المسألة (71): المجتهد غير العادل، أو مجهول الحال أي: الذي لا يعلم هل هو عادل أم
لا ؟ لا يجوز تقليده وإن كان موثوقاً به في فتواه.
ذكر الماتن (قدس سره) هنا فروعاً أربعة:
الاوّل: ما ذكر من اشتراط العدالة الواقعية، وإحرازها في مرجع التقليد.
الظاهر: أنّه لا إشكال في أنّ المراد بغير العادل الحكم الواقعي، وبمجهول الحال
الظاهري، وأثره أنّه إن قلّد مجهول الحال ـ وكان واقعاً عادلاً ـ صحّت أعماله من
هذه الجهة، أي: إذا حصل منه قصد القربة في العبادات وقصد الانشاء في العقود
والايقاعات.
وهذا الشرط لا خلاف ولا إشكال فيه عندنا وإن اختلفت فيه كلمات العامّة، إلاّ أنّ
الكلام هنا في أُمور:
أحدها: في الدليل على اشتراط عدالة مرجع التقليد وإحرازها فيه، وحيث إنّه قد تقدّم تفصيل ذلك في المسألة الثانية والعشرين فنذكر بإجمال: أنّ الدليل عليه: الكتاب والسنّة والاجماع والارتكاز، وأمّا السيرة: فإنّ سيرة العقلاء على تقليد الثقة وإن لم يكن عادلاً بلا إشكال، فالامر راجع إلى تضييق الشارع، والعمدة: الاجماع والارتكاز.
ثانيها: صريح المستمسك: أنّ هناك قائلاً بعدم اشتراط العدالة في مرجع التقليد ـ
بعد قوله قبل ذلك: « وأمّا اعتبار العدالة فهو كسابقه أي: الايمان عند العقلاء،
لكنّه المعروف بين الاصحاب بل هو إجماع ـ كما قيل ـ وهو العمدة لو تمّ ».
فمن كلمتي: « قيل » و « لو تمّ » يستشمّ عدم اطمئنانه بالاجماع.
وقال بعد ذلك: « وكأنّه لاجل ذلك ونحوه، جوّز بعض تقليد الفاسق المأمون... »(1).
أقول: لم أجد في الكلمات أنّ هذا البعض من هو ؟
... ولكن فتاواه معتبرة لعمل نفسه....
ثالثها: الظاهر تحقّق الاجماع والارتكاز ـ وغيرهما من الادلّة ـ على اشتراط
العدالة، لا منع الفسق، فمجهول العدالة والفسق، لا يجوز تقليده حتّى على القول ـ
غير المشهور وغير المعتبر ـ بقاعدة المقتضي والمانع.
ولذا صرّح الماتن بقوله: « أو مجهول الحال » وما يتراءى في بعض الكلمات من كفاية
الظنّ بالعدالة مثل ما في نهاية العلاّمة (قدس سره)(2) وقد دفع الاجماع على أنّه لا
يجوز أن يقلّد من يظنّه غير عالم ولا متديّن، فهو إمّا لاصالة حجّية الظنّ، أو
إرادتهم الظنّ الاطمئناني، أو نحو ذلك.
الثاني: قول الماتن (قدس سره) في الفاسق ولكن فتاواه معتبرة لعمل نفسه وذلك لجهتين:
1. لانّه عالم بالاحكام، وعلمه حجّة له وعليه عقلاً، بلا حاجة إلى دليل، بل لا يمكن
نفي الدليل الاعتباري للحكم العقلي.
مضافاً إلى أنّه لو لم يعتبر في حقّه فتاوى نفسه يدور الامر بين ثلاثة أُمور:
أ ـ الاحتياط المجمع ظاهراً على عدم وجوبه.
ب ـ أو تقليد المجتهد المخالف له في النظر وهو من رجوع العالم إلى الجاهل بنظره فلا
يشمله لا بناء العقلاء، ولا الادلّة اللفظية، ولا دفع الضرر المحتمل، ولا
الدوران بين التعيين والتخيير والادلّة اللفظية ظاهرة في لزوم العدالة في من يرجع
إلى غيره، لا مطلقاً حتّى من يعمل بفتوى نفسه.
جـ ـ أو تقليد الموافق له في النظر، وهو أشبه بتحصيل الحاصل مع أنّه ليس تقليداً بل
عملاً بما يراه حجّة.
2. أدلّة اشتراط العدالة موجّهة للمقلّد دون المجتهد، نظير إمام الجماعة على
المشهور.
