التزاحم بين مقتضيات الأحكام وملاكاتها في مقام التأثير، وهذا ما إصطلح عليه
المحقّق الخراساني بهذا الإصطلاح، وإن كان واقعاً خارجاً عن التزاحم ـ بمعناه
الحقيقي ـ وداخلا في التعارض واقعاً.
وهو: أن يقع تناف بين مقتضيات الأحكام وملاكاتها في مقام تأثير هذه المقتضيات
والملاكات في مقام العمل والفعلية على العبد، ومورد ذلك: ما لم يمكن ـ حتّى بنحو
الترتّب ـ فعلية الحكمين معاً، كالعناوين التالية:
1. موارد إجتماع الأمر والنهي بناءً على الإمتناع كالصلاة في الغصب، حيث إنّه ـ على
القول بامتناع الجهتين ـ لا مقتضى لهما معاً فعلا.
2. موارد التضادّ بين الواجبين ـ أو الحرامين ـ بنحو يكون ترك أحدهما مساوقاً لفعل
الآخر بدون إختيار ـ وقد تقدّم عدم إمكان الأمر الترتّبي بينهما ـ كحرمة الغيبة
والكذب، إذا توقّف الأمر عليهما بـ: نعم، فغيبة، و: لا، فكذب.
3. وموارد التضادّ الدائمي بين متعلّق الدليلين، كوجوب الأمر بالمعروف مع وجوب طلب
العلم ـ وإن كان الثاني مقدّمياً على المشهور ـ.
والفرق بين التزاحم الملاكي والتزاحم الحقيقي من جهات:
إحداها: إنّ في موارد التزاحم الحقيقي لا منافاة بين المتزاحمين في مقام الجعل، بل
خاصّ بمقام فعليتهما كالحجّ وأداء الدَّين.
وأمّا في موارد التزاحم الملاكي فالتنافي بين الجعلين إمّا من جهة وحدة موضوعيهما
المستلزم لإجتماع الضدّين، وإمّا من جهة عصيان أحدهما المستلزم لحصول الآخر بلا
إختيار، الذي هو تحصيل للحاصل، وكلاهما: (التضادّ وتحصيل الحاصل) مستحيلان.
ثانيتها: تبنى على الأُولى، وهي: أنّه لا تنافي بين الجعلين، بل بين المجعولين في
التزاحم الحقيقي ـ إمّا أحياناً أو دائماً على الخلاف السابق في التنبيه الأوّل ـ
وأمّا في التزاحم الحكمي فالتنافي بين الجعلين أي: التعارض حقيقة.
ثالثتها: تبنى على الأُوليين أيضاً، وهي: إنّ المولى حيث لا يتكفّل إلاّ الجعل
الممكن في كلّ بحسبه، فإذا تزاحم ـ في التزاحم الحقيقي ـ في مقام الإمتنان فليس من
شأن المولى، بل العقل هو الحاكم بالترجيح أو التخيير، بخلاف التزاحم الحكمي، فعلى
المولى أن يقرّر المصير لأنّ التنافي في مقام الجعل، والجعل مرتبط بالمولى.
وبهذا يفترق التزاحم الملاكي عن التعارض الإصطلاحي الذي ملاكه عدم صحّة أحدهما أعمّ
من التزاحم في مقام الجعل، كصلاتي الجمعة والظهر.
ويمكن التمثيل للتزاحم الملاكي، والتزاحم الحقيقي، والتعارض في التكوينيات بما يلي:
الأوّل: الملاكي كالأمر بجمع الثلج والنار، حيث إنّهما غير قابلين للجمع، لأنّ
المكلّف غير قادر على جمعهما.
والثاني: الحقيقي كالأمر بجمع بطيختين في يد واحدة، حيث إنّ كلّ مكلّف، أو بعض
المكلّفين غير قادر على جمعهما لضعف في المكلّف في إمتثال الأمرين، لا لضعف في
البطيختين منع عن جمعهما.
والثالث: التعارض كالأمر بالإتيان بالماء أو اللبن ـ فيما لو علم عدم صدور أحدهما ـ
واشتبه المأمور به عن غيره.
لا إشكال ـ في التزاحم الملاكي ـ من إحتمال بقاء الملاكين: (الصلاة والغصب) ثبوتاً، ولكن إثبات ذلك يحتاج إلى برهان،
وقد ذكر لذلك وجوه:
الأوّل: ما ذكره البعض: من أنّ غير المقدور المستحيل إجتماعهما هو الوجود الخارجي
للصلاة والغصب مثلا، أمّا ملاكهما فلا إستحالة في إجتماعهما، والملاك وإن كان في
وجوده محتاجاً إلى الدلالة المطابقية، ولكنّه لا دليل على ذهاب الملاك بسقوط
الدلالة المطابقية.
وبعبارة أُخرى: الدلالة الإلتزامية (الملاك) تابعة للمطابقية (المأمور به) وجوداً
لا حجّية.
ويرد عليه:
1. نقضاً: بسائر موارد التعارض بين الأدلّة ـ كالبينتين القائمتين على ملك زيد
للدار، وملك عمرو لها ـ فهل يلتزم أحد بعد التساقط ببقاء ملاكي الملكين وترتيب
آثار الملاك ؟
2. وحلا: بأنّ الدلالة الإلتزامية تابعة للمطابقية وجوداً، وحجّة، جميعاً على ما
حقّق في محلّه.
