المسألة (67): محل التقليد ومورده هو الاحكام الفرعية العملية والظاهر أنّ وصف
الفرعية بالعملية توضيحي لا احترازي عن الفرعية الاُصولية: كتفاصيل القبر والقيامة، لانصراف الفرعية ـ في ألسن المتشرّعة ـ إلى العملية، كما لا يخفى.
وعليه: فلا يجري التقليد في أُصول الدين والمقصود بأُصول الدين هنا هو: الاُصول
الاصلية الخمسة أو الثلاثة، لا تفاصيل كلّ واحد منها: كتفاصيل كيفية صفات الله،
وعددها، وعدد الانبياء، وأسماء أُولي العزم منهم، وأسماء الائمّة الطاهرين،
وترتيبهم، وكيفية السؤال في القبر والقيامة، وغير ذلك من فروع هذه الاُصول، وذلك
للتسالم ظاهراً ـ كما قاله بعضهم ـ على عدم لزوم عقد القلب بها، ولا أقلّ من عدم
الدليل على الوجوب وهو كاف في المقام.
نعم، هنا كلام وهو أنّه هل يجوز عقد القلب بفروع وتفاصيل هذه الاُصول، والالتزام
بها دون حصول اليقين السمعي بها، أم لا ؟ احتمالان، بل قولان:
اختار الشيخ الانصاري (قدس سره) عدم جواز عقد القلب بها ما لم تثبت بقطع أو قطعي،
وهو إن لم يكن أقوى فلا ريب أنّه أحوط.
وأمّا الاُصول الخمسة نفسها: التوحيد ـ والعدل ـ والنبوّة ـ والامامة ـ والمعاد.
فالكلام فيها، وأطرافه، والاقوال، والنقض والابرام فيها طويل، وبما أنّه مذكور
في علم الكلام وفي كتب أُصول الفقه في مباحث حجّية الظنّ فنختصر الكلام عنها هنا
ونقول: إنّ التقليد في أُصول الدين على قسمين:
أحدهما: ما لا يفيد الجزم.
ثانيهما: ما يفيد الجزم.
أمّا القسم الاوّل: وهو التقليد في أُصول الدين إذا لم يوجب الجزم بها، فقد استدلّ على عدم كفايته بالادلّة الاربعة:
أمّا الكتاب: فكلّ الايات الذامّة للتقليد فإنّها في مقام أُصول الدين، وإن كانت
عامّة أو مطلقة فالمتيقّن منها أُصول الدين، كقوله تعالى ـ نقلاً عن الكفّار ـ: (إِنَّا
وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّة وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ)(1)
وغيرها.
وكذلك كثير من الايات، التي تتضمّن (أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ)(2) و (أَفَلاَ
تَتَفَكَّرُونَ)(3) ونحوهما من المضامين، وهي أيضاً إمّا خاصّة بأُصول الدين،
أو عامّة ومطلقة والمتيقّن منها أُصول الدين إذا لم يحصل الجزم.
وأمّا السنّة: فروايات كثيرة:
منها: ما عن الكافي عن الامام الصادق (عليه السلام): « من أخذ دينه من أفواه
الرجال أزالته الرجال »(4).
ومنها: قوله (عليه السلام) « إيّاكم والتقليد فإنّه من قلّد في دينه هلك، إنّ
الله تعالى يقول: ( اِتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ
دُونِ اللهِ )(5)»(6).
ومنها: ما في الكافي عن العالم (عليه السلام): « من دخل في الايمان بعلم ثبت فيه
ونفعه إيمانه، ومن دخل فيه بغير علم خرج منه كما دخل فيه »(7). إلى غير ذلك من
كثير الروايات.
وأمّا الاجماع: فقد ادّعاه جمع، منهم: العلاّمة في الباب الحادي عشر، والفاضل المقداد في شرحه، وعن المبادي، والشهيدين، وصاحب المعالم، وغيرهم.
وأمّا العقل: فلانّ أُصول الدين هي الاساس لسعادة الدنيا والاخرة، ويجب بناؤها
على المعرفة والعلم كي لا يكون معرضاً للزوال.
وقد ذكرت أدلّة أُخرى في المقام، وهي وإن ورد الخدش والنقض والكلام في معظمها،
غير أنّ مجموعها يوجب الاطمئنان إلى عدم كفاية التقليد إذا لم يوجب الجزم، فالظاهر
أنّ المسألة فيما لم يحصل الجزم من التقليد خالية عن الاشكال.
وأمّا القسم الثاني: وهو التقليد في أُصول الدين إذا أوجب الجزم بها: فقد ذُكر فيه خلاف شديد، وأقوال متعدّدة، والذي ينبغي أن يقال باختصار في المقام هو: أنّ الجزم مطلقاً كاف في الاُصول، سواء كان عن استدلال تفصيلي، أو إجمالي، أو تقليد، ويدلّ على ذلك: الكتاب، والسنّة، والسيرة، والعقل.
أمّا الكتاب الحكيم: فالتعليلات والتعقيبات المذكورة في القرآن الحكيم على مذمّة
الكفّار في تقليدهم، التي ظاهرها: أنّ الذمّ من أجل عدم العلم بها، أو الظنّ بها، أو مع ثبوت أنّ الحقّ بخلافهم ونحو ذلك، كقوله تعالى: (وَإِنْ تُطِعْ
أَكْثَرَ مَنْ فِي الاَْرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ
إِلاَّ الظَّنَّ)(8).
وقوله سبحانه: (مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْم إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ)(9).
وقوله عزّ من قائل: (إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّة وَإِنَّا عَلَى
آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ * قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ
عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ)(10).
إلى غيرها من الايات.
وأمّا السنّة الشريفة: فالروايات التي تصرّح بأنّ الدين: المعرفة، والتصديق،
والاعتقاد، ونحو ذلك، ولا شكّ في صدقها على الجازم ولو عن تقليد، لانّ الجزم
معرفة، وتصديق، واعتقاد.
ففي خبر عن الامام السجّاد (عليه السلام): « وجماعه (أي: الدين) أمران: أحدهما:
معرفة الله عزّوجلّ، والاخر: العمل برضوانه »(11).
وفي النهج: « أوّل الدين معرفته وكمال معرفته التصديق به »(12).
وأمّا السيرة: فقد استقرّت من زماننا إلى أزمنة المعصومين (عليهم السلام)، بين العلماء والفقهاء والمتديّنين، المتّخذة من عمل الرسول والائمّة الطاهرين صلوات
الله عليهم أجمعين، حيث لم يكونوا ليكلّفوا من أسلم أو آمن بالنظر والاستدلال،
وكانوا يعاملونه معاملة المسلم بمجرّد تفوّهه بالشهادتين وخضوعه للاسلام، وهذه
ثابتة بلا إشكال.
ويظهر ذلك بجلاء من ملاحظة الروايات الكثيرة في قبول إسلام من كانوا يدخلون في دين
الله أفواجاً، عشائر وأقواماً، رجالاً ونساءً، شباباً وصبياناً، حيث لم يكونوا
يؤمرون بالاستدلال.
