المسألة (57): حكم الحاكم الجامع للشرائط لا يجوز نقضه... .


هل يجوز نقض حكم الحاكم

المسألة (57): حكم الحاكم الجامع للشرائط المعتبرة في جواز الحكم بين الناس لا يجوز نقضه على المعروف المشهور قديماً وحديثاً، ولم أرَ من ناقش في أصله من المعاصرين والمعلّقين والشرّاح.


مطالب ثلاثة

هنا في هذه المسألة مطالب ثلاثة:
1. عدم جواز نقض الحكم الشرعي.
2. عدم جواز النقض حتّى لمجتهد آخر.
3. جواز النقض مع تبيّن الخطأ.


المطلب الاوّل: عدم جواز نقض الحكم الشرعي

أمّا المطلب الاوّل: وهو عدم جواز نقض الحكم الشرعي، ففي العروة مسائل ثلاث في حكم الحاكم ربما يلاحظ التنافي بينها:


مسائل ثلاث

إحداها: هذه المسألة التي نحن فيها، وإطلاقها يشمل الحكم والموضوع، فإذا حكم بالهلال، أو بأنّ المايع الفلاني خمر، لا يجوز نقضه.
ثانيتها: في كتاب الصوم في طرق ثبوت الهلال، قال: « حكم الحاكم الذي  لم يعلم خطأه  ولا خطأ مستنده  كما  إذا استند  إلى الشياع  الظنّي »(1).
ثالثتها: في باب التقليد قال: « محلّ التقليد ومورده هو الاحكام الفرعية العملية، فلا يجري... ولا في الموضوعات الصرفة، فلو شكّ المقلّد في مايع أنّه خمر أو خلّ ـ مثلاً ـ وقال المجتهد: إنّه خمر، لا يجوز له تقليده »(2).


مناقشة المسائل الثلاث

وفيه: أمّا القضاء فأكثر مسائله الموضوعات المختلف فيها بين المتخاصمين، فمن المقطوع شمول الاطلاق للموضوعات.
وأمّا الهلال فالادلّة على ثبوته بحكم الحاكم متوفّرة، ومنها: صحيح محمّد ابن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: « إذا شهد عند الامام شاهدان أنّهما رأيا الهلال ـ منذ ثلاثين يوماً ـ أمر الامام بإفطار ذلك اليوم »(3).
بل ربما يقال بمثل ذلك في الاُمور العامّة التي محلّ ابتلاء عامّة الناس، كالاوقاف والانساب، ولذا قال في العروة في ثبوت المسجدية أو الجامعية في الاعتكاف: « والظاهر كفاية حكم الحاكم الشرعي »(4).
وسكت جمهرة عليه كالنائيني والحائري والبروجردي وابن العمّ والوالد والاخ وغيرهم (قدس سرهم).
وقد سبق حكم جماعة بثبوت اجتهاد المجتهد بحكم الفقيه الجامع للشرائط.
ولعلّ من أدلّة ذلك ما ذكره المحقّق العراقي ـ وإن تنظّر فيه ـ بقوله: « إذا ثبت كون مثل هذه الاُمور المورد لابتلاء عامّة الناس ـ نظير هلال رمضان ـ كاف في ثبوتها نفس الحكم، بلا احتياج إلى سبق ترافع، ولو من جهة دعوى كون مثل هذه الجهات النوعية من وظائف حكّام الجور الثابتة في المقبولة بقرينة المقابلة بإطلاقها لحكّامنا »(5).
بل ربما يقال: إنّه لم يثبت إصطلاح خاصّ للشارع في موضوعات الاحكام سواء في القضاء أم في أحكام الحكّام.


أدلّة عدم جواز نقض الحكم

ثمّ إنّه بعد بيان مسائل العروة الثلاث وما فيها، نأتي إلى بحث عدم جواز نقض حكم الحاكم الشرعي، وقد استدلّ له بأدلّة عديدة عمدتها ما يلي:


الدليل الاوّل

الاوّل: الاجماع المتكرّر نقله من الاعلام، بل في بعض الشروح ادّعاء ضرورة الدين عليه. ولم أجد له مخالفاً ولا من استشكل فيه صغرى، بل الذين استشكلوا فيه لانّه محتمل أو مقطوع الاستناد، والظاهر كفاية مثله في الحجّية.


