المسألة (68): لا يعتبر الاعلمية فيما أمره راجع إلى المجتهد إلاّ في التقليد وقد
مضى الكلام والنقاش طويلاً في شرح المسألة الثانية عشرة عن وجوب تقليد الاعلم
مطلقاً، أو عدمه مطلقاً، أو التفصيل على الخلاف في مشارب المفصّلين أيضاً وأمّا
الولاية على الايتام والمجانين الذين لا ولي لهم والاوقاف التي لا متولّي لها،
والوصايا التي لا وصي لها ونحو ذلك كالولاية على الاموات، بل قد يقال: وسياسة
العباد وإدارة البلاد فلا يعتبر فيها الاعلمية نعم، الاحوط في القاضي أن يكون أعلم
من في ذلك البلد أو في غيره، ممّا لا حرج في الترافع إليه.
أمّا بحث الاعلمية فقد مضى.
وأمّا الولاية ففيها بحثان:
الاوّل: بحث الولاية العامّة، ومحلّه كتاب البيع، وإذا ثبتت الولاية العامّة ثبتت
ولاية الحسبة ـ وهي ما نحن فيه ـ.
الثاني: بحث ولاية الحسبة، كالامثلة المذكورة في المتن.
لا إشكال في أنّ الاصل عدم الولاية إلاّ ما خرج بدليل. فالكلام في الدليل وأنّه هل
هو مطلق، أم لا ؟
قال جمع بالاطلاق للروايات الكثيرة، ومنها: التوقيع الشريف: « وأمّا الحوادث
الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنّهم حجّتي عليكم وأنا حجّة الله »(1).
ومنها: قول النبي (صلى الله عليه وآله): « اللهمّ إرحم خلفائي... يأتون بعدي
يروون حديثي وسنّتي »(2).
ومنها: رواية الامام الحسين (عليه السلام): « مجاري الاُمور والاحكام على أيدي
العلماء بالله الاُمناء على حلاله وحرامه »(3).
ومنها: قوله (عليه السلام): « فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً »(4).
منضمّاً إلى أنّ الحاكم كان يتصدّى لاُمور الحسبة وغير ذلك.
وممّا يدلّ على أنّه كان ذلك كلّه من أعمال قضاة العامّة: صحيحة محمّد بن إسماعيل
بن بزيع قال: « مات رجل من أصحابنا ولم يوص فرفع أمره إلى قاضي الكوفة، فصيّر
عبدالحميد القيّم بماله ـ وكان الرجل خلّف ورثة صغاراً ومتاعاً وجواري ـ فباع
عبدالحميد المتاع، فلمّا أراد بيع الجواري ضعف قلبه عن بيعهنّ إذ لم يكن الميّت
صيّر إليه وصيّته وكان قيامه فيها بأمر القاضي لانّهنّ فروج، قال: فذكرت ذلك لابي
جعفر (عليه السلام) يعني: الامام الجواد (عليه السلام) وقلت له: يموت الرجل من
أصحابنا ولا يوصي إلى أحد ويخلف جواري، فيقيم القاضي رجلاً منّا فيبيعهنّ، أو قال: يقوم بذلك رجل منّا فيضعف قلبه لانّهنّ فروج فما ترى في ذلك ؟ قال: فقال (عليه
السلام): إذا كان القيّم به مثلك أو ومثل عبدالحميد فلا بأس »(5).
احتمل الشيخ (قدس سره) في قوله (عليه السلام) لابن بزيع: « مثلك » احتمالات أربعة:
1. أي: مثلك في الايمان والتشيّع.
2. أو مثلك في الوثاقة ورعاية مصلحة مال اليتيم وإن لم يكن شيعياً.
3. أو في الفقاهة، النائب العامّ.
4. أو في العدالة.
ومع الاجمال فالمتيقّن منه: « الفقيه العادل » فالاعلمية ليست في شيء من روايات
الباب ـ ولا في بناء العقلاء الذي كان دليلاً للاعلم في التقليد ـ وإليك بعض هذه
الروايات:
فمنها: صحيحة علي بن رئاب قال: « سألت أبا الحسن موسى (عليه السلام) عن رجل بيني
وبينه قرابة مات وترك أولاداً صغاراً وترك مماليك ـ غلماناً وجواري ـ ولم يوص، فما
ترى فيمن يشتري منهم الجارية، فيتّخذها أُمّ ولد ؟ وما ترى في بيعهم ؟ قال: فقال
(عليه السلام): إن كان لهم ولي يقوم بأمرهم باع عليهم ونظر لهم، وكان مأجوراً
فيهم. قلت: فما ترى فيمن يشتري منهم الجارية فيتّخذها أُمّ ولد ؟ فقال: لا بأس
بذلك إذا باع عليهم القيّم لهم، الناظر فيما يصلحهم، فليس لهم أن يرجعوا فيما صنع
القيّم لهم الناظر فيما يصلحهم »(6).
