المسألة (63): في احتياطات الاعلم إذا لم يكن له فتوى يتخيّر المقلّد بين العمل بها وبين الرجوع إلى غيره، الاعلم فالاعلم.
هنا في هذه المسألة مطالب ينبغي البحث عنها:
الاوّل: أنّ احتياطات الفقهاء على ثلاثة أقسام:
1. من جهة عدم إحراز الحجّة الشرعية لتردّده في ذلك كالتسبيحات الاربع عند بعضهم
فإنّه لا فتوى للمرجع، ومورد التقليد فتوى المرجع، فلا موضوع، فيجوز الرجوع إلى
الغير، وليس من العدول عن الحي إلى الحي، ولذا قال الماتن (قدس سره): « إذا لم
يكن له فتوى ».
2. من جهة الفتوى بالاحتياط، كالجمع بين القصر والتمام في بعض الموارد، حيث يرى
المرجع عدم حجّية القولين ـ القصر والتمام ـ ومقتضى العلم الاجمالي وجوب الاحتياط
فالاحتياط فتوى، وليس مصداق: لم يكن له فتوى، ففي مثله لا يجوز العدول إلى من
يقول بالقصر وحده، أو التمام وحده.
3. من جهة الاحتياط في الفتوى، كبعض الورعين حيث يتجنّب الفتوى غالباً، فإنّه
يرى حجّية قول العدل الواحد في الموضوعات، لكنّه يحتط ولا يفتي بها، فإنّه لا
يجوز بنظره العدول إلى من يرى الحجّية، أو يرى عدم الحجّية، ولذا قال الاخوند في
حاشية مجمع الرسائل ما ترجمته بالعربية: « بل لا يرجع فيها إلى الغير فيما لو كانت
مسبوقة بالاشكال والتأمّل »(1) وعلّق جماعة كالسيّد الميلاني هنا بقوله: « إلاّ أن
لا يجوّزه الاعلم أي: لا يجوّز الرجوع إلى الغير كما في بعض الفروض ».
الثاني: قيّد السيّد عبدالهادي ابن العمّ (قدس سره) ذلك بقوله: « إذا لم ينته إلى
مخالفة الاعلم في الفتوى من جهة أُخرى، كما إذا أفتى بعدم حرمة شيء وتردّد بين
استحبابه ووجوبه فاحتاط، وأفتى غيره بالحرمة » وذلك مثل صلاة الجمعة عند بعضهم.
لكن فيه: أنّ المثال منصرف عنه المتن ظاهراً، وإن كان في نفسه وجيهاً، وبالنتيجة
ينبغي تجويز الاعلم للرجوع.
الثالث: ذكر جمع من المعاصرين في الفقه، تبعاً لاُصول المحقّق النائيني، بناء
المسألة على جواز الاحتياط في العبادات.
قال المحقّق النائيني في حاشيته على المسألة الرابعة من التقليد، القائلة: «
الاقوى جواز الاحتياط ولو كان مستلزماً للتكرار وأمكن الاجتهاد أو التقليد » قال
معلّقاً: « إلاّ إذا كانت عبادة، فإنّ الاحوط بل الاقوى حينئذ تعيّن الاجتهاد أو
التقليد، نعم لو أتى بالمحتمل الاخر رجاءً للمحبوبية وإدراك الواقع بعد الاتيان
بما أدّى إليه تقليده أو اجتهاده كان حسناً ».
لكن النائيني (قدس سره) لم يعلّق هنا على ما نحن فيه من المسألة الثالثة والستين،
وكان ينبغي له أن يعلّق عليها بـ: « أنّه إذا كان عبادة وكان موجباً للتكرار
فالاحوط بل الاقوى العدول إلى من له فتوى ».
وما أكثر الاحتياطات بالجمع بين العبادات في العروة لم يعلّق عليها النائيني.
وفي « موسوعة الفقه » قال: « الظاهر أنّ الاحتياط الذي هو محلّ الكلام بين الفقهاء
والاُصوليين في أنّه هل يجوز مع التمكّن من الامتثال التفصيلي أم لا ؟ هو الاحتياط
المطلق، لا مثل هذه الاحتياطات فإنّها في الحقيقة تقليد »(2).