الثاني: ما ذكره المحقّق العراقي (قدس سره)(1) وهو نفس الوجه الأوّل ولكن بنحو آخر
ـ: من أنّ الدليل كما يتكفّل طلب الفعل أو الترك، كذلك ـ بالإلتزام ـ يدلّ على
الردع عن نقيضه، وكما أنّ المدلول الأوّل يكشف ـ إنّاً ـ عن وجود الملاك، كذلك
المدلول الثاني يكشف عن سلب جميع مبادئه عنه.
فيتحقّق لكلّ دليل مداليل أربعة:
1. طلب الفعل.
2. وجود ملاك للفعل.
3. الردع عن نقيض الفعل وضدّه.
4. عدم وجود ملاك للنقيض والضدّ.
وحينئذ فتنقسم الأدلّة ـ بهذا اللحاظ ـ إلى قسمين:
1. فقد يرد الخطابان المتعارضان على مادّة واحدة مثل: « صلّ ـ ولا تصلّ » فيقع
التعارض بين المداليل الأربعة من المتعارضين هكذا:
1. طلب الصلاة 1. طلب ترك الصلاة.
2. للصلاة ملاك 2. لترك الصلاة ملاك.
3. لا تترك الصلاة 3. عدم طلب فعل الصلاة.
4. ليس لترك الصلاة ملاك 4. ليس لفعل الصلاة ملاك.
فكلّ واحد من هذه المداليل الأربعة ينفي مقابله، فالمطابقي ينفي المطابقي،
والإلتزامي ينفي الإلتزامي، من الجانبين.
فكما إنّ المطابقي يسقط بالمطابقي، كذلك الإلتزامي (الملاك) يسقط بالإلتزامي، فلا
يبقى ما يحرز به بقاء الملاك.
2. وقد يرد التعارض على مادّتين لا يوجد بينهما جزء مشترك.
وفيه ـ مضافاً إلى ما تقدّم من تبعية الأدلّة الإلتزامية للمطابقية في الحجّية
والإعتبار أيضاً، كتبعيّتها لها في الوجود والذات ـ:
إنّ أي دليل لا يدلّ على إنسلاخ نقيضه وضدّه عن الملاك رأساً ـ لا بالدلالة
المطابقية، ولا بالدلالة الإلتزامية، على الردع من النقيض ـ وإنّما الذي يدلّ عليه
ـ التزاماً ـ عدم وجود مصلحة غالبة ولا مساوية للضدّ وللنقيض، ولا ينفي أصل الملاك،
بل هو ساكت عنه.
لكن ما أُورد عليه: من ورود النقض في بعض موارد التعارض البحت، كالمطلق المأمور به،
والمقيّد المنهي عنه، مثل: « صلّ، ولا تصلّ في المغصوب » حيث إنّه لو كان الأمر
بمطلق الصلاة يدلّ على إنسلاخ الملاك عن نقيضه ـ بما هو مطلق، لإشتراط الوحدات
الثمانية في النقيض ـ لعارض النهي عن المقيّد من الصلاة، غير وارد.
إذ لا إشكال في تعارض المقيّد المطلقَ، إلاّ أنّ المقيّد يقدّم لإقوائية ظهوره.
الثالث: ما ذكره المحقّق النائيني (رحمه الله): من إنّ لكلّ خطاب موضوعاً واحداً،
ومحمولين عرضيين، أحدهما: نفس الحكم، والثاني: الملاك، فـ: « صّل » معناه:
1. الصلاة ائت بها.
2. الصلاة لها ملاك.
وما لا يعقل ثبوته في موارد إجتماع الأمر والنهي هو إطلاق المادّة بلحاظ المحمول
الأوّل، دون الثاني، فلا موجب لرفع اليد عنه.
وفيه: كما إنّ في « الصلاة واجبة » إطلاق الصلاة مقيّد ـ عقلا ـ بعدم النهي عنه «
الصلاة حرام » ـ في مثل صلاة الجمعة ـ كذلك مقيّد بعدم اتّحاده ولو بعنوان آخر مثل:
« الغصب حرام » وصحّة الاتّكال عرفاً على مثل هذه القرينة غير بعيد، كالاتّكال على
مثل السابقة، نعم السابقة أوضح من الثانية.
ثمّ إنّه على مبنى تحقّق التزاحم الملاكي، والتعارض المطابقي، فهل يجري عليه أحكام
التزاحم، أو أحكام التعارض ؟
قد يقال: بجريان أحكام التزاحم، إذ الملاك هو المهمّ، وقد تزاحما.
وقد يقال: بجريان أحكام التعارض، لكونه خطاباً تعارض، وكونه ملاكاً تزاحماً لا يجدي
بعد عدم فعلية الخطاب.
وقد يفصّل بين الموارد:
1. ففي مثل إحراز وجود الملاك الأهمّ في أحدهما من الأدلّة الخارجية، كالحجّ وأداء
الدَين ـ حيث يستفاد ـ مثلا ـ من إهتمام الشارع بالحجّ أهميّته من أداء الدَين ـ
يتقدّم الأهمّ، للعلم بكذب الآخر، إذ جعل الآخر في ذلك المورد خلف فعلية الملاك
الأهمّ، فلا يكون إطلاق دليل أداء الدَين حجّة.
2. وفي مثل إستفادة الملاك الأهمّ من أصل الخطاب ـ كما قرّره الإصفهاني وآخرون ـ
فسوف يقع التعارض بين الملاكين ـ كالخطابين ـ وكلّ منهما يكذب الآخر خطاباً
وملاكاً.
ففي مثل الصلاة في الغصب، يكذب صحّة الصلاة حرمة الغصب، وبالعكس، وكون الغصب أهمّ
لا يجدي بعد عدم إحراز بقاء دليل الغصب.