الإستحالة المدّعاة ووجوه إثباتها

وذكر المحقّق النائيني (رحمه الله) لإستحالة الأمر بالمهمّ المتقدّم على نحو الترتّب وجوهاً أربعة كلّها قابلة للمناقشة:

الوجه الأوّل للاستحالة

الأوّل: أن يكون المتقدّم ـ كالحجّ ـ مشروطاً بعدم الإتيان بالمتأخّر ـ كالإنقاذ ـ وهو مستحيل عند المحقّق النائيني (رحمه الله) لإستحالة الشرط المتأخّر عنده، إذ المشروط عدم عند عدم شرطه ـ وتحقيقه في الجزء الأوّل من الأُصول ـ .
مضافاً إلى أنّ هذا الشرط لا يدفع التنافي بين الإلزام بالحجّ، وبين الإلزام بحفظ القدرة للمتأخّر: الإنقاذ.
وفيه أوّلا: لا إستحالة للشرط المتأخّر، إذ ليس معنى ذلك تأثير المتأخّر في التكوين المتقدّم، بل المعنى: كون المتقدّم مراعى إعتبارياً بتحقّق المتأخّر، نظير الإجازة والرد المتأخّران عن عقد الفضولي، والإجازة المتأخّرة عن الردّ ـ على القول به وهو غير بعيد ـ.
وثانياً: على فرض إستحالة الشرط المتأخّر، فإنّه حيث يكون شرطاً لاتّصاف المتقدّم بالوجوب، أمّا فيما نحن فيه من كون القدرة عقلية فالملاك لوجوب المتقدّم موجود، وإنّما المتأخّر شرط لصحّة الخطاب وصدور الأمر من المولى، فلا مانع منه.
وثالثاً: التنافي بين الخطاب بالأهمّ المتأخّر، والمهمّ المتقدّم، إنّما يفرض في الخطابين الشرعيين، أمّا ما نحن فيه فالخطاب بصرف القدرة في الأهمّ عقلي لحكم العقل بإستحقاق العقاب على تفويت الأهمّ مع القدرة عليه، فليس هو شرعاً سوى الأمر بالأهمّ الذي تقدّم في الترتّب جواز جمعه مع الأمر بالمهمّ.
وعلى فرض كون الأمر بتقديم الأهمّ شرعياً ـ وليس كذلك كما تقدّم في التنبيه الأوّل ـ فليس مولوياً، بل هو طريقي للحفاظ على الواجب الأهمّ، فليس منافياً مع الأمر الترتّبي بالضدّ.

الوجه الثاني للاستحالة

الثاني: أن يكون المتقدّم مشروطاً بعدم تعقّب إمتثال الأهمّ، والتعقّب شرط مقارن، وبه صحّح المحقّق النائيني (رحمه الله) تبعاً لجمع ما ثبت في الشرع ممّا ظاهره الإشتراط بالشرط المتأخّر، قال (رحمه الله): وهذا أيضاً مستحيل ثبوتاً، ومشكل إثباتاً، أمّا ثبوتاً: فلورود الإشكال الثاني المذكور على الوجه الأوّل عليه أيضاً، للتنافي بين فعلية الإلزام بالمتقدّم: الحجّ، وبين فعلية الإلزام بحفظ القدرة للمتأخّر الأهمّ: الإنقاذ، هذا في مقام الثبوت.
وأمّا إثباتاً: فلعدم الدليل على هذا الإشتراط.
ويؤخذ عليه: ـ مضافاً إلى ما تقدّم آنفاً في: « وثالثاً » من إنّ التنافي إنّما هو في الخطابين الشرعيين، لا العقليين كما فيما نحن فيه ـ إنّ الإشكال الإثباتي مرتفع بالترتّب، لإطلاق الأمر بالمهمّ المتقدّم لحالة تعقّبه بترك الأهمّ المتأخّر.

