المسألة (59): إذا تعارض الناقلان الثقتان في نقل الفتوى تساقطا على المعروف بين
الفقهاء من تساقط الامارتين بالتعارض مطلقاً.
هذه هي الفقرة الاُولى في هذه المسألة وهي في تعارض المنقول، والفقرة الاُخرى في
تعارض الاحوال، كتعارض النقل عنه مع الرسالة، أو أحدهما مع الشفاه.
أمّا الفقرة الاُولى من المسألة: وهي في تعارض الناقلين، أو البيّنتين، فقد
تقدّم بحثه في شرح المسألة العشرين عند قول الماتن (قدس سره): « يعرف اجتهاد
المجتهد... وكذا يعرف بشهادة عدلين من أهل الخبرة، إذا لم تكن معارضة بشهادة
آخرين من أهل الخبرة ينفيان عنه الاجتهاد » وأنّ جمعاً من المعاصرين اختاروا
الترجيح مع أرجحية أحدهما، والتخيير مع عدمها، وفي تعليقة السيّد
... وكذا البيّنتان... .
الحكيم (رحمه الله) الحكم بالاخذ بالاوثق ومع التساوي في الوثوق التخيير، وبه قال
السيّدان: الاخ الاكبر والروحاني، ومال إليه بعض آخر ممّن نعاصرهم.
وكذا البيّنتان والكلام هو الكلام لوحدة الدليل فيهما وإجمال بحثه كما يلي:
للمسألة صور كالتالي:
1. اتّفاق النقلين زماناً.
2. اختلافهما زماناً مع معرفة السابق واللاحق.
3. اختلافهما زماناً مع عدم معرفة السابق واللاحق.
4. الشكّ في التعارض، والتقدّم وعدمه.
وفي جميعها: اشتباه الحجّة باللاّحجّة واقعاً، وإن كانا في الظاهر ـ لولا المعارضة
ـ كلاهما حجّة.
1. أمّا الصورة الاُولى: وهي اتّفاق النقلين زماناً، كالنقل الشفهي عنه مختلفاً في زمان واحد، أو بيّنتان كذلك، ففيها أقوال:
الاوّل: المشهور قديماً وحديثاً هو التساقط بإطلاق، وقد ذهب إليه الماتن (قدس سره)
في هذه المسألة(1) وكذا في المسألة السابقة مع سكوت المعظم: كالنائيني والحائري
والعراقي والوالد وابن العمّ والبروجردي وآخرين، تبعاً لصاحب الجواهر في مجمع
الرسائل (2) قال ما ترجمته بالعربية:
« ولو تعارض العادلان في نقل فتوى المجتهد، فالاولى: التوقّف والعمل بالاحتياط »
وهو معنى التساقط، ووافقه الكلّ إلاّ اليزدي صاحب العروة، حيث علّق على كلمة «
أولى » بقوله: « بل هو متعيّن » ولعلّ التعيّن هو مرادهم من الاولى، وسكت عليه
الكل: كالكاظمين، والشيرازيين، والشيخ الانصاري، والنائيني، والعراقي، والحائري
(قدس سرهم).
والمشهور ذهب إلى ذلك للسبر والتقسيم الرباعي، وعدم المجال إلاّ للتساقط، وذلك:
1. شمول أدلّة الحجّية لكليهما، وهو تناقض أو تضادّ، لا تشمله أدلّة الحجّية، إذ
أدلّة الحجّية هي الظهور الكاشف عن المراد الواقعي ويستحيل تعلّق الارادة الواقعية
بمتناقضين، أو متضادّين.
2. شمولها لاحدهما المعيّن ـ هذا معيّناً دون ذاك، أو العكس ـ وهو ترجيح بلا مرجّح.
3. شمولها لاحدهما غير المعيّن، وهذا لا موضوع له في الخارج، فكيف يتعلّق به حكم
خارجي ؟
4. التساقط.
الثاني: التخيير مطلقاً وله أدلّة:
أحدها: بناء العقلاء، وهو وارد على أصل التساقط، إذ الاصل موضوعه الشكّ ـ حيث لا
دليل ـ وبناء العقلاء دليل، فهو تعبّداً لا شكّ، فلا موضوع تعبّداً للاصل، وذلك:
لانّ ما نحن فيه صغرى لقاعدة: تقدّم كلّ أمارة ولو أضعفها على كلّ أصل ولو أقوى
الاُصول.
