الكواشف المشكوكة

وأمّا القسم الثاني: وهو الكواشف المشكوكة التي يحتمل أهميّتها، أو قال بأهميّتها بعض لكنّها لم تثبت، فإنّه أيضاً أنواع:

أمثلة ونماذج
النموذج الأوّل

1. الحقّ الذي يصير دَيناً إذا تركه، فانّه مقدّم على الحقّ الذي لا يصير دَيناً، كنفقة الزوجة ونفقة الأرحام في حقوق الناس، وكالحجّ ونفقة شجرة تتلف بتركها في حقوق الله تعالى.
وفيه: إنّه لا كلّية له، فقد يستفاد من صيرورة الحقّ دَيناً أهمية، وقد لا يستفاد ذلك، حتّى قيل: ـ كما تقدّم ـ بتقدّم ما لا بدل له.

النموذج الثاني

2. كثرة التنصيص الشرعي على الحكم، فإنّه يدلّ على مزيد إهتمام الشارع بملاك ذاك الحكم كنصوص الصلاة بالنسبة إلى نصوص الصوم.
وفيه: إنّ كثرة النصوص في المقام على نوعين:
أحدهما: كثرة النصوص الصادرة عن المعصومين (عليهم السلام)، كصدور مائة رواية عنهم (عليهم السلام).
ثانيهما: كثرة النصوص الواصلة إلينا، أي: الكثرة في مرحلة الوصول، كمائة رواية وصلتنا هي في الواقع عشرة نصوص صادرة عن المعصومين (عليهم السلام).
أمّا الثاني: فلا تدلّ هذه الكثرة على مزيد إهتمام الشارع بهذا الحكم، بالنسبة لمقابله المزاحم معه، بل على اتّفاقات تقارن بعضها بعضاً فصارت هذه الكثرة.
نعم، إن قلنا بأنّ كلّ عمل من المتشرّعة يكشف عن حكم الشارع بمثله، دخل الثاني في الأوّل، لكنّه لا كلّية له ظاهراً.
وأمّا الأوّل: ـ وهو أكثرية النصوص الصادرة عن المعصومين (عليهم السلام) ـ فهي أيضاً لا تلازم عرفاً الأهمية في نظر الشارع، إذ قد يكون منشأ الأكثرية أُمور أُخرى:
مثل كثرة الإبتلاء به، كنصوص الصلوات اليومية بالنسبة إلى صلاة الآيات، ولذا نرى حتّى المندوبات قد تكون نصوصها أكثر من بعض الواجبات، كنصوص صلاة الليل مع نصوص صلاة الآيات.
ومثل ما لا محذور في بيان حكم دون آخر من جهة التقيّة ونحوها، كنصوص التولّي والتبرّي حيث إنّ الأُولى أكثر من الثانية، فهذه الأكثرية لا تدلّ على الأهميّة، بحيث إذا تزاحما نحكم بأهميّة الأوّل.
ومثل ما كان ممّا يغفل عنه عادة، فصارت أكثر للتنبيه عليه.
ونحو ذلك.

النموذج الثالث

3. تقدّم النفس على العضو، والعضو على البضع، وهو على المال.
وتقدّم النفس على الغير حتّى الزوجة والأرحام.
وتقدّم الإنسان على الحيوان.
ذكر ذلك كلّه الشهيد الأوّل (رحمه الله) في القواعد(1) وإستدلّ لذلك بالأهمية وقال: « إمّا للأشرفية والأهميّة، وإمّا لأنّ تحمّل أخفّ المفسدتين أولى من تحمّل الأعظم، إذ مفسدة فوات النفس والعضو أعظم من مفسدة فوات البضع، ومفسدة فوات البضع أعظم من مفسدة فوات المال ».
أقول: الأهميّة ملاكها الدليل الشرعي الكاشف عن الشرع، ولو كان مثل إرتكاز المتشرّعة ـ إمّا سيرة أو إرتكاز العقلاء فيعسر الإطمئنان إلى توفّر الشرطين فيهما: من الإتّصال بزمن المعصومين (عليهم السلام)، وإحراز موافقتهم لها ـ.
وإرتكاز المتشرّعة في مثل دوران الأمر بين تلف النفس وتلف العضو واضح فيهما أهميّة النفس.
وكذا تقدّم الإنسان على الحيوان، وعلى الأشجار، وعلى المال.
وأمّا تقدّم الإنسان على الغير المؤمن بحيث لا يجوز الإيثار.
وكذا تقدّم العضو على البضع، فالظاهر: عدم إحراز ذلك.
بل تقدّم: عدم مسلّمية تقدّم النفس على البضع، فكيف بالعضو ؟
وأمّا الإيثار بالنفس وإن منع منه بعضهم كالسيّد الطباطبائي اليزدي (قدس سره)وغيره، لكنّه غير واضح الدليل.
بل إطلاقات الإيثار غير آبية الشمول للنفس، وإطلاقات حرمة إلقاء النفس في التهلكة مضافاً إلى إنصرافها إلى غير مثل الإيثار تتعارض بالعموم من وجه مع إطلاقات الإيثار، وتتساقطان، ويكون أصل عدم الترجيح محكماً.
أضف إلى ذلك: تقدّم إطلاقات الإيثار لأنّها بمنزلة العناوين الثانوية الناظرة إلى الأوّلية مطلقاً، فتأمّل.