ومنها: موثّقة زرعة، عن سماعة قال: « سألته عن رجل مات وله بنون وبنات صغار
وكبار ـ من غير وصية ـ وله خدم ومماليك وعُقد، كيف يصنع الورثة بقسمة ذلك الميراث
؟ قال (عليه السلام): إن قام رجل ثقة قاسمهم ذلك كلّه فلا بأس »(7).
وفي صحيحة إسماعيل بن سعد قريب من ذلك وفي الاخير قال (عليه السلام): « إذا كان
الاكابر من ولده معه في البيع فلا بأس إذا رضي الورثة بالبيع وقام عدل في ذلك »(8)
ومفهوم الشرط: أنّ غير العدل غير نافذ.
والحاصل: أنّه لا يشترط الاعلمية، واستند في المستمسك لذلك بالاجماع بعد تفنيده
الادلّة الاُخرى، قال: « فالعمدة الاجماع »(9).
الاُولى: ما ذكر في هذه الروايات الانفة وغيرها هو تقسيم أموال الميّت، وقيمومة
الصغار، والمذكور في المتن إضافة « المجانين » و « الاوقاف التي لا متولّي لها » و
« الوصايا التي لا وصي لها ونحو ذلك » فكيف يتعدّى منها إليها ؟
يُتعدّى منها لاُمور على سبيل منع الخلو:
أحدها: فهم عدم الخصوصية، وعهدته على مدّعيه، وإن كان غير بعيد.
ثانيها: أنّ ذلك كلّه ممّا كان يتصدّى لها قضاة وحكّام العامّة، وظهور جعل الامام
(عليه السلام) القضاء والحكومة للفقيه العادل، يقضي بجعل الكلّ ولا بأس به.
ثالثها: الاجماع المستنبط على عدم الفرق، وكذا السيرة، أو الارتكاز المتشرّعي.
الثانية: قول الماتن (قدس سره): « ونحو ذلك » يشمل ماذا ؟ هل يشمل تزويج الصغيرين
والمجنونين ـ أي: الذكر والاُنثى ـ ؟
وهل يشمل تزويج الكبير المغمى عليه إذا كان مصلحة له، كتصدّي الزوجة لغسل عورته
ونحو ذلك ؟
وهل يشمل مثل الطلاق عنهم إذا كان بمصلحتهم ؟
وهل يشمل مثل التجارة بأموالهم مع المصلحة التي لا تنافي احتمال الخسارة، ولا ضمان
في الخسارة للاذن الشرعي ؟
مقتضى فعل الحكّام والقضاة ذلك كلّه: العموم، ومقتضى الشكّ ـ خصوصاً مع الاستناد
بمثل الاجماع والسيرة والارتكاز ـ من الادلّة اللبّية: الاخذ بالمتيقّن.
الثالثة: لا إشكال في أنّ ما كان يفعله قضاة العامّة وحكّامهم من المحرّمات ـ من مصادرة، وحكم بالحبس فيما لا يجوز كالمديون ذي عسرة ـ لا يجوز للحاكم الشرعي، لضرورة أنّ بسط يد الحاكم في إطار ما لا يكون مخالفاً للكتاب والسنّة المسلّمة.
الرابعة: هل هناك فرق بين: إذن وتوكيل الفقيه العادل في الحسبة وبين النصب، فيه
أقوال:
1. الانعزال بالموت ونحوه مطلقاً، ذهب إليه جمع منهم: الحائري، والاصفهاني،
والخونساري، والميلاني، والوالد، والقمّي « الاب » في حاشية المسألة الاحدى
والخمسين من تقليد العروة، فتوى أو احتياطاً، تبعاً للشيخ في القضاء والشهادات(10).
واستدلّ له الشيخ (قدس سره) بقوله: « لانعزال ناصبه بذلك » أي: بالموت.
وفيه أوّلاً: كيف لا ينقطع البيع والاجارة والرهن ونحوها بالموت ؟
وثانياً: الانعزال أوّل الكلام فكيف يستدلّ به وهل هو إلاّ مصادرة ؟
2. عدم الانعزال مطلقاً، وهو ظاهر فخر الدين في الايضاح، وصريح الاخ الاكبر في «
موسوعة الفقه » وآخرين.