والتساقط للسبر والتقسيم الرباعي فيما لا دليل، لا مطلقاً، إذ لا وجه للتساقط مع
الدليل كما في الخبرين.
ثانيها: مناط التخيير في الخبرين بادّعاء عدم الخصوصية، لعدم فهم العقلاء من سرد
الروايات، الدالّة على التخيير، خصوصية كون التعارض في النقل عن المعصوم (عليه
السلام).
قال الشيخ (قدس سره): « نعم لو قيل: بالتخيير في تعارضها أي: تعارض غير الخبرين
من المتعارضين من باب تنقيح المناط، كان حكمها حكم الخبرين، لكن فيه تأمّل »(3).
ثالثها: أدلّة تخيير الخبرين، لكون تعارض النقل عن المجتهد، كتعارض النقل عن
المعصوم (عليه السلام) بلا فرق.
وأشكل المشهور في الجميع:
1. بالتشكيك في بناء العقلاء.
2. وعدم إحراز المناط.
3. وعدم كونه مصداقاً للخبرين.
لكن الاشكال غير وارد في جميعها، وقد تقدّم سابقاً.
الثالث: الترجيح، وذلك بوجوه:
1. إمّا بما في ترجيح الخبرين.
2. أو بمطلق الترجيح.
3. أو بالاوثقية وحدها.
1. أمّا الترجيح بما في تراجيح الخبرين، فقد قال الشيخ (قدس سره): « كما أي: يتأمّل في تماميته في إجراء التراجيح المتقدّمة في تعارض الاخبار مثل الاعدلية، والاصدقية، والاوثقية، والافقهية وإن كان الظاهر من بعضهم(4) عدم التأمّل في جريان جميع أحكام الخبرين من الترجيح فيها بأقسام المرجّحات مستظهراً عدم الخلاف في ذلك ـ ثمّ قال بعدها: ـ فإن ثبت الاجماع على ذلك... فهو، وإلاّ ففيه تأمّل »(5).
وفيه: ـ بعد تسليم عدم الاجماع بل عدم الشهرة، ودونك الفقه من المفيد حتّى اليوم
ـ أنّ التراجيح في الاصل وهو الخبران غير معمول به عند المشهور، بل العمل على
التخيير، فكيف في الفرع وهو ما نحن فيه وأمثاله ؟
قال المحقّق العراقي (قدس سره): « ثمّ إنّه: بعد ما تلونا عليك هذه الاخبار أي:
أخبار التراجيح يبقى الكلام في أنّه هل يجب الترجيح بجميع هذه المرجّحات، أو لا
يجب الترجيح بها، أو يفصّل بينها بوجوب الترجيح بموافقة الكتاب ومخالفة العامّة،
وعدم وجوبه في غيرهما ؟ فيه وجوه وأقوال: أقواها الاخير »(6).
وقال الشيخ الكليني (قدس سره) في ديباجة الكافي: « فاعلم ياأخي ـ أرشدك الله ـ
أنّه لا يسع أحداً تمييز شيء ممّا اختلف الرواية فيه عن العلماء (عليهم السلام)
برأيه، إلاّ... وذكر عدداً من نصوص الترجيح، ثمّ قال: ونحن لا نعرف من جميع ذلك
إلاّ أقلّه، ولا نجد شيئاً أحوط ولا أوسع من رَدّ علم ذلك كلّه إلى العالم (عليه
السلام)، وقبول ما وسّع من الامر فيه بقوله (عليه السلام): بأيّما أخذتم من باب
التسليم وسعكم »(7).
ونقلها أيضاً: « بأيّهما أخذت من باب التسليم وسعك »(8).
ونقلها أيضاً عن الامام الرضا (عليه السلام): « بأيّهما شئت وأحببت موسّع ذلك لك
من باب التسليم لرسول الله (صلى الله عليه وآله)، والردّ إليه وإلينا »(9).
