المسألة (58): إذا نقل ناقل فتوى المجتهد لغيره ثمّ تبدّل رأي المجتهد في تلك
المسألة والظاهر من ذلك: التبدّل إلى ما يناقض الحكم الاوّل أو يضادّه، كما لو عدل
عن الحرمة إلى الحلّية والعكس، أو عن الوجوب إلى الحرمة والعكس.
لا التبدّل من القول الاحوط إلى غيره، لما سيأتي من الماتن في المسألة التاسعة
والستّين إن شاء الله تعالى من التفصيل بينهما: بعدم وجوب الاعلام في التبدّل من
الاحوط، ووجوب الاعلام في التبدّل إلى الاحوط، أو المباين.
مثلاً: إذا تبدّل رأيه في التسبيحات الاربع من وجوب الثلاث إلى استحبابها، ومن
وجوب العصر في غسل الثياب إلى عدم وجوبه ونحو ذلك، فلا يجب الاعلام، وإن كان إطلاقه
يشمل هذه الصور أيضاً.
خصوصاً بملاحظة أنّ تبدّل رأي المجتهد إلى الاسهل مع جهل المقلّد قد
... لا يجب على الناقل إعلام من سمع منه الفتوى الاُولى، وإن كان أحوط....
يوقعه في مخالفة إحتياط لازم، كما لو كانت الفتوى بتحريم بيع الجرّي لمن يستحلّه،
ثمّ تبدّل الرأي إلى الجواز، وكان الرجل متوقّفاً قوت يوم واحد له ولعياله على بيع
الجرّي، فإنّه لو كان حراماً وجب عليه تحمّل الجوع يوماً واحداً، لانّه ممّا لا
يوقع في الحرج والضرر الشديد، وأمّا لو كان حلالاً وجب عليه الاكتساب به للانفاق
على ما هو واجب النفقة عليه.
وعلى كلّ حال: فالماتن ومعظم الشرّاح على أنّه لا يجب على الناقل حينئذ إعلام من
سمع منه الفتوى الاُولى لعدم الدليل عليه، وهو كاف في دفع الوجوب، وليس ذلك من
التسبيب إلى الحرام عرفاً حتّى يجب عليه دفعه، ولا يجب على كلّ شخص تبليغ فتاوى
المجتهدين إلى مقلّديهم إلاّ بمقدار وجوب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر وتبليغ
الاحكام المسلّمة من الاسلام إلى الناس، وهي لا تختصّ بما إذا سبق نقل الفتوى
الاُولى.
وقد يؤيّد ذلك: باستمرار السيرة بين المؤمنين على عدم التزامهم بنقل الفتوى الثانية
لمن نقلوا له الاُولى وإن كان الاعلام أحوط استحباباً.
ووجهه أُمور:
منها: احتمال شمول التسبيب إلى الحرام للاستمراري كشموله للابتدائي.
ومنها: الخروج عن مخالفة من قال بوجوب الاعلام أو احتاط وجوباً فيه.
ومنها: احتمال شمول أدلّة تبليغ الاحكام لمثله إلى غير ذلك.
هنا لنا أربعة عناوين ينبغي ملاحظتها:
1. التسبيب إلى الوقوع في خلاف الواقع.
2. تبليغ الاحكام.
3. بيان الموضوعات التي أُحرز أنّ الشارع يريد مراعاتها مطلقاً، كالقتل، وتزويج
المحارم، ونحو ذلك.
4. الامر بالمعروف والنهي عن المنكر.
1. أمّا التسبيب إلى الوقوع في خلاف الواقع: فقد يكون بوقوع الشخص في الحرام
الواقعي غير المكلّف به، كإعطائه النجس لاكله ـ والاكل لا يعلم بنجاسته ـ.
وقد يكون في الحرام المكلّف به، غير الواقعي، كإعطاء زيد لعمرو ما يعتقد عمرو
حرمته ويأكله لعدم تديّنه، ويعتقد زيد عدم حرمته، كالعصير العنبي.
وقد يكون في الحرام الواقعي المكلّف به، ومثاله كالثاني إذا اعتقد زيد أيضاً حرمته.
وقد قسّم الشيخ (قدس سره) في المكاسب التسبيب إلى أربعة أقسام، وهي جارية في الثلاثة المذكورة، فيكون حاصل الاقسام اثني عشر:
الاوّل: « أن يكون فعل الشخص علّة تامّة لوقوع الحرام في الخارج ـ كما إذا أكره
غيره على المحرّم ـ ولا إشكال في حرمته، وكون وزر الحرام عليه، بل أشد لظلمه ».
أقول: دليله ما يلي:
1. ارتكاز المتشرّعة.
2. بناء العقلاء.
3. المستفاد من جزئيات متفرّقة، كالفتوى بالباطل: « لحقه وزر من عمل بفتياه »(1) و
« من سنّ سنّة سيّئة »(2) ونحو ذلك.
الثاني: « أن يكون فعله سبباً للحرام » والسبب: بوجوده يوجد، ومع عدمه يمكن أن يقع
سبب آخر.
قال الشيخ (قدس سره): « كمن قدّم إلى غيره محرّماً... وقد ذكرنا أنّ الاقوى فيه
التحريم، لانّ إستناد الفعل إلى السبب أقوى، فنسبة فعل الحرام إليه أولى ».