الدليل الثاني

الثاني: قوله (عليه السلام) في مقبولة ـ بل صحيحة ـ عمر بن حنظلة: « فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه فإنّما استخفّ بحكم الله، وعلينا ردّ، والرادّ علينا الرادّ على الله، وهو على حدّ الشرك بالله »(6).
وأشكل فيها أوّلاً: بضعف سندها بعمر بن حنظلة نفسه وتقدّم منّا غير مرّة: عدم تماميته وأنّ الاقرب اعتبار المقبولة ـ صغرى وكبرى ـ بل اعتبار عمر بن حنظلة نفسه أيضاً، وممّا يدلّ على أنّها صحيحة تصريح أعاظم الفقهاء عن رواياته بالصحيحة مثل الشهيد في المسالك(7) والميرزا القمّي في الغنائم(8).
وثانياً: بعدم الدلالة، إذ ظاهرها النقض من جهة كون الحكم حكم المعصومين (عليهم السلام) لاستناده إلى أخبارهم (عليهم السلام) ويشهد له التعبير عنه بالردّ، وجعله ردّاً على الله تعالى. والكلام ليس في ذلك، إنّما هو في النقض المستند أيضاً إلى حكمهم (عليهم السلام)، وفي مثله لا يسمّى ردّاً، ولا كونه على حدّ الشرك بالله.
وبعبارة أُخرى: الذي يظهر من مجموع المقبولة صدراً وذيلاً: أنّه في مقام لزوم قبول حكم الفقيه الشيعي وعدم جواز ردّه من حيث كونه حكم فقيه شيعي وعدم جواز مراجعة فقهاء غير الشيعة، فلاحظ.


الدليل الثالث

الثالث: ما علم بالضرورة من تشريع القضاء في الاسلام، للكتاب والسنّة والاجماع والعقل:
فالكتاب آيات ومنها قوله تعالى: (وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ)(9).
والسنّة روايات كثيرة ومنها: صحيحة أبي خديجة عن الامام الصادق (عليه السلام)وقد جاء فيها: « انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئاً من قضايانا فاجعلوه بينكم، فإنّي قد جعلته قاضياً، فتحاكموا إليه »(10).
وصحيحة أُخرى قال: « بعثني أبو عبدالله (عليه السلام) إلى أصحابنا فقال: قل لهم: إيّاكم إذا وقعت بينكم خصومة أو تداري في شيء من الاخذ والعطاء أن تحاكموا إلى أحد من هؤلاء الفسّاق، اجعلوا بينكم رجلاً قد عرف حلالنا وحرامنا، فإنّي قد جعلته عليكم قاضياً »(11).
والقضاء بمعنى: فصل الخصومة، وفي جواز النقض لزوم نقض الغرض من تشريع القضاء والحكم بين الناس، إذ من المسلّم أنّ الشارع جعل القضاء لفصل الخصومات، فإذا جاز نقض الحكم فكيف تفصل الخصومات بل تزداد خصومة ؟
وعليه: فتجويز النقض لازمه لغوية القضاء والحكم بين الناس، كنقض الشهادة ونقض السوق ونقض اليد ونقض البيّنة ونقض الاقرار وغير ذلك من الامارات.


أدلّة غير تامّة
أوّل الادلّة

هذه هي عمدة الادلّة، وإن استدلّ بما لا تمامية له:
أوّلاً: لزوم الهرج والمرج في تجويز نقض الحكم، إذ في كلّ خصومة يكون أحد الطرفين أو الاطراف غير راض فيعمد إلى نقض الحكم، فلا يستقرّ حكم لاحد ولا حقّ لشخص.
وفيه: ـ مضافاً إلى عدم تسليمهما، إذ نقض الحكم المعبّر عنه في هذا العصر « بالاستئناف » موجود وقائم في هذا الزمان في كلّ مكان في الاحكام الوضعية ولم يلزم منه لا الهرج ولا المرج(12) ـ أنّ الدليل أخصّ من المدّعى، إذ ليس نقض الحكم مطلقاً موجباً للهرج والمرج فيجب ـ بحكم تقدير الضرورات بقدرها ـ التزام عدم جواز النقض المقيّد بكونه موجباً للهرج والمرج، لا مطلقاً.


