أمّا المقام الأوّل: وهو في موضوع التعارض الكلّي، فقد يتصرّف فيهما لإخراجهما عن التعارض الكلّي، لقاعدة: « الجمع مهما أمكن أولى من الطرح » فيؤخذ بكلّ من الدليلين في بعض مفاده، وله تقريبان:
أحدهما: التقريب السطحي، ففي مثل: « ثمن العذرة سحت » و « لا بأس ببيع العذرة »
يحمل الأوّل على عذرة غير المأكول، والثاني على عذرة المأكول.
والوجه فيه: إنّ دليل الحجّية شملهما جميعاً، والمانع هو العمل بتمام المدلول في
كلّ منهما فيلغى ذلك، ويعمل ببعض المدلول في كليهما، ولا محذور فيه.
ويؤيّد ذلك: المناسبات المغروسة في الأذهان في طريقية الظهورات إلى مرادات
المتكلّمين العقلاء.
وهذه المناسبات تعين على تعيين الجزء المأخوذ من كلّ من الدليلين.
وفيه: كما إنّ الأخذ بكلا جزئي واحد من الدليلين وترك الدليل الآخر بكلا جزئيه
يكون بلا دليل، وترجيحاً بلا مرجّح، كذلك الأخذ بجزئين من الدليلين، والمناسبات
ليست سوى إعتبار لم يحرز حجّيته عند العقلاء، وإمضاء الشارع لها.
نعم، إذا وصلت تلك المناسبات إلى حدّ الظهور. كما قد يكون في أمثال النصّ والظاهر
مثل: « يجب » مع « لا بأس بتركه » أو الظاهر مع الأظهر مثل: « قف عند الشبهة » مع
« فاحتط لدينك بما شئت » حيث إنّ « بما شئت » أظهر في عدم الوجوب من « قف » صيغة
الأمر في الوجوب. تعيّن الأخذ بها.
ثانيهما: التقريب العرفي، بمعنى: إنّ معظم موارد التعارض العرفي، يمكن صياغته بشكل
يرى العرف الجمع بين الأدلّة، وهي على أنحاء ثلاثة على سبيل منع الخلو، لإمكان جمع
نحوين أو أكثر منها في خصوص دليلين:
1. الجمع بحسب الموضوع.
2. الجمع بحسب المحمول.
3. الجمع بحسب المتعلّقات من الزمان، أو المكان، أو الشرط، أو الغاية، أو نحوها.
أمّا النحو الأوّل: وهو الجمع بحسب الموضوع ففي مثل: « ثمن العذرة سحت » و « لا
بأس ببيع العذرة » بدعوى: إنّ الموضوع (العذرة) في كلّ منهما بمعنى غير الآخر،
بتقريب: إنّ لـ « العذرة » دلالة وضعية على العذرة بنحو الإهمال، ودلالة إطلاقية
على العذرة بنحو الشمول، ولا نقول بالظهور في الدلالتين وتعارض الإطلاقين، بل
نقول بأنّ الدلالة الوضعية في كلّ منهما. حيث إنّها أظهر. تكون قرينة على خلاف
الدلالة الإطلاقية في الآخر. المبتنية على مقدّمات الحكمة..
فالعذرة في دليل « السحت » مهملة والمتيقّن منها عذرة غير المأكول.
والعذرة في دليل « الترخيص » مهملة والمتيقّن منها عذرة المأكول.
وبكلّ من هذه الدلالتين، يتصرّف في إطلاق الآخر.
2. وأمّا النحو الثاني: وهو الجمع بحسب المحمول، ففي المثال نتصرّف في « السحت » و
« لا بأس » مع إبقاء الموضوع (العذرة) في كلا الدليلين على معنى واحد.
مثلا: نقول « السحت » له دلالة وضعية مهملة في أدنى مراتب المبغوضية وهو الكراهة،
ودلالة إطلاقية على جميع مراتب المبغوضية وهي الحرمة الشديدة.
و « لا بأس » له دلالة وضعية على أدنى مراتب الترخيص، وهو الرخصة المجامعة مع
الكراهة، وله دلالة إطلاقيه على أقوى مراتب الرخصة وهي التي لا يشوبها حزازة،
لأنّها المستفادة عند عدم تقييد « لا بأس » بمرتبة خاصّة، بمعونة مقدّمات الحكمة،
وهي: لو كان المتكلّم أراد من « لا بأس » مرتبة معيّنة لذكرها، فعدم التقييد دليل
الإطلاق.
فرفع اليد عن الدلالة الإطلاقية في « لا بأس » للدلالة الوضعية في « السحت »
وبالعكس.
فلا ينعقد إطلاق لأي منهما بقرينة الدلالة الوضعية المعارضة في الدليل الآخر، لا
إنّه ينعقد الإطلاقان، ويتعارضان ويتساقطان.
ومن أمثلته الواضحة: ما ورد في غسل الجمعة مثل: صحيح زرارة « والغسل فيها (أي
الجمعة) واجب »(1) مع ما دلّ على جواز تركه.
