مناقشة كلام المحقّق الثاني ضمن أُمور

الأمر الأوّل

وأورد عليه جمع من المحقّقين بأُمور غير تامّة:
أحدها: ما عن المحقّق النائيني (رحمه الله): من أنّ القدرة إن كانت شرطاً في الطاعة فلا مانع من شمول الأمر بالموسّع لوقت المضيّق، لقدرة المكلّف على طاعة الموسّع والمضيّق جميعاً.
وإن كانت القدرة:
1. شرطاً في تعلّق الخطاب ـ إذ معنى الخطاب: البعث والتحريك ـ.
2. وتجزّء الواجب الموسّع بعدد المصاديق الممكنة.
3. وقلنا بأنّ الممتنع شرعاً كالممتنع عقلا.
إن تمّت هذه المقدّمات الثلاث، فلا يمكن شمول الأمر بالموسّع لوقت الواجب المضيّق، وذلك لعدم القدرة عليه شرعاً.
نعم، يصحّ الأمر به على نحو الترتّب ـ على القول به ـ.
وأُشكل عليه بما حاصله: إنّ التكليف ليس غير جعل المولى الفعل بذمّة المكلّف، وإبرازه بمبرز مّا (والإنشاء ليس سوى إبراز هذا الإعتبار) وهذا غير مناف لجمع الموسّع والمضيّق في وقت الثاني.
وفيه: إنّ كلام المحقّق النائيني (رحمه الله) ليس في تفسير التكليف على المعنى التصوّري، وإنّما كلامه في إنّ القدرة ـ المشروط كلّ تكليف بها ـ هي قدرة الخطاب لا قدرة الإمتثال ـ تقريباً ـ.
نعم، قد يؤخذ على المحقّق النائيني (رحمه الله): بأنّ داعي الباعثية والتحريك ليس أكثر من مقدوريّة ما تعلّق به الحكم، والمتعلّق في الموسّع هو الجامع للأفراد، لا كلّ فرد فرد، فتتحقّق الطاعة بكلّ مصداق.
نعم، لو أرجعنا التخيير العقلي إلى الشرعي، وهو: تعلّق الأمر بكلّ فرد مشروطاً بترك الأفراد الأُخرى، كخصال الكفّارة ونحوها، لم يكن الخطاب شاملا للمصداق غير المقدور شرعاً إلاّ بنحو الترتّب، لكن التخيير العقلي لا يرجع إلى الشرعي، بل تقدّم: إنّ العكس هو الصحيح.

الأمر الثاني

ثانيها: إنّ إطلاق الواجب الموسّع للفرد المزاحم للمضيّق غير معقول ـ بناءً على القول بأنّ تقابل الإطلاق والتقييد تقابل العدم والملكة ـ وذلك لعدم معقولية تقييد الموسّع بالفرد المزاحم للمضيّق، فكذلك الإطلاق.
وفيه: إنّ الإطلاق معناه: الشمول لغير المقيّد، فإذا قيّد العالم بالعادل، معناه: صحّة إطلاقه لغيره وهو الفاسق، وتقييد الموسّع بالفرد غير المزاحم ليس محالا، فكذا إطلاقه للفرد المزاحم.

الأمر الثالث

ثالثها: إنّ شمول إطلاق الواجب الموسّع للفرد المزاحم للواجب المضيّق، مبني على القول بصحّة الواجب المعلّق، الذي هو ثبوت الوجوب قبل حصول زمان الواجب، بأن يكون الأمر الإستقبالي قيداً للمادّة: الحجّ، لا الهيئة: الوجوب.
وقد أشكل الكفاية(1) في الواجب المعلّق بأمرين:
أحدهما: بأنّ الايجاب بازاء الإرادة المحرّكة، فكما لا تنفكّ الإرادة عن المراد، فكذا لا ينفكّ الإيجاب عن الواجب.
وفيه: إنّهما لا ينفكّان في الوجود، إلاّ في الزمان، فالإرادة تعلّقت بأمر إستقبالي، لا حالي.
ثانيهما: بعدم قدرة المكلّف على المكلّف به حال البعث ـ لعدم حصول قيده وهو الإستقبال ـ والقدرة من الشرائط العامّة.
وفيه: الشرط هو القدرة على الواجب في زمانه لا مطلقاً.
وإنّما يتوقّف شمول الواجب الموسّع لزمان المضيّق، لأنّ الواجب الموسّع حالا غير ممكن حال المضيّق، فيكون الأمر متعلّقاً بالإستقبال غير المقدور للمكلّف.
أقول: فيه أوّلا: هذا إشكال فيما كان المضيّق أوّل أزمنة الواجب الموسّع، فإمّا لا يعمّ الإشكال ما إذا كان المضيّق في وسط زمان الموسّع أو آخره، كالزلزلة الحاصلة قبل المغرب بساعة، المزاحمة صلاتها لليومية في ذاك الوقت. وإمّا يصير الموسّع معلّقاً ومنجّزاً بعدد حدوث المضيّقات في أثناء الموسّع، كقضاء شهر رمضان الموسّع ونحوه.
وثانياً: الواجب المعلّق صحيح ـ على ما هو التحقيق، وقد أشرنا إلى ذلك الآن، وتفصيله في مبحث مقدّمة الواجب ـ.
والحاصل: إنّه لا تزاحم بين الواجبين: الموسّع والمضيّق، كما حكي عن المحقّق الثاني (رحمه الله).