ثاني الادلّة

ثانياً: ما دلّ من الكتاب والسنّة على جواز الحكم:
كقوله تعالى: (وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ)(13).
وكقوله (عليه السلام): « فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه فإنّما استخفّ بحكم الله... »(14).
ولازم ذلك ـ عرفاً ـ: عدم جواز نقضه، وهو من الظواهر المسلّمة حجّيتها.
وفيه: أنّه ليس أكثر من الاطلاق القابل للتقييد إن لم نقل بانصرافه إلى
... ولو لمجتهد آخر....
الحكم بالحقّ، أو لا أقلّ من احتمال كون الحكم بالحقّ لا مطلقاً.
مضافاً إلى الاشكال في ظهور أدلّة الكتاب والسنّة الدالّة على جواز الحكم، ظهورها في عدم جواز نقضها لحاكم آخر رأى بطلانه، فتأمّل.


ثالث الادلّة

ثالثاً: أصالة عدم الانتقاض بالنقض الذي قد تقرّر بوجوه: كاستصحاب بقاء الحكم أو الموضوع، تنجيزياً أو تعليقياً، وغير ذلك.
وفيه: أنّه ينفع حيث لا دليل اجتهادي والادلّة متوفّرة في المقام.
نعم، إذا وصلت النوبة إلى الاصل كان تامّاً.
مضافاً إلى أنّ الاشكال فيه بالشكّ في سعة وضيق الجعل يقلب الامر إلى ضدّه.


المطلب الثاني: عدم جواز النقض حتّى لمجتهد آخر

وأمّا المطلب الثاني: وهو عدم جواز نقض الحكم حتّى لمجتهد آخر، فكما قال الماتن (قدس سره) ولو لمجتهد آخر والمراد به ـ قطعاً ـ غير مورد إحراز خطأ المجتهد الاوّل، أو خطأ مستنده، لانّهما داخلان في المسألة الثالثة.
ووجه الشمول حتّى لمجتهد آخر، شمول الادلّة الاربعة السابقة للمجتهد، فإطلاق الكتاب والسنّة شاملان لمجتهد آخر، والاجماع مسلّم على الاطلاق، بل معقده مطلق، والعقل حاكم بعدم الفرق بين المجتهد وغيره في ذلك.
وهذا يناسب مورد الشكّ في أنّ حكم الحاكم الجامع للشرائط، صحيح أم خطأ، فإذا حكم بكون الدار لزيد، وتلك الارض وقف، فليس لحاكم آخر ـ لم يعلم صحّة وخطأ الحكم ـ أن يتصرّف في الدار بدون إذن زيد اعتماداً على أصل عدم الملكية له، أو يشتري الارض من ذي يد اعتماداً على يده، ونحو ذلك.


النقض: في الفتوى والحكم

ثمّ إنّ المعروف بين الفقهاء ما يلي:
1. جواز نقض الفتوى وردّها لمجتهد آخر.
2. وعدم جواز نقض الحكم ولو لمجتهد آخر.
فما هو الفرق بينهما ؟


فرقان غير فارقين
الفرق الاوّل

ذكر للفرق أمران كلاهما محلّ إشكال بل منع:
الاوّل: إطلاق نصوص السنّة على أنّ الحاكم إذا حكم بحكمهم (عليهم السلام) فردّ عليه كان ردّاً على الائمّة (عليهم السلام) وهو ردّ على الله سبحانه وتعالى.
وفيه: ـ مضافاً إلى أنّ هذه الروايات استند جمع من الفقهاء بها حتّى على حجّية الفتوى، فتكون الفتوى مصداقاً لها، كالحكم، قال في الجواهر: « ومن ذلك يعلم حينئذ أنّ فتوى المتجزّي حجّة له ولغيره، ضرورة اقتضاء نفوذ حكمه الخاصّ، صحّة فتواه الكلّية التي بني عليها الحكم الخاصّ... وأنّها من حكمهم (عليهم السلام) »(15)ـ أنّ النقض إن كان بلا إحراز الخطأ، فلا يجوز حتّى في الفتوى، وإن كان مع إحراز الخطأ، فيجوز حتّى في القضاء، فلا فرق.