2. وأمّا الترجيح بمطلق الترجيح حتّى بغير المنصوص، فلم أر من قال به هنا، بل في نفس الخبرين أيضاً لم يلتزم به مثل الشيخ (قدس سره) الذي ذكره في الرسائل، أي حتّى مثل الشيخ (قدس سره).
3. وأمّا الترجيح بخصوص الاوثقية، فقد صرّح بالترجيح بها نادر، كالسيّد أبي
الحسن الاصفهاني (قدس سره)، حيث قال في حاشية هذه المسألة من العروة: « إذا تساويا
في الوثاقة، وإلاّ فيؤخذ بنقل من يكون أوثق ».
هذا تمام الحديث عن الصورة الاُولى، وهي اتّحاد النقلين زماناً.
وأمّا الصورة الثانية: وهي اختلاف النقلين زماناً مع العلم بالمتقدّم والمتأخّر،
ففيها أنواع:
1. العلم بخطأ أحدهما المعيّن ـ الاوّل، أو الثاني ـ ولا بحث في خروجه عمّا نحن
فيه، لانّ البحث في غير العلم.
2. العلم بالعدول، ولا إشكال في الاخذ بالمتأخّر.
3. العلم بخطأ أحدهما ـ غير المعيّن ـ إمّا الاوّل، أو الثاني، وعدم احتمال العدول،
فمقتضى كونه شكّاً في المكلّف به، يجب الاحتياط لاشتغال الذمّة بالواقع الذي لا
يحرز إلاّ به.
ومقتضى دليل التخيير في باب التقليد: التخيير ـ ولذا في المتساويين قالوا بالتخيير
ـ.
لكن قد يشكل ذاك التخيير هنا، لانّ دليله إمّا بناء العقلاء، أو الاجماع، وكلاهما
في المقام غير محرز، لانّهما لبّيان.
4. وجود الاحتمالين: خطأ أحدهما في النقل، أو عدول المجتهد عن رأيه الاوّل.
فهنا قاعدتان:
1. أصالة عدم الخطأ (أي: عدم خطأ الناقلين في النقل).
2. أصالة عدم العدول.
فإن جعلناهما أصلين عمليين، أو قاعدتين عقلائيتين، فيتعارضان ويتساقطان، لعدم حجّية
مثبتات الاُصول العملية، والعلم الاجمالي ببطلان إحدى القاعدتين.
وإن جعلنا أحدهما أصلاً عملياً والاخر قاعدة عقلائية، تقدّمت القاعدة لحجّية
المثبتات للقاعدة، بخلاف الاصل، بناءً ـ على المشهور المنصور ـ من حجّية مثبتات
الامارات مطلقاً حتّى غير القولية منها.
وأمّا الصورة الثالثة: وهي اختلاف النقلين زماناً، والجهل بالمتقدّم والمتأخّر
منهما ـ سواء علم تاريخ أحدهما، أو جهل التاريخان ـ.
فهذه الصورة متفرّعة على الثانية، إذ هذه هي تلك بإضافة الجهل بتاريخ أحدهما أو
كليهما.
وهي مسألة استصحاب مجهولي التاريخ، وفي الاُصول قد بنينا ـ تبعاً للمعظم ـ بتساقط
الاستصحابين حتّى في معلوم التاريخ، والرجوع إلى الاصل العام وهو الاشتغال، إن لم
نقل بالتخيير في باب التقليد في هذا المورد كما تقدّم آنفاً، فتأمّل.
قال في الجواهر في رَدّ استصحابي مجهولي التاريخ ومعلوم التاريخ: « لا لاصالة
تأخّر الحادث، لما تقرّر فيها من الاشكال حتّى بالنسبة إلى معلوم التاريخ »(10).
وبنى عليه المعظم، نعم المجدّد الشيرازي أشكل في استصحاب عدم معلوم التاريخ،
وتبعه بعض، كالمحقّق النائيني. قال في المستمسك: « هذه شبهة ذكرها سيّد
المحقّقين الاعاظم في درسه الشريف ـ على ما حكي ـ واشتهرت بين من تأخّر عنه »(11).
