المسألة (62): يكفي في تحقّق التقليد أخذ الرسالة والالتزام بالعمل بما فيها وإن لم يعلم ما فيها ولم يعمل، فلو مات مجتهده الذي التزم فقط بالعمل بفتاواه يجوز له البقاء وإن كان الاحوط استحباباً مع عدم العلم بفتاوى من التزم تقليده، بل مع عدم العمل ولو كان بعد العلم عدم البقاء والعدول إلى الحي لشبهة عدم كونه مندرجاً في البقاء موضوعاً بل الاحوط استحباباً على وجه وهو ذهاب جمع إلى حرمة البقاء مطلقاً عدم البقاء مطلقاً ولو كان بعد العلم والعمل.
ذكر الماتن (قدس سره) في هذه المسألة عدّة مطالب:
1. بم يتحقّق التقليد ؟
2. الاحتياط الاستحبابي بالعدول ـ مع عدم العمل ـ.
3. الاحتياط الاستحبابي بالعدول مطلقاً.
أمّا المطلب الاوّل: وهو بم يتحقّق التقليد؟ فقد مضى ذلك في المسألة الثامنة حيث
قال: « التقليد هو الالتزام بالعمل... فإذا أخذ رسالته والتزم بالعمل بما فيها
كفى في تحقّق التقليد » والمعظم أشكلوا عليه هناك وهنا، وهو في محلّه إذ التقليد
يكون لما يلي:
أ ـ إمّا لبناء العقلاء وهو لا يطلق على مجرّد الالتزام من غير علم وعمل، وهل إذا
التزم ولم يعمل يقال إنّه مقلّد لفلان عرفاً ؟
ب ـ وإمّا للادلّة اللفظية مثل: « فللعوام أن يقلّدوه » وليس للشارع اصطلاح خاصّ
في معنى التقليد، لعدم الدليل عليه، والمعنى العرفي هو العمل.
ويؤيّده: أنّ المريض إذا راجع طبيباً، وأخذ النسخة منه وقبل العمل مات المريض،
هل يصحّ أن يقال: « إنّ طبيبه كان فلان » ؟
وأمّا المطلب الثاني: وهو الاحتياط الاستحبابي بالعدول مع عدم العمل، فإنّه على مبنى الماتن صحيح، أمّا على مبنى كون التقليد هو العمل، فالعدول فتوى، لانّه يكون تقليداً ابتدائياً، أو احتياطاً وجوبياً، ولذا علّق بالفتوى أو الاحتياط الوجوبي عدد من الاعاظم كالنائيني والحائري، وابن العمّ والوالد، والاخ وآخرين (قدس سرهم).
وأمّا المطلب الثالث: وهو الاحتياط الاستحبابي بالعدول مطلقاً، فهو في محلّه في
نفسه.
ولابن العمّ هنا حاشية جيّدة عند قول الماتن: « بل الاحوط... عدم البقاء مطلقاً »
قال: « هذا الاطلاق ممنوع إذا كان الميّت أعلم ـ فيما عمل به ـ وكانت فتوى الحي
مخالفة لفتوى الميّت، ولم تكن موافقة للاحتياط بالاضافة إلى فتوى الميّت، فإنّ
الاحوط حينئذ البقاء » وهو لبناء العقلاء.
نعم، ينبغي إضافة: « ولم تكن موافقة للاعلم من الاموات » لطريقية التقليد.
ولذا قال الشيخ الانصاري (قدس سره): « إلاّ أن يقال:... فمجرّد أعلم الاحياء لا
يوجب قوّة الظنّ في صورة مخالفتها لفتوى من هو أعلم منه من الاموات »(1).
نعم، هنا كلام قد تقدّم في المسألة التاسعة حيث قال الماتن: « الاقوى جواز البقاء
على تقليد الميّت » وهو أنّ المعروف ابتناء مسألة البقاء جوازاً أو حرمةً أو وجوباً
على أنّ التقليد عمل (كما هو المشهور) أو التزام ـ كما عليه الماتن وبعض آخر قليل
ـ.
لكن هناك قولاً بأنّ المبنى غير تامّ، إذ الدليل على حجّية فتوى الفقيه الحي
للعامي يقين سابق فيستصحبه بعد الموت، والحجّية لا تتوقّف لا على العمل ولا على
الالتزام، فلو فرض: أنّ الاعلم فلان كانت فتواه حجّة للعامي حال حياة المفتي ـ
سواء عمل، أم التزم، أم لا. وهكذا في المتساويين.
نعم، يشترط كونه ذاكراً للفتوى، فإذا نسيها سقطت عن الحجّية. ولا دليل على مادّة
التقليد.
وفيه: أوّلاً: بناءً على حجّية تفسير الامام العسكري (عليه السلام) ـ كما عليه
جمهرة عظيمة من الاعاظم وقد تقدّم ذكر أسماء بعضهم في شرح المسألة التاسعة ـ: «
فللعوام أن يقلّدوه » حجّة.
وثانياً: لازم ذلك شموله لمن كان بانياً على عدم التقليد، ثمّ أراد التقليد بعد
وفاة المجتهد ولو بخمسين سنة، وهل يخرجه ذلك عن التقليد الابتدائي ؟
وثالثاً: الحجّية على هذا غير متوقّفة لا على الذكر، ولا على العلم بالفتوى،
لعدم تقيّدها بهما.
وقد ذكر في المقام أنّ الصحيح اعتبار الذكر في البقاء وذلك لانّ بالنسيان ينعدم
أخذه السابق ورجوعه إلى الميّت قبل موته... وهو كالعلم الاجمالي بأنّ الحكم
الواقعي إمّا هو الحرمة أو الاباحة ليس بمورد للاثر....
مع أنّ الحجّية لا تتوقّف على العلم فكيف بالذكر ؟ إذ العلم والجهل، والذكر
والنسيان ونحو ذلك، إنّما تكون منجّزة للحجّة ومعذّرة، ولا دخل لها في نفس
الحجّية، فإذا كان كتاب فيه الحكم الواقعي، ولم يعلم بالحكم ـ إيجاباً وسلباً ـ
المكلّف، ألا يكون الكتاب حجّة على هذا المكلّف ؟ فإذا اطّلع على ما فيه جاز ـ
بالمعنى الاعمّ ـ العمل به، وهكذا الحكم الظاهري.
على مبنى توقّف جواز البقاء على العمل ما هو مقدار العمل المسوّغ لذلك ؟
1. هل يكون العمل بكلّ مسألة مجوّزاً للبقاء فيها فقط ؟
2. أو العمل بمسألة واحدة مجوّز للبقاء مطلقاً.
3. أو العمل بمقدار معتدّ به من المسائل برهة من الزمن مجوّز للبقاء، لا مطلقاً.
وجوه بل أقوال، وحيث تقدّم بحث ذلك مفصّلاً في المسألة التاسعة، فلا نعيد.