماء طاهر، لأنّه كان يوم أمس طاهراً، قدّمت أمارة الواقع وإن كان نفياً ـ كالمثال ـ.
والحاصل: إنّ هذا ليس واقعاً تفصيلا في المسألة.


القول الرابع: التفصيل بين ما وُجد فيها مرجّح وعدمه

وأمّا القول الرابع: فهو التفصيل بين وجود رجحان لإحدى الأمارتين وعدمه، بوجوب الترجيح في الأوّل، والتوقّف، أو التساقط، أو التخيير في الثاني.
نقل ذلك عن الشيخ الطوسي (رحمه الله)، والعلاّمة، وأصحاب المعالم، والمنية، والوافية، وغيرهم، بل نسبه العلاّمة في النهاية إلى المحقّقين.

الاستدلال للقول الرابع بأُمور
الأمر الأوّل

إستدلّ لذلك بأُمور، أنهاها في المفاتيح إلى عشرة، نذكر بعضها:
أحدها: الإجماع المنقول مستفيضاً، نقله جمع، منهم: العلاّمة (رحمه الله) في النهاية قال: « لنا الإجماع على العمل بالترجيح والمصير إلى الراجح من الدليلين »(1).
وفيه ـ مع وضوح الخلاف ـ: لا مجال لإدّعاء الإجماع.

الأمر الثاني

ثانيها: السبر والتقسيم إلى خمسة إحتمالات وبطلان أربعة بالعقل وهي: تركهما، وتعيين المرجوح، والترديد بينهما، والتخيير، فتركهما: لعدم خروج الحجّة عنهما، وتعيين المرجوح: لقبحه عقلا، والترديد: لعدم وجود خارجي له، والتخيير بين الراجح والمرجوح: قبيح.
وفيه: التخيير صحيح، إذ القبيح إنكار الرجحان الذي مرجعه إلى التناقض، امّا جعل الراجح راجح العمل لا واجبه غير قبيح، بل إيجابه بلا دليل.

الأمر الثالث

ثالثها: بناء العقلاء على وجوب العمل بالراجح، وهذا عمدة الأدلّة في كلّ التراجيح.
والنقاش في إنّ العقلاء هل يوجبون الترجيح، أم يحسنون الترجيح ـ بما هو ـ مع عدم مزاحمته بالمزاحمات ولو البسيطة: من الأسهلية، أو الأقليّة بذلا للمال، أو نحو ذلك ؟
والظاهر: الثاني على ما تحقّق في بحث تقليد الأعلم في الفقه.

الأمر الرابع

رابعها: المرسل المروي عن النبي (صلى الله عليه وآله): « ما رآه المسلمون حسناً، فهو عند الله حسن، وما رأوه قبيحاً فهو عند الله قبيح » بضميمة: إنّ العرف يرون ترجيح الراجح(2).
وفيه ـ مضافاً إلى أنّه مرسل عامّي وقد رواه البحار(3) عن علماء العامّة حين مناقشتهم للمأمون العبّاسي في الإمامة ـ: إنّ المراد من: « المسلمون » إن كان الكلّ، كان هو الإجماع المحصّل الذي لا كلام في حجّيته، وإن كان المراد: البعض، تناقض، لتناقض المسلمين بعضهم مع بعض حتّى في العقائد، فكلّ أمر رآه المسلمون حسناً، ورأوه قبيحاً، مضافاً إلى عدم دلالته على اللزوم، إلاّ بالمناط.

الأمر الخامس

خامسها: أصالة التعيين في الدوران بينه وبين التخيير.
وفيه: إنّ الشكّ في براءة الذمّة بالتخيير ـ الذي هو عمدة مستند أصالة التعيين ـ مسبّب عن الشكّ في وجوب الترجيح، فإذا جرى أصل عدم وجوب الترجيح يرتفع موضوع الأصل المسبّبي، مضافاً إلى الدوران بين تعيينين.

الأمر السادس

سادسها: ما في المفاتيح أيضاً(4): من إنّ التخيير، أو التوقّف يؤدّي إلى التزام تخصيصات كثيرة في عمومات حجّية الظنون الخاصّة: كالبيّنة، وقول ذي اليد، وخبر الثقة، وغيرها، لأنّ أغلب الموارد فيها مرجّحات، وهو يؤدّي إلى سقوط عموماتها عن الحجّية.
وفيه أوّلا: موارد التعارض ليست كثيرة، بل بالنسبة إلى غيرها قليلة.
وثانياً: إنّها تخصّصات لعدم شمول أدلّة الحجّية موارد التعارض.
وهناك أدلّة أُخرى لم نذكرها لكفاية ما ذكرناه منها، ومن أرادها فليراجع الكتب المعتبرة: كالقوانين، والفصول، والإشارات، والمفاتيح، وتقريرات شريف العلماء، والقواعد الشريفية، وحقائق الأُصول، وتبيان الأُصول، وبشرى الأُصول.

