ثمّ إنّ هناك إحتمالا ـ ذكره العلاّمة (رحمه الله) في المنتهى(1) ثالث الإحتمالات، بل لعلّ به قولا أيضاً كما ربّما يظهر من حجّ الجواهر(2) بل يظهر من الشهيد الأوّل (قدس سره) في القواعد(3) ذهابه إليه، فلاحظ ـ بتقديم حقّ الله تعالى عند التزاحم، وقد يستدلّ له بأُمور كالتالي:
الأوّل من أدلّة تقديم حقّ الله: إنّ الله هو ولي الأولياء، وجاعل الحقّ للناس
بعضهم على بعض، فهو أولى بمراعاة حقّه عند التزاحم.
وفيه: إن أُريد بذلك الإقتضاء فهو صحيح، ولكنّه لا يثبت به الحكم الشرعي الذي هو
معلول للإقتضاء وعدم المانع، والموضوع ليس مركّباً حتّى يحرز أحد جزئيه بالوجدان،
والثاني بالأصل.
وإن أُريد بذلك الأوّلية، فهو أيضاً حقّ، لكنّه لا يثبت به الحكم الإلزامي الشرعي،
الذي ملاكه الإثبات الشرعي.
وإن أُريد به الإلزام الشرعي، فهو بلا دليل فيكون مصادرة.
الثاني من أدلّة تقديم حقّ الله: ما في الخبر: من أنّ دَين الله أحقّ.
فقد روي: « إنّ امرأة خثعمية أتت الرسول (صلى الله عليه وآله)، فقالت: يارسول
الله إنّ فرض الحجّ قد أدرك أبي وهو شيخ لا يقدر على ركوب الراحلة، أيجوز أن أحجّ
عنه ؟ قال (صلى الله عليه وآله): يجوز، قالت: يارسول الله ينفعه ذلك ؟ قال (صلى
الله عليه وآله): أرأيت لو كان على أبيك دَين فقضيتيه أما كان يجزي ؟ قالت: نعم،
قال (صلى الله عليه وآله): فدَين الله أحقّ »(4).
فقوله (صلى الله عليه وآله): « فدَين الله أحقّ » بمنزلة كبرى لصغرى السؤال، فهو
ظاهر في إنّ دَين الله ـ ومنه الحجّ ـ أحقّ، ومتقدّم على دَين الناس وحقّهم، وحذف
المتعلّق يشمل مورد التزاحم لحقّ الناس.
وأُورد عليه أوّلا: بضعف السند، فهو خبر مرسل، رواه في مستدرك الوسائل، عن
تفسير أبي الفتوح الرازي، وبالغ في تضعيفه في مستند العروة حيث قال: « فإنّها غير
مروية بطرقنا أصلا ولو ضعيفاً وإنّما هي مروية من طرق العامّة »(5).
أقول: الإرسال بالنسبة للخبر واضح، لكن نقل مثل الشيخ الجليل أبي الفتوح الرازي
(قدس سره)، شيخ منتجب الدين وابن شهر آشوب وغيرهما من الأجلاّء، والذي عبّر عنه
منتجب الدين بقوله: « الشيخ الإمام... عالم واعظ مفسّر ديّن »(6) يكفي لجعل نقله
من طرقنا، وإلاّ فكلّ مرسل نقله العامّة يتطرّق إليه هذا الإحتمال، فتأمّل.
مضافاً إلى إنّ الرواية مستفيضة من طرقنا ـ بدون الذيل محلّ الشاهد ـ مسنداً،
ومرسلا، فقد رواها في الوسائل عن المرتضى (رضي الله عنه) عن تفسير الشيخ النعماني
(قدس سره) باسناده عن الصادق (عليه السلام)، عن أمير المؤمنين (عليه السلام)(7)
وأمّا مرسلا فقد رواها في الدعائم في موردين، ورواها المفيد (رحمه الله) في
المقنعة ـ على نقل الوسائل وإن كتب في حاشية الطبعة الجديدة من الوسائل: لم نجده
في المقنعة المطبوعة. لكن ضبط صاحب الوسائل (قدس سره) يكفي في مثل المقام ـ.