بل الاعتبار يدلّ على ذلك فإنّ إسلام الكثير منهم كان بالعواطف لا بالعقل
والاستدلال، وربما يشير إلى ذلك قوله تعالى: (وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً
غَلِيظَالْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ)(13) كقصّة إسلام عثمان بن مظعون.
قال في مجمع البيان: « وجاءت الرواية أنّ عثمان بن مظعون قال: كنت أسلمت استحياءً
من رسول الله (صلى الله عليه وآله) لكثرة ما كان يعرض على الاسلام ولمّا يقرّ
الاسلام في قلبي »(14).
وأمّا العقل: فلانّ التكليف بالمعرفة إنّما هو لثبوت الاعتقاد ـ كما في الرواية
السابقة المروية في الكافي عن العالم (عليه السلام)(15)ـ ومع الجزم يكون الاعتقاد
ثابتاً، بل ربما يقال: إنّ تقسيم الاعتقاد إلى الجازم وغيره، يكشف عن أعمّية
الاعتقاد من الجزم.
ودعوى: أنّه ليس ثبوتاً قوياً، لكونه بمعرض الزوال بالاستدلال على خلافه.
مدفوعة: بأنّ النظر والاستدلال الاجمالي المكتفى به قطعاً بالاجماع المسلّم أيضاً
معرّض للزوال بالاستدلال الاقوى.
... وفي مسائل أُصول الفقه....
والحاصل: أنّ المدّعى كفاية الجزم ولو عن تقليد، لا مطلق التقليد ولو بلا
جزم.
وقد ذكر في المقام من الطرفين أدلّة أُخرى تنيف على العشرين نتركها للمفصّلات، مثل
القوانين والفصول وغيرهما، وهذا البحث محلّه علم الكلام وقد ذكر في أُصول الفقه
أيضاً.
و لا يجري التقليد في مسائل أُصول الفقه على مذهب الماتن (قدس سره)، ولكن في المسألة أقوال:
أحدها: ما ذكره الماتن، ووافقه جمع: مثل النائيني، والوالد، وابن العمّ ـ قدّس
الله تعالى أسرارهم ـ وغيرهم.
ثانيها: جريان التقليد فيها كجريانه في المسائل الفرعية، وإليه مال بعض مراجع
العصر، وبه صرّح شيخنا الحائري (قدس سره) تبعاً للمحقّق العراقي (رحمه الله).
ثالثها: التفصيل بين تمكّنه من الفحص عن المعارض ونحوه كبعض فضلاء طلاّب العلوم
الدينية، وبين غيره، فيجري في الاوّل دون الثاني.
رابعها: تفصيل المستمسك بين وقوع المسألة الاُصولية محلاً للابتلاء ولو بتوسّط
النذر ونحوه فيجري فيه التقليد، وبين غيره، فلا.
والظاهر: أنّ التفصيلين ليسا قولين مقابل القول الثاني، بل هما شرحان له، إذ لا
يظنّ بالقول الثاني إطلاق جواز التقليد حتّى إذا لم يتمكّن من التطبيق، أو لم يكن
محلاً للابتلاء، كما أنّه لا يبعد رجوع التفصيلين إلى واحد، إذ التمكّن والقدرة
من الشروط العقلية، العامّة لكلّ تكليف شرعي، فإدخاله في التفصيل الاوّل توضيح لا
تفصيل في الحقيقة.
إذن: فالاقوال في المسألة إثنان: عدم الجواز، والجواز.
مستند القول الاوّل: وهو عدم جريان التقليد في مسائل أُصول الفقه، ما يلي:
1. انصراف أدلّة التقليد إلى التقليد في الفروع دون مسائل أُصول الفقه.
وفيه أوّلاً: أنّ الانصراف غير محرز إن لم نقل بإحراز عدمه، كما سنذكره إن شاء
الله تعالى.
وثانياً: الانصراف إن تمّ فإنّما هو في الادلّة اللفظية، دون العقلية والعقلائية
ممّا لا لسان لها، خصوصاً وأنّ عمدة أدلّة التقليد هو بناء العقلاء ـ بل الفطرة
كما تقدّم في أوّل الكتاب ـ على رجوع الجاهل إلى العالم، ولا مسرح للانصراف في
مثله.
نعم قد يخدش فيه بأنّ بناء العقلاء لبّي، والمتيقّن منه غير ذلك، فتأمّل.
2. أنّ عناوين المسائل الاُصولية مختصّة بالمجتهد فلا تشمل العامي، فالمجتهد هو
الذي « بلغه ثواب على عمل » و « جاءه النبأ » في الموضوعات ونحو ذلك.
وفيه: لا دليل على هذا التخصيص إلاّ عدم تمكّن المقلّد وهو خارج عن المبحث وإنّما
البحث في المقلّد الذي تمكّن وفي المسائل التي تمكّن.
3. ما استدلّ به صاحب العروة في كتابه التعادل والتراجيح من الاجماع ـ على ما حكي
عنه ـ.
وفيه: أنّه منقوض كبرى عندهم، وصغرى عندنا، لعدم الاجماع بلا إشكال، فالمسألة
من المحدثات، ولذا قال الاخ تبعاً للعراقي وآخرين: « لا يبعد جريان التقليد فيها
» وكذا علّق الشريعتمداري وآخرون.
ونقض بعضهم على الماتن في إرجاعه العامي في بعض المسائل الاُصولية إلى المجتهد
كمسألة وجوب رجوع العامي إلى المجتهد في وجوب تقليد الاعلم وعدمه، ومسألة وجوب
الرجوع إلى المجتهد الحي في جواز البقاء وعدمه، وهما من مسائل أُصول الفقه، ولذا
يبحث عنهما في كتب الاُصول.
وأشكل عليه بعض الاجلّة: بأنّهما ليستا من مسائل أُصول الفقه، لعدم وجود ملاكها
فيهما، إذ ليس كلّ مسألة وقعت في طريق استنباط الحكم الشرعي الفرعي تعتبر من
الاُصول، وإنّما مسائل الاُصول هي التي تقع طريقاً للاستنباط.
وأنت خبير بأنّه ـ مضافاً إلى عدم وضوح الفرق الذي ذكره بين القسمين ـ أيّ فارق
دليلي مستند إلى الادلّة الشرعية بينهما ؟
ومستند القول الثاني: وهو جريان التقليد في مسائل أُصول الفقه، شمول إطلاقات
الادلّة عقليّها وعقلائيّها ونقليّها له، لمنع الانصراف المدّعى، وعدم فهم الفرق
في أداء الوظيفة الشرعية المتوقّفة على مقدّمتين:
إحداهما: معرفة أنّ الامر للوجوب ـ مثلاً ـ.
وثانيهما: معرفة أنّ هذا أمر من غير مانع كالتقية، وكالابتلاء بمعارض، وكضعف
السند ونحو ذلك.
بين، أن تكون كلتاهما بالاجتهاد، أو كلتاهما بالتقليد، أو إحداهما بالاجتهاد
والثانية بالتقليد، بعد حجّية كليهما في عرض واحد، كما هو المعروف الذي ذكرنا
تفصيله في المسألة الاُولى.