إنّما الكلام في جواز التصدّي للفاسق ـ كإمام الجماعة على المشهور ـ وعدم جوازه.
وقد تقدّم قول المصنّف (قدس سره): « من ليس أهلاً للفتوى يحرم عليه الافتاء »(3).
وتقدّم هناك إشكال البعض: كالسيّد الحكيم والاخ والخوئي في إطلاقه وشموله لمورد:
معرفة المقلّد وجوب عدالة المفتي، ومورد جهله المركّب في الموضوع وهو أنّ هذا الشخص
ليس بعادل.
الثالث: عدم نفوذ حكم الفاسق وقضائه ـ مع إحراز الفسق أو الشكّ في
... وكذا لا ينفذ حكمه ولا تصرّفاته في الاُمور العامّة، ولا ولاية له في
الاوقاف والوصايا وأموال القصّر والغيّب.
العدالة ـ وهو قوله (قدس سره): وكذا لا ينفذ حكمه وقد تقدّم في المسألة الثالثة
والاربعين قول الماتن (قدس سره): « وكذا من ليس أهلاً للقضاء، يحرم عليه القضاء
بين الناس »(4).
والظاهر: تطابق الاجماع والروايات الصحيحة هنا ولا خلاف، فالفاسق لا يجوز له القضاء
وقد تقدّم تفصيله.
الرابع: عدم نفوذ تصرّفات الفاسق في الاُمور العامّة وهو قول الماتن (قدس سره): ولا
تصرّفاته في الاُمور العامّة، ولا ولاية له في الاوقاف والوصايا وأموال القصّر
والغيّب وغير ذلك لاشتراط جميعها بالعدالة المفقودة في الاوّل، أو بحكم المفقودة في
الثاني والكلام في أمرين:
أحدهما: نفوذها في الحسبة ـ مع عدم العادل ـ.
وثانيهما: مع وجود العادل لا يجوز التصدّي له أيضاً، لما تقدّم من الروايات
المعتبرة عن ابن بزيع، وإسماعيل بن سعد، وسماعة، وغيرها من ظهورها في حرمة التصدّي.
نعم، تقدّم أنّ الشيخ (قدس سره) في المكاسب مال إلى كفاية الوثوق وعدم اشتراط
العدالة ـ كما قال به البعض ـ.
إذا اعتقد العامي بعدالة مجتهد، واعتقد المجتهد بعدم عدالة نفسه، لا إشكال في جواز
تقليد العامي له حسب اعتقاد نفسه، أمّا هل يجوز للمجتهد في هذه الحال التصدّي ؟
احتمالان:
من أنّه ليس اغراءً بالجهل، ولا تسبيباً فلا يحرم، وانصراف الاطلاقات إلى ما يكون
تسبيباً.
ومن الاطلاق ـ والانصراف ليس محرزاً، واحتماله لا يقيّد حجّية الاطلاق ـ في مثل
رواية إسحاق بن عمّار عن الامام الصادق (عليه السلام) عن الامام علي (عليه السلام)
في قوله لشريح: « ياشريح قد جلست مجلساً لا يجلسه إلاّ نبي، أو وصي نبي، أو شقي
»(5).
والتعبير بالرواية: لمكان يحيى بن المبارك في الطريق، فإنّه لم يوثّق صريحاً،
إلاّ أنّ الرواية مقبولة، والقبول لا يقل تنجيزاً واعذاراً عند العقلاء عن وثاقة
الراوي.
وليس ذلك تمسّكاً بالعام في الشبهة المفهومية، أو المصداقية، وإنّما هو عدم تنجّز
وإعذار المشكوك.
نعم، إذا علم الشخص من نفسه أنّه عادل يجوز له التصدّي لهذه الاُمور وإن لم يجز
لمن يشكّ في عدالته ترتيب الاثر عليه، وهذا التفكيك غير عزيز في الفقه فليس
مستبعداً.
وكالعدالة سائر الشرائط: من الرجولة، والحرّية، وطهارة المولد، والاعلمية،
والايمان ونحوها، فلا يجوز لغيره تقليده، ويجوز لنفسه العمل بفتواه.
إلاّ شرط الاجتهاد فإنّ مع فقده لا موضوع للعمل بفتوى نفسه حينئذ كما لا يخفى.
وفي تجزّي الاجتهاد الكلام المذكور سابقاً في المسألة الثانية والعشرين.