حق الناس ووجوه تقديمه

الوجه الأول

وقد يذكر للزوم الترجيح بحق الناس وجوه:
أحدها: إنّ في حقّ الناس إجتماع حقّين، لأنّ الله تعالى هو الذي جعل حقّ الناس، فهو حقّ الله أيضاً.
وفيه: حقّ الناس متعلّق للإلزام الإلهي، وحقّ الله تعالى متعلّق للإلزام الإلهي أيضاً، والفرق في المتعلّق من غير فارق، وأمّا أصل الحقّ ففيهما واحد، في أحدهما جعل المتعلّق الناس، وفي الآخر جعل المتعلّق الله تعالى.
وفي حقّ الناس قد يكون رفعه ووضعه بيد الناس، كموارد الغصب والديون من الحقوق الخاصّة، وقد لا يكون بيدهم أيضاً، كالخمس والزكاة ونحوهما من الحقوق العامّة.
ومنقوض: بتزاحم الغيبة والزنا المحصن، حيث الأوّل حقّان، والثاني واحد، ومن يجرأ على تقديم الثاني ؟

الوجه الثاني

ثانيها: الخروج من عهدة حقوق الناس أهمّ من الخروج عن حقّ الله تعالى(1).
وفيه: إنّه مسبّب عن الأهمّية التي هي أوّل الكلام، فهو يشبه المصادرة.

الوجه الثالث

ثالثها: إنّ حقّ الناس محتمل الأهمّية، ويجب تقديمه، مع عدم إحتمال الأهمّية في حقّ الله تعالى(2).
وفيه ـ مضافاً إلى ما سيأتي من الإشكال في لزوم الترجيح بمحتمل الأهمّية ـ: إنّ الصغرى غير مسلّمة، إذ إحتمال الأهمّية في الطرفين موجود.
قال السيّد الطباطبائي اليزدي (قدس سره) في مسألة التزاحم بين أداء الدَين المطالب الحال، وبين الحجّ المستقرّ في الذمّة ما ترجمته: « وإن كان يحتمل تقدّم الدَين إذا كان الديّان مطالبون، من جهة إنّه حقّ الناس، لكن يحتمل تقدّم الحجّ أيضاً، من جهة المبالغات والتأكيدات الواردة فيه... إذن في المسألة إحتمالات ثلاثة، وثالثها التخيير بين الأمرين »(3).

الوجه الرابع

رابعها: رواية المفضّل بن صالح، عن سعد بن طريف عن الباقر (عليه السلام): « الظلم ثلاثة: ظلم يغفره الله، وظلم لا يغفره الله، وظلم لا يدعه الله. فأمّا الظلم الذي لا يغفره: فالشرك، وأمّا الظلم الذي يغفره: فظلم الرجل نفسه فيما بينه وبين الله، وأمّا الظلم الذي لا يدعه: فالمداينة بين العباد »(4).
بتقريب: إنّه ظاهر في إنّ المداينة بين العباد أهمّ من ظلم الرجل نفسه فيما بينه وبين الله، لأنّ الثاني يغفر، والأوّل لا يدعه الله.
وفيه أوّلا: إنّ السند مشكل بالرجلين، فالمفضّل بن صالح (وإن كان من شيوخ ابن أبي عمير، وقد إعتبره بعضهم ممدوحاً كالمامقاني والزنجاني (قدس سرهما) ونصّ الصفّار والمفيد في البصائر والإرشاد على عدوله إلى التشيّع، وهو لا يخلو من إيماء ـ كما قيل ـ على إنّ الإنحراف العقيدي هو الإشكال الوحيد فيه وقد زال) إلاّ إنّ تصريح النجاشي بضعفه ليوقف الشخص.
وسعد بن طريف: إمّا مجهول أو ضعيف، والتفصيل في الرجال.
وثانياً: إنّ الرواية لا تدلّ على الأهمّية، إذ وزانها وزان أن يقول الأب لبعض ولده: إذا سرقت منّي عفوت عنك، وإذا سرقت من أخيك فأنا لا أعفو عنك، بمعنى: إنّي جعلت الحقّ لذاك، فعفوي مناف لذلك، فهل يدلّ على أنّ سرقة دينار من الأخ، أشدّ من سرقة الألف من الأب ؟
فمعنى الرواية: إنّ حقّ الله لأنّه لله يغفره الله، وأمّا حقّ الناس فيجب أن يغفره الناس، وأين هذا من الأهمّية ؟