فمثلاً: لو سأل المقلّد عن مجتهده هل مقدّمة الواجب واجبة أم لا ؟ فأفتى له
بالوجوب، ثمّ استطاع ـ لكونه من أهل الفضل ـ من معرفة أنّ هذه مقدّمة الواجب،
فأيّ مانع في أن يعمل به بنيّة الوجوب ؟
وما يقال: من أنّ الاوصاف المذكورة في الروايات لمن يرجع إليه في التقليد، لا
تشمله مثل: « العالم » و « عرف حلالنا » و « الفقهاء » و « أهل الذكر » ونحوها.
ففيه: أنّ محلّ الكلام ليس تقليد هذا الشخص، وإنّما هو في جواز عمله لنفسه كما هو
ظاهر منع المتن، وتعليق المعلّقين عليه، فالكلام إنّما هو في جواز مراجعته إلى «
العالم » و « العارف بالاحكام » و « الفقيه » و « أهل الذكر » في وجوب مقدّمة
الواجب وعدمه، كجواز مراجعته لهم في أنّ هذا الحكم الفرعي واجب أم لا ؟
وأيّ مانع في الاوّل ليس في الثاني ؟
وأيّ انصراف يفهمه العرف عن الاوّل دون الثاني ؟
قال الشيخ مرتضى الحائري (رحمه الله): « لكنّه ـ أي الانصراف ـ خلاف الانصاف »(16).
وقال المحقّق العراقي (رحمه الله) في حاشيته على العروة هنا: « لا فرق في مرجعية
العالم للجاهل بالاحكام الشرعية العملية بين الفرعية والاُصولية بمقتضى الارتكاز »(17).
هذا كلّه على مبنى المشهور القائلين بأنّ التقليد في عرض الاجتهاد، أمّا إذا قلنا بأنّه في طوله، وإنّما يصار إلى التقليد عند الضرورة وعدم القدرة على التقليد ـ كما نسب إلى جمع من الاخباريين، وقد مضى بيانه في شرح المسألة الاُولى ـ فاللازم حينئذ التقليد في مسائل أُصول الفقه، لانّه بذلك يجتهد في تطبيق الكبرى التي قلّد فيها على الصغرى الخارجية، لانّ الضرورات تقدّر بقدرها كما لا يخفى، لكنّك خبير بأنّ المبنى غير تامّ كما تقدّم والله العالم.
وأمّا جواز تقليد مثل هذا الشخص الذي قلّد هو في الكبرى، ولكن اجتهد في تطبيقها
على الصغرى، فقد منع عنه البعض بشدّة مستدلاً بأنّ ظاهر: « العالم » و « العارف
بالاحكام » و « الفقيه » ونحوها، أو منصرفها: هو من كانت هذه الصفات فيه اجتهاداً
لا تقليداً، وببناء العقلاء على رجوع الجاهل إلى العالم باجتهاد، لا مثل هذا.
لكنّه قد يقال: بأنّه ممّا لا يساعد عليه العرف وهو ببابك، والمفروض في التقليد
الطريقية ـ كما أسلفنا ـ إلاّ ما ضيّق الشارع بالادلّة الخاصّة، كالعدالة ونحوها.
إلاّ أن يقال: إنّ هذا ليس تقليداً إلاّ لمن أخذ عنه الكبرى، لا لمن أخذ الكبرى
عن غيره، ثمّ طبّقها على الصغرى وأفتى.
وأمّا صدق المجتهد عليه أم لا، الذي بالغ بعض الشرّاح في نفيه، فإنّه ـ مضافاً إلى
عدم دوران الامر مدار صدق هذا اللفظ لعدم وروده إلاّ قليلاً في الاخبار كما أسلفناه
في شرح المسألة الاُولى، فلا يمنع عدم صدق المجتهد عليه من شيء شرعاً ـ لا مانع
منه، إذ الاجتهاد بمعنى المشقّة متّخذ من الجهد، وهو كسائر الصفات قابل للشدّة
والضعف، فالقادر على استنباط الكبرى، وعلى التطبيق على الصغرى مجتهد أقوى، والقادر
على الثاني فقط مجتهد بالمعنى الاصطلاحي لكنّه أضعف من الاوّل.
وأضعف ممّا ذكر: ما عن بعض من أنّ عناوين موضوعات المسائل الاُصولية مختصّة
بالمجتهد، فالمجتهد دون العامي هو الذي جاءه الحديثان، وجاءه النبأ، وأيقن بالحكم
الكلّي وشكّ فيه وإلى آخره، وذلك: لعدم الدليل على هذا التخصيص بعد عموم الادلّة
وإطلاقها إلاّ دعوى عدم تمكّن المقلّد من ذلك، وهذه الدعوى خروج عن محلّ البحث.
وما قيل: من الاجمال وعدم الاطلاق في أدلّة التقليد، فيكون المتيقّن منها المجتهد
في الكبرى والصغرى جميعاً.
ففيه: أنّ المعيّن للاجمال والاطلاق هو أهل المحاورة، ولا نراهم يعتبرون
... ولا في مبادئ الاستنباط من النحو والصرف ونحوهما....
مثل قول الله تعالى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ) وقوله (عليه السلام): «
أمّا من كان من الفقهاء » و « عرف حلالنا وحرامنا » و « عرف شيئاً من قضايانا » إلى
غيرها، مجملات، بل هي من المطلقات نظير غيرها في غير المقام.
والحاصل: أنّ الظاهر جريان التقليد في مسائل أُصول الفقه ممّا يرتبط بالعمل نظير
جريانه في المسائل الفرعية وفاقاً لجمع من مراجع العصر تبعاً لجمع آخر ممّن
تقدّمهم.
وأمّا القولان: الثالث والرابع، وهما التفصيلان: الاوّل والثاني في جريان التقليد في مسائل أُصول الفقه، فقد تقدّم أنّهما ـ بالنتيجة ـ ليسا تفصيلاً في المسألة، كما ظهر ممّا تقدّم أيضاً أنّه يجوز أخذ المسائل من هذا المقلّد في أُصول الفقه، لكنّه في الحقيقة تقليد للمرجع عن هذا الطريق، لا إنّه تقليد لهذا المقلّد.
ولا يجري التقليد أيضاً في مبادئ الاستنباط من النحو والصرف ونحوهما كالبلاغة.
فإن كان المراد بذلك: تقليد العامي للعالم البلاغي والنحوي والصرفي ونحوهم، فالكلام
في محلّه، ولذا قال المستمسك: « لا مجال للتقليد فيها لخروجها عن محلّ الابتلاء
بالنسبة إلى العامي ».
والظاهر عدم الاشكال فيه، والادلّة التي ستذكر كافية فيه.
وإن كان المراد بذلك: أنّ الفقيه في الاحكام الشرعية يجب عليه الاستنباط في
البلاغة وغيرها من مبادئ الاستنباط ولا يجوز له التقليد فيها، كما في التنقيح: «وهل يجوز للمجتهد أن يقلّد عالماً من علماء الادب أو الرجال في شيء من القواعد...
الصحيح عدم جريان التقليد في تلك الاُمور».
فهو في غير محلّه وظاهر بعض الادلّة أنّ مرادهم الثاني.