واستدلّ له الفخر: بـ « قاعدة لا ضرر » واختلال النظام، والاجماع(11).
قال الشيخ: « فلو ثبت الاجماع، وإلاّ ففي نهوض ما ذكر من لحوق الضرر، لرفع اليد
عن القاعدة نظر »(12).
3. تفصيل الماتن ومعظم الساكتين: كالنائيني والعراقي والبروجردي وكاشف الغطاء
وآخرين (قدس سرهم)، بين مثل الاذن والتوكيل فينعزل، ومثل النصب فلا ينعزل(13).
واستدلّ له بذهاب الاذن والوكالة عرفاً، دون النصب.
4. تفصيل المستمسك وآخرين: بالنصب من المجتهد لنفسه فينعزل، وبين نصب المجتهد عن
الامام المعصوم (عليه السلام) لنيابته عنه ـ إن صحّ مثل هذا النصب ـ فلا ينعزل،
لبقاء ولاية المعصوم (عليه السلام) حتّى بعد موته.
ولعلّ الاقرب الثالث، لما ذكر ولقضاة العامّة الذين لم يكن ينعزل من نصبوه بموت
القاضي.
الخامسة: الولاية للحسبة يشترط فيها كلّ الشروط إلاّ الاعلمية، حسب ظاهر استثنائهم الاعلمية فقط، لكن للمناقشة محل:
أمّا اشتراط الفقاهة، والعدالة، والايمان: فلروايات السابقة، ومنها: صحيح ابن
بزيع: « مثلك ومثل عبدالحميد ».
وأمّا العقل: فلا إشكال في اشتراطه.
وأمّا البلوغ: فهو شرط لاطلاقات مثل صحيح محمّد بن مسلم عن الامام الصادق (عليه
السلام): « عمد الصبي وخطأه واحد »(14) وهو أعمّ من الدية.
ولذا استدلّ به الفقهاء في غير الديّات أيضاً، مثل استدلال جمع: بأنّ الصبي
المحرم إذا أتى بما يختلف حكم عمده وخطأه في الكفّارة كان بحكم الخطأ، كلبس المخيط
حيث لا كفّارة على الخطأ.
قال في الجواهر: « واستجوده في المدارك »(15).
قال الشيخ في المكاسب: « والاصحاب وإن ذكروها أي: صحيحة محمّد بن مسلم وغيرها في
باب الجنايات إلاّ أنّه لا إشعار في نفس الصحيحة ـ بل وغيرها ـ بالاختصاص بالجنايات، ولذا تمسّك بها الشيخ في المبسوط والحلّي في السرائر على أنّ إخلال الصبي المحرم
بمحظورات الاحرام ـ التي تختصّ الكفّارة فيها بحال التعمّد ـ لا يوجب كفّارة على
الصبي ولا على الولي، لانّ عمده خطأ... فعقد الصبي وإيقاعه مع القصد كعقد الهازل
والغالط والخاطئ وإيقاعهم »(16).
وقال في الجواهر: « وممّا ذكرنا يظهر لك الحال فيما حكي عن الشيخ (قدس سره): من
أنّه يتفرّع على الوجهين ما لو وطأ قبل أحد الموقفين متعمّداً، فإن قلنا: إنّ
عمده وخطأه سواء لم يتعلّق به حكم فساد الحجّ، وإن قلنا: إنّ عمده عمد أفسد حجّه
ولزمه القضاء، ثمّ قال: والاقوى الاوّل... وفي المدارك وهو جيّد »(17).
وقال في العروة: « الهدي على الولي وكذا كفّارة الصيد إذا صاد الصبي، وأمّا
الكفّارات الاُخرى المختصّة بالعمد فهل هي أيضاً على الولي، أو في مال الصبي، أو
لا يجب الكفّارة في غير الصيد لانّ عمد الصبي خطأ، والمفروض أنّ تلك الكفّارات لا
تثبت في صورة الخطأ ؟ وجوه: لا يبعد قوّة الاخير »(18).
ولم يعلّق أحد ممّن رأيت حواشيهم من أكابر الفقهاء.
وقد أغرب المحقّق النائيني (قدس سره) حيث استفاد العموم من قوله (عليه السلام): «
عمد الصبي وخطأه واحد » مرّة، وأُخرى قيّده بقوله (عليه السلام): « تحمله العاقلة
».
