المسألة (61): إذا قلّد مجتهداً ثمّ مات، فقلّد غيره ثمّ مات، فقلّد من يقول بوجوب البقاء على تقليد الميّت أو جوازه، فهل يبقى على تقليد المجتهد الاوّل أو الثاني ؟ الاظهر الثاني، والاحوط مراعاة الاحتياط.


المقلّد وتعاقب المجتهدين

المسألة (61): إذا قلّد مجتهداً ثمّ مات، فقلّد غيره ثمّ مات الغير فقلّد من يقول بوجوب البقاء على تقليد الميّت أو جوازه، فهل يبقى على تقليد المجتهد الاوّل أو الثاني ؟ الاظهر الثاني، والاحوط استحباباً مراعاة الاحتياط بين فتاوى المجتهدين الميّتين.


هنا تمهيدات
التمهيد الاوّل

وهنا في هذه المسألة تمهيدات:
الاوّل: لا إشكال في أنّ البحث لا يختصّ بتقليد المكلَّف لثلاثة، بل يأتي نفس البحث في تقليد أربعة وخمسة وهكذا على التعاقب، فهل يبقى على تقليد غير الميّت الاخير، أو على تقليد الاخير ؟


التمهيد الثاني

الثاني: هذا البحث إنّما هو فيما إذا كان كلّ تقليد في محلّه صحيحاً، أمّا إذا كان تقليد الاوّل أو الثاني أو كلاهما باطلاً، فيختلف الامر كما لا يخفى.
مثلاً: إذا كان الثاني يرى وجوب البقاء، فلم يبق وقلّد الثاني، كان تقليده للثاني باطلاً، أو كان تقليده للاوّل بلا ملاك شرعي كان الاوّل باطلاً.


التمهيد الثالث

الثالث: إذا كان الثاني يحرّم البقاء وبقي المقلّد، أو بقي بلا حجّة على جواز البقاء، وكان الثالث يجوّز، أو يوجب البقاء، لا إشكال في أنّه يبقى على الاوّل ويكون عمله أيّام الثاني تجرّياً.


التمهيد الرابع

الرابع: إذا كان الثاني يوجب البقاء والمقلّد عدل إلى الثاني، فمات الثاني، وكان الثالث يحرم البقاء، كان أيّام الثاني أيضاً مجرّد تجرّي.
وأمّا إن كان الثالث يوجب البقاء، وجب البقاء على تقليد الاوّل ـ وليس ابتدائياً ـ لكون العدول باطلاً حينه والان، ولا يجوز البقاء على تقليد الثاني الذي لم يدلّ عليه دليل.


أقوال المسألة

فإذا تمهّد ذلك نقول: هذه المسألة محلّ خلاف بين الاعلام، والاقوال في المسألة عديدة أهمّها ما يلي:
الاوّل: ما ذهب إليه الماتن (قدس سره) وكثير من المعلّقين الساكتين عليه، من مثل: النائيني والحائري والبروجردي والوالد والاخ الاكبر وآخرين (قدس سرهم).
الثاني: عكسه، ولا أستحضر في هذه العجالة من قال به مطلقاً.
الثالث: التفصيل بين كون الثالث قائلاً بوجوب البقاء فيبقى على تقليد الاوّل، وبين كونه قائلاً بجواز البقاء فيبقى على الثاني، وإليه ذهب العديد، كالعراقي(1) والقمّي « الاب » وابن العمّ وآخرين (قدس سرهم).
الرابع: التفصيل بين كون الثالث قائلاً بوجوب البقاء والثاني قائلاً بحرمته، أو كون الثاني قائلاً بالجواز ولكن رجع المقلّد إليه بعد موت الاوّل، والثالث قائلاً بوجوب البقاء، ففيهما الاظهر الثاني موافقاً للمتن.
وبين كون الثاني قائلاً بوجوب البقاء، أو جوازه، وبقي على تقليد الاوّل بعد موته، فحينئذ يجب عليه البقاء على تقليد الاوّل.
والتزم ذلك السيّد الشاهرودي (رحمه الله) في حاشيته.


