لا تعارض بين الأدلّة والأُصول

ثمّ إنّه حيث لا تكافؤ بين الأدلّة والأُصول، وبين الأُصول التنزيلية والأُصول العملية، وبين الأصلين: السببي والمسبّبي، وبين بعض الأمارات مع بعض آخر منها، وكذا بين الأُصول التنزيلية بعضها مع بعض، وبين العملية بعضها مع بعض، فلا يقع التعارض بينها، بالرغم من ظهور في الإبتداء في تعارضهما.
فأصل البراءة لا يعارض الإستصحاب، والإستصحاب لا يعارض الخبر، والخبر لا يعارض الإقرار مع إنّهما أمارة حتّى على القول بإختصاصها ولو مع التقييد في حجّية مثبتاتها بكونها متضمّنة لمعنى القول والحكاية، إذ الخبر والإقرار كلاهما كذلك وكذا أصل الصحّة مقدّم على الإستصحاب، وكذا أصل البراءة لا يعارض أصل الإشتغال ـ إذا كان الشكّ في المكلّف به ـ.
وبالعكس لا يعارض أصل الإشتغال أصل البراءة، إذا كان الشكّ في التكليف.
وبالجملة: ملاك التقدّم ـ كما تقدّم تفصيله في أوّل الإستصحاب ـ هو التخصّص، أو الورود، أو الحكومة، ومعها لا تعارض كما تقدّم آنفاً.
ثمّ إنّ ما هو المعروف في الكتب وعلى ألسن الفقهاء: من التعبير بـ « التعارض » في الأصلين التنزيليين، أو العمليين فهو مسامحة ومجاز، إذ الأصل بما هو لا أصالة له، وإنّما التعارض بين دليليهما بما لهما من الدلالة، فإنّ الأصل بما هو هو لا مدلول له ولا دلالة، ولكن دليله ـ العقلي أو السمعي ـ هو المراد.


أسباب حدوث التعارض

ثمّ إنّ التعارض يكون لأحد أسباب تالية:
1. تخيّل التعارض.
2. ضياع القرائن: كرواية ولاية الأب على مال الولد، حتّى أفتى مثل الشيخ بإستطاعة الحجّ للأبّ من مال ولده(1). والضياع قد يكون نتيجة للتقطيع، أو الغفلة في مقام النقل.
3. التقيّة: فقد كان لها أثر كبير في صدور الأخبار المتعارضة عنهم (عليهم السلام)، وحيث كان يحصل في عصور المعصومين (عليهم السلام) التزاحم بين حفظ أنفسهم وحفظ شيعتهم ـ التي أحياناً كانوا قليلين جدّاً ـ لكي يكون هذان الحفظان سبباً طبيعياً لبقاء الدين الإلهي الحقّ، وبين بيان الحقّ الموجب لقتلهم وقتل شيعتهم، حتّى لا يبقى دين صحيح أصلا كان الترجيح للأوّل.
وقد تواترت الروايات في وجود التقيّة في أخبارهم (عليهم السلام) ـ تبعاً للقرآن الكريم ـ حيث صرّح بذلك: (إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً)(2).
وقال: (إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالاِْيمَانِ)(3).
وقول النبي (صلى الله عليه وآله) لعمّار: « إن عادوا فعد »(4).
ورواية القنوت فيما يجهر بالقراءة قال: سألت أباك فقال: في كلّ الصلوات، فقال (عليه السلام): «...ثمّ آتوني شكاكاً، فأفتيتهم بالتقيّة »(5).
4. اختلاف حال الراوي: بكونه في حال مستقيماً، وضعيفاً في زمان آخر، كعلي بن أبي حمزة البطائني، أو اختلافه في نظر الفقهاء، فقد يعتبره أحدهم معتبراً فيعارض بخبره الخبر المعتبر، ولا يعتبره أحدهم فيعتبر الخبر المعارض بدون معارض، وهكذا.