فمن الاوّل قوله: « أنّ تذييل بعضها بقوله (عليه السلام): (تحمله العاقلة) لا
يوجب حمل الاخبار المطلقة على باب الجنايات »(19).
ومن الثاني ما ذكره في تقرير بحث المكاسب للاملي قال في بحث حجر الصبي: « وممّا
استدلّ به ما ورد من أنّ: « عمد الصبي خطأ » والانصاف عدم دلالته على هجره عن مطلق
الافعال القصدية، وذلك لتذييل هذه الجملة في بعض الاخبار بكون ديته على عاقلته
الموجب لاختصاصه بباب الجنايات وتصير قرينة على إرادة ذلك منه حتّى في الاخبار غير
المذيّلة بذاك الذيل »(20).
وقد نفى المحقّق النائيني (قدس سره)(21) تبعاً لشيخه في الكفاية(22) جريان
الاستصحابين المتعارضين، إذا لم تكن مخالفة عملية، كانائين مستصحبي النجاسة علم
بتطهير أحدهما، حيث ذهب الشيخ (قدس سره) إلى عدم جريان الاستصحابين، للعلم
الاجمالي وإن لم تكن مخالفة عملية، مستدلاً بذيل بعض أخبار الاستصحاب: « وإنّما
تنقضه بيقين آخر »(23) الشامل للمثال.
وذهب صاحب الكفاية وجمهرة من تلاميذه وتلاميذهم إلى جريان الاستصحابين مستدلّين:
بأنّ إطلاق ما لا ذيل له شامل للاستصحابين المتعارضين.
وهذا يؤيّد ما نحن فيه: من أنّ إطلاق صحيحة محمّد بن مسلم: « عمد الصبي وخطأه واحد » شامل لجميع أبواب الفقه، حتّى إذا قلنا بأنّ ذيل الرواية الاُخرى: « تحمله العاقلة » قرينة على اختصاصها بالديات، فتأمّل.
وهنا كبريان ينبغي الاشارة إليهما:
الاُولى: المثبتان لا تنافي بينهما فلا تقييد، إذ التقييد في المتنافيين: « أكرم
العلماء، لا تكرم فسّاقهم » أمّا « أكرم العلماء، وأكرم عدولهم » فلا تقييد، ويكون
المقيّد من صغريات المطلق.
نظير « كفّارة الافطار مدّ » و « كفّارة الافطار مدّان » ونظير إطلاقات الغسل مع «
اغسله مرّتين » في غير البول من النجاسات.
الثانية: أن قيّدنا « في المثبتين » كان ذلك التزاماً بالمفهوم للّقب، إذ « مدّان
» لا يقيّد « مدّاً واحداً » إلاّ إذا كان معنى « مدّان » أي: « لا مدّاً واحداً ».
ويؤيّد اشتراط البلوغ التزام الفقهاء به في عامّة الفقه، إلاّ ما خرج بدليل،
كصلاة الجماعة، وعدم مجرّد التمرينية بل شرعيّتها من الصبي، وصوم الصبي، وحجّه،
ووصيّته، وطلاقه، وغيرها.
فكلّ من قال بصحّة عمل من الصبي، كان بدليل خاصّ.
وأمّا الاجتهاد المطلق فهل يشترط في ولاية الحسبة أم لا ؟ لم أر من تعرّض له، إلاّ
أنّه أوّلاً: مقتضى الاطلاقات عدمه. حتّى أنّ الشيخ (قدس سره) ـ في المكاسب وقد
تقدّم ـ الذي أخذ بالمتيقّن من صحيحة ابن بزيع قوله (عليه السلام): « إذا كان
القيّم به مثلك ومثل عبدالحميد » الذي احتمل فيه أُموراً أربعة: الايمان، أو
الوثاقة، أو الفقاهة، أو العدالة، لم يذكر احتمال إطلاق الفقاهة.
وثانياً: مناسبة الحكم والموضوع يقتضي عدم لزوم الاطلاق، إذ الفرق بين ما نحن فيه
وبين باب التقليد بل وحتّى باب القضاء على قول، أنّ هناك يحتمل توقّف كلّ حكم،
على معرفة غيره من الاحكام لارتباط بعضها مع بعض في مقام الاستنباط والاجتهاد،
وأمّا في مقام الحسبة فلا يراد إلاّ مصلحة ذاك الامر المعطّل لاخراجه من التعطيل
بما يوافق الشرع.
مع أنّه إن لم نقل بعدم اجتهاد مطلق لابن بزيع وعبدالحميد بن سالم ـ كما يدلّ عليه
الاعتبار ـ فلا أقل من الشكّ فيه.