هذا كلّه مع روايتها في تفسير الشيخ الجليل أبي الفتوح الرازي ـ على ما تقدّم ـ(8).
وخلوّ الرواية ـ غير ما في تفسير الرازي ـ عن الذيل: « فدَين الله أحقّ » لا يضرّ
بعد عدم التعارض، وأصالة عدم الزيادة متقدّمة على أصالة عدم النقيصة، بالأخصّ في
مثل المقام الذي لم يكن موارد النقيصة في مقام ذكر تمام الخبر ـ فتأمّل.
ويؤيّده: إنّ الدعائم رواها مرّتين، وفي إحداهما روى في آخرها: « إنّه لو كان على
أبيك دَين فقضيتيه عنه أجزأه ذلك » وفي الثانية لم ينقل هذا الذيل.
وأمّا حجّية مثل هذا المرسل: فالظاهر إنّه لا إشكال فيها، لإعتماد الفقهاء قديماً
وحديثاً عليه، وإستنادهم في عموم صحّة القضاء عن الميّت إليه، وإليك بعض عباراتهم
في المقام:
1. قال المحقّق العراقي في الصلاة عن الميّت بعد بيان أصل العدم: «... وحينئذ
فلابدّ أن يقتصر بمقدار الرخصة، فنقول حينئذ: إنّه يكفي في باب الحجّ وسائر
العبادات عموم: « دَين الله أحقّ أن يقضى » إلى آخره »(9).
2. وقال في الجواهر في كتاب الوصايا في مقام إطلاق الدَين على الصلاة والحجّ: «
منضمّاً إلى ما ورد في الحجّ: إنّ دَين الله أحقّ أن يقضى... خصوصاً بعد ما سمعت
إنّ دَين الله أحقّ أن يقضى... »(10).
وقال في الجواهر أيضاً في كتاب الصوم في السقوط عن الميّت بتبرّع البعض، قال: «
لأنّه كالدَين كما يومئ إليه المرسل عن النبي (صلى الله عليه وآله): إنّ رجلا جاء
إليه فقال: يارسول الله إنّ أُمّي ماتت وعليها صوم شهر فأقضيه عنها ؟ فقال (صلى
الله عليه وآله): لو كان على أُمّك دَين كنت تقضيه عنها ؟ قال: نعم، قال (صلى
الله عليه وآله): فدَين الله أحقّ أن يقضى »(11).
وقال الشيخ الأنصاري (قدس سره) في أوّل رسالته في القضاء عن الميّت ناسباً الرواية
إلى الشهيد في الذكرى، وابن طاووس(12) في كتاب « غياث سلطان الورى » قال: « فمنها: قضيّة الخثعمية التي أتت النبي (صلى الله عليه وآله) فقالت: إنّ أبي أدركته
فريضة الحجّ... »(13).
3. وإعتماد العلاّمة (رحمه الله) على الرواية وذكرها في مسائل عديدة:
منها: في كتاب الصوم من المنتهى في امرأة ماتت وعليه صوم وسأل إبنها النبي (صلى
الله عليه وآله) عن ذلك، فقال له: « لو كان على أُمّك دَين كنت قاضيه عنها ؟ قال: نعم، قال (صلى الله عليه وآله): فدَين الله أحقّ أن يقضى » ثمّ قال العلاّمة
(رحمه الله): وفي رواية: « جاءت امرأة »(14).
ومنها: في الحجّ من المنتهى فيمن مات وعليه دَين وحجّ إلى أن قال: « والثالث:
تقديم دَين الله لقوله (صلى الله عليه وآله) للخثعمية: دَين الله أحقّ أن يقضى »(15).
ومنها: في الحج من المنتهى أيضاً فيمن أوصى بوصايا كلّها واجبات ولا يفي المال بها
جميعاً قال: « فإنّه يبدأ بالحجّ لأنّه دَين الله فيكون أحقّ بالقضاء لقوله (صلى
الله عليه وآله) للخثعمية: فدَين الله أحقّ أن يقضى »(16).
