وينبغي قبل البحث تقديم أُمور:
الأوّل: ينبغي ـ التزاماً بالنصوص ـ التعبير عن هذا المبحث بـ: « التعارض
والإختلاف » لورود اللفظين في الروايات، وعدم ورود لفظي: التعادل والترجيح، فيها
ظاهراً.
وذلك لأمرين:
أحدهما: اتّباع النصّ وهو أولى بلا إشكال.
ثانيهما: بين الألفاظ المترادفة ـ غالباً ـ العموم من وجه ولو قليلا، وفي ذلك
القليل يقع الخلط والاشتباه.
إلاّ أنّ ذلك يوجب خروج بعض المباحث، كالتزاحم، والتزام الاستطراد لا داعي له.
والمناسب: التعادل والترجيح لا التراجيح لندرته لغة واستعمالا، وكون التعادل من
الطرفين بخلاف الترجيح، فتأمّل.
الثاني: لا إشكال في أنّ اللفظين: التعارض، والاختلاف، يراد بهما: العرفي لا
الدقّي.
بل لا يحتمل الدقّي، لأنّهما اللذين اتّفقا من جميع الجهات، كما إذا أمر المولى
عبداً معيّناً في زمان واحد ومكان واحد مع تمام الخصوصيات بأمر ونقيضه أو ضدّه،
وهذا غير وارد خارجاً حتّى لمرّة واحدة.
والعرفي: هو المفسّر بالتنافي كما سيأتي.
ثمّ إنّ المناسب: التعبير عن عنوان الباب بـ: « التعارض والتزاحم » ـ وإن جرينا على
ما هو المتعارف ـ لأنّه الموضوع الجامع لمواضيع كلّ أحكام الباب، ولا يناسبه
التعبيرات التالية:
1. لا « التعادل والترجيح » وذلك:
أوّلا: لأنّ « التعادل » محقّق لموضوع التعارض والتزاحم، إذ مع عدم التعادل (أي:
عدم التكافؤ) كالأمارة والأصل، لا تعارض مع وحدة الملاك، ولا تزاحم مع تعدّد
الملاك، وهذا يكون نظير ما إذا جعل عنوان الباب: « اعتبار الدليل » الذي هو محقّق
لموضوع التعادل، إذ مع عدم الاعتبار لا تعادل كما لا يخفى.
وثانياً: « الترجيح » حكم، والتعادل موضوع، فلا يناسب أحدهما الآخر.
وهذا نظير ما إذا قيل: التعادل والتساقط، أو التعادل والتخيير.
مضافاً إلى عدم إستيعاب الترجيح لأحكام هذا الباب، إذ منها التساقط، ومنها التخيير.
2. ولا: « تعارض الأدلّة الشرعية » لأنّ الباب أعمّ من « التعارض » ومن « بين
الأدلّة » إلى بين الأمارات، وكذا بين الأُصول العملية، ومن « الشرعية » إلى
العقلية.
3. ولا: « تعارض الأدلّة والأمارات » ـ كما في الكفاية ـ لما تقدّم آنفاً.
ثمّ إنّ الشيخ (رحمه الله) جعل بحث: التعارض والتزاحم، خاتمة الأُصول تبعاً
لشيوخه وشيوخهم، إذ جعلوا قبله بحث الاجتهاد والتقليد.
وعكس في الكفاية، إذ جعل مبحث: التعادل والترجيح، من المقاصد، وجعل الخاتمة
للاجتهاد والتقليد، إيذاناً بأهميّة بحث: التعارض، وكونه من المقاصد في الأُصول، لا
بحثاً تبعيّاً.
ولعلّ ما صنعه في الكفاية أنسب فنيّاً.
الثالث: لا فرق في التعارض بين كونه بالتناقض أو بالتضادّ.
فالأوّل: كالوجوب وعدمه.
والثاني: كالوجوب والحرمة بالنسبة لشيء واحد.
ومرجع التضادّ إلى التناقض، غاية الأمر: أنّه تناقض بالإلتزام لا بالمطابقة.
الرابع: إذا لم يكن في أحد الدليلين ملاك كان تعارضاً.