الوجه الثالث للاستحالة

أن يكون الأمر الترتّبي بالمهمّ المتقدّم مشروطاً بعصيان الخطاب العقلي بوجوب حفظ القدرة للأهمّ المتأخّر ـ وهو شرط مقارن للمتقدّم ـ وهو محال أيضاً.
إذ: عصيان وجوب حفظ القدرة، إمّا يتحقّق بنفس الواجب المتقدّم، أو بفعل آخر مضادّ للواجبين جميعاً: المتقدّم والمتأخّر ـ على فرض وجود مثله ـ.
والتقييد بكلّ منهما محال، إذ الأوّل: تحصيل للحاصل، لأنّ مرجعه يكون إلى تقييد وجوب الحجّ بنفس وجوب الحجّ، والثاني: طلب للضدّين، لأنّ مرجعه إلى طلب الحجّ، وطلب ضدّ الحجّ.
ويؤخذ عليه بالنسبة للأوّل: إنّ حفظ القدرة حيث إنّه أمر وجودي يكون عصيانه بتركه وهو أمر عدمي، وهو ملازم مع وجود الواجب المتقدّم ملازمة عدم الضدّ، لضدّه، وليس هو نفسه حتّى يكون تحصيلا للحاصل.
ففي مثالنا: حفظ القدرة للإنقاذ أمر وجودي، وعصيانه يكون بترك حفظ القدرة، وهذا الترك ليس هو الحجّ نفسه، بل الحجّ يلزم منه ترك حفظ القدرة للإنقاذ.
وهذا إشكال على أصل الترتّب، أمّا على القول به، فلا محذور.
وكذا بالنسبة لطلب الضدّين، فإنّه ملازم له، لا نفسه.

الوجه الرابع للاستحالة

أن يكون الأمر الترتّبي بالمهمّ المتقدّم مشروطاً بالعزم على العصيان للأهمّ المتأخّر ـ والعزم شرط مقارن، لا متأخّر ـ.
وأشكله المحقّق النائيني (رحمه الله) أيضاً: باستحالته، لأنّ ترتّب الأمر بالمهمّ على العزم على عصيان الأهمّ محال، لوجود الأمر بالأهمّ حينه.
وقد يؤخذ عليه: إمكان ترتّب الأمر بالمهمّ على العزم على عصيان الأهمّ ـ لا نفس العصيان ـ والعقاب على نفس العصيان من باب إنّ ما بالإختيار لا ينافي الإختيار.
نعم، في مقام الإثبات يحتاج الترتّب على عزم العصيان إلى دليل، ويمكن كون دليله إطلاق الأمر الترتّبي بالمهمّ.
والحاصل: إنّ الترتّب في المقام ممكن، فيندرج هذا المورد الثاني أيضاً في باب التزاحم.


المورد الثالث

الثالث من الموارد التي ذكر المحقق النائينى (رحمه الله) خروج التزاحم عن بابه: ما إذا توقّف واجب على فعل حرام، وكان الواجب ـ ذي المقدّمة ـ أهمّ بنظر المولى، ففي مثله لا يعقل تعلّق الخطاب التحريمي للمقدّمة، ولو على نحو الترتّب، كشرب المتنجّس لإنقاذ نفس محترمة.
بيان ذلك: إنّ الأقوال في مقدّمة الواجب ثلاثة:
1 ـ عدم الوجوب مطلقاً.
2 ـ وجوب الموصلة منها فقط، أو إمكان تخصيص الوجوب بالموصلة.
3 ـ وجوب مطلق المقدّمة، وإستحالة تخصيصها بالموصلة ـ كما هو رأي الآخوند (رحمه الله) في الكفاية ـ.
فعلى القولين الأوّلين يمكن شمول إطلاق خطاب التحريم للمقدّمة ـ بنحو الترتّب ـ بأن يحرم شرب المتنجّس على تقدير عدم الإتيان بالأهمّ: إنقاذ النفس المحترمة.
وأمّا على القول الثالث: فيخرج الموضوع عن التزاحم إلى وجوب المقدّمة فقط، لوجوب ذيها وأهميّتها.
وإحتمال بقاء ملاك الحرمه في المقدّمة موجب لإحتمال الأمر بالمحال بجمع الواجب والحرام.
ومع التساوي وعدم الأهميّة ـ ولو لأصالة عدم الأهميّة ـ فيكون من المتعارضين.
وأمّا مع أهميّة المقدّمة دون ذيها، مثل شرب الخمر إذا صار مقدّمة لترك شرب المتنجّس فيخرج عمّا نحن فيه، إذ حين المقدّمة لأهميّتها لا أمر بذيها، وحين ذيها فلا مزاحم له، لفوات وقت المقدّمة بالعصيان.
 