ثمّ استشهد بإثبات النافين احتياطاتهم في رسائلهم العملية.
وفيه: أيّ فرق بعد شمول عمدة أدلّتهم لكليهما ؟
ويشهد له أيضاً: حاشية المحقّق النائيني ـ النافي لجواز الاحتياط في العبادات مع
لزوم التكرار ـ على المسألة الرابعة من تقليد العروة، فإنّ إطلاقها يشهد بذلك.
وظاهر تقسيم مراتب الامتثال عند العقل إلى أربع: التفصيلي ـ علماً وعلمياً ـ
والاجمالي، والظنّي، والاحتمالي.
ومسألة المسافر إلى أربعة فراسخ مع إرادة الرجوع ليومه: « الشيخ اختار التمام
فأخّر القصر، والمجدّد القصر فأخّر التمام »(3).
الرابع: قول الماتن (قدس سره): « الاعلم فالاعلم » فيه قيدان:
1. على المشهور وعليه الماتن أنّه احتياط لا فتوى، فينبغي بـ « على الاحوط ».
2. فيما يجب فيه تقليد الاعلم، كموارد الخلاف في محلّ الابتلاء، لا مطلقاً ـ على ما
تقدّم في بحث تقليد الاعلم ـ.
ثمّ إنّ في « موسوعة الفقه »(4) فسّر « الاعلم فالاعلم »: بأنّه إن لم يكن في أعلم
الباقين فتوى انتقل إلى الاعلم بعده في البقية، وهكذا، وهو متين ظاهراً.
الاُولى: إذا عمل باحتياطات الاعلم مدّة، ثمّ بعد ذلك هل يجوز له الرجوع إلى غيره، احتمالان:
من أنّه حقيقة ليس تقليداً للاعلم، بل عملاً بالاحتياط والاعلم إنّما أمره في هذه
المسألة إرائة طريق الاحتياط، فليس عدولاً من الحي حتّى لا يجوز.
ومن أنّه ـ على ما تقدّم من موسوعة الفقه آنفاً ـ تقليد حقيقة، فلا يجوز العدول
عنه، والاوّل أقوى.
الثانية: إذا كان الاعلم يحتاط بالقصر والاتمام مثلاً، وكان هناك إثنان « فالاعلم
» متساويان، أحدهما يفتي بالقصر والاخر بالتمام، لا إشكال في جواز الرجوع إلى أيّ
منهما شاء.
إنّما الكلام في أنّه هل يجوز له الرجوع إلى هذا مدّة فيصلّي قصراً، وإلى ذاك مدّة
أُخرى فيصلّي تماماً ؟
أو لا يجوز مطلقاً ؟
أو يفصّل بين قصد العدول إليهما من أوّل الامر، فلا يجوز، وبين تجدّد القصد،
فيجوز ؟ احتمالات:
أحوطها الثاني، وأقواها الاوّل، وأوسطها الثالث.
أمّا الثاني، فللعلم الاجمالي.
وأمّا الاوّل، فلانّه إذا قلنا بالاجزاء في باب التقليد، فلا إشكال.
وأمّا الثالث، فللجمع بين الامرين.
مثاله: مسألة السفر إلى ما دون الاربعة والرجوع أكثر من أربعة، ليتمّ ثمانية
فراسخ:
1. فالاقوى وفاقاً للعروة وكثيرين القصر.
2. وقول بالتمام.
3. وقول بالجمع صوماً وصلاةً.
وكذا المثال السابق: إن لم يرد الرجوع ـ في أربعة فراسخ ـ ليومه أو ليلته.
الثالثة: هل يجوز الرجوع من احتياط الاعلم إلى فالاعلم الذي يحتاط أيضاً بما يخالف ذاك الاحتياط فقط، كالاحتياط بقضاء الصوم والصلاة والاحتياط بقضاء الصلاة فقط ؟