وقال في الكفاية: « فانقدح أنّه لا فرق بينهما، كان الحادثان مجهولي التاريخ، أو
كانا مختلفين، ولا بين مجهوله ومعلومه في المختلفين »(12).
كما إذا نقل ثقة فتوى المرجع لمقلّده بوجوب الجمعة، وثقة آخر بوجوب الظهر من يوم
الجمعة ـ سواء جهل التاريخان، أو علم تاريخ أحدهما، ولم يعلم أنّ الاخر كان قبله أو
بعده ـ.
الصورة الرابعة: الشكّ في الاختلاف زماناً أو الاتّفاق، وحكمها كالثالثة، إمّا مجهولي التاريخ، وإمّا أنّ أحدهما معلوم التاريخ.
هذا كلّه في تعارض التباين ـ سواء العام أم العموم من وجه في مورد التعارض مثل وجوب
التعدّد في غسل الاخباث وكفاية المرّة في الكرّ، حيث يتعارضان في البول، فمقتضى
إطلاق النقل الاوّل التعدّد حتّى في الكرّ، ومقتضى إطلاق الثاني عدم لزوم التعدّد
في الكرّ ـ.
أمّا في التعارض في الاقل والاكثر، كثلاث تسبيحات، أو واحدة في الثالثة والرابعة: فيجب على المقلّد:
إمّا الفحص، أو الاحتياط، أو أربع صلوات ـ مع اشتباه القبلة ـ أو واحدة، وهكذا.
فإذا لم يمكن الفحص عن فتوى المقلَّد، أو لم يصل إلى النتيجة ـ الفحص حتّى اليأس،
أو الظنّ، أو غيرهما ـ فهل يحقّ للمقلّد إجراء أصل البراءة، أم يتعيّن عليه
الاحتياط ؟ احتمالان، بل قولان:
1. صريح البعض: أنّ المقلّد كالمجتهد في جميع الادلّة والاُصول ـ مع تحقّق الموضوع
عنده ـ لاطلاق الادلّة.
قال في المصباح: « فالظاهر أنّ المقلّد كالمجتهد في الاحكام المذكورة. فإن حصل له
القطع بحكم من الاحكام عمل به بلا حاجة إلى الرجوع إلى المجتهد.
وإن لم يحصل له القطع، فإن قام عنده طريق معتبر ـ وليس إلاّ فتوى المجتهد ـ عمل به.
وإن فقده أيضاً، وبقي شاكّاً في الحكم رجع إلى الاُصول العملية... هذا كلّه في
الحكم الواقعي، وكذا الحال في الحكم الظاهري... والحاصل أنّه لا فرق بين المجتهد
والمقلّد، إلاّ في خصوصية الطرق والامارات، فإنّ طريق المجتهد إلى الاحكام: الكتاب
والسنّة، وطريق المقلّد هو فتوى المجتهد فقط ».
والوجه فيه إطلاق الادلّة للامارات والاُصول العملية.
2. وظاهر صاحب الجواهر في مجمع الرسائل، وسكوت الاعلام الثمانية: عدم جواز رجوع
المقلّد إلى الاُصول العملية في الاحكام حيث قال ما ترجمته بالعربية: « لو لم
يستطع المكلّف الوصول إلى المجتهد، ولا إلى رسالته، ولا إلى ناقل عادل، وجب عليه
العمل بالاحتياط إن لم يكن موجباً للعسر والحرج... وإن لم يمكن الاحتياط: وجب
عليه أن يهاجر من بلاده ما لم يؤدّ إلى العسر والحرج، وإلاّ أخذ بقول مشهور
الاصحاب، ثمّ الاشهر فالاشهر... ولو تعذّر عليه كلّ ذلك رجع إلى فتوى أوثق
الاموات، وإلاّ رجع إلى مظنونه وعمل به... »(13)فإنّه (قدس سره) لم يوصل الامر إلى
الاُصول العملية.
