أمّا النوع الثاني: وهو ترجيح محتمل الأهمّية مطلقاً، فقد ذكر لوجوب ترجيحه أدلّة:
أحدها: أصالة التعيين المسبّبة من أصالة الإشتغال العقلية، وذلك بتقريب: إنّ
الإشتغال بمحتمل الأهمّية موجب لسقوط الأمر بالمهمّ قطعاً، بخلاف الإشتغال بالمهمّ، فإنّه يشكّ معه في سقوط الأمر بمحتمل الأهمّية، لأنّ شرط سقوط خطاب كلّ منهما:
الإشتغال بالمساوي أو الأهمّ، وهذا الشرط غير محرز، فيبقى الإشتغال العقلي على
حاله.
مثاله: تزاحم عقوق الأب وعقوق الأُمّ، حيث يحتمل تقدّم جانب الأُمّ، ولا يحتمل
تقدّم جانب الأب، للروايات المراسيل التي يحتمل فيها ذلك، مثل: « من أبرّ ؟ قال
(صلى الله عليه وآله) ثلاث مرّات: أُمّك، وفي الرابعة قال (صلى الله عليه وآله):
أباك ».
والمرسل الآخر في قصّة جريح ونداء أُمّه له وهو في الصلاة، الدالّ على جواز قطع
الصلاة لنداء الأُمّ دون الأب.
ونحوهما غيرهما.
وفيه: إنّ التعيين المبنيّ على أصالة الإشتغال العقلية، إنّما يصار إليه إذا كان
الشكّ بين المتباينين، كصلاتي الظهر والجمعة، والإنائين المعلوم نجاسة أحدهما
إجمالا.
وأمّا إذا كان الشكّ دائراً بين الأقل والأكثر، فالبراءة العقلية والشرعية عن
الأكثر محكمة ـ كما حقّق في بحث البراءة ـ وما نحن فيه من هذا القبيل، لأنّ وجوب
أحدهما مسلّم، وتعيين ذلك الواحد مشكوك نظير تردّد الدَين بين التسعة والعشرة.
فيكون الشكّ في الإمتثال مسبّباً عن الشكّ في الإشتغال، فإذا تمّت البراءة في
الشكّ في الإشتغال يرتفع موضوع الشكّ في الإمتثال، فلا شكّ ـ تعبّداً ـ حتّى تجري
أصالة الإشتغال العقلية، ويبنى عليها أصالة التعيين.
ثانيها: إنّ الإشتغال بكلّ منهما مفوّت لغرض إلزامي للمولى، لكن الإشتغال بمحتمل
الأهمّية الموجب لتفويت غرض المهمّ، معذور فيه قطعاً.
وأمّا الإشتغال بالمهمّ وتفويت غرض محتمل الأهميّة، فلا محرز للعذر في هذا التفويت، لعدم إحراز المساواة،
وكلّ تفويت جزمي لغرض المولى ـ بحيث لم يحرز العذر فيه ـ ممنوع عقلا.
وهذا الوجه تقرير آخر للإشتغال العقلي وأصالة التعيين.
ويرد عليه ما أُورد على الوجه الأوّل: من أنّ الشكّ في العذر في تفويت محتمل
الأهميّة مسبّب عن الشكّ في توجّه إلزام من المولى زائداً على الإلزام بأحد
المتزاحمين غير معيّن ؟ والشكّ فيه مجرى البراءة فيذوب موضوع الشكّ في العذر ـ الذي
هو مجرى أصل عدم العذر ـ.
ثالثها: ما ذكره المحقّق النائيني والعديد من تلاميذه وتلاميذهم (قدس سرهم): من أنّ
الإطلاق في المتزاحمين يسقط من كلّ منهما بالإشتغال بالآخر.
وفي معلوم الأهميّة لا يسقط إطلاقه عند الإشتغال بالمهمّ، وبالعكس يسقط إطلاق
المهمّ.
وأمّا محتمل الأهميّة فلم يحرز سقوط إطلاقه عند الإشتغال بالآخر، فلابدّ من الأخذ
بإطلاق محتمل الأهميّة.
