المسألة (64): الاحتياط المذكور في الرسالة إمّا استحبابي وهو ما إذا كان مسبوقاً أو ملحوقاً بالفتوى... .


ملاك الاحتياط الاستحبابي

المسألة (64): الاحتياط المذكور في الرسالة إمّا استحبابي وهو ما إذا كان مسبوقاً أو ملحوقاً بالفتوى... وفي هذه المسألة مطلبان:


هنا مطلبان
المطلب الاوّل

الاوّل: قوله (قدس سره): « إمّا استحبابي » لانّه لا معنى للاحتياط الوجوبي مع الفتوى بخلافه، فإذا أفتى بالقصر، ثمّ قال: الاحوط الجمع، فلا يجب الجمع.
وأمّا استحبابه فهل هو:
1. عقلي محض بالمعنى اللغوي، أي: الترجيح ؟ لرجحان العمل به، لاحتمال درك الواقع به المطلوب عقلاً ـ لا استحبابه شرعاً الذي هو أحد الاحكام التكليفية الخمسة ـ إذ الاحتياط قد لا يكون لدليل ضعيف سنداً أو دلالة، حتّى يقال بكونه مشمولاً لادلّة قاعدة التسامح في أدلّة السنن، بل لمجرّد
... وإمّا وجوبي وهو ما لم يكن معه فتوى ويسمّى بالاحتياط المطلق، وفيه يتخيّر المقلّد بين العمل به والرجوع إلى مجتهد آخر... .
الخروج عن خلاف من أفتى بالالزام.
قال في الجواهر: « وعن الذكرى أنّ غسله الصدغ في الوضوء أحوط، ولعلّه خروجاً عن شبهة الخلاف »(1).
2. أم أنّ التسمية بالمعنى المصطلح الشرعي واستحبابه مستفاد من الادلّة، مثل الخبر عن علي (عليه السلام) لكميل: « أخوك دينك فاحتط لدينك بما شئت »(2)؟
وقد اختلفوا في دلالة مثل ذلك على الاستحباب الشرعي، حيث أثبته جمع ونفاه آخرون، وممّن أثبته الجواهر مكرّراً، ففي المورد الانف قال بعد ذلك: « فيكون لذلك مستحبّاً »(3).


الاحتياط الوجوبي وملاكه

وإمّا أن يكون الاحتياط المذكور في الرسالة وجوبي وهو ما لم يكن معه فتوى والمراد به هو اللازم فعله ولو لدليل عقلي، لا الوجوب الشرعي الذي هو أحد الاحكام التكليفية الخمسة ويسمّى بالاحتياط المطلق قيل: لاطلاق الاحتياط بدون تجويز الترك و قد مرّ في المسألة السابقة والمسألة الرابعة عشرة أنّ فيه يتخيّر المقلّد بين العمل به والرجوع إلى مجتهد آخر وقد مرّ هناك تفصيل الكلام فيه.
... وأمّا القسم الاوّل فلا يجب العمل به، ولا يجوز الرجوع إلى الغير، بل يتخيّر بين العمل بمقتضى الفتوى وبين العمل به.
وأمّا القسم الاوّل وهو الاحتياط الاستحبابي فلا يجب العمل به، ولا يجوز الرجوع إلى الغير، بل يتخيّر بين العمل بمقتضى الفتوى وبين العمل به.


المطلب الثاني

الثاني: قوله (قدس سره): « فلا يجب العمل به » ووجهه واضح، أمّا عدم وجوب العمل به فلانّه احتياط غير واجب بنظر مرجع التقليد، وأمّا قوله (قدس سره): « ولا يجوز الرجوع إلى الغير » فقد قالوا فيه: لوجهين:
1. المفروض وجود الفتوى لمرجع التقليد في المسألة، ولا مسوّغ للاخذ بخلاف فتوى مرجع التقليد وإن كان موافقاً للاحتياط.
2. عند من لا يشترط في تحقّق التقليد العمل يكون ذلك عدولاً من الحي إلى الحي، الذي قالوا بعدم جوازه: إمّا مطلقاً، أو عن الاعلم.


نقد وتقييم

أقول: 1. هذان الوجهان متينان إذا كانت فتوى الغير مخالفة لفتوى الاعلم، لا ما إذا كانت موافقة لاحتياط الاعلم.
فمن يقول: بكفاية تسبيحة واحدة، ويحتاط استحبابياً بثلاث، ومرجع آخر يقول بوجوب الثلاث فإذا قلّد مقلّد الاوّل، المجتهد الثاني وأتى بالثلاث بنيّة الوجوب، فإن كان تقييداً، جاء التشريع والعدول، وإلاّ فلا تشريع ولا عدول.
2. مضافاً إلى أنّ ذلك في العبادات إن تمّ، فلا يتمّ في غيرها، فالمرجع الذي يرى كفاية عشر رضعات في المحرمية، ويحتاط استحباباً بخمس عشرة، ومجتهد آخر يرى لزوم الخمس عشرة، فمقلّد الاوّل إذا قلّد الثاني ملتزماً بخمس عشرة هل يكون عدولاً، أو تشريعاً ؟
هذا كلّه بناءً على عدم جواز العدول، أمّا على القول بجوازه فلا إشكال في المسألة، كما لا يخفى.


(1) الجواهر: ج2، ص146.
(2) الوسائل: الباب12 من أبواب صفات القاضي، ح41.
(3) الجواهر: ج2، ص146.