المقام الثاني: حكم التعارض

تأسيس الأصل في التعارض

وأمّا المقام الثاني: وهو في حكم التعارض الكلّي، فقد قال بعضهم: لا إشكال في عدم الثمرة للأصل مع الدليل، لأنّه أصل حيث لا دليل، والدليل في الأخبار المتعارضة موجود: من الترجيح، أو التخيير، على المباني المختلفة في مواردها.
فيبقى لبحث الأصل في التعارض موارد غير الأخبار: من تعارض ظاهري آيتين، أو ظاهري خبرين قطعيين: من متواترين، أو محفوفين بقرائن توجب القطع بالصدور.
وكذا تعارض الأمارات في الشبهات الموضوعية: كالبينتين، واليدين، ونحو ذلك.
أقول: إن كان المراد بالأصل: الأعمّ من الأمارة. كما هو كذلك لبحث تعارض الأخبار هنا. شمل الأخبار المتعارضة.
وإن كان المراد بالأصل: خصوص الأُصول العملية، فلا معنى للإستدلال على التساقط، أو التخيير، ببناء العقلاء لأنّه أمارة.
اللهمّ إلاّ على ما ذكرناه في أوّل الإستصحاب: من أنّ البناء العقلائي منه أمارة ومنه أصل.


أقوال المسألة

ثمّ إنّ هناك خلافاً في الأصل في المتعارضين، فالمشهور على التساقط مطلقاً، وجمع قديماً وحديثاً على التخيير مطلقاً، وآخرون على تفصيلات مختلفة.


القول الأوّل: التساقط مطلقاً ووجوه أدلته

الوجه الأوّل

مجمل أدلّة المشهور أُمور:
أحدها: إشكال إثباتي، وهو: أنّ الدليلين المتعارضين، إن كان وجه حجّيتهما بناء العقلاء، فلم يحرز إطلاق البناء الشامل لموارد التعارض، كحجّية الظهورين المتكافئين: كظهوري فتويين متخالفتين لمرجع تقليد. بخلاف الظاهر والأظهر. فيكونان من المجمل بالعَرَض.
وإن كان وجه حجّيتهما التعبّد، فلا ظهور في إطلاق التعبّد الشامل للمتعارضين، كقوله (عليه السلام): « أو تقوم به البيّنة »(1) وكالمجتهدين حيث يشملهما إبتداءً قوله (عليه السلام): « الفقهاء »(2) في مستفيض الروايات.
وفيه: إن تمّ بناء العقلاء على التخيير فبها، وكذا يفيد الإطلاق بصورة عدم الأخذ بالآخر.

الوجه الثاني

ثانيها: إشكال ثبوتي، وهو: إنّ الإحتمالات المتصوّرة في حجّية المتعارضين خمسة:
1. حجّيتهما.
2. حجّية هذا بعينه فقط.
3. حجّية ذاك بعينه فقط.
4. الحجّية التخييرية.
5. سقوطهما.
وحيث لا سبيل إلى شيء من الأربعة الأُولى، تعيّن الخامس.
أمّا الأوّل: فهو تعبّد بالمتناقضين.
الثاني والثالث: ترجيح بلا مرجّح.
الرابع: لا معنى لها، إذ الحجّية التخييرية يعني: تردّد الحجّية بين الوجود والعدم، وهو لا معنى له.
وفيه: إنّ معنى ذلك: عدم إمكان غير التساقط، فيرد عليه:
نقضاً: بالتخيير في الخبرين المتعارضين.
وحلا: بأنّ الحجّية التخييرية غير التردّد في الحجّية. المساوق للشكّ في الحجّية الذي هو مسرح أصل عدم الحجّية..