ومنها: غير ذلك كما في تذكرة الفقهاء أيضاً(17).
إلاّ أنّه (قدس سره) في عدد من الموارد ذكر هذه الرواية في سياق ما رواه عن العامّة، بل نصّ في بعضها بذلك،
ولا يضرّ ذلك كما لا يخفى لما قدّمناه.
وقال الشهيد الأوّل (قدس سره) في القواعد في مسألة تزاحم الزكاة والدَين: « ونقل
بعض الأصحاب تقديم الزكاة لقول النبي (صلى الله عليه وآله): « فدَين الله أحقّ أن
يقضى »(18).
والحاصل: إنّ سند الرواية معتبر لتلقّي الأصحاب لها بالقبول وإفتائهم عليها
وإستنادهم إليها.
وأُورد عليه ثانياً: بعدم الدلالة على ما نحن فيه، إذ قول الخثعمية للنبي (صلى
الله عليه وآله): « ينفعه ذلك » وقوله (صلى الله عليه وآله) لها: « أمَا كان يجزي
» يجعلان: « أحقّ » في قوله (صلى الله عليه وآله) خاصّاً بالإجزاء وإسقاط التكليف،
بقرينة تطابق الجواب للسؤال.
فمعنى الرواية: إنّ دَين الله أحقّ بالنفع والإجزاء، إذا صدر الأداء من غير
المديون، وأمّا إذا تزاحم دَينان: لله وللناس، فأيّهما مقدّم ؟ فهذا ساكت عنه
الخبر.
ويؤيّده: إنّه يظهر من جامع الأحاديث(19) إنّ في بعض النسخ « حقّ » بلا همزة.
الثالث من أدلّة تقديم حقّ الله: إنّ الإستقراء والتتبّع في الفقه، يوقف على
موارد كثيرة تزاحم فيها الحقّان فقدّم حقّ الله تعالى، وإليك أمثلة منها:
1. تزاحم أكل المغصوب والنجس للمضطرّ، قدّم المغصوب.
2. تزاحم أكل الميتة ولحم الخنزير أو شرب الخمر والدم مع المغصوب، قدّم المغصوب.
3. تزاحم الزنا والتصرّف في مال الغير، قدّم الثاني، وهكذا دواليك.
وفيه ـ مضافاً إلى أنّه إستقراء ناقص لا ينكشف به الحكم ـ: إنّه يرد عليه طرداً
بأمثلة قدّم فيها حقّ الناس منها:
1. إذا تزاحم الوضوء والغسل والتيمّم مع الغصب، قدّم حقّ الناس.
2. وإذا تزاحم الكذب والتسبيب لإتلاف مال الناس ـ في مثل الكذب للعشّار ونحوه ـ
قدّم حقّ الناس أيضاً، وهكذا.
الرابع من أدلّة تقديم حقّ الله: ما ذكره الشهيد (قدس سره) في القواعد في تقديم
حقّ الله بقوله: « تحصيلا لمصلحة العبد في الفوز بثواب الله تعالى ورضوانه »(20).
وفيه ـ مضافاً إلى النقض بتزاحم مثل الصلاة وإلقاء النفس في التهلكة، أو العضو،
أو العرض، أو المال، ممّا يكون تحصيل الفوز بثواب الله تعالى ورضوانه في ترك
الصلاة وحفظ النفس، والعضو، والعرض، والمال.
وإلى ما ذكره الشهيد (رحمه الله) نفسه بعد صفحة تقريباً: من إنّ حقّ العباد مبنيٌّ
على التضييق، وحقّ الله تعالى على المسامحة.
مع ما فيهما من النقض طرداً وعكساً ـ:
إنّ ما ذكره من لزوم هذا التحصيل أوّل الكلام، فهو أشبه شيء بالمصادرة، إذ لزوم
تقديم حقّ الله تعالى على حقّ الناس في مقام التزاحم إن وجب، لزم تحصيل ذلك.