الوجه الخامس

خامسها: إنّ المشهور بين الفقهاء: تقدّم حقّ الناس عند التزاحم مع حقّ الله، ولعلّه المرتكز في أذهان المتشرّعة.
وفيه: أمّا الشهرة: فإنّها ـ مضافاً إلى الإشكال بل المنع في صغرى الشهرة كما سيأتي، وقول السيّد الحكيم (رحمه الله) في حجّ المستمسك: « فما إشتهر من أهمّية حقّ الناس من حقّ الله تعالى دليله غير ظاهر » وقوله بعد ذلك: « فهذا الحكم المشهور غير ظاهر»(5) ـ ليست تامّة وذلك: لما سيأتي في نقل الأقوال من ظهور عدم الشهرة والتتبّع كفيل بذلك، ومعه فإنّ الشهرة الفتوائية وحدها لا تكون دليلا، إذا خالف جمع معتدّ به.
نعم، لنا إشكال في إطلاق ذلك ـ تقدّم في بحث الشهرة ـ فيما إذا إشتهر حكم، وسكت غير المشهور، لا إنّهم خالفوا وأفتوا على الخلاف كما فيما نحن فيه.
وأمّا الإرتكاز: ففيه ـ مضافاً إلى الإشكال في الكبرى عند المشهور إلاّ نادراً، ولذا قلّما إستدلّ به الفقهاء، وإن لم نستشكله مطلقاً كما تقدّم في أوائل بحث الحجج ـ إنّ الصغرى مطلقاً مشكل بل ممنوع، ولذا إذا دار الأمر بإكراه شخص على أحد أمرين: بين إهانة صغيرة لمؤمن، وبين ترك صوم كلّ شهر رمضان، فهل مرتكز المتشرّعة يقدّم الثاني على الأوّل ؟ كلاّ.
ومن هنا قال السيّد الحكيم (رحمه الله) في نفس المورد الآنف من المستمسك: « وإن كان لتساعده مرتكزات المتشرّعة، لكن في بلوغ ذلك حدّ الحجّية تأمّل ».

تأييد وتفنيد

وقد يؤيّد ارتكاز المتشرعة على أهميّة حقّ الناس بما ورد في الحجّ وغيره: من أنّ الحاجّ يغفر له، فقال الراوي: حتّى حقّ الناس. حيث يدلّ على إنّ مرتكز الراوي كان على إنّ حقّ الناس أهمّ، ولذا سأل عنه، لظهور المقام في السؤال عن الأهمّ.
وفيه ـ مضافاً إلى أنّه لا يكشف عن إرتكاز كلّ المتشرّعة، الذي هو مورد البحث، وإنّ عدم جواب الإمام (عليه السلام) على ذلك لا يظهر منه تقرير الإرتكاز ـ: إنّ الجواب عنه هو الجواب الآنف، وهو: إنّ الله تعالى الذي جعل حقّ الناس بيدهم، هل يغفره أيضاً أم لا ؟ وأين هذا من الأهمّية ؟

إختلاف أنظار جمع من المحقّقين

ثمّ إنّ مثل المحقّق النائيني (رحمه الله) إختلفت أنظاره في المسألة الواحدة.
ففي المسألة السادسة عشرة، أو السابعة عشرة من حجّ العروة ـ على إختلاف طبعاتها ـ حيث أفتى صاحب العروة (رحمه الله) بالتخيير بين صرف المال في الدَين للناس، وبين صرفه في الحجّ، قوّى المحقّق النائيني صرفه في الدَين.
وفي المسألة الثانية والثمانين، أو الثالثة والثمانين من حجّ العروة أيضاً ـ على إختلاف الطبعات ـ حيث إحتاط إستحباباً صاحب العروة بتقديم الحجّ: « والأحوط تقديم الحجّ » علّق المحقّق النائيني (رحمه الله) عليه بقوله: « لا يترك ».
وكذا السيّد البروجردي ففي المورد الأوّل إستظهر تقديم الدَين، وفي المورد الثاني قال: في تقديم الحجّ لا يخلو من قوّة.
وابن العمّ (قدس سره) لم يعلّق على التخيير في المورد الأوّل، وفي المورد الثاني إحتاط وجوباً بتقديم الحجّ.
ونحوهم آخرون من الأجلاّء قدّست أسرارهم.
نعم، قد يكون وجه الفرق بين المسألتين ـ ولا فارق ظاهراً ـ: السادسة عشرة، والثانية والثمانين، إنّ الأُولى تزاحم الحقّين: حقّ الله وحقّ الناس، مع حياة مَن عليه الحقّ، وإنّ الثانية مع وفاته، وفي الثانية روايات خاصّة بتقديم الحجّ، وهي التي عبّر عنها في العروة، بقوله: « وقد يقال: بتقديم الحجّ على غيره وإن كان دَين الناس لخبر معاوية بن عمّار... ونحوه خبر آخر، لكنّهما موهونان بإعراض الأصحاب، مع إنّهما في خصوص الزكاة... » فتأمّل.