النموذج الرابع

4. ما ذكره بعضهم: من إنّه إذا كان أحد الإلزامين دليله لفظيّاً له إطلاق، والآخر لبّياً، لا إطلاق له، أو مجملا، فيشمل إطلاق الأوّل مورد الإشتغال بالثاني، ولا عكس لعدم الإطلاق.
وفيه: قد تقدّم إنّ كلّ دليل الزامي لفظي مخصّص بقيد لبّي، وهو: عدم الإشتغال بالمساوي أو الأهمّ، ولولا ذلك لدخل التزاحم في باب التعارض لإشتباه الحجّة باللاّ حجّة.
فيكون من التمسّك بالعامّ في مورد الشبهة المصداقية للمخصّص اللبّي، الذي تسالموا على عدم صحّة التمسّك بالعام في مثلها، للشكّ في إنعقاد عموم للعام يشمله.


حكم التزاحم مع عدم الرجحان

ثم إنّه إذا لم يكن رجحان في البين يكون تخيير، وقد تقدّم إنّ التخيير عقلي ـ يعني: الحاكم به العقل ـ بمعنى: إنّ هناك من الشارع خطابين شرعيين تعينيين كلّ واحد منهما مشروط بعدم إمتثال الآخر، وإنّما يتخيّر بينهما في مقام الإمتثال بحكم العقل بمعنى: إنّ المولى لا يستطيع أن يطلب منك أكثر من التخيير ـ وإن كان المولى يحبّ الجمع بينهما ـ.
ولا فرق في ذلك بين كون الخطابين مشروطين بالقدرة العقلية، أم الشرعية، أم مختلفين، أي: كون القدرة دخيلا في ملاك الخطاب، أم لا بمعنى: كون العجز مانعاً عن تنجّز الخطاب.
وربما يقال: بالتخيير الشرعي بين المتزاحمين، وهو: وجود خطاب واحد تخييري بدلا من خطابين مشروطين.
ومن ثمرات هذا البحث: إستحقاق عقابين عند عصيان المكلّف لكليهما أم إستحقاق عقاب واحد.
فعلى التخيير العقلي يستحقّ عقابين، وعلى التخيير الشرعي يستحقّ عقاباً واحداً.
وكذا في الأحكام الوضعية ـ ككفّارة النذر واليمين ـ هل عليه كفّارتان أم واحدة ؟
مثلا: إذا نذر أن يحجّ هذه السنة، وأقسم أن يرسل أباه للحجّ، ولم يتمكّن إلاّ على أحدهما، وعصى بتركهما، فهل عليه كفّارتان، أم كفّارة واحدة ؟
ثمّ في المثال المذكور ونحوه الذي يختلف الحكم الوضعي، بناءً على الكفّارة الواحدة، هل الأكثر، أم الأقل، أم يخيّر ؟


تفصيل المحقّق النائيني

وفصّل المحقّق النائيني (رحمه الله) هنا بين كون القدرة المأخوذة في التكليفين عقلية، فالتخيير عقلي، وبين كون القدرة شرعية، فالتخيير شرعي.
أمّا الأوّل: فإذا أوجب الشارع إنقاذ هذا الغريق، وذاك، ولم يقدر المكلّف على الجمع بينهما، فلا وجه لسقوط أصل الخطاب، بل المزاحم إطلاقه لحال الإشتغال بالآخر، فالإطلاق ساقط.
وأمّا الثاني: فأحدهما لا بعينه لا ملاك له، ولكن الآخر له ملاك، ولا وجه لرفع الحكيم يده عن تكليفه جميعاً لمجرّد عدم قدرة المكلّف على جميعهما، فيبقى تكليف واحد ـ انتهى بتصرّف(2)ـ.


تنبيهات باب التزاحم
التنبيه الأوّل من تنبيهات التزاحم

هل يشترط في التزاحم بين خطابين أن يكون التضادّ أو التناقض بين متعلّقيهما أحياناً واتّفاقاً لا دائماً، أم لا يشترط ذلك، بل يجري التزاحم في المتضادّين والمتناقضين دائماً ؟ وله موردان:


هنا موردان

أحدهما: الخطابات المتعلّقة على سبيل الكفاية بعدد من الأفراد.
ثانيهما: الحكايات المتعلّقة بالنسبة لفرد واحد ولو كان في أصلها متعلّقة بأفراد هذا الفرد من مصداق للخطاب.