الوجه الثالث

ثالثها: إنّه لا ثمرة لهذا البحث، إذ لم يلتزم أحد من الفقهاء في الفقه التخيير في مورد، حتّى في تعارض الأخبار. في غير الدوران بين المحذورين الذي التخيير فيه حكم العقل، وهو: اللاّ بدّية، التي مع عدم الترجيح لا قدرة على غير التخيير..
وما ورد: من إطلاقات التخيير في الروايات بين ضعيف السند، أو الدلالة، أو كليهما، أو موردها الدوران بين المحذورين.
وفيه أوّلا: إنّهم في الفقه صرّحوا في موارد عديدة بالتخيير.
منها: في صلاة الجمعة، مع إنّ دوران الوجوب بين الظهر والجمعة ليس من المحذورين، لإمكان جمعهما، وإمكان تركهما.
ومنها: في شرح صلاة المسافر من العروة في مسألة: التساقط بتعارض البيّنتين الدالّتين على حصول المسافة وعدمه قالوا: على ما هو الأصل في المتعارضين، ما لم يدلّ دليل على الأخذ بأحدهما ترجيحاً أو تخييراً. كما في الخبرين..
وهو صريح في إنّ المبنى الفقهي والأُصولي في الخبرين الترجيح، أو التخيير.
وثانياً: إنّ كتب الفقه مشحونة بفتاوي التخيير، وذلك في مختلف الأبواب، ممّا يعسر جمعه.
وثالثاً: إنّ روايات التخيير بعضها معتبر سنداً ودلالة وعملا، مع إنّ بعضها ليس من الدوران بين المحذورين، وسيأتي إن شاء الله تعالى.


القول الثاني: التخيير مطلقاً والاستدلال بأمرين

وإستدلّ القائلون بأصالة التخيير بأمرين:

الأمر الأوّل

الأوّل: عدم المانع ثبوتاً، لما تقدّم في الجواب على أدلّة القائلين بالتساقط.

الأمر الثاني

الثاني: وجود الدليل على التخيير، وهي أُمور:
عقلائي، وعقلي، وعلى المباني، ونقلي.

التخيير وبناء العقلاء

1. فالعقلائي: هو بناء العقلاء على التخيير، فإنّهم إذا تعارض عندهم أمارتان على طرفي نقيض أو تضادّ، ولا يمكن الإحتياط، إختاروا أحدهما، ولا يتركونهما إلى ما لا حجّية له في عرض الأمارتين، كطبيبين، ومهندسين، ونحوهما.

الدليل العقلي والتخيير

2. والعقلي: هو إنّ كلا المتعارضين. لوحده. محتمل الإصابة للواقع، ولا محذور في العمل بهذا العلم الإجمالي إلاّ لزوم التعبّد بالمتناقضين، ويندفع المحذور برفع اليد عن إطلاق الدليلين.
وأشكل: بأنّ لازمه حجّية كلّ منهما عند ترك الأخذ بالآخر، فيعود محذور التناقض عند ترك كليهما، لحجّية كليهما حينئذ.
وفيه: إنّ مقتضى الجمع بين:
1. شمول أدلّة الحجّية لكلّ منهما مستقلا.
2. وشمول إطلاق الحجّية لكليهما معاً.
3. وحصول محذور التناقض.
هو: حجّيتهما على سبيل القضيّة الحقيقية المانعة الجمع والخلو.

التخيير على المباني

3. وعلى المباني: قالوا: إنّ حجّية الأمارة، إمّا على السببية، أو على المصلحة السلوكية، أو على الطريقية المحضة، وفي جميعها لا مقتضى للتساقط عند التعارض.
أمّا على السببية: ففي كلّ من الأمارتين ملاك الحجّية المستقلّة، فإذا تعارضتا كانتا من قبيل المتزاحمين.
مثلا: إذا جعل المولى البيّنة محدثة لمصلحة الأخذ بمؤدّاها، فإذا تعارضت بيّنتان وجدت مصلحتان متزاحمتان في الأخذ بكلتيهما.
وأمّا على مبنى الشيخ الأنصاري (رحمه الله) وجمع: من كون الحجّية على نحو المصلحة السلوكية، فالمصلحة في نفس الأمارة بما هي، والتعارض عارض على كلّ واحدة من الأمارتين، التي في كلّ منهما مصلحة السلوك.
وأمّا على الطريقية المحضة، فلوجود مناط الحجّية في كلّ من الأمارتين حال التعارض، كوجوده قبل التعارض.