الفرق الثاني

الثاني: الفتوى لا موضوعية لها إطلاقاً وإنّما هي مجرّد استفادة التكليف الشرعي: من اجتهاد، أو تقليد، أو احتياط، ولذا لم يحتمل أحد من فقهاء الشيعة في الفتوى الموضوعية، بخلاف القضاء فحيث إنّه لرفع الخصومة، ففيه مسحة من الموضوعية، ليستقيم أمر المعاش، ولذا جاز نقض الفتوى لنفس المجتهد ولغيره، ولم يجز نقض الحكم لا لنفس المجتهد ولا لغيره، إلاّ في ما استثني ممّا سيذكر.
وفيه: سيأتي في المطلب الثالث إن شاء الله تعالى أنّ الاصحّ أنّ القضاء مجرّد استفادة الحكم الشرعي، والفرق بينهما بالكلّية والشخصية، لا يغيّر الملاك.
هذا مضافاً إلى أنّ القضاء ـ كما تقدّم ـ قد يكون لفصل خصومة في الحكم، كمسألة الحبوة وشمولها لاكثر من خاتم ـ مثلاً ـ ؟


ربما يقال بفرق ثالث

وربما يقال: إنّ الفرق بينهما أنّ الحكم لا يجوز نقضه مع الشكّ في مطابقته للواقع وعدمها، أمّا الفتوى فيجوز نقضها لفقيه آخر مع الشكّ، فإذا قضى فقيه بدار لزيد، ووجوب التسبيحات ثلاثاً، جاز لفقيه آخر الحكم بأصل عدم وجوب الثلاث، ولم يجز له الحكم بعدم كون الدار لزيد.
وفيه: 1. اختصاص ذلك بفقيه آخر، فلا فرق بالنسبة للعوام.
2. أنّ هذا ليس خصوصية للقضاء، بل هو أصل الصحّة الجاري في عمل الغير حتّى في الفتوى، كما إذا شكّ في أنّ المفتي هل فحص بالمقدار اللازم، أم لا ؟ وفي السارق إذا أهدى لشخص هدية، وهكذا.
... إلاّ إذا تبيّن خطأه.


المطلب الثالث: جواز النقض إذا تبيّن الخطأ

وأمّا المطلب الثالث: وهو جواز نقض الحكم إذا تبيّن خطأ الاوّل، فإنّ هناك موارد أفتى الفقهاء فيها بجواز نقض الحكم على اختلاف كبير بينهم في تشخيصها وتعدادها، وقد أشار إلى أحدها الماتن بقوله: إلاّ إذا تبيّن خطأه أي: خطأ الحاكم.
وفي الصوم قال: « حكم الحاكم الذي لم يعلم خطأه ولا خطأ مستنده ».
والفرق بينهما: أنّ في « خطأ الحكم » كما إذا علم أنّ الدار التي حكم الحاكم بكونها لزيد، أنّها ليست لزيد، فلا يجوز له أن يشتريها من زيد.
وفي « خطأ المستند »: ما إذا حكم اعتماداً على بيّنة يعلم الشخص عدم عدالتهما، أو كذبهما، أو اشتباههما. وفي مثل ذلك يجوز ـ بالمعنى الاعمّ ـ نقض الحكم.


الحكم والقضاء بين الطريقية والموضوعية

وهنا يأتي البحث في أنّ الحكم والقضاء هل له موضوعية في الشريعة، أم هو طريق محض، أم هو أمر بين أمرين ؟
أقوال ذهب إلى كلّ واحد منها فريق.