المورد الأوّل

أمّا المورد الأوّل: وهو تضاد أو تناقض الخطابات المتعلّقة كفاية بعدد من الأفراد، فلا إشكال في عدم الإشتراط، وصحّة تعلّق الخطابين المتزاحمين المتضادّين أو المتناقضين بأفراد، لإمكان جمع الأفراد ـ من حيث المجموع ـ لهما، نظير وجوب الهداية للضُلاّل التي مصاديقها متضادّة أو متناقضة، وكلّ منها له ملاك كامل يخيّر المكلّف بين أفرادها ـ إذا لم تحرز أهميّة في مورد خاصّ ـ.

المورد الثاني

وأمّا المورد الثاني: وهو تضادّ أو تناقض الخطابات المتعلّقة لفرد واحد، دائماً، سواء في الخطابات الشخصية، أو الكلّية التي صار فرد مصداقاً لجميعها، فقيل: بأنّه يشترط أن يكون بينهما العموم من وجه، ولا يمكن في المتباينين ـ في مقام الإثبات ـ وإنّه إذا تباينا يكونان من مصاديق التعارض لا التزاحم، وذلك: لأنّ التضادّ قد يفترض في مورد المتناقضين، والمتضادّين اللذين لا ثالث لهما، وقد يفترض في مورد الضدّين اللذين لهما ثالث.

المتضادّان ولا ثالث لهما

أمّا الأوّل: وهو المتناقضان أو الضدّان اللذان لا ثالث لهما، فكالمحبوس في مكان مغصوب إذا كانت صلاته زيادة في الغصب، فاجتمع عليه الإلزام بالصلاة بين الطلوعين، والإلزام بعدم الغصب، وكذا في الضدّين اللذين لا ثالث لهما، فلا يعقل التكليف بهما جميعاً لإستلزامه المحال وهو: جمع الضدّين، ولا بأحدهما على سبيل البدل لأنّه تحصيل للحاصل.
أقول: ربما يقال: إنّ الأمر بالجامع تحصل للحاصل، لا بكلّ منهما على سبيل البدل بخصوصه، إذ له أن يختار الإتيان بالصلاة دائماً، ويمكن له أن يختار الترك دائماً، ويمكن له أن يختار الصلاة حيناً، وتركها حيناً آخر، فأيّما إختار فهو واجب، لا إنّه تكاذب حتّى يدخل في باب التعارض، وإنّما هو من باب التزاحم فكلّ منهما له ملاك كامل، غير إنّ المكلّف غير قادر ـ بحكم التضادّ ـ على الجمع بينهما.

المتضادّان ولهما ثالث

وأمّا الثاني: وهو الضدّان اللذان لهما ثالث، كما إذا ورد: « صلّ عند الفجر » و: « تمشّ عند الفجر » حيث إنّه يمكن تركهما، فهما ضدّان لهما ثالث، ففيه أقوال ثلاثة:
1. ما عن المحقّق النائيني وعدد من تلاميذه وتلاميذهم: أنّهما متعارضان، لوجود ملاك التعارض في الضدّين اللذين لا ثالث لهما، فيهما أيضاً، لأنّ المكلّف لا يمكنه جمعهما، فلا يصحّ التكليف بهما جمعاً للتضادّ، ولا بأحدهما على سبيل البدل لأنّه على فرض عدم تركهما لا يخلو منهما، فيكون التكليف تحصيلا للحاصل.
2. إنّهما متزاحمان ـ كالمتزاحمين اللذين قد يتّفق التزاحم بين خطابيهما ـ إذ كلّ واحد منهما مقيّد لبّاً بعدم الإشتغال بالمساوي أو الأهمّ، فهما إمّا متساويان في الملاك فيكون الترتّب من الطرفين، وإمّا أحدهما أهمّ فيكون الترتّب من جانب واحد.
3. إنّهما متعارضان في إطلاق الخطابين، لا في أصلهما.
أمّا عدم التعارض بين أصل الخطابين، فلأنّه لا محذور في الأمر بكلّ منهما مشروطاً بعدم الإتيان بالآخر.
وأمّا التعارض بين الإطلاقين، فلأنّ الظاهر منهما شمول إطلاق كلّ منهما لحال الإشتغال بالآخر، فيكون معارضاً مع إطلاق الخطاب الآخر معارضة عرفية.


(1) القواعد والفوائد: ج1 ص 328.
(2) أجود التقريرات: ج1 ص9 ـ 277.