المقصدان

وأمّا المقصدان، فهما كما يلي:


المقصد الأول: الأصل عند التعارض

في الأصل عند التعارض، وأنّه هل هو التساقط أو التخيير ؟
وحيث إنّ التعارض (أي: التنافي) كلّي وهو التعارض التبايني، وجزئي، وهو التعارض بالعموم من وجه، فينبغي تقسيم البحث إلى قسمين:

البحث في قسمين
القسم الأوّل

أمّا القسم الأوّل: وهو التعارض الجزئي، بين العامين من وجه في مورد الإجتماع، فهو:
1. إمّا أن يكون مورد الإفتراق في كلّ منهما، أو في واحد منهما بحيث لا يصحّ حجّية الدليل بلحاظه وحده لقلّة أفراده، أو انصراف الدليل عن مثله وحده، وهذا حكمه حكم التباين الكلّي.
2. وإمّا أن يكون مورد الإفتراق ـ في أحدهما أو كليهما ـ قابلا لأن يكون الدليل حجّة بلحاظه بالخصوص مثل: (أكرم العلماء، و لا تكرم الفسّاق، حيث يتعارضان في: فسّاق العلماء، ويفترقان في: العلماء العدول، والفسّاق من غير العلماء.
وعليه: فما هو حكم التعارض هنا ؟
أوّلا: هل يتساقط العامّان لتعارض بعض مصاديق كلّ منهما ؟ للعلم الإجمالي بعدم صحّة إحدى الدلالتين، أو أحد السندين، إذ الأمر يدور بين:
1. العمل بكليهما، وهو غير ممكن للتنافي.
2. أو العمل بهذا معيّناً.
3. أو ذاك معيّناً، وكل منهما ترجيح بلا مرجّح.
4. أو التخيير بينهما نتيجة الحجّية المردّدة، وهي غير معقولة.
5. فيبقى تساقطهما.
ومع التساقط هل يتساقط الإطلاقان في مورد الإجتماع، أم يتساقط السندان ـ في السندين الظنّيين بالظنّ المعتبر، إذ العلميين لا مجال لإحتمال سقوطهما ـ ؟
إذ كما ينتفي التعارض برفع اليد عن إطلاق الدلالتين، كذلك ينتفي التعارض برفع اليد عن إطلاق السندين.
ثانياً: أو يتعارض مورد الإجتماع فقط ويتساقطان ويبقى دليل الحجّية بالنسبة لموردي الإفتراق بلا مانع ؟
إذ التنافي حقيقة وواقعاً إنّما هو بين الإطلاقين لا بين السندين، فدليل حجّية: أكرم العلماء، لا ينفي دليل حجّية: لا تكرم الفسّاق، ولا العكس، وإنّما إطلاق دليل حجّية: العلماء، في: أكرم العلماء، وشموله لفسّاقهم، ينفي إطلاق دليل حجّية: لا تكرم الفسّاق، وشموله للعلماء من الفسّاق. فالتنافي بين الإطلاقين، لا بين أصل الدليلين.
ومع هذا فلا مجال للتمسّك بأصالة الإشتغال في الأقلّ والأكثر، لدوران الأمر بين رفع اليد عن الأقل، وهو الإطلاق، أو رفع اليد عن الأكثر، وهو أصل الدليل.
إذ أمارية الدليل في الأفراد غير المتعارضة (موارد الإفتراق) تغني عن الرجوع إلى الأصل العملي.
مضافاً إلى أنّه قد يتنافى مقتضى الأصل العملي مع مقتضى الأمارة.

القسم الثاني

وأمّا القسم الثاني: وهو التعارض الكلّي لتمام مدلولي الدليلين بحيث لا يبقى بعد تقديم أحدهما مجالا للآخر، فالبحث فيه في مقامين: في موضوعه، وفي أحكامه.


(1) الوسائل: الباب78 من ابواب ما يكتسب به، ح8.
(2) آل عمران: 28.
(3) النحل: 106.
(4) الوسائل: الباب 29 من أبواب الأمر والنهي ، ح2.
(5) الوسائل: الباب1 من ابواب القنوت، ح10.