المسألة ومنشأ الخلاف فيها

ومنشأ الخلاف في ذلك: صحّة تقليده للثاني وعدمها: 1. فإن قلنا بصحّة تقليده للثاني ولو لصحّته في وقته وترتيب آثار الصحّة عليه وقته ـ بدون إعادة ولا قضاء ونحوهما ـ كما في المسألة الثالثة والخمسين الانفة: « إذا قلّد من يكتفي بالمرّة مثلاً في التسبيحات الاربع واكتفى بها، أو قلّد من يكتفي في التيمّم بضربة واحدة ثمّ مات ذلك المجتهد فقلّد من يقول بوجوب التعدّد، لا يجب عليه إعادة الاعمال السابقة... » وجب البقاء على تقليد الثاني مطلقاً، سواء قلنا بجواز البقاء أم قلنا بوجوبه، أمّا على القول بجواز البقاء: فيجوز البقاء على الثاني ـ دون الاوّل، لانقطاعه بتقليد الثاني فيكون ابتدائياً ـ وأمّا على القول بوجوب البقاء: فيجب البقاء.
2. وإن قلنا بكون تقليد الثاني مراعى بتقليد الثالث، فإن أجاز العدول، كان تقليده للثاني صحيحاً، فيبقى عليه. وإن حرّم العدول إلى الحي وأوجب البقاء كان تقليده للثاني باطلاً، فيجب البقاء على الاوّل ـ وجوباً أو جوازاً ـ لانّه تعبّداً لم يقلّد الثاني حتّى يتحقّق البقاء.


حكم المسألة على القول المختار

ونحن حيث قلنا بصحّة تقليده في محلّه(2) ـ حيث بقي على تقليد الاوّل بتجويز أو إيجاب الثاني ـ وجب البقاء على تقليد الثاني مطلقاً، حتّى مع قول الثالث بوجوب البقاء.
نعم، يبقى كون تقليده للاوّل حينئذ مصداقاً للتقليد الابتدائي، فيحرم مطلقاً، أم لا، فيجوز مطلقاً، لا يبعد الثاني، وذلك:
أ ـ لانّه موضوعاً ليس ابتدائياً عرفاً.
ب ـ وحكماً بأنّ دليل حرمة الابتدائي الاجماع، غير المعلوم شموله لذلك مع شمول ما يلي له:
1. الدليل العقلي « رجوع الجاهل إلى العالم ».
2. والعقلائي « بناء العقلاء على الرجوع في الحدسيات إلى أهل الخبرة الثقات من غير شرط آخر ».
3. والشرعي « فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا »(3) ونحوه.
فيكون مخيّراً بين البقاء على تقليد الاوّل أو الثاني، كما صرّح به المحقّق العراقي (قدس سره) حيث قال: « فيما قلّد لكلّ منهما الاقوى فيه تخييره في البقاء على أيّهما » وعلّق كذلك في المسألة العاشرة: « إذا عدل عن الميّت إلى الحي لا يجوز له العود إلى الميّت ».
ولذا قلنا في الحاشية: « التخيير غير بعيد وإن كان التفصيل بين فتوى الثالث بالوجوب، فيبقى على الاوّل، وبين فتواه بالجواز فيبقى على الثاني، أحوط ».


مؤاخذة وملاحظة

ثمّ إنّه قد يلاحظ عن بعض ممّن علّقوا على هذه المسألة الاحدى والستين، كيف لم يعلّقوا على المسألة الثالثة والخمسين، كابن العمّ والاصفهاني والخونساري « أحمد » والاصفهاني « أبي الحسن » وآل ياسين (قدس سرهم)وغيرهم ؟
وفي المسألة تفصيلات وشقوق أُخرى، تنشأ من قول الثالث بجواز البقاء، أو حرمته، ثمّ وافق عمل المقلّد فتوى الثالث، أم خالفه، اعتماداً على حجّة شرعية في وقته، أم لا، أو عن مستند صحيح أم لا، ولا حاجة للاطالة بذكرها لعدم خفائها على أهلها بعد التأمّل فيما مضى.


(1) نهاية الافكار: ج4، ص267.
(2) العروة الوثقى: التقليد، م53.
(3) الوسائل: الباب11 من أبواب صفات القاضي، ح9.