وإن كان الملاك موجوداً في كليهما ولكن لم يتمكّن المكلّف من جمعهما، سمّي
إصطلاحاً بـ: « التزاحم ».
وعليه: فهنا بحثان: بحث التزاحم، وبحث التعارض.
لقد ظهر ممّا ذكر: أنّ هنا (في كتاب التعادل والترجيح) بحثين:
1. بحث التزاحم: وهو ما كان لكلا الدليلين ملاك، ولكن المكلّف لا يتمكّن من جمعهما.
2. بحث التعارض: وهو ما لم يكن لأحد الدليلين ملاك.
ونبحث كلّ من البحثين مستقلا بتوفيق منه سبحانه إن شاء الله تعالى.
أمّا الأوّل: ففي بحث التزاحم وبيان أحكامه ومرجّحاته وملاك التقديم فيه.
التزاحم: إن أُحرزت أهميّة أحدهما إلى حدّ المنع من النقيض قدّم وجوباً، وإلاّ
رجّح عقلا أو وشرعاً ندباً، وإلاّ تخيّر.
فالأوّل: كإنقاذ المسلم، والصلاة.
والثاني: كجانب التحريم.
والثالث: كاليمين المتعلّقة بواحد من المتضادّين.
وقد يكون التزاحم ـ كالتعارض ـ بين أمرين أو أكثر كتزاحم الصلاة وإنقاذ الغريق،
والأمر بالمعروف.
ثمّ إنّ المرجّحات الملزمة لأحد الطرفين في باب التزاحم أُمور جامعها: الأهميّة،
المحرزة بالأدلّة الشرعية: من الكتاب، والسنّة، والإجماع، والسيرة المتشرّعية،
والإرتكاز المتشرّعي ـ كما ذكره جمع، منهم: الشيخ الأنصاري (قدس سره)في إحراز موضوع
الكبيرة من المعاصي ـ لطريقية الأخيرين عرفاً إلى كشف مراد الشارع.
نعم، الشهرة العملية، بل الفتوائية أيضاً طريق عرفي ـ كما استقرّ عليه عمل الفقهاء
غالباً في الفقه وإن نفى الطريقية فيهما في الأُصول الشيخ (رحمه الله)ومعظم
المتأخرين عنه ـ.
ثمّ إنّهم ذكروا عناوين عديدة للترجيح جامعها:
إحراز أهميّة أحدهما على الآخر فعلا، سواء كان سبب الأهميّة الفعلية مجرّد
الأهميّة الملاكية، أم غير ذلك من المكتنفات وإن لم يكن أهمّ ملاكاً.
والأوّل: كإنقاذ النفس المحترمة، وإتيان الصلاة الواجبة قبل انتهاء وقتها، فالأوّل
أهمّ ملاكاً وفعلا.
والثاني: كالصلاة الأهمّ ملاكاً من الصوم ـ على ما هو المستفاد من الأدلّة، كعمود
الدين، ونحوه فيها دونه ـ لكنّه إذا دخل الذباب حلقه في الصوم الواجب المعيّن حال
الصلاة الواجبة بحيث تزاحم عدم الإفطار بقول: أخ، عمداً المبطل للصلاة، أو عدم
إبطال الصلاة ببلع الذباب عمداً المبطل للصوم.
فمع أنّه لا إشكال في أهميّة الصلاة ملاكاً إلاّ أنّ الأهمية الفعلية للصوم ـ مع
أنّ لكليهما بدل وقضاء ـ كما أفتى به في العروة(1) وفي بعض صوره تبعه جمهرة من
المحقّقين كالنائيني وغيره.
وإن شكّ في فعلية الأهميّة في أحدهما ففيه صور:
إحداها: ما إذا كان أحدهما أهمّ ملاكاً، واستفيدت الأهميّة من الأدلّة اللفظية،
فالظاهر: أنّ إطلاقها يشمل مورد المزاحمة.
ثانيتها: الصورة الأُولى نفسها مع إستفادة الأهميّة من الأدلّة اللبّية من إرتكاز
ونحوها، فمع الشكّ في الأهميّة يضمّ أصل عدم الأهميّة إلى الوجدان، وهو أصل
المهمّية فيخيّر.
ثالثتها: ما إذا شكّ في أصل الأهميّة فكالثانية.