وفيه ـ مضافاً إلى ما تقدّم من الإشكال في الوجهين الأوّلين من: إنّ الشكّ في سقوط
الإطلاق مسبّب عن الشكّ في مقدار الإطلاق، فإذا سقط الإطلاق بأصالة عدمه، لم يبق ـ
تعبّداً ـ شكّ في سقوط الإطلاق ـ:
إنّ ذلك تمسّك بالعام في الشبهة المصداقية لمخصّصه اللبّي المتّصل، إذ لا إشكال في
تقييد كلّ خطاب ـ لبّاً ـ بعدم الإشتغال بضدّ مساو أو أهمّ، وفي المقام يحتمل
مساواة الإلزام الآخر لمحتمل الأهميّة.
مع إنّه لو صّح هذا الإستدلال، لأنقلب التزاحم إلى التعارض فيما احتمل أهميّة كلّ
منهما، لعدم إحراز سقوط خطاب هذا، وعدم إحراز سقوط خطاب ذاك، مع العلم بسقوط
أحدهما، وهذا خلاف الفرض.
رابعها: إنّ القيد اللبّي العامّ (عدم الإشتغال بلازم آخر مساو أو أهمّ) ثابت
بالدليل العقلي الذي يقول: إنّ إطلاق الخطاب لصورة الإشتغال بالمساوي أو الأهمّ
غير معقول، لإستلزامه: إمّا طلب الضدّين، أو صرف المكلّف من الأهمّ إلى المهمّ،
أو من المساوي إلى المساوي، والأوّل مستحيل، والثاني خلاف غرض المولى.
وهذا الإستدلال لا يقتضي إلاّ التقييد للمطلق بصورة العلم بالأهميّة، أو العلم
بالمساواة، إذ الخطابات مجعولة على نهج القضايا الحقيقية، فكلّما تحقّق موضوعها
كان الخطاب، وكلّما لم يكن موضوعها متحقّقاً في الواقع لا يكون الخطاب.
ولا يصحّ رفع اليد عن إطلاق أي خطاب إلاّ بالمقدار المعلوم عدم الإطلاق.
وفي محتمل الأهميّة لم يعلم عدم الإطلاق لحال الإشتغال بالمهمّ، بخلاف العكس.
فمثلا: خطاب « لا تؤذ أُمّك » له إطلاق ولم يحرز إنكسار هذا الإطلاق حال طاعة « لا
تؤذ أباك » بخلاف العكس، فإنّه أحرز إنكسار إطلاق الثاني حال الإشتغال بالأوّل.
وفيه: ـ كما تقدّم ـ إنّ الشكّ في إنكسار إطلاق محتمل الأهميّة مسبّب عن الشكّ في
مقدار إطلاقه سعة وضيقاً، فإذا جرى أصالة عدم الإطلاق في السبب لم يبق ـ تعبّداً ـ
شكّ في الإنكسار.
مضافاً إلى ما أُورد على الوجه الثالث أيضاً.
والحاصل: إنّ مرجع الوجوه الأربعة ـ وإن إختلف تقاريرها ـ إلى شيء واحد وهو:
الشكّ في الإمتثال، ومرجع أجوبتها إلى واحد أيضاً وهو: الشكّ في الإشتغال، فتأمّل.
فظهر: إنّه لم يتمّ الدليل على وجوب عقلي لتقديم محتمل الأهميّة، فيكون المكلّف ـ
معه ـ مخيّراً.
وأمّا النوع الثالث: وهو ترجيح محتمل الأهميّة بالنسبة الى الآخر، يعني: الترجيح
بقوّة إحتمال الأهميّة فيما إذا إحتملت الأهميّة في كلّ منهما، ولكن كان الإحتمال
في أحد المتزاحمين أقوى منه في الآخر، كما إذا دار أمر المصلّي بين القيام
والإيماء للركوع والسجود، وبين القعود والركوع والسجود الكاملين، فإنّه يحتمل
أهميّة القيام لتقدّمه، ويحتمل أهميّة الركوع والسجود لكونهما ركنين، ولكن قوّة
إحتمال الثاني أكثر من قوّة إحتمال الأوّل.
فإنّ مقتضى ما تقدّم من الوجوه الأربعة للوجوب العقلي على تقدّم محتمل الأهميّة
مطلقاً، جارية فيما نحن فيه، ومقتضى الأجوبة عليها عدم وجوب التقديم، إذ الشكّ
في سقوط إطلاق صاحب قوّة إحتمال الأهميّة مسبّب عن الشكّ في مدى إطلاقه، فإذا جرت
البراءتان العقلية والشرعية فيه، يرتفع الشكّ الذي هو موضوع الشكّ في الإمتثال، فلا
تصل النوبة إلى الإشتغال.