وبعبارة أُخرى: النقاش في أنّه مع التزاحم إنّ أيّاً من الحقّين يكون فيه الفوز
بثواب الله ؟ فتأمّل.
والحاصل: إنّ إحتمال تقدّم حقّ الله على حقّ الناس (أي: ما جعله الله إلزاماً على
عباده لنفسه، وما جعله الله إلزاماً على عباده بعضهم لبعض) بعنوان أصل عامّ يجب
الإلتزام به إلاّ بتخصيص هذا الإحتمال، لا دليل عليه.
وإنّما مثلهما مثل حقّين لله تزاحما، أو حقّين للناس تزاحما، حيث لا أصل عامّ في
البين، وإنّما تلاحظ الأهمّية المستفادة من الأدلّة، فقد توجد لأحدهما أهمّية
فتقدّم، وإلاّ فالأصل: التخيير.
وأمّا أقوال الفقهاء رضوان الله عليهم، فالتتبّع الواسع في مختلف موارد تزاحم حقّي
الله تعالى والناس، قد يورث الإطمئنان بذهاب المعظم إلى التخيير ـ مع عدم فهم
أهمّية لأحدهما على الآخر من الأدلّة الخاصّة في كلّ مورد مورد ـ.
وإليك بعض تلك الموارد:
1. ففي الحجّ من العروة(21) أفتى صاحبها (قدس سره) بالتخيير بين الحجّ وأداء الدَين
عند تزاحمهما، ووافقه معظم من تأخّر عنه ممّن تحضرني حواشيهم وشروحهم عليها،
كالمستمسك، والفقه، والمهذّب، للسادة: الحكيم، والأخ، والسبزواري، وغيرها
لغيرهم، وكذا المحقّق العراقي، وابن العمّ، وآخرين أكثر من عشرين ممّن عاصرتهم، أو
سبقوهم (قدس سرهم).
2. ومثل ذلك في مسألة أُخرى من نفس المصدر أيضاً(22).
3. وفي شرح التبصرة للمحقّق العراقي (رحمه الله)، كتاب الحجّ(23) صرّح بالتخيير بين
أداء الدَين والحجّ.
4. وصاحب العروة (رحمه الله) في أجوبة مسائله(24) أيضاً في نفس المسألة أفتى
بالتخيير.
5. وشرائع الإسلام للمحقّق الحلّي، وشرحه: الجواهر، في نفس المسألة أفتيا بالتخيير.
وربما يستظهر من نقل خلاف عن الشافعي، وميل الحدائق، وكاشف اللثام، على ترجيح
كلّ منهم طرفاً، إنّ غيرهم موافقون للتخيير(25).
بل لم أجد ـ فيما يحضرني من الكتب العلمية أو الفتوائية ـ من رجّح حقّ الناس إلاّ
واختلفت فتاواه وربما في المسألة الواحدة وقد تقدّم بعض ذلك، وللمزيد لاحظ ما يلي:
ففي مستند العروة والحواشي اختلاف النظر.
أ ـ الحاشية المطبوعة مع العروة الوثقى في مجلّدين ـ ضمن عشر حواشي ـ لم يعلّق على
تخيير صاحب العروة، وكذا المطبوعة مع العروة ذات الخمس حواشي.
ب ـ الحاشية المطبوعة أخيراً مستقلا، علّق على تخيير العروة، وقوّى تقديم الدَين(26) وكذا في مستند العروة(27).
لا فرق في حقّ الله وحقّ الناس عند التزاحم، على الأقوال والإحتمالات المختلفة،
بين كون أيّ منهما واحداً أم متعدّداً، كضمان شخص لعدّة أشخاص بأسباب مختلفة من
دَين، ودية، وغصب، ونحوها من حقوق الناس، وإشتغال ذمّة شخص بحجّ إسلامي، وحجّ
نذري، ونحوهما من حقوق الله تعالى، فإذا كان له مال لا يفي إلاّ بأداء دَين واحد، أو عدّة حجج بذمّته، أو العكس، تخيّر على المنصور، وقدّم دَين الناس مطلقاً
على ما ذهب إليه المحقّق النائيني (رحمه الله) وتلميذه الخوئي، وغيرهما، وقدّم
دَين الله تعالى على الإحتمال الآخر، وذلك لعدم الفرق بين الواحد والمتعدّد فيما
ذكر من الأدلّة المتقدّمة.
