المسألة (60): إذا عرضت مسألة لا يعلم حكمها... .


لو عرض للمقلّد ما يجهل حكمه

المسألة (60): إذا عرضت مسألة لا يعلم حكمها الظاهر فرض المسألة بالنسبة للمقلّد، إذ المجتهد يعلم الحكم ولو بإجراء الاُصول النقلية أو العقلية.


المجتهد واتّفاق المسألة له

نعم، قد يتّفق للمجتهد مسألة لا يعلم حكمها وهو على قسمين:
أحدهما: ما إذا فحص المقدار اللازم ولم يعثر على دليل أو لم يقتنع بما ذكره غيره دليلاً، وفي مثله لا محيص له ـ قاعدة ـ من إجراء الاُصول العملية من البراءة في الشكّ في أصل التكليف، وإجراء الاشتغال في المكلّف به ويمكن الاحتياط، والتخيير فيه حيث لا يمكن الاحتياط ولو للحرج ونحوه، وإجراء الاستصحاب مع الاحراز للحالة السابقة.
ثانيهما: إذا لم يتمكّن من الفحص اللازم من جهة كونه في سفر ونحوه ـ مثلاً ـ ولم يكن عنده من كتب الحديث والاستدلال ما يستخرج منه الحكم، فهو حينئذ وجداناً غير عالم بالحكم ـ ولو الظاهري ـ وهو جاهل.
فهل يجوز لمثله التقليد أم يجب عليه الاحتياط ؟


المسألة بين مجوّز ومانع

المعروف على الالسن حتّى كاد يكون متسالماً عليه بين المتأخّرين: عدم جواز التقليد لمثل هذا المجتهد من مجتهد آخر، وقد صرّح الشيخ الانصاري (قدس سره) في رسالة الاجتهاد والتقليد: بالاجماع على عدم الجواز(1).


أدلّة المانعين

استدلّ المانعون عن تقليد مثله: بأنّ التقليد تكليف العامي غير القادر على الاجتهاد قوّةً، لا غير المستنبط فعلاً، وهذا ليس من العوام، فقوله (عليه السلام): « فللعوام أن يقلّدوه »(2) لا يشمله.
وكذلك أدلّة التقليد الاُخرى مثل (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ)(3) فإنّه منصرف عن مثله، وهكذا غيره من أدلّة التقليد.
وبأنّ التقليد تكليف بدلي من الاجتهاد، إذ الاصل في العمل بالاحكام هو الاجتهاد ـ كما أسلفنا في أوّل الكتاب ـ وبما أنّ العامي لا يمكنه الاجتهاد، أو يتعسّر عليه، وضع له الشارع طريق التقليد، والمجتهد يمكنه الاجتهاد ولو بتأخير الاستنباط في الواقعة والاحتياط فيها فعلاً، وليس ذلك مبتلى بمحذور يرفع بالاجماع أو أدلّة العسر ونحوها، وإن لم يمكن الاحتياط كالدوران بين المحذورين، فهل التخيير العقلي تكليفه، أم حينئذ يقلّد؟
قد يقال بالتخيير العقلي هنا لانّه وظيفة المتحيّر حيث يدور الامر بين محذورين.


إيراد وإشكال

لكنّه قد يشكل ذلك ببناء العقلاء في مثله على الرجوع إلى خبير آخر، ولو كان المتحيّر خبيراً أيضاً.
ويمكن توضيحه بالامثلة العرفية الخارجية في الاطباء، وعلماء القانون ونحوهما، فإذا تحيّر بعضهم في مورد دار بين محذورين، فهل يعمل بالاصل العقلي عند عدم طريق ولا أصل، أم يراجع خبيراً آخر ؟ ولعلّ الثاني هو الذي استقرّ عليه البناء مع إمكانه تعيّناً، لا تخييراً بينه وبين الاصل العملي، فتأمّل.


مناقشة أدلّة المانعين

وفيه: أمّا قوله (عليه السلام): « فللعوام أن يقلّدوه » فإنّ ظاهره: أنّ العامي هو الذي يحتاج في معرفة الحكم إلى مجتهد، والمجتهد لا يحتاج، وهذا الفرض نادر فلذا صبّ الكلام على « العوام » ولذا قيّد ذلك في الاية الكريمة بـ: (لاَ تَعْلَمُونَ)(4) الشامل للمجتهد غير العالم بحكم مسألة معيّنة.
مضافاً إلى وجود المناط في هذا المجتهد، إذ حجّية فتوى المجتهد للعوام إنّما هي من أجل كونها طريقاً عقلائياً إلى تحصيل الاحكام، وطريقيته شاملة قد استثني منها فقط المجتهد المستنبط فعلاً، واستثناؤه بالتخصّص لا بالتخصيص لعدم احتياج مثله إلى طريق.
وأمّا بدلية التقليد عن الاجتهاد، فإن قصد بها البدلية الطولية، كالتيمّم البدل عن الطهارة المائية فهو أوّل الكلام، وإن قصد بها البدلية العرضية فلا ينافي جواز التقليد للمجتهد غير المستنبط فعلاً.
وكذا الكلام في كون الاصل في العمل بالاحكام هو الاجتهاد، فإن أُريد الاصل العملي طولاً فغير تامّ لعدم دليل يعضده، وإن أُريد الاعمّ فلا يخدش فيما نحن فيه.


القائلون بالجواز وأدلّتهم

وهناك قول: بجواز التقليد لمثله، إذ المقلّد من لم يكن ـ فعلاً ـ مستنبطاً، وإن كان قادراً قوّةً على الاجتهاد.
قال المحقّق الحلّي: « العالم إذا كان من أهل الاجتهاد... ولم يجتهد لم يجز له الرجوع إلى قول الاعلم، لانّ تحصيل العلم ممكن في حقّه، أمّا إذا أشكل عليه طريق الواقعة جاز له الرجوع إلى الاعلم، لانّه بالنسبة إليه في تلك الواقعة كالعامي »(5).
وقال المحقّق الكركي (قدس سره) في رسائله(6) عند شرح قول الشهيد (قدس سره): « ثمّ إنّ المكلّف بها الان من الرعية صنفان: مجتهد وفرضه الاخذ بالاستدلال على كلّ فعل من أفعالها أي: الصلاة ومقلّد ويكفيه الاخذ عن المجتهد » قال المحقّق الكركي (قدس سره) في شرح بعض مفردات كلام الشهيد (قدس سره) ما حاصله:
« الان » عصر الغيبة، إذ في عصر الظهور الناس على ثلاثة أصناف، والثالث من بحضرة المعصوم (عليه السلام) فيجب الاخذ منه وليس يطلق عليه المجتهد ولا المقلّد اصطلاحاً. « مجتهد » يراد به بالقوّة، لا بالفعل ـ لعدم تناهي الجزئيات ـ فيراد بالمجتهد أعمّ من الفعل والقوّة القريبة. « فرضه » لتعيّن الاجتهاد عليه. « ويكفيه » لعدم تعيّن التقليد، بل يجوز له الاجتهاد.
وقال جمع، ومنهم: السيّد المجاهد في المناهل ومفاتيح الاُصول: بالجواز، والمهمّ استعراض الادلّة والنظر فيها، وهي كالتالي:


الدليل الاوّل

1. أمّا بناء العقلاء ـ وهو العمدة خصوصاً عند المتأخّرين ـ فالظاهر: عدم إبائهم عن الرجوع إلى خبير آخر في مثل ذلك، ودونك العقلاء. ولو رجع هل يكون ملوماً عند العقلاء ؟


الدليل الثاني

2. وأمّا « رجوع الجاهل إلى العالم » فهو كذلك أيضاً، إذ هذا المجتهد في هذه المسألة « جاهل » فيرجع إلى العالم.


