وملاكات التقدّم في باب التزاحم أُمور:
أحدها: ذو الافراد وغيره، فما لا افراد له ـ عرضياً وطولياً ـ مقدّم على ما له
افراد كذلك.
والتعبير عن ذلك بما له بدل وما لا بدل له مسامحة، إذ الافراد متساوية في إنطباق
الكبرى عليها وليس بعضها أصلا وبعضها بدلا.
فالأوّل: كتزاحم الواجب التخييري مع الواجب التعييني، فمن وجبت عليه خصال
الكفّارة وكان عليه دَين، تقدّم الدَين على العتق والإطعام واختار الفرد العرضي وهو
الصيام على عدليه.
والثاني: كالواجب الموسّع يؤخّر وإن كان بمراتب من الأهمية عن المضيّق وإن كان
بمراتب من عدم الأهمية، كتأخير الصلاة عن أوّل وقتها، والنهي عن المنكر الصغير مثل
النظر ـ بغير ريبة ـ إلى الأجنبية.
إلاّ أنّ ذكر ذلك ضمن « التزاحم » مسامحة، لما تقدّم: من أنّ ملاك التزاحم عجز
المكلّف عن جمعهما، والمضيّق والموسّع وكذا التخييري والتعييني لا يعجز المكلّف عن
جمعهما.
نعم، يأتي ذلك في الكفائي والعيني إذا لم يأت بالكفائي غيره، كدفن الميّت وفريضة
الصبح قبل إنقضاء وقتها.
ثانيها: البدلية الاضطرارية وعدمها، فيقدّم ما لا بدل له على ما له بدل.
فإذا دار الأمر ـ لقلّة الماء مثلا ـ بين الغسل والوضوء، والصلاة مع البدن أو
اللباس النجس، أو العكس، اختار العكس، لأنّ التيمّم بدل عن الغسل والوضوء، وقد
صرّح به صاحب العروة(1).
ولعلّ الوجه فيه أمران:
أحدهما: إنّ عدم البدل كاشف عن مرتبة واحدة من الطاعة، وهو دليل الأهميّة.
ثانيهما: أنّ ذا البدل يمكن طاعته بمرتبة نازلة، بخلاف ما لا بدل له، فأمره دائر
بين الوجود والعدم.
وبعبارة أُخرى: مع تقديم ما لا بدل له يكون جمعاً بين الأمرين، بخلاف العكس.
أقول: أمّا الأوّل: فمصادرة، فملاك الأهمية ليس ملازماً لترك جعل البدل، فوجوب
ردّ السلام لا بدل له، ووجوب الصلاة في الوقت له بدل مع أنّ الثاني أهمّ قطعاً.
وأمّا الثاني: فالطاعة بالمرتبة الثانية ليست إلاّ بفوت الطاعة بالمرتبة الأُولى،
وكون غير ذي البدل أهمّ من الطاعة الأُولى من ذي البدل لا دليل عليه.
والوجه في ذلك: أنّ البدل وعدم البدل لا يكون ملاكهما المنحصر الأهمية وعدمها ـ لا
عقلا، ولا عقلائياً، ولا شرعاً ـ بل النسبة بين كلّ من الأهمية والبدلية،
وعدمهما، العموم من وجه:
1. فمورد الافتراق من جانب الأهمية: إقامة الدين (أَن أَقِيمُوا الدِّينَ).
2. ومورد الافتراق من جانب البدلية: الابتلاء بالطهارة الترابية في طريق الحجّ.
3. ومورد الاجتماع: الصلاة، فهي أهمّ من كثير من الواجبات ولها بدل.
إذ ملاك البدلية الاعتبارية، كالبدلية التكوينية، وجود مرتبة من مراتب الملاك
الأصلي، وملاك عدم البدلية الاعتبارية ـ كالتكوينية ـ عدم بقاء شيء من مراتب الملاك
الأصلي.
وكون شيء ذا مراتب لا يدلّ على قلّة الأهمية، كما أنّ العكس كذلك، فتأمّل.
بل ربما يقال: بأنّه إذا قالوا بأهمية ذي البدل لكان أولى.
وإليك أمثلة من ذلك:
1. الصلاة في الوقت عارياً ـ التي لها بدل خارج الوقت ـ والصلاة مع اللباس النجس
الذي ليس له بدل، ولا إشكال في الأوّل.
2. الدوران بين الحجّ هذه السنة للمستطيع، وبين بعض الخفيف أو القليل من أقسام
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كنهي رجل في بلد آخر من لبس الذهب، ولا إشكال في
تقدّم الأوّل مع أنّه ممّا له بدل.
3. الدوران بين نفقة الزوجة ـ ذات البدل ـ وبين نفقة الوالدين ـ التي لا بدل لها ـ
مع تقدّم الأُولى مسلّماً، قال في الشرائع: « نفقة الزوجة مقدّمة على الأقارب »(2).