اللهمّ إلاّ إذا صار الحكم موجباً للأهمّية الكيفية، أو إحتمالها ـ على القول بوجوب
الترجيح بإحتمال الأهمّية أيضاً ـ.
لا فرق بين حقوق الناس القابلة للإسقاط كالأموال، وبين غيرها كعقوق الوالدين،
وقطع الرحم، وبين ما يسقط بنفسه بالعصيان ونحوه كالإنفاق على الأرحام وبين غيره.
وذلك كما إذا دار الأمر بين الحجّ، وبين البقاء للإنفاق على رحمه الواجب النفقة،
وكذا إذا دار الأمر بين إقصاء أبيه، وبين النهي عن منكر، فيما لو كان الظالم إذا
عرف بأنّ هذا أب لهذا الناهي، لم يؤثّر كلامه فيه لما بينهما من الغضاضة ـ مثلا ـ
وذلك كلّه للإطلاق، ولوحدة الملاك، وعدم فهم الخصوصية، بل ربما فهم عدمها.
لا يبعد وجوب تبديل الموضوع في أحد الحقّين، مع إمكانه وعدم الحرج والضرر فيه،
كما إذا تزاحم الصوم مع الإنفاق على واجبي النفقة، حيث إنّهما واجبان مطلقان يجب
تحصيل مقدّمتيهما وجوباً عقليّاً، وكان إذا صام لا يقدر على تحصيل النفقة، وأمكنه
السفر وتحصيل النفقة، وذلك لأنّه بإمكان تبديل الموضوع ـ المجاز شرعاً ـ يخرج عن
التزاحم موضوعاً، لأنّه يصبح مقدّمة وجود الواجب المطلق فيجب عقلا تحصيله.
هذا في الحرج والضرر المحرّم تحمّلهما، ظاهر.
أمّا إذا كانا رخصة ـ كما هو الحقّ والمشهور في غير البالغ منهما المستلزم للحرام
المسلّم ـ فالظاهر: وجوب إقتحامهما، وخروج المورد بذلك عن التزاحم، فتأمّل.
لا فرق في حقّ الله تعالى في المعاصي بين الصغائر والكبائر ـ بناءً على المشهور:
من إنقسام المعاصي إليهما ـ وذلك لأنّ كليهما حقّ الله، وتوجّه الإلزام المطلق
بالترك إليهما، حتّى إذا أُحرز التكفير بـ: (نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ)(28) أو استغفر،
فلا يكشف عن تقدّم حقّ الناس.
لا يقال: حقّ الناس كبيرة دائماً، وتزاحم الكبيرة والصغيرة يوجب أهمّية الكبيرة ـ
لوجوه: ومنها إرتكاز المتشرّعة على أهمّيتها ـ.
لأنّه يقال: كونه كبيرة أي: في نفسه ولا يلازم ذلك أكبريّته من غيره، بل يحتاج إلى
دليل آخر.
لا خصوصية للمال فيما إذا كان متعلّقاً بحقّ الله أو حقّ الناس، وكذا غير المال،
فإذا كان له وقت واحد وتزاحم عليه حقّان للناس ولله تعالى:
أ ـ بصلة الرحم أو برّ الوالدين ـ فيما إذا كان تركهما قطعاً وعقوقاً ـ وبالأمر
بالمعروف، أو النهي عن المنكر الواجبين.
ب ـ أو كان له مال تزاحم فيه الصرف على دَينه، أو الحجّ الواجب.
ج ـ أو تزاحم عليه صرف وقته على الأمر بالمعروف، أو ماله على وفاء الدَين ـ فيما
أُكره على ترك أحدهما من ظالم ونحوه ـ وذلك لعدم الفرق، وشمول إطلاقي الدليلين لما
نحن فيه، وعدم تمكّن المكلّف من جمعهما جميعاً.
