المسألة (69): إذا تبدّل رأي المجتهد هل يجب عليه إعلام المقلّدين أم لا ؟ فيه
تفصيل، فإن كانت الفتوى السابقة موافقة للاحتياط كما لو أفتى سابقاً بوجوب السورة، أو ثلاث مرّات من التسبيحات الاربع، أو الجمع بين الجمعة والظهر، ثمّ عدل إلى
عدم وجوب السورة، وكفاية التسبيحة الواحدة، والتخيير بين الجمعة والظهر فالظاهر عدم
الوجوب فلا يجب عليه الاعلام.
وإن كانت الفتوى السابقة مخالفة للاحتياط، والفتوى الجديدة موافقة لها، كالعكس في
الامثلة التي ذكرناها آنفاً فالاحوط وجوباً الاعلام، بل لا يخلو عن قوّة وفاقاً
لجمع من مراجع العصر ومن تقدّمهم كالسادة: الوالد وابن العمّ والبروجردي وغيرهم،
وتقدّم أطراف الكلام في ذلك عند شرح المسائل: الثامنة والاربعين والثامنة والخمسين
والواحدة والثلاثين وفي هذه المسألة بيان وظيفة نفس المجتهد.
والاقوال في المسألة عبارة عمّا يلي:
1. تفصيل الماتن وكلّ من لم يعلّق كالوالد وابن العمّ والنائيني والحائري
والبروجردي وكاشف الغطاء وآخرين.
2. وجوب الاعلام مطلقاً، صرّح به السيّد الحكيم في المستمسك والحاشية تبعاً لاحتمال
شيخه العراقي (قدس سره) في الحاشية.
3. عدم وجوب الاعلام مطلقاً.
وجه القول الاوّل: أنّ مع موافقة الثانية للاحتياط لا يقع المكلّف في مخالفة
الاحتياط لجواز الاحتياط مطلقاً، ومع مخالفته للاحتياط يكون من التسبيب ـ بقاءً ـ
في وقوع المقلّد في مخالفة الحجّة الشرعية.
وأمّا وجه الاحتياط الوجوبي، ثمّ الاضراب إلى الفتوى، وإشكال البعض ـ كالسيّد
الاخ (قدس سره) ـ في الفتوى: هو أنّه لا علم بالتسبيب في مخالفة الواقع، والمسلّم
حرمة التسبيب في مخالفة الواقع.
وفيه أوّلاً: الاحتياط جائز مطلقاً لكن على نحو الاحتياط، لا على نحو الفتوى، إذ
ربما يقع معه المقلّد في مخالفة الواقع ظاهراً.
مثلاً: لو كانت فتوى المجتهد عدم كفاية عشر رضعات في الرضاع ثمّ تبدّل نظره إلى
كفاية ذلك، فيبقى المقلّد على عدم الكفاية ويتزوّج رضيعته بعشر رضعات.
وثانياً: المسلّم من حرمة التسبيب ـ الذي لا دليل عام له، لينطبق على جميع
الصغريات ـ هو التسبيب في الوقوع في الحرام الواقعي، لا الظاهري، للشكّ في حرمة
التسبيب له، أو إحراز عدمها.
وثالثاً: المقدار المسلّم من حرمة التسبيب هو الابتدائي، دون البقائي ـ الذي كان
وقت التسبيب بحجّة شرعية، ولم يعلم قطعاً المخالفة ـ.
وأمّا وجه القول الثاني: فهو « أنّ المستفاد من آية النفر: (فَلَوْلاَ نَفَرَ
مِنْ كُلِّ فِرْقَة مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا
قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ)(1) وجوب
الاعلام حيث يترتّب عليه إحداث الداعي العقلي إلى العمل بالواقع... ـ سواء ـ كان
المكلّف: غافلاً عن الحكم الكلّي، أم قاطعاً بالخلاف، أم متردّداً »(2).