وللمحقّق النائيني (رحمه الله) كلام حاصله: التفصيل بين القدرة العقلية والقدرة
الشرعية، ويريد بالقدرة الشرعية: ما تكون دخيلة في ملاك الحكم، فمع عدم القدرة لا
ملاك للحكم أصلا.
وقد سبقه إلى ذكر ذلك الشيخ (رحمه الله) في التقريرات بقلم الكلانتر، والمحقّق
القمّي (رحمهما الله) في القوانين، وغيرهما أيضاً.
فإذا ورد في دليل: « إذا قدرت على كذا وجب عليك كذا » أو أي واحد من معاني:
القدرة، كالإستطاعة، والإمكان، مثل: « إذا تمكّنت، إذا أمكنك، إن إستطعت، من
إستطاع » ونحو ذلك كان معنى ذلك: إنّ القدرة جزء موضوع الحكم، وظاهر أخذ القدرة
جزءاً لموضوع الحكم دخلها في ملاك الحكم.
بخلاف القدرة العقلية، فإنّ عدمها عذر، لا علّة لعدم الحكم، بل الحكم موجود وإنّما
يعذر المكلّف للعجز.
وفيه: إنّ الكبرى مسلّمة، إلاّ إنّه ظاهراً لا صغرى له في الأدلّة الشرعية، ولا
في الأدلّة العرفية، إذ أيّة مسألة يكون العجز فيها سابقاً لملاك الحكم ؟
مضافاً إلى إنّ الإستظهار المذكور غير ظاهر ـ كما يبدو ـ.
ثمّ إنّ المراد بالقدرة الشرعية أحد ثلاثة أُمور، في أحدها يتمّ الترجيح بالأهميّة،
وفي الآخرين لا.
أحدها: أن تكون على غرار المقيّد العقلي العامّ، بمعنى: عدم الإشتغال بالمساوي
أو الأهمّ، وبهذا المعنى يتمّ الترجيح بالأهميّة، إذ مع الإشتغال بغير المساوي
والأهمّ يكون إطلاق دليل الأهمّ شاملا، فلا عذر في ترك الأهمّ.
ثانيها: عدم الإشتغال بواجب آخر، أعمّ من أن يكون غير مساو ولا أهمّ، وبهذا
المعنى لا يتمّ الترجيح بالأهميّة، إذ مع الإشتغال بأي واجب وإن كان أقلّ أهميّة،
يكون المكلّف غير قادر على الأهمّ (بالقدرة الشرعية) فلا أمر بالأهمّ أصلا.
ثالثها: أن تكون القدرة الشرعية بمعنى: عدم العجز المولوي، بأن لا يكون المولى أمره
بما يعجز المكلّف معه من الإتيان بالآخر.
والمعجز المولوي: إمّا يراد به ما يرجع إلى الأمر الأوّل فتدخل الأهميّة في المقام،
ويكون لها دور.
وإمّا يراد به ما يرجع إلى الثاني فلا، فتأمّل.
أقول: تفسير القدرة الشرعية بغير المعنى الأوّل لا شاهد له، لا شرعاً وبالأدلّة
الخاصّة، ولا عرفاً، ولا لغة، فلا يصار إليه.
للأهميّة في مقام الإثبات كواشف، بعضها مسلّمة في مقام الإثبات، وبعضها مشكوكة،
وبعضها مسلّمة العدم، وإن كان مرجع الثاني إمّا إلى الأوّل، أو إلى الأخير على
الخلاف في وجوب الترجيح بمحتمل الأهميّة، وبقوّة إحتمالها وعدم وجوبه.
إذ معه يكون مرجع الثاني إلى الأوّل حكماً، ومع عدمه يكون مرجعه إلى الثالث حكماً.
فتثنية الأقسام ـ على القولين ـ هو الصحيح لا تثليثها، فتأمّل.
أمّا القسم الأوّل وهو الكواشف المسلّمة، فله أنواع:
1. التصريح في الأدلّة بالأهميّة كقوله تعالى: (والْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنْ
الْقَتْلِ)(1).
ما دلّ على أهميّة حفظ النفس على الصوم كقوله (عليه السلام): « لأن أفطر يوماً من
شهر رمضان (وأقضيه خل) أحبّ إليّ من أن يضرب عنقي ».
وما دلّ على أهميّة حفظ المال مقابل إعطائه للعشّار على الكذب، كقوله (عليه
السلام): « إكذب وأنقذ مال الناس ».