استدلّ للمنع من جريان التقليد في مبادئ الاستنباط بوجوه:
الاوّل: إنصراف أدلّة التقليد عن مثلها، ولا أقلّ من كونها مطلقة والمتيقّن منها
الاحكام الشرعية فلا ظهور لها في الاطلاق من جهة غير الاحكام الشرعية.
الثاني: أصالة التعيين لو دار الامر بينه وبين من اجتهد في المبادئ أيضاً.
الثالث: ثبوت التقليد إنّما هو بالسيرة والكتاب والسنّة، ولا يشمل شيء منها مبادئ
الاستنباط.
أمّا الكتاب: فمثل قوله تعالى: (لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ)(18) ونحوه،
وليس معرفة القاعدة الادبية أو معرفة حال راو أنّه ثقة أم لا من الدين.
وأمّا السنّة: فالمستفاد منها جريان التقليد فيما يرجع إلى الحلال والحرام ومعالم
الدين ونحوهما وليست القواعد الادبية منها.
وأمّا السيرة: فإنّها وإن جرت على رجوع أي جاهل إلى العالم بما يجهله إلاّ أنّها
في الاُمور غير الحسية، المحتاجة إلى التدقيق والاستدلال. وأمّا الحسية فيمنع
وجودها فيها، كموت زيد، وولادة ابنه، فلانّه لا سيرة في الرجوع إلى العالم بهما
تعبّداً ومبادئ الاستنباط من الاُمور الحسية وهذا هو الدليل الوحيد الذي ذكره
بعضهم.
هذه هي عمدة ما ذكروه في مقام المنع عن جريان التقليد في مبادئ الاستنباط، لكن قد أشكل في ذلك كلّه:
أمّا الاوّل: وهو انصراف أدلّة التقليد عن جريانه في مبادئ الاستنباط، فيرد عليه:
1. انصراف الادلّة لا يساعد عليه العرف كما مرّ، وإطلاقها مسلّم ولا إجمال فيها
حتّى يؤخذ بالمتيقّن، ولو فتحنا بابي: الانصراف، والاجمال، في المطلقات لم يسلم
غالباً الاطلاقات، لورود مثل هذه الاحتمالات في كثير من الاطلاقات، فالاعتماد على
الاطلاق يعود مسلوباً.
2. إنّ العمدة بناء العقلاء وهو لبّي.
وأمّا الثاني: وهو أصالة التعيين فيما لو دار الامر بينه وبين من اجتهد في المبادئ أيضاً، ففيه: ـ مضافاً إلى أصالة عدم الاشتراط إن وصلت النوبة إلى الاصل العملي وهو سببي ـ أنّ محل الكلام هو: أنّ المجتهد في الاحكام الشرعية هل يجوز له التقليد في مبادئ الاستنباط، أم يجب فيها أيضاً الاجتهاد ؟ وليس الكلام الان في جواز تقليد مثل هذا المجتهد مع وجود الافضل بالاجتهاد في المبادئ.
وأمّا الثالث: وهو ثبوت التقليد بالكتاب والسنّة والسيرة، ولا يشمل شيء منها مبادئ الاستنباط، ففيه: شمول الكتاب والسنّة وسيرة العقلاء للتقليد في المبادئ ظاهر.
أمّا الكتاب: فأوّلاً: قوله تعالى: (لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ)(19)
فنسأل: أليس استطراق باب اللغة لفهم « الصعيد » حتّى يترتّب عليه جواز التيمّم
بأيّ شيء، تفقّهاً في الدين ؟
أوليس استطراق باب الرجال لمعرفة أنّ السكوني يسكن إليه أم لا، حتّى يترتّب عليه
حجّية أخباره أم لا، تفقّهاً في الدين ؟
نعم، هذا كلّه وأشباهه تفقّه في الدين.
وثانياً: الاية الشريفة المذكورة إن كانت لا تدلّ فالايات الاُخر تدلّ مثل: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ)(20)
فإن سأل الشيخ الطوسي أُستاذه الشيخ المفيد: عن وثاقة راو، ألا يكون ذلك مصداقاً
للاية الكريمة ؟
وأمّا السنّة: فيقال: إنّ ما يرجع إلى الحلال والحرام، ومعالم الدين ونحو ذلك يندرج فيها مبادئ فهمها، كما تشمل صغرياتها بلا تفريق بينهما في نظر العرف، وإن اختلفت بالاهمية والمهمّية.
وأمّا السيرة: فنسأل: ما المراد منها ؟ هل المراد: السيرة العقلائية أو المتشرّعية ؟
1. فإن أُريد من السيرة: السيرة العقلائية ـ وظاهرها ذلك ـ فهي على الرجوع فيها إلى
علماء الادب واللغة والرجال، لانّها حدسيات لاحتياجها إلى النقاش والبحث، ولذا لا
يرجع إلى هذه العلوم في المسلّمات، كوثاقة زرارة وأبي ذرّ الثابت بالتواتر، بل في
المشكوكات وهي من الحدس بمكان وليس حسّياً، وإن كان بنتيجتها حسّياً.
والتمثيل: بموت زيد، وولادة ابنه خارج عمّا نحن فيه.
نعم، إذا نقل موت زيد قبل ولادة ابنه واختلف فيه، صار أمراً حدسياً، لتمامية رواية
ابنه عنه وعدمها.
ولا يخفى: أنّ الاُمور الحسّية هي التي كان الحسّ ـ الحواس الخمس ـ سبباً لها،
كالمبصرات ونحوها بدون دخل العقل. أمّا ما كان الحسّ فيها مقدّمةً لحكم العقل فهي
حدسيات، وما نحن فيه ـ من الرجال واللغة ونحوها ـ من الحدسيات لذلك.
ثمّ إنّه إن قلنا بأنّها حسيات فلا يجدي حجّية قول الثقة في الحسيات، للزوم احتمال
حسيته وما نحن فيه معلوم حدسيته، فتأمّل.
وربما ينقض على صاحب العروة ـ وأمثاله ـ بذكره أحكام لغوية في العروة في أبواب
القراءة والذكر والاذان والاقامة وصيغ العقود ونحوها: من الادغام والمدّ والتوقّف
على الحركة والوصل بالسكون وغيرها.
مثلاً: في مبطلات الصلاة قال في العروة: « السادس: تعمّد القهقهة والصحيح: أنّ
القهقهة لا تنقض الوضوء وتنقض الصلاة ولو اضطراراً وهي الضحك المشتمل على الصوت
والمدّ والترجيع، بل مطلق الصوت على الاحوط »(21).
وفصّل في المستمسك: بين ما يقع في طريق الاستنباط من مسائل اللغة ونحوها فلا تقليد
فيها، وبين ما يكون موضوعاً لتشخيص الامتثال كمسائل القراءة ونحوها فيصحّ التقليد
فيها.
وفيه: الفرق غير ظاهر بعد ما يلي:
أ ـ صغرى: وهي أنّها كلّها حدسيات.
ب ـ وكبرى التقليد في الحدسيات بناء العقلاء.
جـ ـ مع أنّ الاوّل سبب للثاني، فكلّ ما يقع في طريق الاستنباط يكون موضوعاً لتشخيص
الامتثال.
2. وإن أُريد من السيرة: سيرة المتشرّعة من فقهاء وعوام، فلا إشكال في رجوعهم إلى
العالم باللغة ونحوها.