التنبيه الخامس من تنبيهات التزاحم

في تطبيق بحث التزاحم على المسألة الفقهية المعروفة: من التزاحم بين الحجّ والوفاء بالنذر ـ كنذر زيارة الإمام الحسين (عليه السلام) في عرفة ـ وتقديم الحجّ فيها لوجوه عديدة:


وجوه تقديم الحجّ على الوفاء بالنذر

الوجه الأوّل للتقديم

أحدها: مسألة الأهميّة، فإنّه حتّى إذا فرض إنّ القدرة المشروط بها وجوب وفاء النذر عقلية، وإنّ ملاكه ثابت حتّى حين الإشتغال بالحجّ، مع ذلك يُقدّم الحجّ، لأنّ القدرة فيه أيضاً عقلية، والحجّ أهمّ إمّا جزماً أو إحتمالا.
أمّا كون القدرة فيه عقلية، فلأنّ ظاهر الآية: الإستطاعة مقابل العجز التكويني، وكذا ظاهر: الزاد والراحلة، في الروايات مقابل العجز فلا ظهور في عدم الملاك حال الإشتغال بواجب آخر.
وأمّا أهميّة الحجّ، فلأنّ ما ورد في الأخبار: من أنّ الحجّ من أركان الإسلام(2)، وإنّ تاركه فليمت يهودياً أو نصرانياً(3)، وإنّ التعبير عن تركه جاء في القرآن بلفظ الكفر(4)، ومنكره في سلك الكافرين، وغيرها ممّا يدلّ على مزيد إهتمام الشارع به ممّا يشرف على الإطمئنان أو القطع بأهميّته على الوفاء بالنذر.
نعم، إذا لم تطمئن النفس إلى ذلك، فلا أقل من إحتماله دون إحتمال مثله في الوفاء بالنذر، فيدخل في الخلاف في إنّ محتمل الأهمية يجب تقديمه ـ وجوباً عقليّاً ـ كما ذهب إليه جمع منهم المحقّق النائيني (رحمه الله) وآخرون، أم لا كما ذهب إليه آخرون، وهو المنصور عندنا.

الوجه الثاني للتقديم

ثانيها: ترجيح الحجّ بإعتبار كون القدرة فيه عقلية، وفي وجوب وفاء النذر شرعية.
أمّا الأوّل: فلما تقدّم في الوجه الأوّل.
وأمّا الثاني: فلما ورد في أدلّة وجوب الوفاء بالشرط: « إنّ شرط الله قبل شرطكم »(5) وهو ظاهر في إنّ الحكم الأوّلي الشرعي لا يزاحمه حكم ثانوي جعلي من العبد، وقد ورد هذا الحديث بسند موثّق عن الباقر (عليه السلام) عن علي (عليه السلام)وذلك فيمن شرط على امرأته إن تزوّج عليها أن تكون هي طالقاً، ولا يخفى: أن العبرة بعموم الوارد، لا خصوص المورد.
وفيه: إنّه لولا الأهميّة في الحجّ لم يكن عموم لذلك، وإلاّ لوجب تقديم نفقة الزوجة والأقرباء على الحجّ المنذور عند التزاحم، ونحوه.

الوجه الثالث للتقديم

ثالثها: إنّ وجوب الحجّ أسبق زماناً من وجوب الوفاء بالنذر، بإعتبار إنّ النذر لا يصير فعليّاً من حين إنعقاد النذر، ولا حال تحقّق المعلّق عليه، لئلاّ يلزم التعليق في الوجوب المحال، وإنّما يصبح الوفاء واجباً في يوم عرفة ـ في المثال ـ والحجّ يجب تهيئة الخروج إليه قبل يوم عرفة ليصل إليها يومها.
وفيه أوّلا: لا إشكال عندنا في الواجب المعلّق، فلا مانع من أن يتحقّق وجوب الوفاء من حين حصول المعلّق عليه في النذر، وقد يكون ذاك أسبق زماناً من خروج الحملة إلى الحجّ.
وثانياً: قد يكون للوفاء بالنذر مقدّمات، فمن كان بعيداً عن حرم الامام الحسين (عليه السلام)، فالوفاء بالنذر في يوم عرفة يتوقّف على تهيئة الخروج إليه، ونحوها، وقد يسبق ذاك زماناً على الحجّ، لبعد المسافة أكثر، مثل من كان في المدينة المنوّرة، أو أصعبية الوصول للموانع السربية وغيرها.
فالعمدة: أهميّة الحجّ، كما نصّ عليها المحقّقون أمثال النائيني، والوالد، والبروجردي، والأخ الأكبر (قدس سرهم)، وغيرهم.