ولا فرق في هذا الوجوب الكفائي بين المجتهد، وناقل الفتوى، والثالث، ولا بين الخطأ
في نقل الفتوى وتبدّل الفتوى.
وفيه أوّلاً: هذا يختصّ بمن يعتقد كون الجديدة هي الدين، أمّا من يعتقد الخلاف
اجتهاداً أو تقليداً أو يشكّ فلا تدلّ الاية الكريمة على وجوب تبليغها للجاهل بها.
وثانياً: أنّ تبليغ الاحكام لهذه الاية وأمثالها إنّما يجب: (لِئَلاَّ يَكُونَ
لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ)(3) بأن تكون في المتناول، لا وجوب تبليغ كلّ
حكم على كلّ فرد، لكلّ فرد.
وأمّا وجه القول الثالث: فهو لصاحب الجواهر وغيره قال: « بقي شيء وهو أنّه مع
تغيّر رأي المجتهد يجب عليه إعلام مقلّديه بذلك، ويجب عليه محو ما كتبه من فتواه
الاُولى، صريح الاردبيلي ذلك، لكن في صورة معلومية فساد الاوّل بدليل قطعي أو
بفساد الاجتهاد الاوّل، لانّه حينئذ خلاف الحقّ والصواب فيجب رفعه لئلاّ يقع الناس
في غير الحقّ، ولا يبقى الباطل معمولاً به ومعتقداً لاحد، بل الظاهر اتّحاد الحكم
والفتوى بالنسبة إلى ذلك.
إنّما الكلام في وجوب الاعلام والمحو مع العدول لدليل ظنّي على وجه لا يقتضي فساد
الاجتهاد الاوّل، والظاهر عدمه، بل ينبغي القطع بعدم وجوب محوه من الكتاب، كما
هو المشاهد من سيرة العلماء في اختلاف فتاواهم في الكتاب الواحد، بل بدون مسافة
معتدّ بها.
على أنّ المقلّد العامل باستصحاب بقاء مقلَّده على فتواه معذور، ولا إثم عليه،
فلا أمر بالمعروف بالنسبة إليه، بل لا يبعد القول بصحّة عمله وإن كان عبادة: إمّا
لاقتضاء الاستصحاب المستفاد من قاعدة اليقين البدلية عن الواقع إلى أن يعلم إلاّ ما
خرج بالدليل، وإمّا لانّها حينئذ من عبادة الجاهل التي لم يعلم فسادها باعتبار
موافقتها للفتوى الاُولى ولم يعلم بطلانها، فتندرج في المطلقات بناءً على أنّها
أسماء للاعمّ. وأولى من ذلك معاملاته من عقود أو إيقاعات... »(4).
عمدة استدلال الجواهر وغيره، أُمور:
1. مع تبدّل الرأي إلى الظنّ لم يعلم بطلان الاوّل، والاصل عدم وجوب الاعلام، ولعلّ
الباطل الثاني.
2. سيرة العقلاء على عدم التزام الاعلام ـ مع الظنّي ـ وعدم تقبيح من لم يخبر عن
تبدّل رأيه من الاطباء والمهندسين والخبراء في شتّى الشؤون، إلاّ إذا كان تبدّل
قطعي وكان ممّا يعلم خارجاً وجوب الاعلام، كالنفس المحترمة ونحو ذلك.
3. التسبيب من الله ـ في الوقوع في الحرام ـ لا من المجتهد، لانّ الفتوى الاُولى
حجّة شرعية في ظرفها، والمجتهد حينها كان معذوراً.
وفيه: بعد انكشاف الخلاف، يظهر أنّه كان تخيّل حجّة شرعية، وتخيّل الاستناد إلى
الله تعالى، فالعمدة الوجهان الاوّلان.
4. وجوب تبليغ الاحكام.
وفيه: المقدار الواجب منه ما كان بمقدار إتمام الحجّة لا كلّ فرد فرد.