ونحوه كلام الماتن (قدس سره) قال: « إذا عرضت مسألة لا يعلم حكمها... فإن أمكن
الاحتياط تعيّن، وإن لم يمكن يجوز الرجوع إلى مجتهد آخر الاعلم فالاعلم، وإن لم
يكن هناك مجتهد آخر ولا رسالته يجوز العمل بقول المشهور... »(14) فإنّه قريب ممّا
في مجمع الرسائل. ولم أر من علّق بجواز العمل بالاُصول العملية، لمثله، إلاّ
الاخ (قدس سره) فإنّ عبارته تشير إلى ذلك حيث علّق بقوله: « الحكم في كلّ الفروع
المذكورة مبني على الاحتياط ».
والحاصل: أنّ الشيخ (قدس سره) حيث قال في أوّل بحث القطع من الرسائل: « إنّ
المكلّف إذا التفت... » هل المراد بـ « المكلّف » المجتهد بالخصوص، أم الاعمّ من
المقلّد في الشبهات الحكمية، بالنسبة للقطع، والامارات ؟ لا إشكال ولعلّه لا خلاف
في عدم الفرق. نعم، المقلّد له أمارة واحدة وهي فتوى مرجع التقليد، بخلاف المجتهد
فله أمارات عديدة.
وأمّا بالنسبة للشكّ ـ الاعمّ من الظنّ الشخصي ـ فمقتضى إطلاق أدلّة الاُصول: أن
يعمل بها المقلّد مع تمامية موضوعاتها:
فموضوع الاستصحاب: اليقين السابق والشكّ اللاحق، فيستصحب فتوى المجتهد.
وموضوع الاشتغال: الشكّ في المكلّف به، فإذا شكّ المقلّد في أنّ فتوى المجتهد وجوب
الجمعة أو الظهر، يحتاط.
وموضوع البراءة: الشكّ في أصل التكليف، فإذا شكّ في أنّ فتوى المجتهد وجوب غسل
الاحرام، أم لا ؟ يجري البراءة عن الوجوب، أم لا يجوز ذلك للمقلّد.
نعم، في المقام إشكالات ثلاثة ذكر اثنين منها المحقّق العراقي (قدس سره)(15).
وكلّها مناقش فيها.
الاوّل: أنّ غير المجتهد لا يحصل له القطع ولا الظنّ ولا الشكّ، بالنسبة للحكم
الشرعي، لغفلته، وحصولها متوقّف على الالتفات بالبداهة.
وفيه: القطع يحصل للمقلّد بالنسبة لكثير من رؤوس الاحكام بلا شبهة.
والظنّ المعتبر موجود له دائماً وهو فتوى مرجع التقليد، والشكّ في الاحكام يحصل له
سواء في الحكم الواقعي، أم الظاهري وهو فتوى المجتهد.
نعم، موارد ظنّه المعتبر واحد وهو فتوى المجتهد، وموارد شكّه أقلّ من المجتهد، لا
أنّه لا ظنّ معتبر ولا شكّ له.
الثاني: أنّ حجّية الامارات والاُصول متوقّفة على عدم المعارض، والفحص عنه، وهذا من
شأن المجتهد لا المقلّد.
وفيه: ـ مضافاً إلى أنّه قد يقول المجتهد للمقلّد هذا الخبر معتبر ولا معارض له ولا
إعراض عنه، ألا يكفي هذا في حجّية هذا الخبر لهذا المقلّد ـ أنّ فحص المقلّد،
واطمئنانه إلى عدم المعارض إنّما هو عن فتاوى المجتهد، فلا اختصاص بالمجتهد.
الثالث: أنّ موضوع حجّية الامارة أو الاصل لا يعمّ المقلّد من الابتداء، لانّ « من
جاءه النبأ » و « الخبران المتعارضان » و « من كان على يقين فشكّ » هو المجتهد لا
المقلّد.
وفيه: أوّلاً ـ كما تقدّم ـ الملاك للمقلّد فتوى المجتهد، فـ « من جاءه النبأ »
بفتوى المجتهد و « الخبران المتعارضان » بالنسبة إلى المقلّد نقل اثنين ـ بالتعارض
ـ فتوى المجتهد « من كان على يقين فشكّ » بالنسبة إلى فتوى المجتهد.