التنبيه الثالث من تنبيهات التزاحم

في التزاحم بين الإلزامات الضمنية في المركّبات الإرتباطية، كالتزاحم بين الركوع والسجود، أو التزاحم بين البكاء والقهقهة، والتزاحم بين فعل القهقهة وترك الركوع في الصلاة.
فقد اختلف فيها إلى قولين:
الأوّل: للمحقّق النائيني (رحمه الله) والمعظم: من عدم الفرق في جريان أحكام التزاحم بين الإلزامات المستقلّة، أو الضمنية.
الثاني: لجمع من المتأخرين والمعاصرين: من أنّه ينقلب إلى التعارض بين أدلّتها.
إستدلّ المحقّق النائيني (رحمه الله) على ذلك: بعدم الفرق في وجود الملاك ـ مع عجز المكلّف عن الجمع ـ بين كون الإلزام مستقلا عن الآخر، وبين كونه مرتبطاً بالآخر.
إنّما الكلام في دليل القول الثاني، فإن تمّ فبها، وإلاّ كان الضمني والإستقلالي سواءً.
وعمدة الدليل هو: إنّ الإلزامات الضمنية حيث إنّها إرتباطية تكون مجعولة بجعل واحد متعلّق بالمركّب، لا بجعول متعدّدة.
وهذا الجعل الواحد مشروط بما يشترط به كلّ تكليف من القدرة عليه (أي: على مجموع أجزاء وشرائط متعلّقة) فإذا وقع التضادّ بين جزئين ـ مثلا ـ من هذا المجموع، لم يكن المجموع ـ من حيث المجموع ـ مقدوراً فيسقط الأمر به.
فإن دلّ دليل آخر على عدم سقوطه كليّاً ـ كما في الصلاة حيث إنّها لا تترك بحال، وفي غيرها بقاعدة الميسور في مواردها ـ دار الأمر بين التكليف ببقيّة الأجزاء مع الجامع بين الجزئين، أو مع أحدهما تعييناً، وهذه شبهة حكمية في أصل التكليف ـ وليس من التزاحم ـ يرجع فيها إلى القواعد العامّة.
وإن لم يدلّ دليل آخر على عدم السقوط ـ كما في الطهارات الحدثية، والصوم، وكذا في الحجّ على ما ادّعاه جمع، منهم: صاحب الجواهر (رحمه الله) ـ لم يكف الدليل الإرتباطي الأوّل لإثبات التكليف بسائر الأجزاء.


حاصل الكلام ومناقشته

والحاصل: إنّه ـ في الفرض ـ بعد عدم القدرة على كلّ الأجزاء والشرائط يدور الأمر: إمّا بين وجوب الجامع، أو وجوب أحد المقدورين تعييناً، وإمّا لا دليل على أصل الزام أصلا، وأين هذا من التزاحم ؟
وفيه: إنّ مقتضى جمع الدليلين: ـ دليل أصل الإلزام بالمركّب، ودليل وجوب بقيّة الأجزاء والشرائط عند تعذّر بعضها، بالخصوص، أو بالعموم، لقاعدة الميسور إلاّ ما خرج كالطهارات الحدثية ونحوها ـ وجوب المقدور من الأجزاء والشرائط، وهذا المقدور ـ في فرضنا ـ تردّد بين فاقد الركوع وفاقد السجود ـ مثلا ـ وهو عين التزاحم الذي هو تمامية الملاك في أمرين لا يقدر المكلّف على الجمع بينهما.
والإيراد على ما قلنا بأنّ ظاهر أدلّة الأجزاء والشرائط في المركّبات الإرتباطية هو الإرشاد إلى الجزئية والشرطية حتّى ما كان منها بلسان الأمر والنهي ـ مثل: « واركوا مع الراكعين » ونحوه ـ ومقتضى إطلاقها لحال العجز ثبوت الجزئية والشرطية فيه أيضاً، فيلزم سقوط التكليف الإستقلالي بالمجموع رأساً.
مجاب: بأنّ مقتضى أدلّة وجوب الباقي عند العجز عن جزء أو شرط ; عدم الجزئية حينه، وتقييد إطلاق أدلّة الأجزاء والشرائط بحال القدرة، والقدرة في كلّ من الركوع والسجود ـ مثلا ـ مقيّدة بعدم الإتيان بالآخر، وهو عين التزاحم، فتأمّل.