أمّا العوام: فظاهر رجوعهم إلى مراجعهم في كلّ ذلك.
وأمّا الفقهاء: فدونك كتبهم الاستدلالية، فإنّهم يستدلّون بأقوال اللغويين استناداً
لا نقلاً فقط وإليك نماذج:
قال الشيخ (قدس سره) في بيان أنّ النيّة هي مجرّد الداعي لا أكثر: « ثمّ النيّة...
إرادة الشيء والعزم عليه والقصد إليه، ففي الصحاح: نويت كذا إذا عزمت عليه »(22)
لبيان كفاية الداعي وعدم لزوم الاخطار ونحوه.
وقال في الصلاة: « والسهو ـ كما في الصحاح ـ الغفلة... »(23).
وقال (قدس سره) في وجوب تأخّر المأموم عن الامام: « فإنّ المشهور بين من تأخّر عن
العلاّمة (قدس سره) ـ وفاقاً له ـ أنّ المراد بها أي: المتابعة عدم التقدّم
المجامع للمقارنة، وهذا المعنى مخالف لظاهر النبوي إنّما جعل الامام إماماً ليؤتمّ
به من جهة أنّ الائتمام بمعنى الاقتداء ـ كما في الصحاح ـ وهو لا يتحقّق إلاّ
بالتأخّر »(24).
وممّا يدلّ على جواز التقليد في مبادئ الاستنباط ما ذكره جمع من المحقّقين ـ منهم:
النائيني والحائري والاصفهاني « السيّد » والبروجردي والوالد وابن العمّ والميلاني
والقمّي « الاب » وكاشف الغطاء (قدس سرهم) وآخرون ـ من جريان التقليد فيها
لاستتباعها للحكم الشرعي.
قال النائيني: « الموضوع المستنبط، ككون الصعيد هو التراب الخالص أو مطلق وجه الارض
وإن لم يكن بنفسه مورداً للتقليد ولكنّه باستتباعه الحكم الشرعي الذي هو جواز
التيمّم ونحوه يكون مورداً له ».
وقال البروجردي: « الاقوى جواز التقليد في الموضوع المستنبط مطلقاً، لانّه راجع إلى
التقليد في نفس الحكم ».
وقال السيّد الاصفهاني: « الظاهر جريانه فيها ».
أمّا مثال مبادئ الاستنباط: فكالواو يعطف مطلقاً، ولا دلالة فيه على سبق أو لحوق،
قال ابن مالك:
« واعطف بواو سابقاً أو لاحقاً في الحكم، أو مصاحباً موافقاً »
وثمّ والفاء يدلاّن على الترتيب كما قال ابن مالك أيضاً:
« والفاء للترتيب باتّصال وثمّ للترتيب بانفصال »
ويبني على ذلك الفقهاء في الفقه، مثل الشكّ بين الاثنين والثلاث والاربع، إذ في
الرواية: « يصلّي ركعتين من قيام ثمّ يسلّم ثمّ يصلّي ركعتين وهو جالس »(25) فأفتى
الكثير لاجل « ثمّ » بتقديم الركعتين.
والواو في الصلاة على الميّت بعد التكفين، حيث ذهب البعض إلى عدم الترتيب، والمشهور
استدلّوا بالاجماع وصرّحوا بعدم دلالة الواو على الترتيب، وهكذا.
وأمّا مثال الموضوع المستنبط العرفي: فكالغناء.
وأمّا مثال الموضوع المستنبط اللغوي: فكالصعيد.
... ولا في الموضوعات المستنبطة العرفية أو اللغوية....
ولذا قال الاخ الاكبر (قدس سره) في الحاشية عند قول الماتن: « فلا يجري التقليد...
وفي مسائل أُصول الفقه » قال: « لا يبعد جريان التقليد فيها وفي ما ذكر بعدها ».
والحاصل: أنّ القواعد النحوية، والصرفية، وغيرها إن كانت دخيلة في استنباط الحكم
الشرعي بمعنى اختلاف الحكم باختلافها فلا مانع من شمول أدلّة التقليد لها، وإن لم
تكن دخيلة في ذلك فليست من مبادئ الاستنباط.
ولا يجري التقليد في الموضوعات المستنبطة العرفية أو اللغوية والمراد بها هي الالفاظ التي اختلف العرف أو اللغة في تفسيرها، أو كان معانيها غير واضحة لديهم، بحيث يحتاج فهمها إلى تأمّل وتتبّع واستنباط، ولعلّهما متلازمان غالباً لا دائماً، كالوطن، والانية، والغناء، والصعيد، والقُرء، ونحو ذلك.
والفرق بين الموضوعات المستنبطة العرفية واللغوية: أنّ مثل: الوطن، والانية، يجب ملاحظة المتفاهم العرفي فيه فيحمل عليه الحكم الشرعي، ومثل: الصعيد، والقُرء، يجب ملاحظة معناه اللغوي كي يحمل عليه الحكم الشرعي.
وأمّا الفرق بين المستنبط من الموضوعات والصرفة منها، فهو: أنّ الموضوع المبيّن
غالباً عند العرف كالماء، والخمر، والبول، والتراب ونحوها يطلق عليها اسم الموضوعات
الصرفة، لانّها صرف الموضوع فقط دون حاجة إلى الاستنباط في فهم معناها.
نعم، هناك لكلّ موضوع صرف أفراد مشكوكة، ولكن لا من جهة الجهل بمعنى الموضوع، بل من
جهة اشتباه الاُمور الخارجية، كاشتباه النجس بين انائين، وهذا نظير ذاك ولا يوجب
مثل ذلك تسميتها بالمستنبطة، لانّها بما هي ليست مستنبطة.
وأمّا الموضوع المجهول معناه غالباً عند العرف، الذي يحتاج فهمه إلى استطراق خواص
العرف الواقفين بمقدار معتدّ به من المحاورات المختلفة التي استعمل فيها هذه اللفظة
ـ مثلاً ـ أو يحتاج في فهمه إلى استطراق باب اللغة فهذا يسمّى بالموضوع المستنبط.
وفسّر المستنبط أيضاً بما اختلف فيه اللغة أو العرف، والموضوع الصرف هو ما لم يختلف
فيه، ولعلّ النقاش لفظي، للتلازم غالباً بين مواردهما وإن لم يكن دائماً، كما تقدّم
آنفاً.
وقد أشكل معظم المحشّين على العروة من مراجع العصر ومن تقدّمهم على هذه الفقرة، بالقول: بالتقليد في الموضوعات المستنبطة، أو المستتبع منها للحكم الشرعي، أو لاستتباعهما للحكم الشرعي، على اختلاف تعبيراتهم وإن كان الظاهر وحدة المقصود في كلّها. ولم يسكت على المتن سوى القليل.