الدليل الثالث

3. وأمّا الادلّة اللفظية، مثل « فللعوام أن يقلّدوه » فالمجتهد الذي لم يجتهد في مسألة، فهو « عامي » في هذه المسألة، كما أنّ المتجزّي ـ العامي في معظم الفقه ـ في مسألة، لا يجوز له التقليد في تلك المسألة، للزوم الفعلية في كلّ من الفقيه والجاهل.


الدليل الرابع

4. وأمّا الاجماع: فمسلّم العدم، لعدم تعرّض المعظم قديماً له، ومخالفة أُستاذ الشيخ المجاهد (قدس سره) له.


الدليل الخامس

5. وأمّا الاصل العملي ـ وهو العمدة عند البعض ـ وهو أصل التعيين للدوران بين الاجتهاد ـ المقطوع الحجّية ـ والتخيير بينه وبين التقليد المشكوك الحجّية، والاصل التعيين، للشكّ في حجّية ذلك.
وفيه: أوّلاً: إطلاقات أدلّة التقليد بعد تحقّق موضوعه.
وثانياً: الاصل التخيير.
وثالثاً: أنّ أصل عدم الحجّية ـ في مشكوك الحجّية ـ تامّ إذا لم تكن حجّة مردّدة بين المطلق والمقيّد، لانّ أصل عدم التقييد سببي يرفع الشكّ في الحجّية إلى إحرازها التعبّدي فلا شكّ في الحجّية تعبّداً كنظائره في الفقه كثيراً، مثل الشكّ في لزوم العصر ـ إذا لم يكن شكّاً في صدق الغسل أصلاً ـ فهل نجري أصل عدم الطهارة، أم يكون العلم الاجمالي بالدوران بين تعيين العصر، والتخيير بينه وبين الغسل بلا عصر مسرحاً لاصل عدم وجوب العصر، فلا موضوع تعبّداً لاصل عدم حصول الطهارة بدون العصر ؟


تأييد وتأكيد

ويؤيّد الجميع: ما ورد في الروايات ـ مكرّراً ـ من إرجاع المعصوم (عليه السلام) فقهاء الرواة فيما لا يعلمون إلى آخرين.
مثل صحيحة ابن أبي يعفور ـ الذي عدّه الشيخ المفيد (قدس سره): من الفقهاء الاعلام والرؤساء المأخوذ عنهم الحلال والحرام ـ قال: « قلت لابي عبدالله (عليه السلام): ليس كلّ ساعة ألقاك، ولا يمكن القدوم، ويجيء الرجل من أصحابنا فيسألني وليس عندي كلّ ما يسألني عنه ؟ فقال (عليه السلام): ما يمنعك من محمّد بن مسلم الثقفي فإنّه سمع من أبي وكان عنده وجيهاً »(7).
وصحيح شعيب العقرقوفي، قال: «قلت لابي عبدالله: ربما احتجنا أن نسأل عن الشيء فمن نسأل ؟ قال: عليك بالاسدي، يعني: أبا بصير»(8).
والجواهر عبّر عنه بالصحيح مكرّراً (9).


إشكال غير وارد

والاشكال في الاستدلال بأمثال هذه الروايات بأنّها في مقام نقل الرواية، دون الفتوى، غير وارد:
أوّلاً: إطلاقها، فإذا سأل ابن أبي يعفور مسألة، فأجاب محمّد بن مسلم فيها بالوجوب، أو الحرمة، أو الصحّة، أو البطلان، ألا يكون عرفاً مصداقاً ؟
وأكثرية نقل الخبر، وأقلّية الفتوى لا تصلحان قرينةً عرفاً للانصراف ـ كما هو المعروف عند الفقهاء ـ.
وثانياً: استدلال الفقهاء بأمثال هذه الروايات لحجّية الفتوى وجواز التقليد.
قال الشيخ الانصاري (قدس سره): « ومنها: ما دلّ على إرجاع آحاد الرواة إلى آحاد أصحابهم (عليهم السلام)، بحيث يظهر منه عدم الفرق بين الفتوى والرواية »(10).
وقد ذكر المحقّق النائيني (قدس سره): تواتر هذه الروايات الارجاعية.


مقال شريف العلماء

قال شريف العلماء (قدس سره) في بحثه في التقليد: « الذي يقتضيه التحقيق هو لزوم التقليد في المقام الاوّل، أي: إذا لم يتمكّن من الاجتهاد لضيق الوقت، أو لعدم وجود الاسباب المتعلّقة بالمسألة المحتاج إليها... والدليل انحصار الامر له بين:
1. سقوط التكليف.
2. لزوم الاجتهاد.
3. التقليد.
فالاوّل: منفي بالاجماع، والثاني: منفي لقبح التكليف بما لا يطاق، فتعيّن الثالث.
ثمّ قال (قدس سره): فإن قلت: له طريق آخر وهو الاحتياط ؟ قلت: لا شكّ في أنّ وجوب الاحتياط هنا منفي بالاجماع، إذ لم يقل بلزومه أحد هنا وهذا إجماع مخالف لاجماع الشيخ (قدس سره).
ثمّ قال (قدس سره): ثمّ إعلم إنّه يمكن التمسّك مضافاً إلى هذا البرهان القطعي باستصحابات عديدة سليمة عن المعارض: الاوّل: استصحاب جواز التقليد له قبل اتّصافه بالملكة، وبعد ذلك نشكّ في بقاء الجواز وانقلابه إلى الحرمة... »(11).


نقد وتقييم

أقول: وهذا الاستصحاب سببي بالنسبة لاصل التعيين وله نظائر كثيرة في الفقه، مثل استصحاب البقاء على تقليد الميّت، الذي هو سببي بالنسبة لاصل تعيين تقليد المجتهد الحي وغيره.