حيث إنّ « واجب » له دلالة وضعية في أصل الثبوت المجامع للإستحباب، وله إطلاق في
كلّ مراتب الثبوت التي هي بمعنى الوجوب الإصطلاحي.
وكذا ما دلّ على الترك، فيتصرّف في إطلاق كلّ منهما.
3. وأما النحو الثالث: وهو الجمع بحسب المتعلّقات وما أكثره في الفقه، لكثرة مصاديقه في الأخبار، كأخبار تحليل الخمس مع أخبار وجوبه، وأخبار وجوب صلاة الجمعة وأخبار عدم وجوبها، وأخبار حضور النساء المساجد وصلاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) مع أخبار النهي عن ذلك، وأخبار الأمر والنهي عن العديد من المعاملات، وغير ذلك.
إنّ اللفظ في الدليل إذا تردّد مفاده بين معنيين محتملين في أنفسهما، بحيث يكون على
أحدهما معارضاً، وعلى الآخر صالحاً للقرينية، فله ثلاث حالات:
1. فقد يكون ظاهراً في المعنى الصالح للقرينية.
2. وقد يكون ظاهراً في المعنى المعارض.
3. وقد يكون مجملا مردّداً بينهما.
1. ففي الحالة الأُولى: لا إشكال في تقديم الظهور، فيتصرّف لأجله في الآخر، مثل: « لا تصلّ في الحمّام »(2) مع « لا بأس بالصلاة في الحمّام »(3).
حيث إنّ « لا بأس » وإن احتمل الترخيص بالمعنى الأخصّ. المقابل للأحكام الأربعة.
فيكون معارضاً مع « النهي » بأي معنى كان النهي.
إلاّ أنّ الأظهر كون « لا بأس » ظاهراً في الترخيص بالمعنى الأعمّ الشامل للمكروه،
فيتعيّن لأجله رفع اليد عن ظهور « النهي » في التحريم، إلى النهي الحزازي.
2. وفي الحالة الثانية: مثل « شهر رمضان يصيبه ما يصيب الشهور من التمام والنقصان
» مع « لا يكون ناقصاً أبداً » المحتمل لإرادة الإستصحاب عند الشكّ، ولكن هذا
الإحتمال لا ينفي ظهوره في كونه دائماً تامّاً، فيعارض الأوّل.
وهنا في الفقه موارد كثيرة تختلف الأنظار فيها في الصغرى، وهي: إنّه ظاهر أم لا ؟
أو ظاهر في هذا أو ذاك ؟ كما في مسألة وقت صلاة المغرب وجواز الإفطار، هل هو حين
غروب الشمس من الأُفق، أم حين ذهاب الحمرة المشرقية عن قمّة الرأس ؟
ونحوه كثير في الروايات.
3. وفي الحالة الثالثة: يكون الإجمال مانعاً عن حصول ظهور، حتّى يكون حجّة في
معنىً، ويكون مصداقاً للجمع العرفي.
إلاّ أنّه قد يتوصّل بقاعدة عقلية إلى جمع عرفي، أي تكون القاعدة العقلية
عند تأمّلها موجبة لحصول الظهور في مجموع الدليلين بما هما. نظير دليل الخطاب في
مثل جمع الآيتين لإفادة إنّ أقل الحمل: ستّة أشهر..
مثلا: في روايات تحديد الكرّ وردت رواية محمّد بن مسلم بأنّه: ستمائة رطل، وفي
رواية ابن أبي عمير: الف ومائتا رطل(4).
وحيث إنّ « رطل » مجمل لتردّده بين المكّي والعراقي، والأوّل ضِعف الثاني، لا
يمكن حمل رواية ابن مسلم على المكّي، ولا رواية ابن أبي عمير على العراقي، للإجمال.
ولكن حيث لم نعلم بكذب شيء منهما، فأدلّة الحجّية تشملهما معاً. لأنّها حيث لا
علم بالبطلان، وفي مورد التعارض الموجب للسقوط أو التخيير هو التكاذب. فيثبت بذلك
قضيّتان مجملتان، تدلاّن على إنّ الكرّ ستمائة رطل، والكرّ الف ومائتا رطل.
ومقتضى صدقهما. بالملازمة العقليه. حدوث قضيّة ثالثة مركّبة منهما: « الكرّ الف
ومائتان، وستمائة » وصدق هذه متوقّفة على المكّي والعراقي.
ثمّ إنّ التعارض الكلّي. على نحو التنافي الكلّي. له تقسيمان ينبغي أن تلاحظ
أحكامهما:
أمّا التقسيم الأوّل: فهو إنّ التعارض بين الدليلين:
1. قد يكون لمجرّد شمول دليل الحجّية العامّ لكليهما. دون علم إجمالي خاصّ في
المورد بإنحفاظ الحجّية حتّى في مورد التعارض..