استدلّ للمتن: بأنّه لا فرق في الموضوع بين المستنبط وغيره، إلاّ في أنّ المستنبط فيه نوع من الابهام دون الصرف، وما دام الشارع ذكر الحكم، وأوكل فهم الموضوع إلى العرف، كان فهمه حجّة فيه مطلقاً، فشأن الفقيه أن يقول: الغناء حرام، والوطن يجب فيه التمام، والصعيد يجب التيمّم به ونحو ذلك، أمّا ما هو الغناء، والوطن، والصعيد فليس شأن الفقيه، ولو عيّنه لم يكن تعيينه حجّة خاصّة ـ من حيث هو مرجع تقليد ـ على المقلّد إلاّ من باب الوثاقة به والاطمئنان إليه بمقدارهما، نظير قول غيره ممّن يوثق بكلامه أو يطمئن إليه.
واستدلّ للمستشكلين: بأنّ الموضوعات المستنبطة من جهة استتباعها للحكم الشرعي،
واختلاف الحكم الشرعي بسبب اختلاف النظر فيها تكون مورداً للتقليد، ولا مانع من
شمول إطلاق أدلّة التقليد لها نظير شمولها للاحكام فقوله تعالى: (فَاسْأَلُوا
أَهْلَ الذِّكْرِ)(26) وقوله (عليه السلام): « فللعوام أن يقلّدوه »(27)
ونحوهما، غير آبية عن الشمول لمثلها.
قال المحقّق النائيني (قدس سره) في تعليقه على المتن هنا: « الموضوع المستنبط ككون
الصعيد هو التراب الخالص أو مطلق وجه الارض وإن لم يكن بنفسه مورداً للتقليد ولكنّه
باستتباعه للحكم الشرعي الذي هو جواز التيمّم ونحوه يكون مورداً له ».
وردّ بعض الشرّاح الخلاف بين المتن ومعظم المعلّقين: بأنّه أشبه باللفظي، إذ مرجع
الخلاف إلى أنّ الشكّ في الموضوع كما عليه المصنّف، أم في الحكم كما عليه
المعلّقون.
لكن تسميته ذلك لفظياً في غير محلّه.
وطالب بعض من وافق المتن بالفارق بين الموضوعين: المستنبط والصرف، مع أنّ كليهما
مستتبع للحكم الشرعي، والخلاف فيه يوجب الخلاف في الحكم الشرعي.
فالخلاف في أنّ هذا المايع خمر أم لا يستتبع الخلاف في أنّه حلال أم حرام، وكذا
الخلاف في أنّ هذه غناء أم لا يستتبع الخلاف في أنّها محرّمة أم لا، حتّى قال
بعضهم: « فلا فرق بين الماء والصلاة، فإنّه يجوز أن يكون المطهّر ماءً خاصّاً...
ويجوز أن يكون الواجب عنوان الصلاة العرفية من غير دخالة الشرع رأساً ».
لكن الانصاف هو أن يقال: أنّ الفارق بين الموضوعين يرجع إلى أنّ العرف والعقلاء
يرون الخلاف في المستنبط خلافاً في الحكم، ولا يرون الخلاف في الموضوع الصرف خلافاً
في الحكم، فيصدق في صورة الخلاف في أنّ الغناء هل هو مطلق الترجيع، أم المطرب منه
فقط أنّ المسألة والحكم محلّ خلاف، ولا يصدق في الخلاف في أنّ هذا المايع ماء أم لا
أنّ المسألة والحكم محلّ خلاف، وكفى به فارقاً.
هذا ولو وصلت النوبة إلى الشكّ والاُصول العملية، وذلك بأن شككنا في أنّ الموضوع
المستنبط يجب فيه التقليد أم لا، كان مقتضى القاعدة صحّة التقليد فيه من جهة أنّ
التقليد أمر عام، خرج عنه بالقطع واليقين الموضوع الصرف للانصراف عنه أو لعدم عموم
أدلّته اللفظية له مثل: « عرف أحكامنا » و « أما من كان من الفقهاء » و « رواة
أحاديثنا » ونحو ذلك، فيبقى الباقي.
إلاّ إذا رجع الامر إلى الشكّ في سعة وضيق الجعل، والشكّ في أصل التكليف بالتقليد
في المستنبط من الموضوعات، وبما أنّه تكليف زائد يرفع بالبراءة العقلية والشرعية.
لكن الظاهر أنّ الامر لا يرجع إلى الشكّ في سعة وضيق الجعل، لاطلاق أدلّة التقليد
بعد خروجه عن عمومات وإطلاقات ذمّ أصل التقليد: بالفرق بين عوام الشيعة وعوام
اليهود.
اللهمّ إلاّ أن يقال لقصور الادلّة عن الشمول، أمّا لفظيّها فلانّها ليست في مقام
البيان من هذه الجهة بل هي في مقام أصل تشريع التقليد ـ كما صرّح به بعضهم ـ وأمّا
بناء العقلاء فهو فيما أحرز كون المرجع خبيراً وعالماً بالنسبة للمقلّد ومع الشكّ
لا موضوع محرز كالشكّ في كونه مجتهداً ونحوه، فتأمّل.
وربما استدلّ للتقليد في الموضوع المستنبط بأصل التعيين.
لكنّه محلّ إشكال إذ قد يكون الدوران بين تعيينين، فيما إذا أدّى نظر المقلّد إلى
عدم صدق الوطن، وأدّى نظر مجتهده إلى الصدق أو العكس، والامر حينئذ مشكل أن نقول
للمقلّد المتيقّن بأنّ محلّه لا يصدق عليه الوطن ومع ذلك يؤمر باتمام الصلاة،
والصوم ونحو ذلك، وكذا العكس، مع انطباق الكبرى الشرعية على الصغرى الخارجية ضروري
كما لا يخفى، والله العالم.
... ولا في الموضوعات الصرفة، فلو شكّ المقلّد في مايع أنّه خمر أو خلّ ـ مثلاً
ـ وقال المجتهد: إنّه خمر، لا يجوز له تقليده، نعم من حيث إنّه مخبر عادل يقبل
قوله، كما في إخبار العامي العادل وهكذا....
ولا يجري التقليد ـ بالمعنى الاصطلاحي الشرعي ـ بالاجماع قطعاً في الموضوعات
الصرفة مثل أنّ هذا ماء، أو خمر، أو تراب، أو بول، أو نحو ذلك فلو شكّ المقلّد في
مايع أنّه خمر أو خلّ ـ مثلاً ـ وقال المجتهد: إنّه خمر، لا يجوز له تقليده أي: لا
ينفذ له أمره بوجوب الاجتناب عنه.
نعم من حيث أنّه مخبر عادل يقبل قوله كما في إخبار العامي العادل الذي تقدّم رجحان
حجّية قوله في الموضوعات أيضاً وهكذا بقيّة الموضوعات الصرفة.
هنا مطلبان ينبغي الاشارة إليهما:
الاوّل: عدم جريان التقليد في الموضوعات الصرفة، وذلك فيما كان واضحاً من الموضوعات
لا إشكال فيه، كالماء، والتراب ونحو ذلك.
وأمّا إذا شكّ في بعض مصاديق الموضوع الصرف، ولم يكن واضحاً للجميع، فهل لا يجري
التقليد فيها، فيدور أمر المقلّد بين الاجتهاد وبين الاحتياط، هذا ظاهر عبارة
العروة والمعظم الساكتين عليها، أم يجري التقليد فيها، كما صرّح به الاخ الاكبر
في موسوعة الفقه، وأشار إليه في الحاشية ؟
ربما يقال بالثاني، وذلك لبناء العقلاء على رجوع الجاهل إلى العالم حتّى في الموضوع
الصرف إذا لم يكن واضحاً لديه.