وثانياً: أنّ اختصاص آية النبأ بالمجتهد لا دليل عليه ـ مع إطلاق « كم » في الاية
الكريمة ـ بل ظاهر خبر عبدالعزيز المعتبر: « أفيونس بن عبدالرحمن ثقة آخذ عنه ما
أحتاج إليه من معالم ديني، فقال: نعم »(16) هو تعميم الحجّية لغير المجتهد، إذ
المورد غير المجتهد، ولذا استدلّ به على حجّية الفتوى، مع أنّ عمدة أدلّة حجّية
الخبر، ليست آية النبأ، بل بناء العقلاء، الاعمّ من غير المجتهد.
كذلك لا وجه لتخصيص « من جاءه الخبران المتعارضان » بالمجتهد، وكذلك الاستصحاب،
والاشتغال والبراءة.
والحاصل: أنّ مقتضى ما تقدّم من شمول المقلّد في موارد صيرورته موضوعاً للادلّة،
جريانها في حقّه ـ سواء العلم، والظنّ المعتبر، والشكّ ـ.
فإذا تعارض ناقلا الفتوى، ووصلت النوبة إلى الاُصول العملية، فإن كان الشكّ في
المكلّف به ـ كالمتباينين ـ كان مجرى الاشتغال للمقلّد ووجب عليه الاحتياط، كالجمعة
والظهر، وإن كان الشكّ في أصل التكليف ـ كالاقل والاكثر ـ كان مجرى البراءة
للمقلّد، وهكذا.
ذكر صاحب العروة هنا في هذه المسألة(17) وفي موارد أُخرى في تعارض البيّنتان التساقط، قال: « إذا تعارض الناقلان في نقل الفتوى تساقطا وكذا البيّنتان ».
ولكن في المسألة إشكال، وأقوال وروايات مختلفة، ذكرها صاحب العروة في التكملة(18)،
وخلاصته أنّ هناك جمهرة من الروايات صرّحت بتقديم البيّنة الاقوى.
ثمّ إنّ صاحب العروة (قدس سره) قال: « ثمّ الظاهر أنّ الادلّة الدالّة على حجّية
البيّنة شاملة لصورة التعارض، فالبيّنتان حجّتان متعارضتان، لا أنّهما تتساقطان
بالمعارضة... فمقتضى القاعدة الرجوع إلى المرجّحات المنصوصة، كالاعدلية،
والاكثرية... بل والرجوع إلى سائر المرجّحات... فإن كان أحد المتعارضين أرجح
وأقرب إلى إحراز الواقع يجب تقديمه لبناء العقلاء بعد فرض الحجّية حتّى حال
المعارضة... وعلى هذا فيمكن التعدّي إلى سائر المرجّحات كالامتنية والاصدقية وكون
الشاهدين من أهل العلم والدقّة ونحوها... »(19).
وقال في الشرائع: « قضي بأرجح البيّنتين عدالة، فإن تساويا قضي لاكثرهما شهوداً،
ومع التساوي عدداً وعدالة يقرع بينهما » وقال في الجواهر بعد ذلك: « بل في المسالك
وغيرها نسبته إلى الشهرة، بل في الغنية الاجماع عليه، بل في الرياض نسبته إلى
الاشهر، بل عامّة متأخّري أصحابنا... »(20).
ومقتضى ذلك: عدم تساقط البيّنتين هنا مع وجود ترجيح، فتأمّل.
... وإذا تعارض النقل مع السماع عن المجتهد شفاهاً قدّم السماع... .
والروايات في الباب عديدة:
منها: صحيحة أبي بصير عن الامام الصادق (عليه السلام): « أنّ علياً (عليه السلام)
أتاه قوم يختصمون... فقضى (عليه السلام)... لاكثرهم بيّنة »(21).
ومنها: معتبرة عبدالرحمن بن أبي عبدالله، عن الامام الصادق (عليه السلام): « كان
علي (عليه السلام) إذا أتاه رجلان يختصمان بشهود عدلهم سواء وعددهم، أقرع بينهم »(22).