وثالثاً: وإن وصلت النوبة إلى الاصل العملي فمقتضى أصالة عدم الاشتراط في الشكّ في
سعة الشرط وضيقه: العدم، لانّه مصداق « لا يعلمون » و « اللاّبيان » إذ هو شكّ في
زيادة القيد.
بل ربما يقال في ولاية الحسبة كفاية المعرفة المطلقة بالاحكام ولو عن تقليد، إذ من
الروايات السابقة روايات محمّد بن إسماعيل بن بزيع، وعلي بن رئاب وسماعة،
وإسماعيل بن سعد، لا يستفاد لزوم الاجتهاد حتّى المتجزّي منه، نظير ولاية الاب
والجدّ له، والوصي، والقيّم، المجعولين من قبل الاب ونحو ذلك.
فتكون ولاية الحسبة لعدول المؤمنين في عرض مرجع التقليد، لا في طوله.
بل ربما يستفاد ذلك من بعض كلمات الجواهر حيث قال: « لو كان الولاية منحصرة في
أحدهما أي: الاب والجدّ للاب صحّ حينئذ الوصية بالولاية منه أي: من الاب ونحوه
وليس هكذا الحاكم، لانّ إمام الاصل (عليه السلام)موجود في كلّ زمان، ويتولّى
الامر عنه حينئذ حسبةً عدول المؤمنين، فتأمّل »(24).
وإن كان ظاهر المكرّر من كلماته وكلمات غيره أنّ ولاية عدول المؤمنين في طول ولاية
الحاكم.
الاُولى: الظاهر من كلام المحقّق النائيني أنّ بعض الفقهاء قال بولاية المؤمن غير
العادل وغير الثقة، وبعضهم قال بولاية الثقة غير المؤمن حيث قال: « وممّن ثبت له
الولاية... عدول المؤمنين... وإنّما الكلام في اعتبار العدالة في المتصدّين، فقد
وقع الخلاف في اعتبارها على ثلاثة أقوال:
أحدها: اعتبار العدالة.
وثانيها: كفاية الوثاقة.
وثالثها: كفاية كون المتصدّين من أهل الحقّ ولو لم يكونوا موثّقين.
ومنشأ الاختلاف في ذلك هو الاختلاف في ظواهر الاخبار الواردة في هذا الباب... »(25).
لكن ظهور قوله (عليه السلام): « فلا بأس إذا رضي الورثة بالبيع، وقام عدل في ذلك
»(26) له مفهوم: أنّ فيه البأس إذا لم يقم عدل في ذلك، وهو مخصّص لاطلاق بقية
الاخبار على ما هو القاعدة الاُصولية المعمول بها المعوّل عليها المتسالم عليها في
الفقه.
الثانية: نقل المحقّق النراقي: « إنّ المحقّق الاردبيلي في شرح الارشاد مال إلى
ولاية عدول المؤمنين في عرض ولاية الفقيه، لا في طوله، لاطلاق صحيحة إسماعيل بن
سعد: إذا رضي الورثة بالبيع، وقام عدل في ذلك(27) وموثّقة سماعة: إن قام رجل ثقة
قاسمهم ذلك كلّه، فلا بأس(28).
وردّه بأمرين: 1. الاجماع، قال: إلاّ أنّه مخالف لعمل الاصحاب الثابت بالتتبّع
وحكايات الاجماع على اختصاص جواز التصرّف من العدول بصورة فقد الفقيه فلا يكون أي:
الاطلاق معمولاً به.
2. عدم كون تصرّفه العدل أحسن في صورة إمكان الوصول إلى الفقيه »(29).
وفيه: أوّلاً: الاجماع مقطوع العدم، كيف والكثير لم يتعرّضوا للمسألة، كما لا
يخفى ؟
وثانياً: عدم العمل أعمّ من الاعراض، والثاني هو الكاسر للدلالة ـ على القول به ـ
دون الاوّل.
وثالثاً: المشهور والمنصور عدم لزوم الاحسن، بل الحسن، و « أحسن » في الاية الشريفة
يراد بها الحسن ـ كما حقّق في محلّه ـ.
قال الشيخ الانصاري (قدس سره): « وأمّا لفظ الاحسن في الاية، فيحتمل أن يراد به:
1. ظاهره من التفضيل.
2. ويحتمل أن يراد به الحسن....
ثمّ إنّ الظاهر من احتمالات... « الاحسن » هو الاحتمال الثاني، أعني التفضيل
المطلق... »(30).