ويؤيّده: ذكر الفقهاء تحديد الموضوعات الصرفة أحياناً في موارد الشكّ ـ سواء كان
الشكّ في مفهوم الموضوع أو مصداقه ـ مثل: ماء البحر في مفهوميته، والمياه الزاجية
والكبريتية في المصداق، وكذا الميقات وحدود منى وعرفات والمشعر والحائر ونحوها،
من الموضوعات الصرفة التي لها أحكام شرعية وليس التقليد الاخذ بقول الغير بلا دليل
تفصيلي ؟
وإليك نماذج لذلك:
قال في الخلاف: « يجوز التوضّي بماء البحر مع وجود غيره من المياه ومع عدمه »(28).
وفي صحيح معاوية بن عمّار عن الامام الصادق (عليه السلام): « يجزيك إذا لم تعرف
العقيق أن تسأل الناس والاعراب عن ذلك »(29).
وصحيح حفص بن البختري، عن الامام الصادق (عليه السلام): « أنّه قال لبعض ولده:
هل سعيت في وادي محسّر ؟ فقال: لا، قال: فأمره أن يرجع حتّى يسعى، قال: فقال
له ابنه: لا أعرفه، فقال له: سل الناس »(30).
الثاني: هل العادل الواحد يقبل قوله في الموضوعات ؟
فيه خلاف، وقد اضطربت كلمات جمع من الاعاظم، ومنهم: صاحب العروة حيث نفى الحجّية
أحياناً، وأثبتها أحياناً، وجعلها مردّدة ثالثة:
نعم، لقد اختلف كلام صاحب العروة في حجّية قول العدل الواحد في الموضوعات إلى
ثلاثة أقوال: نفي وإثبات وتردّد:
1. فمن نفي الحجّية قوله (قدس سره): « إذا وكّلا وكيلاً في اجراء الصيغة في زمان
معيّن لا يجوز لهما المقاربة بعد مضي ذلك الزمان إلاّ إذا حصل لهما العلم بإيقاعه،
ولا يكفي الظنّ بذلك، وإن حصل من إخبار مخبر بذلك، وإن كان ثقة »(31).
2. ومن إثبات الحجّية قوله (قدس سره): « فتوى المجتهد يُعلم بأحد أُمور...
الثالث إخبار عدل واحد »(32).
وفي ما نحن فيه قوله (قدس سره): « نعم، من حيث إنّه مخبر عادل يقبل قوله »(33).
وفي الزكاة قوله (قدس سره): « يجوز للساعي... خرص ثمر النخل والكرم... بل الاقوى
جوازه من المالك بنفسه إذا كان من أهل الخبرة، أو بغيره من عدل أو عدلين »(34).
3. ومن الاشكال في الحجّية في المطهّرات قوله (قدس سره): « وفي خبر العدل الواحد
إشكال »(35).
وقوله (قدس سره): « السابع: إخبار العدل الواحد عند بعضهم لكنّه مشكل »(36).
وفي صلاة المسافر قوله (قدس سره): « تثبت المسافة بالعلم... وفي ثبوتها بالعدل
الواحد إشكال »(37).
وفي وقت الصلاة قوله (قدس سره): « يجوز الاعتماد على شهادة العدلين على الاقوى...
وأمّا كفاية شهادة العدل الواحد فمحلّ إشكال »(38).
وفي الاعتكاف قوله (قدس سره): « لابدّ من ثبوت كونه مسجداً وجامعاً... وفي كفاية
خبر العدل الواحد إشكال »(39).
وفي الصوم قوله (قدس سره): « ولو شهد عدل واحد بالطلوع أو الغروب فالاحوط ترك
المفطر عملاً بالاحتياط، للاشكال في حجّية خبر العدل الواحد وعدم حجّيته »(40).
وهكذا الشيخ الانصاري (قدس سره) فقد اختلفت كلماته في ذلك بين إثبات ونفي:
1. فمن إثباته الحجّية قوله (قدس سره): « وهل يثبت أي كونه عادلاً بشهادة عدل
واحد ؟ الاقوى نعم »(41).
2. ومن الاشكال فيها قوله (قدس سره): « وأمّا غير هذه الارض ممّا ذكر أو اشتهر
... وأمّا الموضوعات المستنبطة الشرعية كالصلاة والصوم ونحوهما فيجري التقليد فيها
كالاحكام العملية.
فتحها عنوة، فإن أخبر به عدلان يحتمل حصول العلم لهما من السماع، أو الظنّ
المتاخم من الشياع، أخذ به، على تأمّل في الاخير كما في العدل والواحد »(42).
وأمّا الموضوعات المستنبطة الشرعية كالصلاة والصوم ونحوهما فيجري التقليد فيها
كالاحكام العملية بلا خلاف ولا إشكال، لانّ الشارع هو الذي اخترعها فيجب استطراق
بابه فيها، وبابه هو مرجع التقليد.
ذكر البعض عدم جريان التقليد في أُمور أُخرى نذكرها تتميماً للفائدة.
أحدها: أن يعلم خطأ المجتهد، كما إذا أفتى بوجوب السورة في الصلاة وعلم المقلّد أنّ
نظره ليس ذلك وإنّما أخطأ وسهى، وذلك: إمّا لكون المقلّد من تلاميذه مثلاً ويعرف
مذاقه في الفتوى، وإمّا لغير ذلك.
وعليه: فإنّه حينئذ لا يجب بل لا يجوز له العمل بهذه الفتوى، لانّها ليست فتوى في
الواقع، بل تخيّل فتوى، وليس العمل بها مع العلم بخطأ المجتهد تقليداً، ولا رجوعاً
إلى أهل الذكر، للانصراف القطعي عن مثل ذلك.
وهذا لا إشكال فيه كما لا خلاف على الظاهر.
ثانيها: أن يعلم المقلّد خطأ المجتهد في الحكم، أو المستند.
كما إذا كان المقلّد عالماً بالرجال، وأفتى المجتهد استناداً إلى رواية باعتبارها
صحيحة وعلم المقلّد أنّها ضعيفة، أو كان عالماً باللغة وأفتى المجتهد بوجوب كون
التيمّم بالتراب الخالص معتقداً أنّه معنى الصعيد، والمقلّد يعلم أنّ الصعيد مطلق
وجه الارض، أو نحو ذلك.
والظاهر في ذلك وفاقاً لجمع، بل ربما نسب إلى الشهرة: عدم جريان التقليد في ذلك،
لانصراف الادلّة عن مثله، وهو واضح، لانّه في مورد الخطأ ليس عالماً، وقد تقدّم
أنّه: « إذا أخطأ المجتهد في بيان فتواه يجب عليه الاعلام »(43) والتقليد محلّه
ومورده وظرفه الشكّ فإذا علم الخلاف فلا تقليد.
واستظهر البعض عن الشيخ الانصاري (قدس سره) في رسائله: جواز التقليد وإن علم خطأ
المجتهد في مستنده، وقد مضى شطر من الكلام في ذلك عند شرح المسألة السابعة والخمسين
في الفرق بين (الحكم) و (الفتوى).