وأمّا الفقرة الثانية من المسألة: وهي في تعارض الاحوال، فهي قوله: وإذا تعارض
النقل ظاهره النقل الشفاهي من المجتهد وإن عمّمه بعض الشرّاح للنقل مطلقاً، سواء
كان عن الشفه، أم عن الرسالة، أم عن البيّنة، أم نحوها مع السماع عن المجتهد شفاهاً
قدّم السماع لسقوط الكاشفية العرفية للنقل إذا عارضه السماع المباشر، أو لاقوائية
وأوثقية السماع من النقل إذا قلنا بالترجيح في مثله بالاقوائية والاوثقية.
وقد علّل ذلك: بأنّ السماع المباشر طريق إلى التكليف الشرعي، والنقل طريق إلى
الطريق، والعرف والعقلاء يقدّمون الطريق المباشر على طريق الطريق لدى المعارضة.
... وكذا إذا تعارض ما في الرسالة مع السماع، وفي تعارض النقل مع ما في الرسالة
قدّم ما في الرسالة مع الامن من الغلط.
لكن حيث إنّ هذه الفروع لا دليل خاصّ لها إلاّ بناء العقلاء، فحكم الماتن بتقديم
السماع الشفاهي على النقل مع أنّ كليهما أمارتان على الكشف عن نظر الفقيه، وحكمه
بتساقط النقلين والبيّنتين مطلقاً، يشبه التفريق بلا فارق، ولذا عمّم الحكم فيها
جمع، كالوالد (قدس سره).
نعم، الاقوائية والاوثقية النوعية في السمع على النقل أوضح من غيره، لكن الاوضحية
هنا لا تقتضي فقدان الحكم في النقلين والبيّنتين، وكما قلنا هنا بالتقدّم لكونه
بناء العقلاء، كذلك يقتضي أن نقول بتقديم النقل الاوثق، والبيّنة الوثقى.
هذا وتقديم السمع للاوثقية يقتضي الحكم له ما دامت الاوثقية في جانبه، أمّا إذا
احتمل السهو والاشتباه في السمع بما لا يحتمل في النقل، كما إذا صار المجتهد ضعيف
الضبط بمقدار لا يخرجه عن بناء العقلاء على الاعتماد عليه، وكان الناقل عنه دقيقاً
في الضبط، قد حضر مجلس درسه مثلاً وعلم بفتواه ـ كما نقل عن بعض مراجع العصر
بالنسبة إلى بعض حاشيته ـ قدّم النقل على السمع حينئذ، كما أنّه إذا تعارض
المرجّحان فالتساقط أو التخيير على الخلاف.
وكذا يقدّم نوعاً السماع لاوثقيته إذا تعارض ما في الرسالة مع السماع.
هذا وفي تعارض النقل مع ما في الرسالة قدّم ما في الرسالة مع الامن من الغلط.
والحاصل: ـ كما أسلفنا آنفاً ـ يقدّم الاوثق والاقوى، وتختلف الموارد والافراد في
ذلك، فربّ رسالة أوثق من النقل، وربّ نقل أوثق من الرسالة، وقد يتعارض مقدار
الاوثقية فيهما، فيتساقطان أو يحكم بالتخيير على القولين.
ذكر الماتن (قدس سره) هنا ثلاث صغريات من تعارض الاحوال وهي عبارة عن قوله ما يلي:
1. « وإذا تعارض النقل مع السماع عن المجتهد شفاهاً قدّم السماع ».
2. « وكذا إذا تعارض ما في الرسالة مع السماع ».
3. « وفي تعارض النقل مع ما في الرسالة، قدّم ما في الرسالة مع الامن من الغلط ».
وقد ورد في « مجمع الرسائل » اثنتين منها، وهما: الثانية والثالثة، وهذه عبارتهما:r>
قال في الصغرى الثانية ما ترجمتها بالعربية: « لو تعارض ما في الرسالة مع المسموع
من المجتهد شفاهاً، قدّم المسموع » لكن المجدّد والماتن أشكلا على صاحب الجواهر
هناك بأنّه لا ضابطة لذلك، قال المجدّد (قدس سره) ما ترجمته: «تقديم المسموع
شفاهاً على ما في الرسالة تقديماً مطلقاً، غير مطّرد، فربّ رسالة أتقن من
المشافهة، إذ قد يبذل في الرسالة من الدقّة ما لم يبذل في المشافهة».