خلاصة البحث

والحاصل: أنّ الكلام فيمن يجهل حكم مسألة عارضة وهو يقدر على الاستنباط وله الملكة الفعلية كالتالي:
1. مقتضى إطلاق الكثير من الفقهاء عدم جواز التقليد له، سواء تمكّن عقلاً، وتعبّداً، من الاجتهاد أم لا، ومقتضاه: لزوم الاحتياط عليه ما لم يستلزم حرجاً، أو حتّى إذا استلزم الحرج ببيان أنّ الحرج ليس من امتثال التكليف، كالوضوء في البرد الشديد، والقيام لمن له ألم شديد حاله، حتّى يقال: بأنّ الامتثال وجوبه حكم العقل في سلسلة المعاليل، والحرج يرفعه برفع منشأ حكم العقل، بل الحرج كان نتيجة العلم بالامتثال، وليس منشأه حكم الشرع.
وفيه: أنّ العقل إنّما يلزم بتحصيل العلم بامتثال التكليف، لاطلاق بقاء التكليف حتّى حال اشتباهه بغيره، فإن كان هذا الاطلاق مراداً، كان حرجياً، فيرتفع بلا إشكال.
2. وصريح جمع ـ منهم المحقّق الحلّي (قدس سره) فيما تقدّم من عبارته، وشريف العلماء (قدس سره) أيضاً فيما تقدّم من كلامه ـ التفصيل بين المتمكّن عقلاً وتعبّداً، فلا يجوز له التقليد، وبين عدم التمكّن فيجوز.
3. وصريح جمع آخر كالسيّد المجاهد (قدس سره)، إطلاق الجواز، فقد قال الشيخ الانصاري (قدس سره) في رسالة الاجتهاد والتقليد: « إنّه لم ينقل الجواز عن أحد منّا، وإنّما حكي عن مخالفينا ـ على اختلاف منهم في الاطلاق والتفصيلات المختلفة ـ نعم اختار الجواز بعض سادة مشايخنا في مناهله ».


تتمّة: المجتهد إذا اجتهد وتوقّف

إذا اجتهد وتوقّف، فعلى عدم جواز التقليد، لا يجوز له هنا بطريق أولى،
... ولم يكن الاعلم حاضراً فإن أمكن تأخير الواقعة إلى السؤال يجب ذلك وإلاّ فإن أمكن الاحتياط تعيّن وإن لم يمكن يجوز الرجوع إلى مجتهد آخر الاعلم فالاعلم وإن لم يكن هناك مجتهد آخر، ولارسالته، يجوزالعمل بقول المشهور بين العلماء....
وعلى القول بالجواز يمكن القول بالجواز، لانّ المتوقّف جاهل فتشمله الاطلاقات وبقيّة الادلّة السابقة، فتأمّل.


حكم المقلّد فيما يجهل حكمه

أمّا العامي الذي هو مفروض المسألة إذا عرض له ما لم يعلم حكمه ولم يكن الاعلم حاضراً بناءً على وجوب تقليد الاعلم مطلقاً حتّى في مثل هذه الصورة فإن أمكن تأخير الواقعة إلى السؤال عن الاعلم يجب ذلك إذا لم يمكنه الاحتياط.
وإلاّ يمكن تأخير الواقعة فإن أمكن الاحتياط تعيّن عليه الاحتياط لكونه عِدلاً للتقليد ومقدّماً على تقليد المفضول.
وإن لم يمكن تأخير الواقعة ولا الاحتياط، كما إذا كان ميّت مقتول مقطّع بحيث لا يمكن تيمّمه أيضاً، فلا سبيل إلى الاحتياط لعدم العلم بكيفيته، أو عدم إمكانه كما إذا دار بين محذورين يجوز الرجوع إلى مجتهد آخر الاعلم فالاعلم وتقديم الاعلم فالاعلم على غيره إنّما هو بالمناط أو نفس بناء العقلاء في مثله، ولكونه المتيقّن من الباقين، وللاحتياط.
والجميع مخدوش وإن كانت رعاية الاحتياط حسنة.
وإن لم يكن هناك مجتهد آخر، ولا رسالته يجوز العمل بقول المشهور بين العلماء شهرة مطلقة، أو شهرة قدمائية، أو شهرة المتأخّرين، ولا ريب في
... إذا كان هناك من يقدر على تعيين قول المشهور... .
حسن تقديم الاوّل على الاخيرين إذا كان هناك من يقدر على تعيين قول المشهور.


فروع عديدة
الفرع الاوّل: وجوب التأخير مع الامكان

ذكر الماتن (قدس سره) هنا في هذه المسألة فروعاً عديدة:
الاوّل: وجوب التأخير مع الامكان، في قوله (قدس سره): « فإن أمكن تأخير الواقعة إلى السؤال، يجب ذلك » وفي هذا الفرع مطلبان ينبغي بحثهما:


هنا مطلبان
أوّل المطلبين

المطلب الاوّل: الاحتياط عِدل التقليد، فلماذا أخّر الماتن الاحتياط إلى مرحلة عدم التمكّن من تأخير الواقعة ؟ أليس الاحتياط جائزاً حتّى مع العلم بفتوى الاعلم ؟ ولذا صرّح جمع بذلك في تعاليقهم هنا، كالوالد، والحائري وغيرهما.
وقد تقدّم في المسألة الثانية قول الماتن (قدس سره): « الاقوى جواز العمل بالاحتياط مجتهداً كان أو لا » وقد صرّح في المجمع(12) بذلك ولم يعلّق أحد حتّى الماتن، قال ما ترجمته بالعربية: « لو لم يستطع المكلّف الوصول إلى المجتهد، ولا إلى رسالته، ولا إلى ناقل عادل، وجب عليه العمل بالاحتياط إن لم يكن موجباً للعسر والحرج ».
ثمّ إنّ المراد من إمكان تأخير الواقعة: الامكانين: العقلي والشرعي جميعاً، أمّا إذا أمكن العقلي فقط دون الشرعي كموارد الضرر والحرج، فلا يجب تخصيصهما، وأمثالهما لادلّة الاحكام الاوّلية.
واحتمال عدم ذلك لانّ المورد شكّ في الحكم الوضعي فلا يخصّصانه، إذ الضرر والحرج لا يجعلان غير الحجّة حجّة، غير وارد لقصور الادلّة شرعيّها وغيره عن الشمول لمثل ذلك.
ثمّ إنّ من الواضح: أنّ الوجوب في المقام عقلي لمقدّمة الوجود، لا شرعي لا وضعاً ولا تكليفاً، لعدم الدليل عليه مولوياً بخصوص أو عموم.


ثاني المطلبين

المطلب الثاني: وجوب تقليد الاعلم ـ على مبنى كثيرين ـ إنّما هو مع إمكانه، ومع عدمه ينتقل إلى تقليد غير الاعلم بلا حاجة إلى تأخير الواقعة.
وظاهر عبارة المتن في المسألة الثانية عشرة ذلك، إذ قال: « يجب تقليد الاعلم مع الامكان على الاحوط » ولذا أشكل عليه بذلك ـ هنا في المسألة الستين ـ جمع كالحائري قال: « الظاهر جواز الاخذ من غير الاعلم مع اجتماع الشرائط » وقال النائيني (قدس سره): « بل يجوز الرجوع إليه وإن أمكن الاحتياط أيضاً، ولا يتعيّن هو إلاّ مع عدم إمكان التقليد بالكلّية ». ومثلها البروجردي وكاشف الغطاء وابن العمّ والوالد والاخ الاكبر (قدس سرهم) وآخرون.
والذي ينبغي على مبنى غير الماتن أن يقول: إذا عرضت للمقلّد مسألة لا يعلم حكمها ولم يكن الاعلم حاضراً، تخيّر بين:
1. تأخير الواقعة.
2. وبين تقليد غير الاعلم.
3. وبين الاحتياط.