أدلّة القائلين بالطريقية المحضة

استدلّ القائلون بالطريقية المحضة نظير الفتوى، بوجهين:
أحدهما كون الحكم إنّما هو لاظهار الحقّ نوعاً، وإيصاله إلى صاحبه ومستحقّه، والموضوعية فيه نقض لهذا الغرض وتأكيد الاسلام على علم القاضي وعدالته ونحوهما ممّا يؤكّد ذلك.
وفيه: أنّه لعلّه علّة الجعل لا علّة المجعول ـ كما هو الغالب في التشريعات ـ فتأمّل.
ثانيهما: الروايات الخاصّة مثل الحديث الصحيح المعروف الذي رواه المشايخ الثلاثة (قدس سرهم) بأسانيدهم عن هشام عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): « إنّما أقضي بينكم بالبيّنات والايمان، وبعضكم ألحن بحجّته من بعض، فأيّما رجل قطعت له من مال أخيه شيئاً فإنّما قطعت له به قطعة من النار »(16).
وهو كالصريح في عدم الموضوعية للحكم.
وقد يناقش فيه أوّلاً: بأنّ الحصر في الايمان والبيّنات، مقابل غيرهما ممّا كان الناس يستندون إليه من القرائن الاُخر، لا في مقابل الواقع ـ كما تكرّر عن جمع من الفقهاء الاستدلال به لعدم حجّية غير البيّنة واليمين، في القضاء ـ.
وثانياً: أنّ الصحيح ظاهر في الحرمة على من أخذ بالباطل، لا الجواز لمن ذهب حقّه في إنقاذه بأيّة صورة كانت، فتأمّل.
وفي أمالي الطوسي بسنده المتّصل: « اختصم إمرؤ القيس ورجل من حضرموت إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) في أرض. فقال (صلى الله عليه وآله): ألك بيّنة ؟ قال: لا، قال (صلى الله عليه وآله): فيمينه، قال: إذن والله يذهب بأرضي، قال (صلى الله عليه وآله): إن ذهب بأرضك بيمينه كان ممّن لا ينظر الله إليه يوم القيامة ولا يزكّيه وله عذاب أليم. قال: ففزع الرجل وردّها إليه »(17). ونحوهما غيرهما.


القائلون بالموضوعية وأدلّتهم

واستدلّ القائلون بالموضوعية بوجوه:
منها: إطلاقات أدلّة القضاء ونفوذه.
وفيه: ما لا يخفى.
ومنها: أنّه لا إشكال في نفوذ الحكم في الشبهات الموضوعية أيضاً، ولو قلنا بالطريقية لزم عدم نفوذه أبداً في الشبهات الموضوعية، لعلم كلّ من المترافعين ـ غالباً ـ بعدم صدق الاخر أو عدم مطابقة بيّنته للواقع، فلا يجب عليه قبول الحكم، فتبقى المرافعات بحالها.
وفيه: ـ مضافاً إلى أنّ علم كلّ من المترافعين بكون الحقّ إلى جانبه نادر، إذ المرافعات غالباً لا تنشأ عن ظلم أحدهما وحقّ الاخر، وإلى أنّ هذا استبعاد لا يبنى عليه الحكم الشرعي لا طرداً ولا عكساً، فتأمّل ـ أنّ عدم القبول الواقعي أعمّ من جواز الترافع وإمكان إحقاق الحقّ، فليس كما قال: من أنّ المرافعات تبقى بحالها.
نعم، ربما يتّفق نادراً، فليكن.
ومنها: أنّ الظاهر من أدلّة الحكم هو جعله موضوعياً لا طريقياً.
وفيه: ـ مضافاً إلى ما ادّعي من أنّ الظاهر منها إظهار الحقّ والطريقية فقط كما في الصحيح الانف عن النبي (صلى الله عليه وآله) ـ أنّ ذلك غير ظاهر للخصم، فلا يستدلّ به له.
وعن الماتن في كتاب القضاء: التزامه تبعاً لصاحب الجواهر (رحمهما الله) بوجوب تنفيذ الحكم: « وإن كان مخالفاً لدليل قطعي نظري كإجماع استنباطي، وخبر محفوف بقرائن وأمارات قد توجب القطع مع احتمال عدم حصوله للحاكم الاوّل »(18).
وهذا صريح في الموضوعية والسببية.
وأكثر صراحة منه: ما في مستند العروة عن صريح بعضهم: « بأنّ الحكم بين الناس عبارة عن دفع المنازعات وقطع المشاجرات الواقعة بينهم، لا بيان الحقّ ولا إحقاق الحقّ ».


تتمّة

قد يقال: بأنّ الموضوعية لها نظائر:
ومنها: في الاقرار، إذا أقرّ ذو اليد بما في يده لزيد ثمّ أقرّ به لعمرو، قالوا يعطي ما في يده لزيد، ويغرم للثاني قيمته، حتّى أنّ بعضهم ذكر أنّه إن أقرّ لاكثر من إثنين، ضمن للجميع القيم، غير الاوّل الذي يضمن له العين.
قال في الجواهر: « إذا كان في يده دار على ظاهر التملّك بمقتضى اليد، فقال: ـ مقرّاً ـ هذه لفلان، بل لفلان، قضى بها للاوّل وغرم قيمتها للثاني إن لم يصدّقه لانّه حال بينه وبينها، فهو كالمتلف... »(19).