وقال الماتن (قدس سره) هناك ما ترجمته بالعربية: «ليس لهذا المطلب ضابطة دقيقة،
وملاك معيّن، فتارةً تكون الرسالة أوثق وتارةً المشافهة».
وقال في الصغرى الثالثة ما ترجمته: « وأمّا في تعارض الناقل مشافهة مع ما في
الرسالة كتباً، يقدّم الناقل مشافهة ». وهذا خلاف المتن تماماً، ولم يعلّق أحد من
الثمانية، حتّى الماتن (قدس سره) وهو غريب.
وعلّق على المتن في الموارد الثلاثة جمهرة بعدم إحراز هذه التقديمات، إذ الدليل:
إمّا شرعي خاصّ، وليس، وإمّا عقلائي من باب حجّية بناء العقلاء في طرق الاطاعة
والمعصية، وليس بناء كذلك مطلقاً، بل العقلاء يسيرون على الاوثقية في هذه
التعارضات، ومع عدمها، إمّا يتركونهما لتساقطهما ـ على المشهور ـ أو يأخذون بأحدهما
على التخيير ـ على قول غير المشهور ـ.
قال المحقّق العراقي (قدس سره): « فالمدار في هذه المقامات على الاوثقية، فتأمّل ».
وقال ابن العمّ: « إطلاق الترجيح في جميع الصور محلّ إشكال ».
وقال السيّد البروجردي (قدس سره): « إطلاقه محلّ إشكال ».
وقال الوالد (قدس سره): « يختلف ذلك في جميع المذكورات والمعيار تقديم الاوثق على
غيره ».
وقال الاخ الاكبر (قدس سره): «بل الاوجه الاخذ بالارجح عرفاً، ومع التساوي التخيير
في كلّ الفروع المذكورة».
والغريب ممّن لم يعلّق على الرسالتين ـ المجمع والعروة ـ في موارد اختلافهما،
كالمحقّقين: النائيني والحائري (قدس سرهما)، أو علّق على أحدهما دون الاخر كالمحقّق
العراقي (قدس سره)، والامر سهل.
ولعلّ الاقرب ما ذكره المحقّق العراقي والوالد والاخ الاكبر (قدس سرهم) من تقديم
الارجح عرفاً، وإلاّ فإمّا التساقط، أو التخيير، والله العالم.
هذا كلّه إذا كان نصّ هذه الامارات أو ظاهرها: اتّحاد الزمان المنسوب إليه الفتوى
من الجانبين، وأمّا مع العلم باختلاف الزمان ومعرفة المتأخّر منهما من حيث زمان
الفتوى فقد يقال بأنّه لا إشكال في تقديم المتأخّر منهما، لوجهين:
أحدهما: تعميم الروايات الدالّة على الاخذ بالمتأخّر من الروايتين.
ثانيهما: بناء العقلاء على الاخذ بالمتأخّر، تقديماً منهم لاصل عدم السهو على أصل
عدم العدول: إمّا لانّ أصل عدم السهو عندهم أمارة، وأصل عدم العدول وظيفة، ولا
وظيفة مع الامارة، وإمّا لتقدّمه حتّى مع كونهما وظيفة، بناءً منهم عليه.
أقول: مقتضى القاعدة: ملاحظة الاوثق منهما هنا أيضاً، فربما يكون احتمال السهو أقوى
من احتمال العدول، وربما يكون بالعكس، وهذا يختلف بالنسبة إلى الاشخاص، والمناسبات،
بل والمسائل أحياناً.
هذا وقد يقال: بأنّ الاصلين كلاهما مثبتان، لانّ السهو لازم عقلي لاصل عدم العدول،
والعدول لازم عقلي لاصل عدم السهو، لا تلازماً كلّياً بل جزئياً، للعلم الاجمالي
بتحقّق واحد من العدول أو السهو، وحينئذ فليس شيء من الاصلين حجّة، فلا مقتضي فيهما
حتّى نسقطهما بمانعية التعارض.
ومع جهل تاريخ أحدهما يجب الفحص، وبعده لا يجري الاستصحاب لما حقّق في الاُصول: من
أنّه مثبت، ولا التخيير لعدم الملاك في أحدهما، والله العالم.