ولعلّ من الغريب عن تقرير بحث المحقّق النائيني (رحمه الله) ذكر هذا المرجّح
والاستدلال له بمجرّد لا يمكن، قال: « إذا كان لأحد الواجبين بدل في طوله دون
الآخر ـ كما إذا وقع التزاحم بين الأمر بالوضوء والأمر بتطهير البدن للصلاة ـ فبما
أنّ الوضوء له بدل وهو: التيمّم، فلا يمكن مزاحمة أمره مع أمر التطهير، فيقدّم
رفع الخبث ويكتفي في الصلاة بالطهارة الترابية(3) إذ « لا يمكن » هو نفس المدّعى
فما وجهه ؟
ثمّ إنّه ذُكر في المقام دليلان آخران هما قسيمان لما لا بدل له:
أحدهما: محاولة إرجاع التزاحم بين ما له بدل وبين ما لا بدل له إلى التزاحم بين
المشروط بالقدرة العقلية والمشروط بالقدرة الشرعية وذلك بتقديم المشروط بالقدرة
العقلية على المشروط بالقدرة الشرعية.
وفيه أوّلا: سيأتي الإشكال في كلّية تقديم المشروط بالقدرة العقلية على الشرعية.
وثانياً: إذن يكون ذكر تقديم ما لا بدل له على ما له بدل في عرض تقديم المشروط
بالعقلية جعلا للقسم قسيماً.
وثالثاً: كون القدرة ـ فيما له بدل ـ شرعية بمجرّد مقتضى دليل البدلية غير تامّ.
نعم، قد يستفاد من بعض الأمثلة في الأدلّة الخاصّة: القدرة الشرعية، كما ذكره
جمع في تقديم الطهارة الخبثية على الحدثية: بأنّه المستفاد من آيتي الطهارة
الحدثية في التيمّم: (وَإِنْ كُنتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَر أَوْ جَاءَ أَحَدٌ
مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمْ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً
فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مَنْه) ـ
كما في سورة المائدة(4) وكذا في سورة النساء(5) ـ إلاّ أنّه في النساء خال من كلمة:
« منه » ـ.
ثانيهما: الترجيح لمحتمل الأهمية، فإنّ ما لا بدل له، محتمل الأهمية، وكلّ محتمل
الأهمية يجب الترجيح به.
أمّا الكبرى فيأتي البحث عنها إن شاء الله تعالى.
ولكن هنا: هل هو من صغريات تلك الكبرى ؟ أي: هل ما لا بدل له محتمل الأهمية بدون أن
يكون الطرف الآخر أيضاً محتمل الأهمية ؟ إذ لو احتملت الأهمية في كلا الطرفين فيخرج
عن موضوع البحث.
وفيه: إنّا لا نرى خارجاً في الأحكام الشرعية تلازماً ـ لا منصوصاً ولا مستنبطاً ـ
بينهما، بل قد يجزم بالخلاف، والفقه مليء بأمثلة ما ذكرنا.
ثالثها: المشروط بالقدرة العقلية مقدّم على المشروط بالقدرة الشرعية.
وفسّر المحقّق النائيني (رحمه الله) القدرة الشرعية: بأنّها هي التي تكون دخيلة في
ملاك التكليف، بحيث لا مصلحة ملزمة في التكليف بدونها.
وفسّر القدرة العقلية: بما ليست كذلك، وإنّما العقل هو الذي اشترطها تفادياً من
التكليف بالمحال.
ومثّلوا لذلك: بتزاحم وجوب حفظ النفس المشروط بالقدرة العقلية، ووجوب الوضوء
المشروط بالقدرة الشرعية، فيقدّم حفظ النفس لإطلاق دليله، ويترك الوضوء لاشتراط
دليله بالقدرة، والمأمور باستخدام الماء في حفظ النفس شرعاً ـ فلا ماء له غيره ـ
غير قادر على الوضوء.
ومثّلوا أيضاً: بتزاحم استخدام الماء في الوضوء، مع استخدامه في تطهير البدن أو
اللباس للصلاة، بتقديم الثاني لاشتراطه بالقدرة العقلية، دون الأوّل لاشتراطه
بالقدرة الشرعية.
ثمّ إنّ المهمّ البحث في أصل الترجيح بالقدرة العقلية، فإن استفيد ـ في مقام
الاثبات والظهور ـ من الأدلّة الشرعية: إشتراط ملاك واجب بعدم اشتغال الذمّة فعلا
بواجب آخر لا يجتمعان، فمع الاشتغال به لا موضوع للواجب الأوّل.
إذ مجرّد توجّه التكليف بغير المشروط، رافع لموضوع التكليف المشروط.
مثال ذلك: الواجبات التي استفيد من أدلّتها أهميّتها على بعض آخر من الواجبات،
كحفظ النفس مع حفظ العضو، وحقّ الناس مع حقّ الله ـ على قول ـ كنفقة الزوجة مع
نفقة الأرحام كالوالدين، حيث إنّ الأُولى حقّ الناس، والثانية حقّ الله تعالى.