الاُولى: وجوب الاعلام مورد وجوبه مقيّد بعدم الحرج والضرر الشخصيين ـ لانّهما
شخصيان ـ ومقدار الضرر والحرج الرافع للتكليف يعرف من ارتكاز المتشرّعة، كبقية
مواردهما، نظير الضرر والحرج في غسل النجاسات، وفي الحجّ، فما يسقط به الغَسل لا
يسقط به الحجّ، وهكذا.
ولو شكّ في مقدار الضرر والحرج الرافعين للتكليف، فالاصل العقلي الحكم بالقدرة،
لانّه وإن كان الشكّ في ذلك شكّاً في التكليف، لانّه نظير الشكّ في موضوع التكليف، كالاستطاعة، والفائدة في الخمس ونحوهما،
إلاّ أنّهم ذكروا استقلال العقل بالقدرة عند الشكّ فيها.
قال المحقّق النائيني (قدس سره): « فعند الشكّ في القدرة، العقل لا يحكم بالبراءة
وترتّب آثار عدم القدرة، بل يستقلّ بلزوم رعاية احتمال القدرة »(5).
الثانية: هل وجوب الاعلام تكليفي فقط، أم وضعي أيضاً ؟
مثلاً: إذا كان رأي الفقيه عدم كفاية الحجّ الميقاتي عن الميّت، ثمّ تبدّل إلى
الكفاية ولم يُعلم المقلّد، والوصي أعطى المال للحجّ البلدي من مال ميّت له صغار،
فهل يضمن الفقيه أو يكون قرار الضمان عليه، أم لا ؟
فإن قلنا بأنّه من التسبيب الموجب للضمان فبها، وإلاّ فالاصل عدم الضمان.
الثالثة: إذا تبدّل رأي الفقيه من الاحتياط الاستحبابي إلى الوجوبي، فهل يجب
الاعلام، أم يخصّ التبدّل إلى الفتوى ؟
ينبغي أن لا يستشكل فيما كان فتوى بالاحتياط، وأمّا في الاحتياط في الفتوى، فوجهان:
من أنّ المسلّم من ذلك الفتوى، فلا يجب الاعلام.
ومن أنّ الاحتياط الوجوبي كالفتوى في جميع الاُمور، إلاّ في تعيّن البقاء وجواز
العدول، فيجب الاعلام.
الرابعة: لا إشكال ـ على المبنى ـ في أنّ المجتهد المحتاط في وجوب الاعلام، يجوز
لمقلّده الرجوع إلى من لا يوجب الاعلام.
أمّا نفس المجتهد فهل له الرجوع إلى مجتهد آخر ؟
مقتضى ما ذكروه من إطلاق عدم الجواز هو العدم.
ولكن ذاك حيث تكون له فتوى، أو يؤدّي نظره إلى الفتوى، دون الاحتياط ـ في الفتوى ـ
لانّه جاهل فيرجع إلى العالم.
قال المحقّق في المعارج: « العالم إذا كان من أهل الاجتهاد... إذا أشكل عليه طريق
الواقعة جاز له الرجوع إلى الاعلم، لانّه بالنسبة إليه في تلك الواقعة كالعامي »(6).
وخالفه صريحاً صاحب المفاتيح(7) بعد نقل ذلك.
أقول: الظاهر أنّ بناء العقلاء على ما ذكره في المعارج، فإن تمّ فبها، وإلاّ فالاصل
عدم جواز التقليد.
الخامسة: هل يختصّ وجوب الاعلام بمورد العلم بعمل المقلّد بالفتوى الاُولى، أم
يجب أيضاً مع الاحتمال ؟
1. مقتضى أصل عدم العمل ـ وهو الاستصحاب الاستقبالي ـ: الاوّل.
2. ومقتضى الوقوع واقعاً في مخالفة الواقع: الثاني، لدوران الامر مدار الواقع لا
الاحتمال، وكذا مقتضى الاستدلال بآية النفر.