ثالثها: الاحكام الجزئية في الموارد الخاصّة الخارجية، كطهارة زيد، ونجاسة ثوبه،
وجنابته ونحو ذلك.
والوجه فيه ظاهر، فإنّ ظاهر بناء العقلاء في رجوع الجاهل إلى العالم رجوعه إليه في
الكبرى، لانّها هي التي يكون انصراف العالم إليها، دون الصغريات، وكذا الادلّة
اللفظية، فالعارف للحلال والحرام، ولشيء من قضاياهم، ونحوهما، ظاهرة في الاحكام
الكلّية، فالاحكام الجزئية شأنها شأن الموضوعات الصرفة، لكنّا نجد الفقهاء مكرّراً
يذكرون الاحكام الجزئية أيضاً وإليك نماذج:
1. في توضيح المسائل والرسائل الفارسية ما ترجمته بالعربية: « الاسبرتو طاهر » أو «
الاسبرتو نجس ».
وفي المسائل الاسلامية والرسائل العربية: « الكحول طاهر » أو « الكحول نجس ».
2. وفي العروة الوثقى: « الاقوى جواز الصلاة في المشكوك كونه من المأكول أو من
غيره، فعلى هذا لا بأس بالصلاة في الماهوت »(44).
حتّى أنّ لابن الحاج الكلباسي ـ الميرزا أبي المعالي ـ رسالة خاصّة في الصلاة في
الماهوت(45).
3. وفي العروة الوثقى أيضاً: « يجوز أكل الزبيب والكشمش والتمر في الامراق
والطبيخ وإن غلت فيجوز أكلها بأي كيفية كانت على الاقوى »(46).
4. وفي العروة الوثقى أيضاً: « ماء الشعير الذي يستعمله الاطباء في معالجاتهم ليس
من الفقّاع فهو طاهر حلال »(47) ونحو ذلك.
وهذا يكشف عن أنّ البناء العقلائي ـ في رجوع الجاهل إلى العالم ـ على الاعمّ من
الحدسيات.
إن قلت: لقد ذكر ذلك وأمثاله الفقهاء ليحصل العلم للعوام، وعمل العوام إنّما هو
لحصول العلم لهم.
قلت: فيه نقضاً: بنفس الاشكال في الاحكام الكلّية، بأن يقال: عمل العوام بقول
المجتهد في الاحكام لحصول العلم لهم عادة. حتّى أنّه مع ظهور قوله تعالى: (فَاسْأَلُوا
أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ)(48) ـ بلحاظ الذيل ـ لكي
تعلموا، ومع ذلك استدلّوا بها لرجوع الجاهل إلى العالم وحجّية قول المجتهد للمقلّد.
وحلاً: بما تقدّم من أنّ بناء العقلاء في الاعمّ من الحسيات.
إن قلت: قد يكون المقلّد أعلم من المجتهد في ذلك.
قلت: كذلك في الحدسيات، لكن العدد في الحسيات أكثر، وفي موارد علم المقلّد يعمل
بعلمه كما لا يخفى.
قال فخر المحقّقين في إيضاحه: « وقوله تعالى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ
إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ)، أوجب التعلّم بالتقليد فلا يعذر أي: العامي
»(49).
رابعها: ما ثبت من الاحكام عند المقلّد بطريق معتبر غير التقليد فإنّه لا يجوز له
التقليد فيها.
فمثلاً: لو قلّد شخصاً يرى جواز التجزّي في الاجتهاد، وأدّى نظر المقلّد في مسألة
ما إلى خلاف نظر مجتهده، فإنّه لا يجوز له التقليد في تلك المسألة من المجتهد، وذلك
لانصراف الادلّة عن مثله، ولبناء العقلاء على رجوع الجاهل إلى العالم، وهذا المجتهد
في هذه المسألة بالخصوص بنظر المقلّد جاهل بالحكم ويرى نفسه هو العالم بالحكم.
بل قد ذهب البعض إلى وجوب عمل المقلّد بنظر نفسه إذا اجتهد في مسألة وإن كان فتوى
مجتهده عدم تجزّي الاجتهاد، لانصراف أدلّة التقليد عن مثله في المورد، وانصراف
أدلّة تقليد المجتهد عن مثل هذه المسألة، وليس ببعيد.
خامسها: ما علم عدم فتوى المجتهد به بالفعل، وله موردان:
الاوّل: إذا علم عدوله عن الفتوى الاُولى فإنّه لا يجوز للمقلّد العمل بالفتوى
الاُولى، لسقوطها عن الحجّية بالعدول عنها، وقد مضى شطر من البحث عنه في طي مسائل
العدول.
الثاني: إذا علم المقلّد بأنّ المجتهد لم يُعمل نظره في المسألة، ولو أعمله لادّى
إلى الحكم الكذائي، وهذا المسمّى بالفتوى التقديرية، فإنّه لا حجّية فيها إذ ظاهر
الادلّة وبناء العقلاء هو الرجوع إلى العالم بالحكم، والفقيه ليس عالماً بذاك الحكم
التقديري.
وما نحن فيه ليس من مسألة علم المقلّد بخطأ المجتهد في مستند الحكم ـ كما ربما
يتوهّم ـ لانّ بينهما عموماً من وجه كما لا يخفى، فتأمّل.
نعم، هنا كلامان:
أحدهما: في جواز تقليد المجتهد في مثل هذه المسألة بفتواه الفعلية، فربما يقال بعدم
جواز ذلك، لكونه في نظر المقلّد تخيّل الفتوى لا الفتوى حقيقة، فيكون تكليف
المقلّد: إمّا الاحتياط، وإمّا الرجوع إلى مجتهد آخر، الاعلم فالاعلم، بناءً على
وجوب تقليد الاعلم مطلقاً، أو إلى مجتهد آخر مطلقاً بناءً على عدم وجوبه مطلقاً، أو
عدم إطلاق وجوبه.
ثانيهما: ربما يقال بجواز العمل بالفتوى التقديرية، وذلك لانّ حجّية الفتوى إنّما
هي طريقية، وحيث علم أنّ الطريق يؤدّي إلى خلاف الفتوى الفعلية كان اللازم عليه
متابعة الطريق، نظير عدم جواز سلوك هذا الطريق المعلوم الخطأ.
فأيّ فرق بين الحكم بعدم جواز سلوك هذا الطريق المعلوم الخطأ، وبين الحكم بوجوب
سلوك الطريق المعلوم الطريقية وإن لم يسلكه المجتهد ؟
لكنّه محلّ تأمّل وإشكال، والذي يهوّن الخطب قلّة الابتلاء بمثل ذلك إلاّ لافاضل
الطلبة أحياناً.
وفي بعض الكتب التمسّك لعدم جواز التقليد في الفتوى التقديرية بالاجماع، وهو محلّ
إشكال صغرى وكبرى إلاّ أن يكون استفادة الاتّفاق لا نفسه وهو أكثر إشكالاً.
سادسها: الضروريات كوجوب الصلاة، واليقينيات ككل حكم تيقّن به المكلّف، وقد مضى الكلام عنهما من الماتن أيضاً في المسألة السادسة.