الفرع الثاني: الاحتياط مع الامكان متعيّن

الثاني: تعيّن الاحتياط مع الامكان، في قوله (قدس سره): « فإن أمكن الاحتياط تعيّن » فالظاهر: أنّ هذا خلاف المشهور حتّى الماتن (قدس سره) في العروة وغيرها.
قال في المجمع ما ترجمته بالعربية: « لو أمكن تقليد الاعلم قدّم، وإلاّ لزم تقليد غير الاعلم، ولكن التقليد لم يكن لازماً ولا متعيّناً على المكلّف، بل يجوز له العمل بالاحتياط »(13) ولم يعلّق أحد حتّى الماتن (قدس سره).
ويرد على قوله (قدس سره): « تعيّن » إشكال: من جهة أنّه حتّى إذا قلنا بوجوب تقليد الاعلم فالادلّة لا تفي بعموم الوجوب حتّى في مثل هذه الصورة كي يلتزم بتعيّن الاحتياط وعدم جواز الرجوع إلى مجتهد آخر، إذ عمدتها كانت: الاجماع المنقول، وبناء العقلاء، وأصالة التعيين، وكلّها إنّما هو فيما كان ممكناً تقليد الاعلم.
إذ بناء العقلاء على فرض تسليمه لا يعدو هذا الفرض، والاجماع لبّي والمتيقّن منه ذلك، وأصل التعيين في غير الفرض لا مورد له إن لم نقل بكونه مطلقاً محكوماً بالاطلاقات الشاملة للعالم والاعلم على حدّ سواء.
ولما ذكرنا علّق جمع من مراجع العصر على تعيّن الاحتياط في هذه الفقرة، منهم: المحقّق النائيني، والوالد (قدس سرهما).
قال الاوّل ـ عند كلمة « يجوز الرجوع » ـ: « بل يجوز الرجوع إليه وإن أمكن الاحتياط أيضاً ولا يتعيّن هو إلاّ مع عدم إمكان التقليد بالكلّية ».


الفرع الثالث: الرجوع إلى الاعلم فالاعلم

الثالث: جواز الرجوع إلى الاعلم فالاعلم، في قوله (قدس سره): «وإن لم يمكن ـ أي: الاحتياط أيضاً ـ يجوز الرجوع إلى مجتهد آخر الاعلم فالاعلم» وفي هذا الفرع بحثان:
الاوّل: قوله: « يجوز » من باب إذا جاز وجب، لانّه ليس في الفرض طريق آخر للعامي إلاّ تقليد غير الاعلم، والواجب التخييري إذا انحصر في أحد الاطراف تعيّن.
الثاني: قوله: « الاعلم فالاعلم » فإنّ الماتن ـ كالكثير من الفقهاء ـ احتاط في تقليد الاعلم من رأس، ولذا قال الماتن في المسألة الثانية عشرة: « يجب تقليد الاعلم مع الامكان على الاحوط » ولذا فمقتضى القاعدة: أنّ الرجوع إلى « فالاعلم » احتياط، يمكن للمقلّد معه العدول إلى مجتهد آخر يفتي بعدم لزوم « فالاعلم ».


الفرع الرابع: العمل بقول المشهور

الرابع: قوله (قدس سره): « العمل بقول المشهور » وهنا في هذا الفرع مطالب:


مطالب ثلاثة
المطلب الاوّل: وجوب الهجرة

الاوّل: جاء في رسالة صاحب الجواهر والشيخ والمجدّد (قدس سرهم) وآخرين قبل العمل بالمشهور، وجوب الهجرة إن لم يكن حرجاً.
قال في المجمع ما ترجمته بالعربية: « وإن لم يمكن الاحتياط: وجب عليه أن يهاجر من بلاده ما لم يؤدّ إلى العسر والحرج، وإلاّ أخذ بقول مشهور الاصحاب »(14).
ولم يعلّق حتّى الماتن، فلماذا لم يذكره هنا ؟ لعلّه لتبدّل نظره، أو لغلبة العسر والحرج، أو غير ذلك.
وقبل صاحب الجواهر ذكر ذلك كاشف الغطاء (قدس سره) في كشفه، قال: « وإذا تعذّر الجميع وجبت الهجرة عن تلك الديار، وربما قيل بالوجوب في جميع أقسام الاضطرار »(15).
لكنّه (قدس سره) ذكر الهجرة بعد الجميع لا في الوسط.


الدليل على الهجرة

فما الدليل للهجرة ؟
دليله: أنّها مقدّمة وجود للتمكّن من امتثال الواجبات المطلقة، فتكون واجبة عقلاً، نظير شراء الرسالة، والذهاب إلى دار مرجع التقليد، أو الكتابة إليه، لاستعلام الحكم الشرعي ونحو ذلك.


العمل بقول المشهور ودليل حجّيته
أوّل الادلّة

وأمّا دليل حجّية قول المشهور، فأُمور:
أحدها: الانسداد الصغير، لتمامية مقدّماته:
1. لتكليفه إجمالاً.
2. وعدم العلم والعلمي.
3. وعدم إمكان الاحتياط وجداناً أو تعبّداً.
4. عدم جواز الاهمال في هذه الحال بالضرورة.
فيكون الحاصل من قول المشهور ظنّاً معتبراً ـ عقلاً بناءً على الحكومة، وشرعاً على الكشف.
وفيه: أنّ الحجّة حينئذ كلّ ظنّ بالتكليف حتّى عن غير المشهور، فلا خصوصية للشهرة.


ثاني الادلّة

ثانيها: قوّة احتمال مطابقته للواقع في مقابل قول النادر.
وفيه: ما تقدّم في شرح المسألة الثانية عشرة في بحث تقليد الاعلم، من المناقشة فيه كبرى وصغرى.


ثالث الادلّة

ثالثها: مناط الرجوع إلى مجتهد آخر موجود فيه إن لم يكن ما نحن فيه أولى.
وذلك لانّ المراد من الشهرة إن كانت شهرة الاموات فأدلّة حرمة تقليد الميّت ابتداءً ـ على فرض تماميتها ـ منصرفة إلى غير محلّ الكلام ممّا انسدّ فيه على المكلّف الطرق.
وإن كان المراد شهرة الاحياء فلم يخالف فيه القاعدة سوى عدم تعيين مرجع التقليد، وهو إن قلنا بلزومه اختياراً ـ على إشكال قوي فيه أيضاً كما مرّ ـ فلا نقول بلزوم التعيين في الاضطرار كما نحن فيه.
بل ربما يقال بتقديم فتوى المشهور بين الاحياء على فتوى فقيه معيّن، بل ربما لا يبعد القول بتقديمه حتّى على فتوى الاعلم إذا خالف المشهور ـ بناءً على القول بوجوب تقليد الاعلم ـ وذلك لانّ بناء العقلاء والاقربية إلى الواقع وغيرهما إن لم نقل بتوفّرها في الشهرة فلا نقول به في فتوى الاعلم المخالف للمشهور، فتأمّل.