ورابعاً: لا كلّية لاحسنية تصرّف الفقيه كما لا يخفى.
الثالثة: هل ولاية عدول المؤمنين بعضهم مع بعض طولية، أم عرضية ؟ صرّح المحقّق النائيني بأنّها عرضية ـ كالاب والجدّ ـ لا طولية كالفقهاء.
قال: « وينبغي أن يعلم أنّه فرق بين تصدّي فقيه، وبين تصدّي عدول المؤمنين، فإنّ
التصدّي إذا كان من الفقيه ـ بناءً على ثبوت الولاية العامّة له أو كون الواقعة من
وظائف القضاة كبعض الحسبيات ـ فليس لفقيه آخر أن يقوم بتصدّي ما تصدّاه الفقيه
الاوّل قبله، وهذا بخلاف تصدّي عدول المؤمنين، حيث إنّه لما لم يكن بعنوان
الولاية، بل إنّما يتصدّى لاجل إحراز كون الواقعة ممّا لا يجوز تعطيلها، وينحصر
القيام بها بالعدول، فلا مانع من دخول عدل آخر مع المتصدّي.
فيكون حكم عدول المؤمنين كحكم ولاية الاب والجدّ حيث قد عرفت أنّ ولايتهما كانت
عرضية فلكلّ واحد منهما الولاية في عرض الاخر.
وعلى هذا فلو باع عدل مال يتيم لما رأى في بيعه المصلحة ورأى العدل الاخر المصلحة
في فسخه، صحّ منه فسخه لو كان البيع الاوّل خيارياً، وكذا لو عرضه عدل للبيع من
شخص جاز لعدل آخر عرضه للبيع من شخص آخر، كما كان لكلّ من الاب والجدّ أيضاً »(31).
أقول: فيه موارد من المناقشة:
الاوّل: قوله: « فإنّ التصدّي إذا كان من الفقيه بناءً... » فيه طرداً وعكساً:
أمّا طرداً: فيمكن أن يقال بجواز تصدّي الاخر: للاطلاق، والاستصحاب، والاصل، إذ لا
دليل خاصّ على عدم جواز التصدّي للاخر.
فإن قيل: إنّ ذلك يوجب الهرج والمرج.
نقول: إنّه شخصي، يرتفع في مواردهما.
وأمّا كون الواقعة من وظائف القضاة: فإن أحرز ذلك بحيث يكون مقيّداً للاطلاقات،
فبها، وإلاّ فالادلّة الثلاثة محكمة.
وأمّا عكساً: فإن لم نقل بالولاية العامّة ولم تكن الواقعة من وظائف القضاة ـ أوشك
في أنّه من وظائفهم، ولعلّه لا مورد له ـ فيمكن القول بعدم جواز تصدّي الغير، وذلك
للظهور العقلائي في أنّ الولاية للكل على نحو بشرط لا ـ لا مطلقاً ـ دليلاً وأصلاً:
أمّا دليلاً فللظهور العقلائي.
وأمّا الاصل العملي: فللشكّ في ضيق الجعل وسعته.
الثاني: قوله: « بخلاف تصدّي عدول المؤمنين حيث إنّه لمّا لم يكن بعنوان الولاية...
».
فيه: أنّ ظاهر بعض الروايات الماضية أنّها ولاية، لا مجرّد إخراج الامر عن التعطيل
الذي لا يجوز.
ففي صحيح علي بن رئاب: « إن كان لهم ولي يقوم بأمرهم... لا بأس بذلك إذا باع
عليهم القيّم لهم والقيّم هو الولي، ثمّ جاء فيه: فليس لهم أن يرجعوا فيما صنع
القيّم لهم الناظر فيما يصلحهم »(32).
وفي صحيح ابن بزيع: « إذا كان القيّم به مثلك ومثل عبدالحميد فلا بأس »(33)
ونحوهما.
وعبارة الفقهاء تعطي استفادة الولاية أيضاً لعدول المؤمنين.
ففي الجواهر: « لانّ الولاية لهم أي: لعدول المؤمنين مع عدم الحاكم »(34).
وفي حاشية المكاسب للاخوند: « الولاية للفقيه هو القدر المتيقّن... كما أنّ عدول
المؤمنين في صورة فقده، يكون كذلك »(35).
وفي العروة في الولاية في غسل الميّت: «... ثمّ الحاكم الشرعي، ثمّ عدول المؤمنين
»(36) ولم يعلّق المعظم أمثال نفس المحقّق النائيني والعراقي والحائري وكاشف الغطاء
وابن العمّ والاخ وآخرين (قدس سرهم).