2. وقد يكون مع علم إجمالي خاصّ في المورد ببقاء الحجّية حتّى في مورد التعارض،
بمعنى: عدم التساقط المطلق.
وبعبارة أُخرى: في الأوّل نحتمل وجداناً بطلان كلا الدليلين، والمانع عن ذلك دليل
الحجّية العامّ الشامل لكليهما.
وفي الثاني: لا نحتمل وجداناً بطلان كليهما جميعاً.
وبتعبير آخر: في الثاني يكون التعارض بين متناقضين أو ضدّين لا ثالث لهما، بخلاف
الأوّل فإنّه لم يثبت كونهما ضدّين لا ثالث لهما أعمّ من عدم ثبوت الثالث.
مثال الأوّل: تعارض دليلين في إنّ الكفّارة في جزّ المرأة شعرها في المصاب مرتّبة، أو مخيّرة بين العتق، والصيام ستّين يوماً،
وإطعام ستّين مسكيناً.
حيث لا علم وجداني بعدم بطلان كليهما، وإنّما العلم التعبّدي. لدليل الحجّية.
قاض بحجّية أحدهما، مع إحتمال وجود ثالث لهما واقعاً.
ومثال الثاني: صلاه الجمعة، وصلاة الظهر من يوم الجمعة، حيث تعارض دليلان فيهما، مع العلم الوجداني ببطلان أحدهما،
وعدم إحتمال بطلان كليهما.
وأمّا التقسيم الثاني: فهو إنّ الدليلين المتعارضين:
1. قد يكون سنداهما قطعيين، كآيتين، أو روايتين متواترتين، أو محفوفتين بقرائن توجب
القطع، ونحو ذلك.
2. وقد يكون سنداهما ظنّيين بدليل الحجّية « صدق العادل » ثبت إعتبارهما، ولكن
دلالتهما قطعية.
3. وقد يختلفان فيكون أحدهما قطعي السند، والآخر ظنّي السند.
وخلاصة البحث: إنّ في كلا قسمي التقسيم الأوّل:
1. إن كانا قطعيي السند، فلا إشكال في كون مركز التعارض الظهورين، إذ قطعية السند
فيهما تمنع عن التعارض بينهما، ولا مورد لفرض قطعية دلالة أحدهما، إذ معها فلا
تعارض، للعلم بصحّة ووجوب تأويل الآخر، كما لا مورد لفرض قطعية دلالة كليهما، وإلاّ
كان أحدهما مقطوعاً عدم إرادة الجدّ فيه، فتكون الجهة في أحدهما مقطوع العدم.
2. وإن كانا ظنّيي السند، فان كانت الدلالتان قطعيتين، أو ظنّيتين فالتعارض بين
السندين لعدم شمول دليل الحجّية لكليهما للتكاذب، ومرجع الشمول إلى التناقض في
الدليل، وإن كانت الدلالتان مختلفتين، خرج عن التعارض، وحمل غير القطعي على القطعي
إن كان العرف يساعد على الحمل. مثل: يجوز تركه، مع: يجب، حيث إنّ العرف يحمل الوجوب
على مطلق الثبوت. وإن لم يساعد العرف على الحمل سقط السند الظنّي ذو الدلالة
الظنّية.
3. وإن كانا مختلفين سنداً، فأحدهما قطعي والآخر ظنّي. بظنّ معتبر. كتعارض آية مع
رواية.
أ. فإن كانا قطعيي الدلالة، سقطت الرواية لمعارضتها للكتاب: « وما خالف قول ربّنا
فلم نقله ».
ب. وإن كانا ظنّيي الدلالة، وساعد العرف على الجمع بين الدلالتين: كعمومات وإطلاقات
القرآن وخصوصات وقيود الروايات المعتبرة، كأحلّ الله البيع، مع ما دلّ على بطلان
بيع الكالئ بالكالئ ونحو ذلك، وإن لم يساعد العرف على الجمع بين الدلالتين، تعارضت
الدلالتان، وتساقطتا، ولم يتعارض السندان لعدم المعارضة بينهما لعدم العلم بكذب شيء
منهما.
ج. وإن كانا مختلفي الدلالة، فأحدهما قطعي، والآخر ظنّي، رفعنا اليد من الظنّي
للقطعي، أيّاً كان قطعيّاً وأيّاً كان ظنيّاً.
أمّا في صورة قطعية دلالة القطعي السند: كالقرآن، فلا إشكال، وأمّا في صورة العكس،
فربّما يتراءى إنّه كيف يعارض الظنّي القطعي، لكنّه لم يعارض القطعي والظنّي، بل
للقطعي رفعنا اليد عن القطعي.
وبهذا التفصيل يتميّز بين موارد طرح السند، فلا حجّية للسند حتّى بالنسبة لغير مورد
المعارضة، وبين موارد طرح الدلالة المعارضة، فالسند باق على حجّيته، فإن دلّ على
شيء آخر غير مورد المعارضة كان السند حجّة في ذلك المقدار، فتدبّر.