وإن كانت القدرة ـ المعتبرة في موضوع أحد التكليفين ـ عبارة عن تمكّن المكلّف من
الاتيان بالمتعلّق، فلا إشكال في فعلية المشروط بها، وفعلية غير المشروط بها.
ففي المثال المذكور: دليل استخدام الماء في الوضوء، أو في تطهير الخبث، قوله
تعالى: (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا) الظاهر في: « وقدرتم »
بقرينة الذيل (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً).
هذه القدرة المعتبرة في موضوع الوضوء، ليست إلاّ عبارة عن تمكّن المكلّف ـ تمكّناً
شرعياً غير الشامل للمرض والحرج والضرر ونحوها ـ من الوضوء، فمع وجود الماء يكون
المكلّف متمكّناً من الوضوء.
وكذا في غير المشروط بالقدرة ـ أي: غير المذكور في الدليل إشتراطه بالقدرة ـ كتطهير
الخبث للصلاة.
فيقع التزاحم بينهما، لتمامية الملاك في كليهما، وعدم تمكّن المكلّف منهما، فإن
كان هناك أهمّ شرعي قدّم وإلاّ تخيّر، ولعلّ المسألة من الثاني.
إذن: فما ذكره المحقّق النائيني (رحمه الله) في المقام لم يتّضح محصّله.
ثمّ إنّ جعل تزاحم الطهارتين: الحدثية والخبثية، مصداقاً لتزاحم القدرتين:
العقلية والشرعية، غير واضح، وذلك لأنّ كلا من الطهارتين متعلّقة للوجوب الغيري ـ
لا النفسي ـ ومآل ذلك إلى شرطيتهما للصلاة.
فالمأمور به: الصلاة مع الطهارة الحدثية، والصلاة مع الطهارة الخبثية، ولكلّ
منهما بدل.
إذ الأمر توجّه إلى الصلاة مع الطهارة المائية، ومع العجز مع الترابية.
وكذا توجّه الأمر إلى الصلاة مع اللباس الطاهر، ومع العجز فبدله الصلاة عرياناً
على قول، ومع الثوب النجس على المشهور.
فلا فرق بينهما، لإشتراط كلّ منهما بالقدرة، وثبوت البدل لكلّ منهما مع العجز.
ثمّ إنّه ذُكر في المقام: انّ المثال مصداق للتعارض لا التزاحم، ووجه ذلك: بأنّ
التزاحم إنّما هو في واجبين لا يتمكّن المكلّف من جمعهما، دون ما إذا كان واجب
واحد تردّد بكيفيتين، ومثال التردّد بين الوضوء وغسل الخبث من الثاني لا الأوّل،
إذ الشارع أمر بالصلاة عن الطهارة المائية ـ ومع العجز عن الترابية ـ والطهارة من
الخبث، ومع العجز عنها بشروطها التي منها هذان الشرطان يقتضي سقوط التكليف رأساً ـ
لأنّ المشروط منعدم بإنعدام شرطه، وقاعدة الميسور لا نقول بها ـ إلاّ أنّ الدليل
دلّ على عدم ترك الصلاة بحال، فوجب الإتيان بها كيفما كان، فيقع التعارض بين
الصلاة مع الطهارة المائية بالبدن أو اللباس النجس، وبين تطهير الخبث وترك الطهارة
المائية إلى الترابية، فليس في المقام واجبان لم يتمكّن المكلّف منهما، بل واجب
واحد جَهِله المكلّف وإشتبه بغير الواجب، وهذا هو التعارض، فيتعارض إطلاق دليل
الوضوء، مع إطلاق دليل الطهارة الخبثية، فيرجع إلى مرجّحات باب التعارض، ومع
فقدها أو تعارضها يرجع إلى الأصل العملي وهو التساقط، وحيث علمنا بأنّ الصلاة مهما
كانت لا تسقط مطلقاً، فوجب الإتيان بالصلاة سواء بالوضوء مع الثوب النجس، أو
بالتيمّم مع الثوب الطاهر، وخصوصية كلّ منهما ملغاة لعدم الدليل، فيتخيّر المكلّف
بين التيمّم والصلاة مع الطهارة الخبثية، وبين الوضوء والصلاة عرياناً، أو مع الثوب
النجس على المشهور انتهى بتصرّف.
وفيه: إنّ تقييد التزاحم بما إذا كان الواجبان نفسيين ـ لا غيريّين أو مقدّميين ـ
بلا وجه واضح كما لا يخفى.
رابعها: كون أحدهما حقّ الناس، فيقدّم على حقّ الله تعالى، ذكره جمع، منهم: صاحب المختارات(6) وأغفله معظم الاُصوليين في بابي: التعارض، والضدّ، حيث يبحثون مسألة التزاحم فيهما ـ كالشيخ، والآخوند، وتلاميذه الثلاثة، وتلاميذهم ـ نعم، ذكروه في الفقه في مظانّه كما سيأتي إن شاء الله تعالى.