1. هذا إذا كان الحقّان متعلّقين بالذمّة.
2. وأمّا إذا تعلّق الحقّان جميعاً بالعين، كما إذا مات المديون للناس وللحجّ،
حيث بالموت يتعلّق الحقّ بعين المال، فالمشهور بين المتقدّمين والمتأخّرين حتّى
عصرنا هذا: التقسيم بين الحقوق، نظير غرماء المفلّس، لأنّه من قاعدة العدل
والإنصاف، وتعديته بفهم عدم الخصوصية لرواية درهمي الودعي وغيرها، وإن أشكل بعض
المدقّقين من السابقين والمعاصرين ـ مضافاً إلى الإشكال في سند الرواية بالنوفلي
والسكوني الموجب للإشكال في الحكم حتّى في مسألة درهمي الودعي ـ: بعدم إعتبار
القاعدة، وعدم فهم عدم الخصوصية، فتأمّل.
وعليه: فإن وَفَت حصّة الحجّ به فهو، وإلاّ صرفت حصّته أيضاً في الديون، أو
الخمس، أو الزكاة من حقوق الناس.
وبهذا يفرق دَين الميّت عن دَين الحي، حيث في الأوّل تعلّق الحقوق بالأعيان من
التركة، وفي الثاني بالذمّة توزّع على الجميع بالنسبة(29).
3. وإن تعلّق أحد الحقّين بالعين والآخر بالذمّة، كالشاة المنذورة، والدَين
الحالّ، أو غرماء المفلّس فيما كانت عين أحدهم موجودة، فهو خارج عن التزاحم
لتوفّر الدليل على إنّ صاحب العين يأخذها، فلا تزاحم بالنسبة إليها، وقد صرّح بذلك
الفقهاء في مختلف أبواب الفقه.
الظاهر: شمول ما ذكر للواجب العقلي المقدّمي، إذا زاحم واجباً شرعيّاً، كما إذا
دار الأمر بين صرف وقته لإنقاذ غريق، وبين السعي لإيجاد مقدّمات نجاة المؤمن من
الإعدام، حيث إنّ الثاني واجب عقلي مقدّمي، وذلك لشمول الإطلاقين له.
ويؤيّده: ما ذكره الفقهاء في أبواب مختلفة من التزاحم، مع إنّ أحدهما واجب عقلي
مقدّمي، كتزاحم وفاء الدَين والحجّ، مع إنّ المراد بالثاني مقدّمات الحجّ.
وما ربما يقال: من إنّ الوجوب المقدّمي ليس حقيقة وجوباً، لأنّه ليس شرعياً، فلا
موضوع للتزاحم أصلا.
ففيه: إنّ الوجوب الفعلي لإتيان أعمال الحجّ ـ مثلا ـ في ذي الحجّة موجود الآن،
وغير الموجود الآن هو: ظرف الإتيان بالواجب، لا نفس الوجوب، وحتّى إذا لم نقل
بذلك ففعلية الوجوب ـ ظرفه ـ موجودة الآن، بحيث إذا قصّر الآن فلم يتمكّن من العمل
في ظرفه عدّ عاصياً بالترك في ظرفه، لأنّ ما بالإختيار لا ينافي الإختيار كما هو
واضح.
الظاهر: شمول حقّ الناس للإنسان نفسه، وذلك لأنّه من الناس، فإذا كان له حقّ
واجب المراعاة، وزاحم واجباً من حقوق الله تعالى، كان مصداقاً لتزاحم الحقّين.
ويؤيّده: ذكر الفقهاء ذلك في شتّى الأبواب، ومنها ما ذكروه من تزاحم وجوب حفظ
نفسه، ووجوب الوضوء، قال: في العروة في مسوغات التيمّم: « الخامس (أي: من
مسوّغات التيمّم ): الخوف من إستعمال الماء على نفسه، أو أولاده... »(30).