المطلب الثاني: المراد من المشهور

الثاني: ظاهر عبارة الماتن (قدس سره): « يجوز العمل بقول المشهور » أنّ مراده بالمشهور الشهرة المطلقة قدمائية ومتأخّرية جميعاً، أمّا إذا أُحرزت إحداهما دون الاُخرى، أو تخالفتا، فلا يبعد صحّة العمل عليها في الاوّل، بل التخيير في الثاني: إمّا لملاك التخيير في الاخبار، أو في مطلق المتعارضين ـ إن قلنا بأنّه في الاخبار على وفق القاعدة.
لكن قد ترجّح الشهرة القدمائية لترجّحها بعملهم بالنصوص أكثر، وباحتمال كونها عن نصّ لم يصلنا وإن كان هذا الاحتمال غير قوي ـ على ما قاله بعضهم ـ فتأمّل.


المطلب الثالث

الثالث: ورد في رسالة المجدّد الشيرازي (قدس سره) تبعاً لشيخه الانصاري (رحمه الله) في رسالة: « صراط النجاة » قبل وصول النوبة إلى العمل بقول مشهور الفقهاء: وجوب الهجرة من ذاك المحل إذا لم يكن عسراً وحرجاً (16).
وربما يدّعى تضمّن عبارة المتن لذلك أيضاً، لاطلاق مثل قوله: « وإلاّ فإن أمكن الاحتياط » وقوله: « وإن لم يكن هناك مجتهد آخر » ونحو ذلك، لكنّه غير ظاهر، مضافاً إلى أنّ الماتن (قدس سره) لم يكن بالمختزل كثيراً، فإمّا لم يتبادر ذلك إلى
... وإذا عمل بقول المشهور ثمّ تبيّن له بعد ذلك مخالفته لفتوى مجتهده فعليه الاعادة أو القضاء... .
ذهنه ليذكره بنفي أو إثبات، وإمّا لم ير لزوم الهجرة.
وعلى كلّ حال فهنا مسائل: أصل وجوب الهجرة، وتقييدها بعدم الضرر والحرج وحدودهما; وتقييدها بعدم العسر، وسنذكر ذلك كلّه في المسائل التي سنلحقها في الخاتمة إن شاء الله تعالى.
وبناء العقلاء على الرجوع إلى مشهور أهل الخبرة إن أمكن تحصيله، إمّا مطلقاً حتّى مع إمكان تحصيل الاعلم فيهم، وإمّا في الفرض بالخصوص ممّا لم يمكن.
ولعلّه هو أقوى أدلّة المقام، وإن خدش فيه بعضهم لكنّها على الظاهر في غير محلّها، فتأمّل.


الفرع الخامس: لو ظهر مخالفة مجتهده للمشهور

الخامس: قوله (قدس سره): وإذا عمل بقول المشهور ثمّ تبيّن له بعد ذلك مخالفته لفتوى مجتهده فعليه الاعادة إن كان الوقت باقياً أو القضاء بعد الوقت، وفي هذا الفرع أُمور ينبغي بحثها:


أُمور ينبغي بحثها
الامر الاوّل

الاوّل: في الدليل على ذلك، وعمدته: أنّ الاصل عدم الاجزاء، وهذه من صغريات هذا الاصل، لانّ تكليفه الشرعي كان العمل بقول مرجعه ومع عدم التمكّن منه يكون تكليفه العقلي مجتهد آخر، أو الشهرة، أو غيرهما، والتكليف مراعى بعدم كشف الخلاف، فإذا انكشف الخلاف لا موضوع للتكليف العقلي.


إيراد ونقاش

وفيه: أنّه حقّق في الاُصول عند جمهرة ـ وإن كان فيه خلاف ـ أنّه تجب الاعادة ونحوها عند انكشاف الخلاف واقعاً، لا تعبّداً، إذ التعبّد لا ينافي احتمال مخالفة فتوى مجتهده للواقع، فما لم يحرز فتواه وأخذ بقول آخر، ثمّ انكشفت المخالفة لمرجعه فلعلّ مرجعه خلاف الواقع.
وقد تقدّم في شرح المسألة الثالثة والخمسين في من قلّد مجتهداً فمات، فقلّد آخر وكان يقول ببطلان أعماله السابقة لا يجب عليه الاعادة، تقدّم منّا ذلك.
ولذا قال في العروة هناك: « لا يجب عليه إعادة الاعمال السابقة ».
ووافقه جمهرة ممّن لم يعلّق هناك، وكذا في نظائره: كعدول المجتهد عن رأيه لنفسه ولمقلّديه ونحو ذلك. لبناء العقلاء على الاجزاء في الرجوع من الجاهل إلى العالم، وهذا البناء أمارة واردة على الاصل العقلي ـ عدم الاجزاء ـ لانّ ملاك الاصل احتمال الضرر والبناء العقلي ناف لهذا الاحتمال.


تأييد وتثبيت

وممّا يؤيّد عدم لزوم الاعادة والقضاء خلوّ كلمات الفقهاء السابقين على صاحب العروة ـ كصاحب الجواهر في مجمعه والشيخ والمجدّد وغيرهم (قدس سرهم) ـ عن ذكر القضاء والاعادة، ودونك كمثال المسألة الثامنة والثلاثين من المجمع.
ومن الغريب ما ذكره البعض: من أنّه إذا لم ينكشف الموافقة لفتوى مرجعه أيضاً تجب عليه الاعادة، قال: « ووجوب الاعادة ـ في مثله ـ غير مقيّدة بما بعد الانكشاف، لانّه لو لم ينكشف الخلاف أيضاً وجبت إعادته لتردّده في مطابقة عمله للواقع وعدمها ».
وفيه: التردّد ملغى بالتعبّد العقلائي في طريق الاطاعة.


إشكال وجواب

إن قلت: فرق بين ما نحن فيه ـ الذي هو تكليف لعدم وجود الحجّة عنده ـ وبين عدول المجتهد عن فتواه، أو العدول من الميّت إلى الحي مع اختلاف الفتوى، والفارق: أنّ في الاخيرين ـ ونحوهما ـ كانت له حجّة سابقاً.
قلت: ـ مضافاً إلى أنّ الحجّة، حجّة، سواء كان السبب الانسداد، أو غيره ـ إنّ إطلاق الاخيرين شاملان لما إذا كانت الفتوى السابقة على الاصل، ثمّ عثر على الدليل، كما لصاحب الجواهر (قدس سره) وغيره في بعض الموارد، فتأمّل.
واستدلّ لذلك بأنّ العمل بقول المشهور إنّما هو من باب الانسداد وهو حكم العقل المرتفع بالدليل الشرعي ـ وهو قول مجتهده ـ على البطلان.
وفيه: 1. قد يكون حكم المجتهد بالبطلان على حكم العقل: كعدم الاجزاء والاشتغال العقلي.
2. هذا على الحكومة دون الكشف، فإنّه حكم شرعي.