مع عدم الترجيح

مع عدم الترجيح
ثمّ إذا لم يكن ترجيح ـ فعلى هذا القول بوجوب الترجيح مع وجوده ـ فالمحتملات ثلاثة:
1. التوقّف في الفتوى، والإحتياط في مقام العمل، لأنّه شكّ في المكلّف به، وهو مسرح الإحتياط.
ووجه التوقّف:
أ ـ إنّه قول بغير علم، فيدخل في قوله تعالى: (وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ)(5) صرّح بذلك العلاّمة المجلسي (قدس سره) في البحار(6).
ب ـ ولأنّه من الشبهة التي أمرنا بالتوقّف فيها، وقد تقدّم أخباره في البراءة(7).
2. التساقط، لما تقدّم في أدلّة التساقط مطلقاً، وتكون النتيجة المعبر إلى الأُصول العملية، وهي قد توافق الإحتياط، وقد تخالفه، حسب إختلاف الموارد.
3. التخيير، ووجوب العمل بأحدهما لا على التعيين، لأدلّة التخيير مطلقاً السابقة.
أقول: إن تمّ المصير إلى التخيير ببناء العقلاء ونحوه، فلا تصل النوبة إلى الأوّلين، وإلاّ فإن تمّ التساقط للأدلّة العقلية أو العقلائية فلا توقّف، وإلاّ فالتوقّف.
والحاصل: إنّ التوقّف مورده بعد عدم تمامية الإحتمالين الآخرين، فتأمّل.


هنا تنبيهات

التنبيه الأوّل

الأوّل: هل يجب الفحص عن المرجّح مطلقاً، أو عند العلم ـ ولو إجمالا ـ بوجوده، أو حتّى عند الظنّ به، إحتمالات ثلاثة، ولكلّ وجه.
فللأوّل: إحتمال عدم حجّية إحدى الأمارتين، ومعه كيف يسوغ العمل بهما ـ على القول بالتخيير ـ ؟ أم كيف يسوغ إسقاط الحجّة منهما ـ على القول بالتساقط ـ ؟
وللثاني: إنّ خروج العلم تخصّص لا يحتاج إلى دليل، بل يكفيه دليلا وجوب الترجيح مع وجوده.
وللثالث: بناء العقلاء في مثله على الظنّ وحجّيته.
وللرابع: وهو عدم وجوب الفحص عن المرجح مطلقاً أصالة عدم وجود مرجّح، وبما إنّ المورد من الموضوعات ولا فحص فيها، فلا يجب الفحص حتّى مع الظنّ لأنّه بحكم الشكّ شرعاً.
أقول: الأحوط بل الأقرب: الأوّل، للشكّ في الحجّية بدونه، إذ حجّية كلّ أمارة ـ بما هي ـ إنّما هي على نحو الإقتضاء، لا العلّة التامّة، فإذا لم يكن معارض كالعلّة التامّة، ونفي المعارض بالأصل لا يثبت عدم المعارض، إلاّ على القول بتعدّد الموضوع في مثله، فتأمّل.
وإستقرب السيّد الطباطبائي (قدس سره) في المفاتيح الأوّل.
وهذا نظير الفحص عن المعارض في توثيقات الرجال، وعن المعارض في الأخبار.
ووجه ذلك كلّه: العلم الإجمالي بوجود معارض في بعض الموارد ـ ممّا هو محلّ الإبتلاء ـ.
نعم، خرج عن ذلك أبواب القضاء والشهادات، لعدم هذا العلم الإجمالي، وللإجماع كما ادّعى ؟