وما دلّ على أهميّة: الولاية، على أركان الإسلام الأربعة، كالصحيح عن الإمام
الباقر (عليه السلام): « بُنِيَ الإسلام على خمس: على الصلاة، والزكاة، والصوم، والحجّ، والولاية، ولم يناد بشيء كما نودي بالولاية »(2)،
وغير ذلك.
2 ـ كلّ ما دلّ على إنّ المهمّ في النوع الأوّل أهمّ منه، يدلّ على إنّ الأهمّ
المذكور أهمّ منه أيضاً، فكلّ ما دلّ على إنّ الصوم أهمّ من كذا، يدلّ على إنّ
حفظ النفس أهمّ منه أيضاً، وكلّ ما دلّ على إنّ الكذب أهمّ منه حرمة، يدلّ على
إنّ حفظ المال أهمّ منه، وهكذا.
مثلا: يكون حفظ المال أهمّ من جميع الصغائر، لأنّ الكذب ـ الذي هو أهمّ من جميع
الصغائر ـ يجوز لحفظ المال عند العشّار، فبالأولوية القطعية يجوز إرتكاب الصغائر
لحفظ المال عند العشّار.
وهذه الأولوية هنا مقطوع بها، وليست ظنّية، حتّى يقال: إنّها ليست دليلا.
3 ـ تعدّد الحقّ لله وللناس في جانب، وأحد الحقّين في جانب آخر، فانّه ـ بما هو هو ـ يدلّ على أهميّة المتعدّد، كتزاحم الغيبة التي هي حقّ لله وللناس، مع الكذب الذي هو حقّ لله فقط، من حيث هو كذب فقط، لا من حيث الآثار التي قد تجعل الكذب أهمّ من القتل أيضاً.
4 ـ استفادة إهتمام المولى ـ من الأدلّة ـ بأمر أكثر من أمر آخر، كالخمسة التي بني
الإسلام عليها، فإنّها ظاهرة في إنّها أهمّ عند الشارع من غيرها.
كما إذا تزاحم ترك الحجّ، مع إعطاء ضريبة للظالم ـ الذي هو إعانة على الإثم ـ كان
ترك الحجّ أهمّ، فيحجّ ويعطي الضريبة.
5 ـ ورود التشديد والتهويل من الشارع بالنسبة لأمر أكثر منه بالنسبة لأمر آخر، كتزاحم ترك الحجّ مع عقوق المؤمن، فإنّ التشديد الوارد في ترك الحجّ لم يرد مثله في عقوق المؤمن غير الرحم، مثلما ورد في إنّ تارك الحجّ: كافر « ومن كفر » وإنّه يقال له عند الموت: « مت إن شئت يهودياً أو نصرانياً » ونحو ذلك، وكتزاحم عقوق الوالدين، مع قطع الرحم، وغير ذلك.
6 ـ سيرة المتشرّعة، وإرتكازهم، وكذا سيرة العقلاء وإرتكازهم إذا تحقّقت على
أهميّة أمر من أمر آخر، فإنّها كاشفة عن الأهميّة الشرعية لما تقدّم ـ في بحث
الحجّ ـ من حجّيتها، وتقدّم هناك انّ الفرق بينهما: إنّ المتشرّعية منهما بنفسها
دليل كالظواهر والإجماع، بخلاف العقلائية منهما، فإنّ دليليتها تتوقّف على إحراز
الإمضاء الشرعي ولو بطريق عدم الردع.
ولعلّ من الأوّل: إرتكاز المتشرّعة على تقدّم الحجّ على النذر عند تزاحمهما.
ولعلّ من الثاني: إرتكاز العقلاء على تقدّم حفظ نفس الأُمّ على الجنين عند
تزاحمهما وإن أفتى في العروة ـ مع سكوت المعظم ـ بعدم التقدّم(3).
7 ـ كشف أهميّة واجب من خلال الأدلّة الأُخرى الدالّة على أحكام ذاك الواجب، مثل ما
دلّ على إنّ الصلاة لا تترك بحال، فيستفاد منها أهميّتها ـ الأعمّ من الإضطرارية ـ
على غيرها، كإجبار الظالم شخصاً على ترك الصلاة مطلقاً، أو ترك الصوم.
وهناك أنواع أُخرى يكتشف منها الأهميّة الشرعية، مبثوثة في شتّى أبواب الفقه.