الامر الثاني

الثاني: هل هذه الاعادة مطلقاً، أو إذا انكشف الخلاف خاصّ بالعمل بقول المشهور،  أو مطلق حتّى إذا عمل  بفتوى  مجتهد آخر  «الاعلم فالاعلم» ؟
مقتضى ما ذكروه في العمل بقول المشهور جار في ذلك أيضاً، وإن خصّه الماتن (قدس سره) بالعمل بقول المشهور.


الامر الثالث

الثالث: هذا الحكم ـ وهو وجوب الاعادة، أو القضاء ـ يعمّ جميع الاحكام التكليفية والوضعية، دون خصوص الاعادة والقضاء، كالملكية وعدمها، والطهارة والنجاسة، والزوجية وعدمها، والكفّارة والفدية والضمان والقصاص، وغير ذلك.


الامر الرابع

الرابع: لا إشكال في أنّ وجوب الاعادة أو القضاء لا يبنيان على مطلق مخالفة ما عمله لفتوى مجتهده ـ كما ربما يستفاد من إطلاق كلام صاحب العروة ـ بل إذا أفتى مجتهده بوجوب الاعادة أو القضاء.
إذ مثلاً: قد تكون فتوى مجتهده وجوب ثلاث تسبيحات في الثالثة والرابعة، ولكن لا يوجب الاعادة والقضاء لمن خالف جهلاً.
وقد تكون فتواه وجوب الترتيب في أعمال منى، ولكن لا يوجب الاعادة لمن خالف جهلاً.
وبذلك علّق الوالد (قدس سره) قال: « إذا كان يفتي بالاعادة أو القضاء بمثل تلك المخالفة، وكذا في الفرع الاخير ».


الامر الخامس

الخامس: قد يقال: إنّ الطرق العقلائية لا تقدّم بعضها على آخر ـ في أمثال المقام ـ فيكون مخيّراً بين تقليد مجتهد آخر، وبين مشهور الفقهاء، وبين أوثق الاموات ونحوها، فتأمّل.


الامر السادس

السادس: قال بعض بالتفصيل بين كون المسألة: صلاة والخلاف في غير الركن فتشمله « لا تعاد »، وبين الاركان وغير الصلاة فتجب الاعادة مطلقاً.
وصرّح البعض بعدم الفرق، إذ ظاهر حديث « لا تعاد » أنّه خاصّ بمن عمل معتقداً الصحّة، لا مثل المقام.
وفيه: 1. لا تفصيل، بل الملاك بناء العقلاء كما تقدّم.
2. كان العامل بفتوى المشهور معتقداً للصحّة.
3. « لا تعاد » أعمّ، بناءً على شموله للجاهل الملتفت.


تعقيب وتتميم

والانصاف ـ بعد الغضّ عن كون الاحتياط حسناً على كلّ حال كما قيل ـ أنّ الادلّة قاصرة عن إلزامه بالاعادة والقضاء مطلقاً، وذلك لانّ محاذير تقليد العالم، والعدول، وغير المعيّن ونحو ذلك، التي منعنا عنها لاجل تلك المحاذير، غير شاملة لما نحن فيه ممّا لا طريق للمكلّف إلى غيرها: إمّا عقلاً أو شرعاً بضرر أو حرج أو عسر أو نحوها، فالتزام صحّة أعماله حتّى بعد انكشاف مخالفتها لفتوى من كان يقلّده ليس بعيداً عن الصواب.
هذا كلّه في صورة تعيّن تقليد مجتهد معيّن عليه، أمّا إذا كان المجتهد الذي قلّده من باب التخيير بينه وبين غيره ـ سواء التخيير الشرعي المبني على عدم الدليل على التعيين، أم العقلي المبني على الدوران بين المحذورين ـ فظهور مخالفة عمله لفتوى مجتهده لا يوجب الاعادة ولا القضاء، ولا ترتيب آثار الفساد الاُخرى.
نعم، إذا انكشف بعد ذلك مخالفة عمله للواقع، إمّا بطريق اجتهاده بعد ذلك، أو بطريق آخر، فوجوب الاعادة والقضاء ونحوهما وعدمه مبنيّان على تمامية مسألة الاجزاء وعدمها في أمثال ذلك وتفصيله في الاُصول.
... وإذا لم يقدر على تعيين قول المشهور يرجع إلى أوثق الاموات... .


الفرع السادس: لو لم يتعيّن قول المشهور

السادس: قوله (قدس سره): وإذا لم يقدر على تعيين قول المشهور مطلقاً يرجع إلى أوثق الاموات إمّا على الاطلاق، أو نسبياً.
والوجه فيه: 1. إمّا بناء العقلاء على ما استقربناه، ولو كان سببه الانسداد.
2. أو الانسداد كشفاً، أو حكومةً، ويبنى على ذلك ما تقدّم آنفاً.
وإشكال تقليد الميّت ابتداءً، المبني على الاجماع غير آت هنا، لانّه دليل لبّي لا إطلاق له، بعد بناء العقلاء على كفاية مثله خصوصاً مع التعذّر لغير الميّت كما فيما نحن فيه.


بين الاوثق والاعلم

ثمّ إنّ التعبير بـ: « أوثق الاموات » متابعة للشيخ الانصاري (قدس سره) حيث عبّر بذلك في رسالته (صراط النجاة) وتبعه عليه تلميذه المجدّد الشيرازي (قدس سره) في مجمع المسائل وإن قيّداه بـ: « في الفتوى » والعدول عن « أعلم الاموات » قد يقال بترادفهما، خصوصاً مع التقييد بـ: « في الفتوى » لانّ الاعلم هو الاوثق في الفتوى.
لكنّه خلاف ظاهر بل صريح الشيخ والمجدّد (قدس سرهما) في رسالتيهما في أوائل التقليد، حيث قالا ـ ما ترجمته ـ: « إذا كان مجتهدان متساويان في الفقاهة... فهو مخيّر في تقليد أيّهما... ثمّ قالا: إذا كان أحد المجتهدين المتساويين أوثق في الفتوى، فالاوثق مقدّم، ولكن الاعلم العادل مقدّم على الاعدل العالم »(17) وعلّق المجدّد (رحمه الله) على كلمة « أوثق » بقوله: « الاوثق يعني شدّة الاعتماد عليه ».
فلعلّ المراد بالاوثق ـ بهذه القرائن ـ الاكثر تأمّلاً وتريّثاً في مقام الفتوى.