التنبيه السادس من تنبيهات التزاحم

في التزاحم بين اللاّ إقتضائيات، كما إذا دار الأمر بين صلاة الصائم المغربين قبل الإفطار، وبين أن لا يخالف من ينتظرونه للإفطار، حيث دلّ الدليل على إستحباب الأوّل، وكراهة المخالفة.
ذهب بعضهم إلى العدم، بدعوى: إنّ الأوامر الإستحبابية لا يلزم من إطلاق أدلّتها لحال التزاحم بين متعلّقاتها محذور التكليف بغير المقدور، لجواز ترك المستحبّ على كلّ حال: (تزاحم أم لا) فلا تعارض بين إطلاقاتها ليبحث عن مقيّد لبّي: (عدم الأمر بالمساوي أو الأهمّ) بسببه يرفع التنافي بينهما كما هو كذلك في الواجبات والمحرّمات.


مناقشة القول بعدم التزاحم بين اللاّ إقتضائيات

لكن قد يؤخذ على ذلك: إنّ المسألة مبنائية لا بنائية، إذ يختلف الأمر في ذلك باختلاف وجه المنع عن شمول الأمر للضدّين:
1. فإن كان الوجه إلزام المكلّف على الوقوع في العصيان، اختصّ ذلك بالإلزاميات، ولا يجري في غيرها، لعدم تصوّر عصيان بمخالفتها مطلقاً.
2. وأمّا إن كان الوجه ـ ثبوتاً ـ إستلزام طلب الجمع بين الضدّين ـ كما ذهب إليه القائلون بإستحالة الترتّب ـ.
3. أو كان الوجه ـ إثباتاً ـ ظهور الخطابات الطلبية في الباعثية والمحرّكية.
4. أو كان الوجه ـ ثبوتاً أيضاً ـ وجود الملاك في كلّ منهما مقابل المتعارضين اللذين لا ملاك إلاّ لواحد منهما.
جرى التزاحم ـ بما له من أحكام غير الإلزام ـ في اللاّ إقتضائيات أيضاً، وذلك:
1. إذ كما لا يعقل طلب وجوبي للجمع بين الضدّين، كذلك لا يعقل طلب ندبي للجمع بين الضدّين.
2. وكما إنّ الأمر الإقتضائي ظاهر في إيجاد الباعثية والمحرّكية نحو المطلوب، فلا يمكن إيجاد الباعثية نحو المتضادّين أو المتناقضين، فهذا أيضاً لا فرق فيه بين الإلزام، والطلب بلا إلزام.
3. وكما إنّ وجود الملاك في الواجبين والحرامين، كان هو سبب التزاحم فيهما، كذلك وجود الملاك في المستحبّين والمكروهين.

