البحث الثاني: بحث التعارض

وأمّا الثاني : ففي بحث التعارض وأحكامه ، وفيه مقدمة ومقصدان وخاتمة .


المقدمة: تعريف التعارض

أما المقدمة : ففي تعريف التعارض ، وبيان مورده وأسبابه .

لقد عرّف الأصحاب التعارض بتعريفات نذكر بعضها :
1. عرّفه الشيخ (رحمه الله) ناسباً للمشهور بأنّه : « تنافي مدلولي الدليلين على وجه التناقض أو التضادّ »(1).
2. وأشكله الآخوند في الكفاية : بأنّه شامل لموارد الجمع العرفي ، كالعامّ والخاصّ ، والمطلق والمقيّد ، ونحوهما ، ولذا غيّر التعريف إلى ما يلي : « تنافي الدليلين أو الأدلّة ، بحسب الدلالة ومقام الإثبات على وجه التناقض أو التضادّ »(2).
وردّ المحقّق النائيني (رحمه الله) أُستاذه وانتصر للشيخ : بأنّه لا تنافي في موارد الجمع العرفي ، إذ الجمع ضدّ التنافي ، وأوضحه تلاميذه بما سيأتي إن شاء الله تعالى .


التعريف الجديد

أقول : ما دام إنّا نريد تعريف تعارض الدليلين الذي ورد في الأخبار ، وعولج من قبل المعصومين (عليهم السلام) ، ووقع السؤال عليه عنهم (عليهم السلام) ، وجعلت له أحكام من الترجيح أو التخيير ، فالأرجح ـ ليكون تعريفاً جامعاً مانعاً ـ أن يقال في تعريفه : « التعارض : تنافي الأدلّة » وذلك لما يلي :
أوّلا : أنّ الأدلّة يشمل الدليلين لغة وعرفاً وشرعاً ، وعدم الشمول إصطلاحاً نحوياً لا يضرّ بعد كون ذلك الإصطلاح لأجل توضيح الضمائر للمثنّى عن المجموع ، والتفصيل بين مادّة الجمع وصيغه ، بشمول الأوّل للمثنّى دون الثاني غير تامّ ، والعرف واللغة ببابك ، فالدليلين لا يشمل الأدلّة ، وزيادتها مستدركة .
وثانياً : كلمة : « مدلول » في تعريف الشيخ إمّا مستدرك إن أُريد مقام الإثبات فقط ، لدلالة كلمة : الدليل ، عليه ، وإمّا مضرّان أُريد مقام الثبوت فقط أو الأعمّ منه .
وثالثاً : كلمتا « على وجه التناقض أو التضادّ » في تعريفي الشيخ والآخوند (رحمهما الله) أيضاً مستدركان ، لشمول لفظة : « التنافي » لهما ، وعدم خروجها عنهما .
ورابعاً : زيادة : « بحسب الأدلّة ومقام الإثبات » من الآخوند (رحمه الله) أيضاً مستدركة ـ كما تقدّم ـ .
ثمّ إنّ إحتمال زيادة « الأدلّة » إذ التنافي يدلّ عليها غير تامّ ، لأنّه ـ مضافاً إلى شمول مطلق « التنافي » للأُصول العملية الخارج بحثه عمّا نحن فيه ، وإنّما يبحث إستطراداً ، وكذا التكوينيات ، وأسناد الأدلّة ، كالخلاف في انّ علي بن أبي حمزة ، هو البطائني المختلف في حجّية خبره ، أو الثمالي الثقة ، ونحو ذلك ـ ليس أجلى من « التعارض » مع إشتراط كون المعرِّف مساوياً للمعرَّف في الجمع للأفراد ، والمنع عن الأغيار ، وأجلى في التبادر .