الثالث: قوله: « فيكون حكم عدول المؤمنين كحكم ولاية الاب والجدّ... » فيه الولاية مرتبة من الملك، ومقتضي جعلها: نفوذها، وعدم جواز نقضها. استثني من ذلك فقط ولاية الاب والجدّ لاطلاقهما، وإلاّ كان الامر فيهما أيضاً عدم جواز النقض، وفيما نحن فيه لا إطلاق.
الرابع: قوله في ولاية عدول المؤمنين: « حيث إنّه لمّا لم يكن بعنوان الولاية،
بل إنّما يتصدّى لاجل إحراز كون الواقعة ممّا لا يجوز تعطيلها، وينحصر القيام بها
بالعدول، فلا مانع من دخول عدل آخر مع المتصدّي ».
فيه: أنّه على العكس أدلّ، إذ لو كان التصدّي لاجل عدم تعطيل الواقعة، فمع
التصدّي لم تعطّل الواقعة، فلا مورد للتصدّي ثانياً، فلا ولاية للعدل الاخر.
والحاصل: أنّ مقتضى ظهور الولاية في النفوذ، وفي بشرط عدم تصدّي الغير، أنّه مع
التصدّي لا يحقّ للاخر، خرج من ذلك بالاطلاق ولاية الاب والجدّ.
ويؤيّد ذلك أبواب: « الوكالة » و « الوصية » و « النيابة » ونحوها، فإنّها مع
تصدّي شخص لا يحقّ للاخر، فإذا وكّل اثنين لبيع داره، أو أوصى لهما ـ أي: جعلهما
أوصيائه ـ في تنفيذ أُموره، أو استنابهما للحجّ عنه، فهل يحقّ للثاني التصدّي بعد
تصدّي الاوّل ؟
الرابعة: لا إشكال، كما لعلّه لا خلاف في أنّه يكفي لتولّي الحسبة عدل واحد من
المؤمنين وتعبيرهم بـ « عدول المؤمنين » لا يريدون به الجمع وذلك:
1. لاطلاق الادلّة كصحيح ابن بزيع: « إذا كان القيّم به مثلك ومثل عبدالحميد »(37).
ونصّ مثل صحيح إسماعيل بن سعد: « وقام عدل في ذلك »(38). وموثّق سماعة: « إن قام
رجل ثقة قاسمهم »(39).
2. أصالة عدم لزوم النفوذ إذا وصلت النوبة إلى الشكّ، وأصالة عدم النفوذ مسبّبة عن
الاُولى.
وقد صرّح بذلك جمع من الفقهاء، منهم كاشف الغطاء قال: « فإن لم يكن أي: الحاكم
فعدول المسلمين وفي الواحد كفاية »(40).
الخامسة: هل يشترط الايمان، أم يكفي الوثاقة ـ بناءً على اختصاص العدالة
بالمؤمنين ـ أو العدالة بناءً على التعميم ؟
اختلفت التعبيرات، فبعضهم صرّح بـ « عدول المؤمنين » وهو يدلّ أو يشعر بالايمان،
وبعضهم صرّح بـ « المسلمين ».
ومن الاوّل: « عدول المؤمنين » الشهيدان في اللمعة وشرحها، وأصحاب الجواهر والحدائق
والمستند وآخرون.
ومن الثاني: « المسلمين » من قبل الشهيدين.
وبعضهم عبّر أحياناً بـ « المؤمنين » وأُخرى بـ « المسلمين » كالمحقّق الكركي في
جامع المقاصد، وغيره.
وربما يستظهر أنّ من عبّر بـ « المسلمين » يريد به المعنى الاخصّ وهو الايمان،
لتعبيرهم عن الشهود في باب القضاء والحدود بـ « المسلمين » أيضاً، مع مسلّمية
اشتراط الايمان عندهم، ومنهم: الشيخ المفيد في العديد من كتبه، ومنها: كتاب « أحكام
النساء ».
قال: « ولا يقبل فيما يوجب الحدّ من الزنا أقلّ من أربعة شهود عدول، ولا يقبل في
الفرية والخمر والسرق إلاّ شهادة شاهدين من عدول المسلمين »(41).
وذلك تبعاً لبعض الاخبار التي يراد بالمسلمين فيها المعنى الاخصّ، كرواية محمّد بن
قيس عن الامام الباقر (عليه السلام) قال: « قال أمير المؤمنين (عليه السلام): إذا
رأيتم الهلال فافطروا، أو تشهد عليه بيّنة عدول من المسلمين... »(42).