في جميع الموارد التي قلنا فيها بالتخيير بين المتزاحمين يجوز أيضاً التوزيع ـ إن
أمكن ـ سواء بالسوية، أو بالنسبة، أو بغيرهما، كما إذا كان مديوناً لزيد ألفاً،
ولعمرو خمسمائة، وكان له خمسمائة، جاز إعطاؤها جميعاً لعمرو، أو لزيد جميعها،
أو تقسيمها نصفين، أو بالنسبة، أو بغير ذلك، ووجهه عدم دليل على إلزام في البين.
نعم، إن قلنا بقاعدة العدل وإنّ سيرة العقلاء إلزاماً عليها، أو قلنا بمناط
التوزيع في نصوص العين الخارجية وتعديتها إلى الذمم، كان التوزيع بالنسبة، وإلاّ
فلا، وهو أحوط، وإن لم يفت ـ حتّى بالإحتياط الوجوبي ـ في العروة وعشرات الفقهاء
المعلّقين بما فيهم: الوالد، وابن العمّ، والأخ، والنائيني، والعراقي، وغيرهم (قدس
سرهم).
خامسها: التقدّم الزماني مع فعلية وجوبهما ـ أو وجوبهما تعليقاً ـ كأيّام صيام شهر
رمضان لمن لم يتمكّن من جميعها وتمكّن من بعضها، أو صلاتي الظهرين لمن تمكّن من
القيام في إحداهما فقط، أو دَينين يحلّ أحدهما أوّل شعبان والآخر ثاني شعبان، أو
النهي عن منكرين يمكن أحدهما يوم الخميس والآخر الجمعة، كما إذا كان أحدهما في بلده
والآخر في بلد ثان، ونحو ذلك.
وذكر في وجه ذلك ـ لولا أهمّية خاصّة في المتأخّر ـ ما يلي:
1. إنّ المتقدّم فعليّ مقدور ولا عذر في تركه، والمتأخّر لم يصر بعد فعليّاً.
2. ويترتّب على ذلك: عذر المكلّف في ترك المتأخّر ـ مع الإتيان بالمتقدّم ـ بعجزه،
وعدم عجزه في العكس.
3. إنّ المترتّبين في الوجود: إمّا مترتّبين في التكليف أيضاً ـ كالظهرين ـ أو
مترتّبين في الإمتثال فقط، كمصداقي الأمر بالمعروف الذين أحدهما أقرب مكاناً من
الآخر.
فإن كانا مترتّبين في التكليف، فمع توجّه التكليف إلى الظهر مثلا، لا يبقى مجال
للتكليف بالآخر ـ لفرض عدم القدرة عليهما جميعاً ـ.
وإن كانا مترتّبين في الإمتثال فقط وكون القدرة شرطاً عقليّاً ـ لا شرعيّاً
كالظهرين ـ فلا محالة من أن يكون الأمر بالأوّل فعلياً، ومعه أيضاً لا يبقى مجال
للأمر الثاني حتّى يصير فعليّاً.
أقول: الأدلّة المذكورة كلّها مصادرة، لأنّ الفعلية بمعنى عدم فعلية تعلّق الأمر
بالثاني، أو عدم إمكانه ـ فيما نحن فيه ـ أوّل الكلام.
وبعبارة أُخرى: مقام إثباتها محتاج إلى دليل.
4. إطلاق الأمر بالمتقدّم يشمل صورتي الإتيان بالثاني وعدمه، بخلاف العكس، فإنّه مع
الإتيان بالأوّل لا أمر بالثاني لعدم القدرة عليه، فيبقى الأمر بالمتأخّر في صورة
واحدة وهي عدم الإتيان بالمتقدّم.
وفيه: مع العلم بعدم القدرة على كليهما، بل على واحد منهما، ومع فعلية كليهما، فلا
أمر إلاّ بأحدهما إمّا المتقدّم أو المتأخّر، فالأمر بالمتقدّم ليس مطلقاً، بل
مقيّد بعدم إرادة الإتيان بالثاني، والأمر بالثاني مقيّد بعدم الإتيان فعلا
بالمتقدّم، فلاحظ.