أقول: هذا في الثالث الذي يعتقد كلاهما حرمته، تامّ.
وأمّا في الاوّلين وهما: كون المباشر لا يعلم حرمته. والمباشر يعلم الحرمة والسبب
يعلم عدم الحرمة، كالعصير الزبيبي، فمشكل إن لم يكن الاقوى عدم الحرمة.
الثالث: « أن يكون شرطاً لصدور الحرام » والشرط: بعدمه يعدم ولكن بوجوده لا يلزم الوجود. كسبّ الالهة، قال الشيخ (قدس سره): « والظاهر الحرمة ».
الرابع: « أن يكون من قبيل عدم المانع... كسكوت الشخص عن المنع من المنكر، ولا
إشكال في الحرمة مع تمامية شرائط النهي عن المنكر ».
« وأمّا مع عدم الحرمة الفعلية بالنسبة للفاعل »(3) وعدم كونه من الفساد الذي وجب
على الجميع دفعه، فلا.
والحاصل: أنّ التسبيب: 1. بمعنى العلّة التامّة ليس هنا ـ ترك إعلام تبدّل رأي
المجتهد حتّى لنفس المجتهد ـ.
2. وبمعنى السبب في الثالث ـ يعلمان الحرمة ـ ليس ما نحن فيه منه، وفي الاوّلين
يعلم أحدهما الحرمة دون الاخر، فلا حرمة.
3. وبمعنى الشرط، ليس ما نحن فيه منه.
4. وبمعنى رفع المانع (ما نحن فيه منه) فإن تمّت شرائط النهي عن المنكر ـ وهو في
الثالث، إذ في الاوّل يعلم عدم الحرمة، وفي الثاني لا فائدة لعدم تديّنه ـ فبها،
وإلاّ فلا.
2. وأمّا تبليغ الاحكام، فالواجب منه: أ ـ بمقدار إتمام الحجّة. ب ـ وصول الاحكام، وكلاهما كفائي ـ يمكن استفادة وجوبهما من أدلّة آية النفر، وغيرها ـ وهذا لا يخصّ المجتهد المخطئ، ولا من نقل الفتوى ثمّ تبدّلت.
3. وأمّا بيان الموضوعات التي أُحرز أنّ الشارع يريد مراعاتها مطلقاً، فلا إشكال في الوجوب ولكن ما نحن فيه غالباً ليس منه.
4. وأمّا الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، فليس ما نحن فيه غالباً منه، لانّه ليس
للعامل منكراً.
والحاصل: أنّ الناقل للفتوى ـ ثمّ تبدّلت ـ وكذلك المخطئ في النقل سواء في أنّه في
غير المهمّات، لا يجب الاعلام، وفيما يجب من المهمّات، لا يخصّ المخطئ في النقل، والمجتهد نفسه، بل يعمّ الجميع. وذلك في الاحكام المسلّمة، دون مثل ما يختلف
فيه فتاوى الفقهاء. نعم هو احتياط حسن.
وفصّل بعضهم في المقام، كالسيّد الكلبايكاني (قدس سره) فإنّه فصّل: بين الطريق
المنحصر عادةً لتبليغ مسائل مرجع التقليد كالوكيل للمرجع في قرية ليس فيها غيره
معلّم للاحكام، وبين غيره، بوجوب الاعلام على الاوّل دون الثاني.
وهذا أوجه من الاطلاق وإن كان في وجوبه إشكال إلاّ من باب عمومات الامر بالمعروف
والنهي عن المنكر وتبليغ الاحكام ونحوها، التي تكون النسبة بينها وبين ما نحن فيه
العموم من وجه، فلا يستدلّ بها عليه.
والسيّد الحكيم (رحمه الله) فصّل: بين الجاهل المعذور في جهله فيجب إعلامه،
... بخلاف ما إذا تبيّن له خطأه في النقل فإنّه يجب عليه الاعلام.
وبين غيره فلا، من دون خصوصية لناقل الفتوى الاُولى.
وهو وإن كان وجيهاً لكنّه أيضاً أعمّ وأخصّ من وجه عمّا نحن فيه.
والسيّد الخوئي (قدس سره) فصّل: بين ما إذا نقل فتواه بإباحة شيء ثمّ بان أنّ
فتواه هي الوجوب أو الحرمة وبين ما إذا نقل فتواه بالوجوب أو الحرمة ثمّ بان أنّ
فتواه كانت الاباحة، فعلى الاوّل يجب الاعلام دون الثاني، وكذا الحال بالاضافة إلى
المجتهد نفسه.
وفيه: أنّه لا فرق إلاّ في الكلّ والجزء، فالتسبيب في الجزء تسبيب أيضاً، كالتسبيب
في المسائل القليلة الابتلاء والكثيرة الابتلاء.
إذ لو نقل الخمس في الهدية ـ مثلاً ـ ثمّ تبيّن الخطأ وأنّ المفتي قائل بعدم الوجوب، فإنّه: ـ مضافاً إلى عدم رضاه بما يعطيه خمساً ـ يترتّب عليه التسبيب لخلاف
الواقع، فلا يحجّ لعدم كفاية المال للخمس والحجّ، ونحوه.
بخلاف ما إذا تبيّن له خطأه في النقل فإنّه يجب عليه الاعلام لصدق التعاون على
الاثم، وقد مرّ تفصيل الكلام عنه في شرح المسألة الثامنة والاربعين.