مع نفاة التزاحم في الضمنيات

ثمّ إنّ القائلين بعدم التزاحم في الضمنيات وإنّما هو التعارض المقتضي لعدم اعمال مرجّحات التزاحم لم يمكنهم التزامه في الفقه في العديد من مسائله.
مثلا: جاء في مصباح الأُصول: « والتحقيق إنّ أمثال هذه المقامات ـ ممّا يكون الواجب فيه من الواجبات الضمنية لكونه جزءاً من مركّب أو شرطاً ـ خارجة عن التزاحم موضوعاً، فلو دار الأمر بين جزئين من واجب واحد، أو بين شرطيه، أو بين جزء وشرط منه، لا يصحّ الرجوع إلى مرجّحات باب التزاحم... ».
وفي التنقيح في شرح المسألة الثانية من فصل إذا صلّى في النجس من كتاب الطهارة، قال: « ثمّ إنّ هذه المسألة وغيرها ـ ممّا يذكره الماتن في المقام وما يتعرّض له في بحث الصلاة من دوران الأمر بين الإتيان بجزء أو جزء آخر، أو بين شرط وشرط آخر، أو عدم مانع وعدم مانع آخر، أو بين شرط وجزء، وهكذا ـ كلّها من واد واحد، وهي عند المشهور بأجمعها من باب التزاحم... إلاّ أنّ الصحيح إنّ الموارد المذكورة خارجة عن كبرى التزاحم ومندرجة في التعارض... ».
ومع ذلك، فإنّه لم يمكنه الإلتزام بعدّ الدوران بين الضمنيات من باب التعارض، ففي موارد عديدة رجّح بعضها على بعض بملاك مرجّحات باب التزاحم ـ وإن كان في بعض تلك الموارد لأدلّة خاصّة، إلاّ أنّه ليست الأدلّة الخاصّة في جميعها ـ ففي حاشية العروة، في القيام في الصلاة، في المسألة العشرين في الدوران بين القيام في أوّل ركعة، أو القيام في ركعتين أو أزيد بعدها، لم يستبعد صاحب العروة (رحمه الله) ترجيح المتأخّر الأكثر، إلاّ أنّه علّق عليه بقوله: « بل هو بعيد، والظاهر: وجوب تقديم القيام فيه وفي الفرض الثاني » والمراد بالفرض الثاني: دوران الأمر بين القيام في أوّل القراءة وبينه في آخرها. فتأمّل.

فروق التزاحم والتعارض

يفترق التزاحم والتعارض في أُمور، ومن أهمّها: تراجيحهما. فمرجّحات باب التزاحم: الأهميّة، والأسبق زماناً، والمقدور بالقدرة العقلية على الشرعية، وما لا بدل له، ونحوها ممّا تقدّم مفصّلا.
وأمّا مرجّحات باب التعارض فهي بإختصار كالتالي:
1 ـ العام مقدّم على المطلق لكون العام يصلح بياناً على خلاف المطلق، والمطلق متوقّف ظهوره على عدم البيان على الخلاف.
2 ـ يقدّم الدليل اللفظي على اللبّي، كالصلاة قائماً مع عدم الإستقرار مقدّم على الصلاة قاعداً مع الإستقرار، لأنّ: « لا صلاة لمن لم يقم صلبه » لفظ، بينما دليل الإستقرار الإجماع.
3 ـ العامان يرجع فيهما إلى المرجّحات السندية.
4 ـ المطلقان يتساقطان لعدم جريان مقدّمات الحكمة في شيء منهما للتعارض، فيتخيّر.
5 ـ وكذا اللبّيان، وأمثلة ذلك في الفقه كثيرة، فإذا قلنا بعدم التزاحم في الضمنيات لزم ملاحظة هذه المرجّحات فيها ـ وقد تقدّم النظر فيه ـ.

 

التنبيه الرابع من تنبيهات التزاحم

في التزاحم بين الواجب الموسّع، والواجب المضيّق، ونسب إلى المحقّق الثاني (رحمه الله) إنكار التزاحم، إذ الواجب الموسّع مرجعه إلى الإلزام بفعل الواجب في الزمان الجامع بين الأفراد الطولية، وهذا الجامع يمكن جمعه مع المضيّق، فلا يلزم من الأمر بهما في عرض الآخر محال، كوجوب النهي عن المنكر المضيّق، ووجوب الصلاة الموسّع وقتها الشامل لوقت الآخر.


(1) العروة الوثقى: الطهارة، فصل إذا صلّى في النجس، م10.
(2) الجواهر: ج31 ص365.
(3) أجود التقريرات: ج2 ص272.
(4) المائدة / 6.
(5) النساء / 42.
(6) مختارات الأُصول: ج2 ص189.