إشكال وجواب

وأشكل: بأنّ العلم الإجمالي بكذب أحدهما مانع عن حجّية الكاذب الواقعي غير المعيّن عندنا، وحيث لا سبيل إلى تعيينه. لإحتمال الكذب في واحدة من الأمارتين. فتسقطان عن الحجّية.
وقد يجاب أوّلا: بأنّ مجرّد إحتمال الكذب لا يسقط الحجّة عن الحجّية.
وثانياً: بأنّ العلم الإجمالي بالكذب منجّز لهذا الإحتمال أينما اتّفق إذا لم يكن معارضاً بعلم إجمالي مقابل، وما نحن فيه معارض، للعلم الإجمالي بعدم مطابقة الواقع لأحد هذين الإحتمالين.
وبعبارة أُخرى: العلم الإجمالي بكذب أحدهما، معارض بالعلم الإجمالي بصدق أحدهما، فيتساقطان، وتبقى أدلّة حجّية الأمارتين. على سبيل القضيّة الحقيقية المانعة للجمع للعلم الإجمالي، والمانعة للخلو للعلم الإجمالي أيضاً. بلا مانع.
وإحتمال: إنّ العلم الإجمالي بصدق أحدهما غير منجّز، لعدم الإلزام فيه، غير تامّ، لتنجّز حجّية الأمارة المطابقة للواقع، ووجوب الأخذ بها.
نعم، كلّ مورد كان المؤدّى حكماً غير إلزامي لم يجب الأخذ به، لا إنّه ليس حجّة، فتأمّل.
مضافاً إلى أنّه كثيراً ما يكون ملزماً، كالبيّنة على طهارة الماء المنحصر، الذي يجب. عند حجّيتها. الوضوء والغسل به، ولا يجوز معه التيمّم.
لكن هذا هو الإشكال في أصل تنجّز العلم الإجمالي، الذي لأجله ذهب جمع من المحقّقين إلى عدم التنجّز، وإضطربت كلمات بعض آخر منهم، وقد تقدّم الكلام عليه مفصّلا في الإشتغال، فتأمّل.

الأدلّة النقلية والتخيير

4. والنقل: فإنّ أدلّة تخيير الأخبار يستفاد منها التخيير في كلّ المتعارضات، لا خصوص الأخبار، لشواهد:
أ. فهم عدم الخصوصية، إذ أيّة خصوصية يفهمها العرف في خبر الثقة، لا توجد في غيرها من الأمارات ؟
ويؤيّده: إنّ ذلك مقتضى الطريقية الممضاة الموجودة في الأخبار، وفي غيرها من الأمارات.
ب. وجود شواهد في أخبار تخيير الروايات يستفاد منها. بمجموعها. إنّه لأجل التعارض، لا لخصوصية كون المتعارضين من الروايات.
منها: جملة: « من باب التسليم » الواردة في العديد من الروايات والتي منها: معتبرة الحميري بواسطة الحسين بن روح عن الحجّة صلوات الله عليه: « وبأيّهما أخذت من باب التسليم كان صواباً » وكذا غيرها(3).
ومنها: مرسل الإحتجاج عن الحسن بن الجهم عن الإمام الرضا (عليه السلام): «... إذا لم تعلم فموسّع عليك بأيّهما أخذت »(4) فكلمة: « إذا لم تعلم » كالعلّة للتوسعة والتخيير، فكأنّ ملاك التخيير في الأخبار الجهل بموافقة أيّهما للواقع، لا خصوصية الخبرية، وهذا الجهل يعمّ غير الخبر.

شبهات وردود

إن قلت: هذا كلّه قياس، لإحتمال أن يكون للأخبار خصوصية دون غيرها.
قلت: هذا إيماء وإشارة في هذه الروايات وتراكمها ربّما يجعلها موجباً للإطمئنان، فيخرجه عن القياس، والله العالم.
إن قلت: أخبار التخيير دلّت عليه بعد فقد المرجّحات، فهل يلتزم بمثلها في تعارض غير الأخبار من الأدلّة ؟
قلت أوّلا: فليلتزم، كما التزم البعض في تعارض البيّنتين، بترجيح الراجحة منهما رجحاناً كيفيّاً، أو عددياً.
وثانياً: في نفس الأخبار معظم المحقّقين حملوا المرجّحات على اللاّ إقتضائية، وعلى ذلك جرى الجميع. إلاّ من ندر. في الفقه، حيث عارضوا بين الصحيح والموثّق، وثلاث روايات ورواية واحدة، وهكذا، كما لا يخفى.


(1) الوسائل: الباب 4 من أبواب ما يكتسب به، ح4.
(2) الوسائل: الباب 10 من أبواب صفات القاضي، ح20.
(3) انظر: الوسائل: الباب9 من أبواب صفات القاضي، ح6 و19 و21 و39.
(4) الوسائل: الباب9 من أبواب صفات القاضي، ح40.