كلام الشيخ والمجدّد

ثم إنّ الشيخ الانصاري والمجدّد (قدس سرهما) وسّطا بين الرجوع إلى المشهور، وبين أوثق الاموات بالاشهر فالاشهر، ولم يعلّق الماتن هناك وهو في محلّه، فاغفاله هنا غير ظاهر الوجه وتقدّمهما على الظنّ الشخصي للعامي في محلّه، إذ مع إمكان مراجعة أهل الخبرة لا تتمّ مقدّمة ـ فقد العلمي ـ حتّى تصل النوبة في الانسداد إلى الظنّ.
بل ربما يقال: إنّه إذا وجد فقيه ـ حي أو ميّت ـ فاقد لشرائط التقليد غير الفقه والوثاقة، يكون مقدّماً على الظنّ الشخصي، لبناء العقلاء، وعدم إحراز تقييد القيود الشرعية ـ مثل العدالة وطهارة المولد ونحوهما ـ حتّى في مثل ذلك، إن لم يكن محرز العدم.
نعم، يشكل الامر في الفقيه الفاقد للايمان، أو المستنبط من غير طرق أهل البيت (عليهم السلام)، حيث إنّ من الروايات قد يستفاد أنّ الشرع يبغض مراجعتهم وإطلاقها قد يشمل حتّى هذه الموارد.
مثل صحيح علي بن سويد ـ على الاصحّ ـ قال: « كتبت إلى أبي الحسن موسى (عليه السلام) وهو في الحبس كتاباً أسأله عن حاله وعن مسائل كثيرة، فاحتبس الجواب عليَّ أشهر ثمّ أجابني بجواب هذه نسخته... ويظهر منها أنّه (عليه السلام) كان في حبس السندي الذي دسّ هارون عبره السمّ إليه (عليه السلام) حيث قال (عليه السلام): أنعى إليك نفسي في لياليّ هذه، غير جازع ولا نادم... لا تأخذنّ معالم دينك من غير شيعتنا فإنّك إن تعدّيتهم أخذت دينك من الخائنين الذين خانوا الله ورسوله وخانوا
... وإن لم يمكن ذلك أيضاً يعمل بظنّه... .
أماناتهم... »(18).


الفرع السابع: العمل بالظنّ

السابع: قوله (قدس سره): وإن لم يمكن ذلك أيضاً يعمل بظنّه الشخصي المطلق، أي بترجيح نظره في الواقعة، وقيّد بعضهم ذلك بقوله: « إذا لم يمكنه تحصيل فتوى فقيه ميّت، وإلاّ قدّم على ظنّه الشخصي » وهو حسن بل لازم، لانّ مراجعة أهل الخبرة مطلقاً مقدّمة على الظنّ الشخصي، إذ مع إمكانها لا تتمّ مقدّمات الانسداد حتّى تصل النوبة إلى الظنّ، فالترتيب كما يلي:
1. الشهرة.
2. الاشهر.
3. أوثق فقيه ميّت.
4. أيّ فقيه ميّت جامع للشرائط.
5. الفقيه الثقة المؤمن المستنبط من طرق أهل البيت.
6. الظنّ الشخصي، ودليله الانسداد المنتهي إلى حكم العقل بحجّية الظنّ، أو كشف العقل عن حكم الشارع بالحجّية حينئذ، وبناء العقلاء.
ولازمه ـ عقلاً ـ عدم جواز العمل بالوهم إذا كان منافياً للاحتياط.


تنظّر وتأمّل

لكن في إطلاقه تأمّل، إذ لو كان الفاصل بين الظنّ والوهم كثيراً في حساب الاحتمالات فهو في محلّه عقلاً وعقلائياً.
... وإن لم يكن له ظنّ بأحد الطرفين يبنى على أحدهما وعلى التقادير بعد الاطّلاع على... .
وأمّا لو كان قليلاً كما إذا كان المظنون بنسبة 55% والموهوم بنسبة 45% فهل يجب التقديم عقلاً، ويلزم به العقلاء، أم يخيّر، أم يشكّ ؟
1. فإن قلنا بوجوب التقديم فهو، ولكن عهدة بناء العقلاء وحكم العقل الزاماً على مدّعيهما.
2. وإن قلنا بالعدم، فالعدم.
3. وإن شكّ فمقتضى البراءتين عدم اللزوم، إلاّ أن يقال مبنىً: بوجوب تقديم محتمل الاهمية في باب التزاحم، وبناءً: بأنّ ما نحن فيه يشترك مع التزاحم ملاكاً، فتأمّل.


الفرع الثامن: لو لم يكن ظنّ فالتخيير

الثامن: قوله (قدس سره): وإن لم يكن له ظنّ بأحد الطرفين يبني على أحدهما للزوم الاطاعة الاحتمالية بعد تعذّر الاطاعة الجزمية والظنّية وهذا هو التخيير العقلي « اللاّبدية » والتعبير عنه بالتخيير مجاز ـ كما حقّقه المحقّق النائيني (قدس سره) ـ إذ لا حكم للعقل، لعدم إمكانه بعد عدم إمكان الاحتياط.
نعم، التخيير هنا بمعنى عدم دليل على تقديم جانب الايجاب، أو السلب، ومعه تتحقّق اللاّبدّية العقلية.
وهناك مراجع أُخرى يجب الرجوع إليها لم يذكرها المصنّف على خلاف في تقدّمها وتأخّرها عن غيرها: كالرجوع إلى كتب الحديث، أو تقليد المجتهد غير الجامع للشرائط مطلقاً، باستثناء غير المؤمن أو غير ذلك.
ثمّ أعاد الماتن (قدس سره) الكلام السابق فقال: وعلى التقادير بعد الاطّلاع على
... فتوى المجتهد إن كان عمله مخالفاً لفتواه فعليه الاعادة أو القضاء.
فتوى المجتهد إن كان عمله مخالفاً لفتواه فعليه الاعادة أو القضاء وكذا ترتيب سائر الاثار والاحكام الاُخرى، ولعلّ الاعادة لبيان عدم الفرق بين الامرين في وجوب الاعادة والقضاء، لكنّه كما تقدّم إذا أمر المجتهد بوجوبهما ـ كما لا يخفى ـ.
وقد صرّح بذلك الوالد والسيّد الميلاني (قدس سرهما)، وتقدّمت عبارة الوالد وعبارة الميلاني: « إن لم يَجرِ شيء من القواعد النافية لهما أي: النافية للاعادة والقضاء فإيجابهما يناط بفتوى المجتهد، وكذا الكلام في التقادير الاُخرى ».


التفصيل في الاعادة والقضاء

لكن قد يفصّل: بين مثل العمل بفتوى مجتهد، وبين العمل بالظنّ الشخصي أو الاحتمال، بعدم وجوبهما في الاوّل لسلوكه طريقاً عقلائياً، وكونه حجّة حينئذ عندهم، دون الثاني إذ الظنّ والاحتمال الشخصيان من غير أهل الخبرة ليسا حجّة عند العقلاء، بل مجرّد دفع احتمال العقاب ما دام لم ينكشف الخلاف فإذا انكشف الخلاف، فلا.