السادسة: صرّح كاشف الغطاء (قدس سره) بأنّ ولاية عدول المؤمنين وكالة وليست ولاية
قال: « ويقوم عدول المؤمنين مقامه أي: مقام الحاكم مع فقده أو بعده ـ ولا يجوز
العدول عن العدول إلاّ مع عدمهم ـ ويكون وكالة لا ولاية »(43).
والعبارة مجملة من حيث إنّ الوكالة خاصّة بالعدول أو بغير العدول أو الاعمّ.
وفيه: 1. الروايات دلّت على « الولاية » و « القيّم ».
2. ولا دليل على الوكالة، ولم أر من ذكر ذلك غير كاشف الغطاء (قدس سره).
السابعة: مضافاً إلى اشتراط العدالة والايمان، هل الذكورة شرط ؟ وذلك:
1. هل يشترط في العدل المؤمن: الذكورة، فلا ولاية للمؤمنة، بل ولا للفاسقة حتّى
إذا وصلت النوبة إلى فسّاق المؤمنين ؟
2. أو لا يشترط ذلك مطلقاً ؟
3. أو يفصّل بين وجود المؤمن فلا، وبين الدوران بينها وبين الرجل الفاسق،
فالولاية للمؤمنة العادلة ؟
لم أر ذكراً خاصّاً هنا: ولا إشكال في أنّ مقتضى الاصل العملي عدم اشتراط الذكورة
مطلقاً، إلاّ أنّه ربما يستند بوجوه لاشتراطها:
1. ارتكاز المتديّنين.
وفيه: أنّه إن تمّ صغرى فبها، وإلاّ فلا.
2. التعبير بـ « الرجل » في بعض الروايات كموثّقة سماعة: « إن قام رجل ثقة قاسمهم
ذلك كلّه، فلا بأس »(44).
3. والتعبير بضمير المذكّر في بقية الروايات مثل: « إذا كان القيّم به مثلك ومثل
عبدالحميد فلا بأس »(45)ومثل: « إذا باع عليهم القيّم لهم »(46) ومثل: « وقام عدل
في ذلك »(47).
وفيهما: أمّا الثالث: فالظاهر أنّ ضمير المفرد المذكّر ليس خاصّاً بالمذكّر، بل ليس
لنا ضمير خاصّ بالمفرد المذكّر، ودونك القرآن الحكيم والروايات، وهما مليئان بضمير
المفرد المذكّر المراد به قطعاً الاعمّ، وإليك نماذج من الكثير:
(قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ)(48).
و (إِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ)(49).
و (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا)(50).
وهكذا: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا)(51) فلا لفظ: (الَّذِينَ)
يتبادر منه الخصوصية للرجال، ولا (آمَنُوا) يتبادر منه الخصوصية كذلك.
نعم، إذا تقابلا مثل: (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ
وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ)(52) كان خاصّاً للتقابل، لا للاختصاص.
وأمّا الثاني: فإنّه قد يكون « رجل » أيضاً بمعنى الشخص مثل: (مَا جَعَلَ
اللهُ لِرَجُل مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ)(53).
ومثل: (ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً رَجُلاً فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً
سَلَماً لِرَجُل هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً)(54).
وفي نهج البلاغة: « إنّ أبغض الخلائق إلى الله رجلان: رجل وكله الله إلى نفسه...
ورجل قمش جهلاً »(55) أي: جمع جهلاً.
وفي النهج أيضاً: « فرحم الله رجلاً نزع عن شهوته وقمع هوى نفسه »(56).
الثامنة: هل يشترط في ولاية الحسبة الحرّية، وكونه ولد الحلال ـ بناءً على
اشتراطهما في مرجع التقليد ـ ؟
الظاهر لا: للاطلاق، والاصل، وقد تقدّم، حتّى أنّ الشيخ (قدس سره) الذي ذكر في
الصحيح: « إذا كان القيّم به مثلك ومثل عبدالحميد فلا بأس »(57) الاحتمالات الاربعة: من الايمان، والوثاقة، والفقاهة، والعدالة، لم يذكر الحرّية وكونه ولد حلال،
مع أنّ ابن بزيع وعبدالحميد ظاهراً كانا منهما، لانّه لو كانا من حرام أو عبداً
لذكر في تاريخهما.
التاسعة: لا يشترط في العامل في الحسبة إلاّ الاطمئنان النوعي، أو الشخصي بالقيام
بمصلحة القصّر، وذلك:
1. لعدم الدليل.
2. ولو كان لبان.