موقف المحقّق النائيني من التعاريف

أمّا المحقّق النائيني (رحمه الله) فانتصر للشيخ (رحمه الله) وردّ الآخوند (رحمه الله) : بعدم شمول تعريف الشيخ (رحمه الله) والمشهور لموارد الجمع العرفي من التخصّص ، والورود ، والحكومة ، والتخصيص .
والذي ينبغي هنا ذكره هو : إنّ حجّية العام بل كلّ حجّية تحتاج إلى :
1. صدوره عن المعصوم .
2. ظهوره .
3. إرادة إستعمالية .
4. إرادة جدّية .
وبناء العقلاء على الأخذ بالظهور مع الشكّ في الإرادتين ، أمّا مع العلم بالعدم لقرينة ، فلا .
سواء كانت القرينة متّصلة أم منفصلة .
والمتّصلة تمنع الظهور ، والمنفصلة تمنع الحجّية .
والقرينة القطعية ورود ، أو تخصّص ، والظنّية حكومة .
فمرجع التخصيص إلى الحكومة بالنسبة إلى حجّية العام ، وإن كان تخصيصاً بالنسبة إلى نفس العام .
كما إنّ الحكومة في مثل : « لا ربا » في الواقع تخصيص لحكم الربا ـ وهو الحرمة ـ وإن كان بلسان الحكومة ونفي الموضوع .

إشكال وجواب

ثمّ إنّ إشكال الآخوند على الشيخ (قدس سرهما) : بأنّ « تنافي المدلولين » في الجموع العرفية الأربعة موجودة ، لتنافي إكرام زيد مع عدم إكرامه ، يرد عليه نظيره في الدليلين ، أي : الظهورين أو الحجّتين ، فظهور وجوب إكرامه مع ظهور عدم وجوب إكرامه متنافيان ، وكذا حجّية هذا الظهور مع حجّية ذاك الظهور .


مورد التعارض

ثمّ إنّ محلّ التعارض ومورده : الدليلان المتباينان ، كصلّ ، ولا تصلّ صلاة الجمعة .
أو العامّان من وجه في محلّ الإجتماع ، كدليلي نجاسة فضلة الحيوان الحرام اللحم ، مع طهارة فضلة الطائر ، حيث يتنافيان في الطائر المحرّم اللحم .
وأمّا المتساويان ، كصحيحتين تدلاّن على حكم واحد ، فلا تنافي بينهما .
وكذا العامّ والخاصّ المطلقان مع إختلافهما في النفي والإثبات ، حيث يحمل العام على الخاصّ .

التعارض والتكافؤ

ثمّ إنّ التعارض يلزم فيه التكافؤ ، حتّى يصدق : التنافي ، المأخوذ في العنوان ، وحيث إنّ الأدلّة مراتب ، فذو المرتبة التالية لا يعارض مع ذي المرتبة السابقة ، لتوقّف حجّية التالية على عدم العلم ـ إذ الشكّ أخذ فيه ظرفاً أو موضوعاً ـ .
مثلا : إذا حصل العلم من دليل فلا يعارضه أي دليل آخر لا يوجب العلم ، عقليين كانا ، أم نقليين ، أم مختلفين .
1. أمثلتها : إجتماع النقيضين محال (علم) ، والإشتغال العقلي الذي ملاكه الشكّ في المكلّف به المقتضي للإحتياط فيما دار بين محذورين : كالواجب والحرام .
2. والنقليين : كالخبر الدالّ على وجوب أمر مع أصل البراءة الشرعية « رفع ما لا يعلمون »(3).
3. والمختلفين ، كالعلم بأنّ الله ليس بجسم مع قوله تعالى : (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى)(4).
والعكس : كالخبر المتواتر المعارض بأصل البراءة العقلية : « قبح العقاب بلا بيان » .


(1) فرائد الاصول: خاتمة في التعادل والترجيح، اول الخاتمة.
(2) كفاية الاصول: مبحث التعادل والترجيح، اول المقصد الثامن.
(3) الوسائل : الباب 56 من أبواب جهاد النفس ، ح1 .
(4) طه : 5 .