الصحيح: هو التزاحم هنا

ولذلك فالصحيح جريان كلّ أحكام التزاحم ـ غير الإلزام ـ في اللاّ إقتضائيات، من إستحباب تقديم الأهمّ منهما، كالصدقة على الرحم معها على غير الرحم، وقطع الصلاة المستحبّة أو الصوم المستحبّ بقول: أخ، أو التهام ما بدر في حلقه من الطعام، على الخلاف المتقدّم في أهميّة أيّهما ؟
وتقديم المتقدّم زماناً على المتأخّر، أو الذي لا بدل له على الذي له بدل، أو المشروط بالقدرة العقلية على المشروط بالقدرة الشرعية، أو حقّ الناس على حقّ الله، أو غير ذلك ممّا تقدّم البحث والنقاش فيها، لكن ذلك كلّه على نحو الإستحباب لا الوجوب.
وأمّا القائل بعدم التزاحم بين اللاّ إقتضائيات، فإنّه يعتبرها كالمباحات، فكما لا تزاحم شرعاً بين المباحات كشراء الماء وشراء الخبز ـ مع عدم التمكّن إلاّ من أحدهما ـ كذلك بين اللاّ إقتضائيات.
هذا كلّه إذا كان الدليل دالا على الطلب ـ للفعل أو الترك ـ.
أمّا إذا دلّ الدليل على المحبوبية والرجحان، أو المبغوضية والمرجوحيّة ـ مثل: « إنّ الله يحبّ المؤمن المحترف »(6) مع إنّ الله يحب من نصب نفسه لقضاء الحوائج، وكذا مثل: « إنّ الله يبغض كثرة الأكل »(7) مع: « أكثركم حبّاً لنا أكثركم أكلا في بيوتنا » ـ بدون الطلب فلا مانع من شمول إطلاق كلّ منهما لحال الإشتغال بالآخر، إذ المحال طلب المحال، لا محبوبية المحال، أو مبغوضية المحال.
وحيث إنّ المحبوبية والطلب، والمبغوضية وطلب الترك متلازمان عرفاً ـ إثباتاً ـ فيدلّ كلّ منهما على الآخر، تكون المحبوبية والمبغوضية المستفادتان من طلب الفعل والترك باقيتان على حالهما من التزاحم، والطلبان المستفادان من المحبوبية والمبغوضية خاضعان لأحكام التزاحم من الترجيح أو التخيير.
بل ربما يقال: بأنّ المباحات أيضاً خاضعة للتزاحم وأحكامه، من جهة إنّ شمول أدلّة الإباحة لمورد عدم القدرة على الجميع لغو ومستهجن، فلابدّ إمّا من الترجيح ـ إن كان مرجّح ـ وإلاّ فالتخيير، بمعنى: عدم شمول إباحة شراء الماء لمورد صرف المال المنحصر في شراء الخبز وبالعكس حيث إنّه لغو، لعدم إمكانه، فلا يصحّ توجيه الإباحة للمكلّف، وذلك كما إذا قيل للمقعد: أباح الشارع لك في هذه الحال المشي، فتأمّل، نعم، لا عصيان.

لوازم القول بعدم التزاحم

ثمّ إنّه على القول بعدم التزاحم في غير الإلزاميات ينشأ لوازم صعبة الإلتزام على قول مثل المحقّق النائيني ومن قال بقوله(8): من أنّ مفاد الأمر والنهي المولويين ليس إلاّ الطلب، وأمّا الوجوب والحرمة فيثبتان بحكم العقل عند عدم إقترانهما بترخيص من المولى في الترك أو في الفعل.
1. منها: إنّ إخراج باب التزاحم إلى باب التعارض لا يحتاج إلى القول بإمكان الترتّب في مطلق الأوامر، وذلك: لأنّه لا مانع من إطلاق ما هو مفاد الأوامر ـ الطلب ـ وشموله للضدّين معاً.
إذ المحذور في وجوب الضدّين ـ لا مطلق طلب الضدّين ـ والمفروض: إنّ الوجوب حكم ينتزع من الطلب حيث لا ترخيص في الخلاف، وفي موارد التزاحم يكون إطلاق الأمر لكلّ منهما دالا ـ بالدلالة الإلتزامية ـ على جواز مخالفة كلّ منهما في ظرف الإشتغال بالآخر، إذ فعل كلّ منهما ملازم لترك الآخر، فلا يعقل عدم الترخيص فيه مع طلب ملزومه ـ ولو على سبيل البدل ـ فلا ينتزع العقل وجوبه في قبال الآخر.
وبعبارة أُخرى: إذا لم نقل بالترتّب، وقلنا بأنّ كلّ وجوب مجعول حتّى عند عدم عصيان الآخر ـ في الوجوبين اللذين لا يقدر المكلّف على الجمع بينهما ـ فالحجّ وأداء الدَين، لمن لا يقدر إلاّ على أحدهما، واجبان، حصل التنافي بينهما، وهذا هو عين التعارض.
2. ومنها: عدم جريان الترجيح والتخيير في المتزاحمين، لأنّهما فرع تقييد خطاب كلّ واحد منهما بقيد لبّي هو: عدم الإشتغال بالمساوي أو الأهمّ.
فإذا قلنا في الطلبين بدون الوجوب بعدم التزاحم، وقلنا بأنّ الوجوب في الواجبات عقلي لا شرعي، لزم منه عدم تقييد الخطابين بالمقيّد اللبّي، إذ التقييد به فرع الوجوب، ولا وجوب شرعي.
3. ومنها: غير ذلك.
وعدم إمكان مساعدة هذه اللوازم، يكشف عن عدم تمامية ملزومها وهو: إنّ التزاحم بين مطلق الطلبين غير صحيح.


(1) الكفاية: ج1 بحث مقدمة الواجب.
(2) الوسائل: الباب 1 من أبواب مقدّمة العبادات ح1.
(3) الوسائل: الباب 7 من أبواب وجوب الحجّ ح1.
(4) آل عمران: 97.
(5) الوسائل: الباب13 من ابواب مقدمات الطلاق ح2.
(6) الوسائل: الباب 20 من ابواب ما يكتسب به، ح3.
(7) الوسائل: الباب الاول من ابواب آداب المائدة ح9.
(8) يراجع: الفوائد: الأوامر.