الوجه السادس

سادسها: ما ذكره السيّد الحكيم (رحمه الله) أيضاً هناك، من: « ظهور التسالم على عدم وجوب الحجّ، أو الصلاة، أو الصوم، إذا توقّف أداؤها على التصرّف في مال الغير » وحيث لا خصوصية في الحجّ والصوم والصلاة، ولا خصوصية في المال، فيكشف ذلك عن تقدّم حقّ الناس على حقّ الله ـ مطلقاً في الجانبين ـ.
وفيه أوّلا: لم يحرز هذا التسالم، كيف ولم يذكر هذا الفرع إلاّ بعض المتأخّرين كما يبدو ؟
وثانياً: لعلّ هذا هو نفس المرتكز المتشرّعي الآنف، الذي تقدّم الكلام فيه.
وثالثاً: الموارد مختلفة، فقد يحرز ـ ولو بالقرائن، والمناسبات، والمكتنفات المغروسة في أذهان المتشرّعة ـ أهمّية حقّ الناس، وقد يحرز أهمّية حقّ الله تعالى.
ورابعاً: قال السيّد الحكيم (رحمه الله): « لم يثبت أنّ ذلك لأهمّية حقّ الناس على حقّ الله تعالى، فإنّ الظاهر: التسالم أيضاً على عدم وجوب أداء الزكاة والخمس والكفّارات إذا توقّف على ذلك، مع إنّها من حقّ الناس، وكذا الحال في وفاء الدَين إذا توقّف على ذلك ».

الوجه السابع

سابعها: أصالة اليقين، للدوران بين تعيين ترجيح حقّ الناس، وبين التخيير بينه وبين حقّ الله تعالى.
وفيه: ـ مضافاً إلى إحتمال التعيين في حقّ الله تعالى في بعض الموارد، كالدوران بين أداء الدَين وبين الحجّ الذي بذمّته من السابق، حيث يحتمل تقدّم الحجّ للأهمّية، كما إحتمله القاضي في الجواهر، ومال إليه في الحدائق(6) وذكر الإحتمال صاحب العروة في أجوبة مسائله(7) وقد تقدّم نقل عبارته ـ إنّه قد تقدّم في بحث البراءة: إنّ الأصل التخيير لا التعيين، وذلك لجريان عقليّها ونقليّها بالنسبة لكلّ قيد زائد، ومنه التعيين.

الوجه الثامن

ثامنها: مجموع الوجوه السبعة المذكورة، فإنّها وإن كان كلّ واحد منها بمفرده قاصراً عن إفادة تقدّم حقّ الناس على حقّ الله تعالى، إلاّ أنّها من حيث المجموع ربما تتظافر فتورث الإطمئنان ـ نظير ما التزمه جمع، منهم: الشيخ في الرسائل في دلالة الآيات والروايات على حجّية خبر الثقة ـ.
وفيه: إنّ إستفادة القاعدة الكلّية ـ التي تكون بمنزلة الأصل المحتاج فيما خرج عنه إلى دليل ـ على تقدّم حقّ الناس مطلقاً مشكل، بل ممنوع، فتأمّل.

الوجه التاسع

تاسعها: الإستقراء، ففي الروايات موارد عديدة دلّت في باب التزاحم على تقديم حقّ الناس على حقّ الله تعالى، وأفتى بمضمون ذلك الفقهاء، وإليك بعض منها:
1. في تزاحم الكذب ـ الذي حرمته من حقّ الله تعالى ـ مع التسبيب لإضاعة حقّ الناس من بدن أو مال ـ الذي حرمته من حقّ الناس ـ فقد وردت بتقديم حقّ الناس فيه طائفة من الروايات ومنها: الموثّق « قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): إنّ معي بضائع للناس ونحن نمرّ بها على هؤلاء العشّار، فيحلّفونا عليها، فنحلف لهم ؟ فقال (عليه السلام): وددت إنّي أقدر على أن أُجيز أموال المسلمين كلّها وأحلف عليها »(8).
ونحوه غيره ممّا لا يجازف مدّعي تواتره ـ معنىً أو إجمالا ـ.
وقد أفتى بمضمونه الفقهاء، وربّما ادّعى الإجماع عليه، والتسالم مسلّم(9).
2. جميع موارد تزاحم الإضرار بالغير، مع حقّ الله تعالى.
هذا غاية ما يمكن الإستدلال به لتقدّم حقّ الناس على حقّ الله تعالى، وقد عرفت الإشكال فيها جميعاً.


(1) مستند العروة: الحج ج1 ص118.
(2) المصدر السابق.
(3) رسالة السؤال والجواب ص118.
(4) الوسائل: الجهاد، الباب 78 من ابواب جهاد النفس ح1.
(5) المستمسك: ج10 ص100.
(6) اُنظر الجواهر: ج17 ص314.
(7) رسالة (سؤال وجواب): ص118.
(8) الوسائل / كتاب الايمان / الباب12 / الحديث16.
(9) اُنظر المكاسب المحرّمة للشيخ الأنصاري وحواشيها وشروحها في مسألة مسوّغات الكذب.