التنبيه الثاني

الثاني: ما هو المرجّح هنا ؟ هل هو المرجّح في الأخبار المتعارضة على الأقوال الأربعة:
1. المنصوصة فقط.
2. أو مع غيرها من كلّ ما أورث الظنّ بالرجحان.
3. أو حتّى محتمل الرجحان.
4. أو حتّى القياس.
الظاهر: إنّه لا تلازم بين المسألتين ـ وإن اشتركا في بعض الأدلّة ـ فإن كان دليل أصل الترجيح: بناء العقلاء، أو أصالة التعيين، فمقتضاه هو الرابع، وهو: الترجيح حتّى بمثل القياس.
اللهمّ إلاّ إذا استفيد من أدلّة مبغوضية القياس مبغوضيته مطلقاً، حتّى بمثل الترجيح ـ كما لا يستبعد ـ.
أمّا إذا قلنا بحرمته في الإستدلال به للحكم الشرعي مستقلا فقط، لأنّه المنصرف، أو المتيقّن من أدلّة تحريمه ـ كما ذهب إليه البعض، وتقدّم في بحث الترجيح بالظنّ القياسي ـ كان للترجيح به مجال.
وإن كان دليل أصل الترجيح: غيرهما من الإجماع، أو السبر والتقسيم، ونحوهما، فالمتيقّن منه ما أورث الظنّ الجيّد، لا مطلق الظنّ أيضاً، لأنّه المتيقّن من إخراج المرجوح عن أدلّة الحجّية، فتأمّل.

التنبيه الثالث

الثالث: فيما إذا في تزاحم المرجّحات في الطرفين، فإنّه يلاحظ الأقوى حسب حدس المكلّف، فقد يكون مرجّح واحد أقوى من عدّة مرجّحات، فوجوده في جانب يرجّحه على الآخر مع تواجدها فيه.
فالأمر منوط بالكيف، لا بالكمّ، كما لا يخفى.

التنبيه الرابع

الرابع: إذا شكّ الفقيه في إنّ الأصل في المتعارضين: التساقط، أو التخيير، أو الترجيح، أو تقديم المثبت ؟
ربّما يقال: إنّ الأصل: التساقط، للشكّ في حجّية شيء من الأمارتين في حال التعارض، والأصل: عدم الحجّية.
كما إنّه على القول الرابع: وهو الترجيح لما وُجد فيها مرجّح وعدمه، فإنّه مع عدم وجود مرجّح إذا شكّ في إنّ الأصل ـ حينئذ ـ: الوقف، أو التخيير، أو التساقط، كذلك الأصل: التساقط، لما تقدّم آنفاً.
إلاّ إنّ طريق الإحتياط جيّد السلوك، والله العالم.
 

الإلتزام بالثالث بعد التساقط

ثمّ إنّه بناءً على القول بتساقط الأمارتين عن الحجّية عند التعارض، فهل يجتمعان في نفي الثالث ؟
وبعبارة أُخرى: فهل هما حجّتان في ذلك ؟
لا إشكال في ذلك إذا علم ـ وجداناً أو تعبّداً ـ بمطابقة أحد المتعارضين للواقع، إذ نفس هذا العلم الإجمالي كاف في العلم بنفي الثالث.
وهذا ما صرّح به المحقّق الآشتياني (رحمه الله) فيما ذكره إنّه ممّا إستفاده من أُستاذه الشيخ (رحمه الله) في الكتاب ومجلس الدرس، قال: « ثمّ إنّ هذا الذي ذكرنا فيما لم يعلم بثبوت مدلول أحد المتعارضين، وإلاّ فلا حاجة إلى الكلفة المذكورة في نفي الثالث كما هو واضح »(8).
وعليه: فإذا دلّ دليل على الوجوب، ودليل آخر على الحرمة، وعلم بمطابقة أحدهما للواقع، كفى هذا العلم في حصول العلم بعدم الإباحة، لأنّ حجّية الحجج إنّما هو في فرض إحتمال المطابقة للواقع، وأمّا مع العلم بالعدم، فلا حجّية.
وذلك يكون في موارد كان بين الدليلين تناقض: كوجوب غسل الجمعة وعدم وجوبه، وهنا ميقات وانّه ليس بميقات ـ في الحكم والموضوع ـ أو تضادّ في مورد لا ثالث لهما: كالنهار والليل بالنسبة للصوم شرعاً، وإن كان لهما ثالث: بين الطلوعين كما في بعض الأخبار.
أمّا إذا إحتمل مخالفة كليهما للواقع، كما إذا أفتى مجتهدان بوجوب وحرمة شيء، واحتملنا خطأهما جميعاً، كوجوب وحرمة صلاة الجمعة، لإحتمالنا إستحبابها، فقد ذهب جمع، منهم صاحب الكفاية والنائيني والحائري (رحمهم الله) وآخرون إلى عدم إمكان الإلتزام بالثالث.


(1) المفاتيح: ص686.
(2) المفاتيح: ص687 نقلا عن نهاية العلاّمة وغاية المباديء.
(3) البحار: ج48 ص202.
(4) المفاتيح: ص686.
(5) الإسراء: 36.
(6) البحار: ج108 ص112 طبعة طهران.
(7) البحار: ج2 ص258، الباب 31.
(8) بحر الفوائد: بحث التعارض، ص26، الطبعة الحجرية.