التصريح بالتفصيل

وصرّح جمع من الفقهاء بالتفصيل في كشف الخطأ: بين خطأ الحجّة فلا إعادة ولا قضاء، وبين خطأ المقلّد فتجب الاعادة والقضاء، منهم: الشيخ محمّد تقي الشيرازي (قدس سره) في حاشية « ذخيرة المعاد »(19) حيث لم يعلّق على ما ترجمته بالعربية: « لو فهم المقلّد من الرسالة وغيرها شيئاً وكان مخالفاً للواقع، لزمه الاعادة والقضاء، لانّه كان معذوراً وليس مأموراً، وكان كمن نسي رأي المجتهد واعتقد ما كان خطأً.
وأمّا لو أخبر المجتهد أو الناقل، فلا إعادة ولا قضاء، لانّه كان مأموراً بأمر شرعي، والامر الشرعي الظاهري هو ـ عرفاً وشرعاً ـ منشأ سقوط الاعادة والقضاء، إلاّ إذا كان الاخلال بركن أو بشرط واقعي ».
وفي « سرور العباد » رسالة الشيخ الانصاري (قدس سره) بحواشي المجدّد(20) ما ترجمته: « لو سمع أحد قول مجتهده من ناقل عادل وصلّى طبقه، ثمّ ظهر خلافه، فإن كان في الوقت أعاد، وإن كان خارجه فلا ضرر » وعلّق صاحب العروة على قوله: « ثمّ ظهر خلافه » بقوله: « يعني: ظهر خطأه في النقل » مكتفياً بذلك.
وغير هذه العبارة في « مجمع المسائل » للمجدّد بحواشي الشيرازيين والكاظمين والسيّد إسماعيل الصدر (قدس سرهم) ولم يعلّق على عدم القضاء خارج الوقت، سوى المجدّد واليزدي بقولهما ما ترجمته: « محلّ إشكال ».
وفي كشف الغطاء: «... بنى على صحّة ما تقدّم من العمل سواء كان عن اجتهاد أو تقليد، ولو حصل العلم بخلافه أعاد ما فات »(21).


وجه الاطلاق والتفصيل

أقول: وجه هذه الاقوال من إطلاق وتفصيل كالتالي:
1. أمّا القول بوجوب الاعادة والقضاء: فلانّه لم يأت بالمأمور به على وجهه، فعليه الاعادة.
وأمّا القضاء: فعلى القول بأنّه للتبعية للاداء فواضح، وعلى القول بأنّه بأمر جديد، لانّ الاتيان بالناقص كلا إتيان.
2. وأمّا القول بوجوب الاعادة دون القضاء، إذ المتيقّن من الامر بالقضاء، ما كان تركاً حقيقة أو حكماً بترك ركن، وما ليس، فليس.
3. وأمّا القول بعدم وجوبهما، لانّه كان مأموراً عرفاً عقلائياً أو شرعاً، فلا دليل على وجوبهما عليه.
والاتيان بالناقص، وإن كان حقيقة كلا إتيان، إلاّ أنّه إذا كان بأمر العقلاء أو الشرع، فلا وجوب معه عند العقلاء.


تنظير وتأييد

ويمكن الاستفادة لذلك ممّا ذكره الفقهاء في المأموم المنحصر بإمام يصلّي باستصحاب الطهارة، وإمام يصلّي احتياطياً عقلياً.
فيجوز ترتيب آثار الجماعة ـ من الاتيان بركوع متابعي ونحوه ـ في الاوّل دون الثاني.
قال الماتن (قدس سره) في مستحبّات الجماعة ومكروهاتها: « إذا كان الامام يصلّي أداءً أو قضاءً يقينياً، والمأموم منحصر بمن يصلّي احتياطياً يشكل اجراء حكم الجماعة: من اغتفار زيادة الركن... لعدم إحراز كونها صلاة. نعم، لو كان الامام، أو المأموم، أو كلاهما يصلّي باستصحاب الطهارة، لا بأس بجريان حكم الجماعة، لانّه وإن كان لم يحرز كونها صلاة واقعية ـ لاحتمال كون الاستصحاب مخالفاً للواقع ـ إلاّ أنّه حكم شرعي  ظاهري... »(22).
والفرق بين ما نحن فيه ـ الذي فيه كشف الخلاف ـ وبين المسألة المذكورة وإن كان واضحاً إلاّ أنّ الشاهد في التفريق بين الحكم الشرعي، والحكم العقلي الاحتياطي.
وكذا قال الماتن (قدس سره) في شرائط صلاة الميّت: « إذا صلّى أحد عليه معتقداً بصحّتها ـ بحسب تقليده أو اجتهاده ـ لا يجب على من يعتقد فسادها ـ بحسب تقليده أو اجتهاده ـ »(23).
ووافقه جمع أمثال: كاشف الغطاء وابن العمّ ـ في غير الولي ـ فاحتاط، والبروجردي وآخرين أيضاً.


أقوال المسألة

والمسألة محلّ خلاف فالاقوال فيها ـ كما في المحاضرات ـ على ما يلي:
1. الاجزاء مطلقاً.
2. عدم الاجزاء مطلقاً.
3. التفصيل بين إنكشاف الخلاف بعلم وجداني فعدم الاجزاء، وبين انكشافه بالتعبّدي، فالاجزاء.
4. التفصيل بين السببية فالاجزاء، وعدمها فلا إجزاء.
5. التفصيل في أقسام السببية بالاجزاء في بعضها دون بعض.
6. التفصيل بين الامارات والاُصول بالاجزاء في الاُصول دون الامارات، وهذا الاخير هو مختار الكفاية فيها(24) ـ وإن لم يلتزم به في الفقه ـ.


(1) التنقيح: ج1، ص30.
(2) الوسائل: الباب10 من أبواب صفات القاضي، ح20.
(3) النحل: 43.
(4) النحل: 43.
(5) المعارج: ص202.
(6) رسائل الكركي: ج3، ص174.
(7) الوسائل: الباب11 من أبواب صفات القاضي، ح23.
(8) الوسائل: الباب11 من أبواب صفات القاضي، ح15.
(9) الجواهر: ج15، ص11، وج30، ص277.
(10) فرائد الاُصول: ج1، ص299.
(11) بحث التقليد لشريف العلماء: ص376، مخطوط.
(12) مجمع الرسائل: م38.
(13) مجمع الرسائل: م2.
(14) مجمع الرسائل: م38.
(15) كشف الغطاء: ج1، ص42.
(16) مجمع المسائل: ص9.
(17) صراط النجاة: ص3، ومجمع المسائل: ص6.
(18) الوسائل: الباب11 من أبواب صفات القاضي، ح42.
(19) ذخيرة المعاد: ص12.
(20) سرور العباد: ص1.
(21) كشف الغطاء: ج1، ص35.
(22) العروة الوثقى: فصل في مستحبّات الجماعة ومكروهاتها، م7.
(23) العروة الوثقى: فصل في شرائط صلاة الميّت، م14.
(24) الكفاية: ص86، طبعة آل البيت (عليهم السلام).