تأمّلات وإشكالات

لكنّه محّل تأمّل بل إشكال، وذلك:
أوّلاً: الاقرار ليس أكثر من أمارة، فكيف حكم بالموضوعية مع العلم الاجمالي ببطلان أحدهما، ولا دليل خاصّ، كدرهمي الودعي ؟
وثانياً: الاقرار الثاني ليس عليه، بل على زيد وليس نافذاً.
وقولهم: « حال بين الثاني وبين الدار » لا موضوع له أصلاً، ولذا أشكله القواعد(20).
وقال المحقّق النائيني (قدس سره) في الفوائد، بعد ما ذكر تسليم العين للاوّل، والغرامة للثاني: « ويجوز للثالث أن يجمع عنده عين ما في يد المقرّ مع ما يغرمه لعمرو بأحد موجبات الاجتماع... ولا يخفى أنّ في كثير من فروض هذه المسائل إشكالاً وخلافاً »(21).
وعلّق عليه المحقّق العراقي (قدس سره) بقوله: « أقول جزاك الله خيراً، لقد جئت بالحقّ ».
وأشكله الخونساري (قدس سره) في جامع المدارك قال: « لقائل أن يقول: بعد صحّة الاقرار للاوّل لا يبقى وجه لصحّة الاقرار للثاني، لانّه إقرار بمال الغير، وهذا كما لو أقرّ بأنّ ما في يد زيد لعمرو.
مضافاً إلى أنّ اللازم على ما ذكر: ردّ المال إلى الثاني ولو بالاشتراء أو الاستيهاب من الاوّل، لانّ الرجوع إلى البدل يكون مع عدم التمكّن من عين المال... »(22).


أدلّة القائلين بالامر بين الامرين

والقائلون بالامر بين الامرين، وهو أنّ الحكم إنّما هو لفصل الخصومة وحفظ نظام الاُمّة مع كون الواقع على ما هو عليه دون تغيير ولا تبديل، فليس النظر إلى فصل الخصومة فقط بأيّة صورة اتّفقت ـ كما يفعله بعض رؤساء العشائر في هذا الزمان ـ كما أنّه ليس مسألة فصل الخصومة معرضاً عنها بالمرّة نظير القطع الطريقي.
واستشهد بعضهم لذلك بأُمور:


الامر الاوّل

منها: أنّ لازم إحقاقه الحقّ الطريقية المحضة، وهي تلازم جواز النقض وإبطال الحكم، وهو يستلزم عدم انتهاء الخصومة، إذ كلّ من علم بخطأ الحاكم، أو احتمله يجدّد الدعوى، ثمّ إذا حكم عليه أيضاً يجدّدها ثانياً وثالثاً وهكذا، والمعلوم من مذاق الشارع: عدم جعله الحكم هكذا بحيث يوجب الهرج والمرج وتعطيل المعاش.
والتزام السببية المحضة للفرار عن النقض والابطال يستلزم ـ مضافاً إلى إحقاق الباطل وإبطال الحقّ، المعلوم من الشرع عدم جعله الحكم هكذا ـ: التصويب، ومخالفة ظاهر النصوص ونحو ذلك.
وعليه: فالامر بين الامرين فيه فرار عن المحذورين جميعاً.


الامر الثاني

ومنها: أنّ مقتضى حكم الحاكم في مورد ليس أكثر من ترتيب أثر نفس الحكم عليه فقط لا سائر الاثار اللازمة له عقلاً، نظير الاُصول العملية.
وبعبارة أُخرى: أنّ مثبتات القضاء والحكم ليست مترتّبة على الحكم، كما لا تترتّب على الاُصول العملية.
فلو تنازع زيد وعمرو في مال، وحكم الحاكم بكون المال لزيد، فالذي يجب على عمرو: هو دفع المال إلى زيد، أو عدم مطالبته منه، أمّا تملّك زيد لهذا المال بحيث لا يجوز لعمرو استنقاذه منه ولو كان عالماً بكونه لنفسه وأنّ الحاكم أخطأ في الحكم، أو في المستند، أو في غير ذلك من المقدّمات فلا.
ولذلك حكي: أنّ القوم حكموا بجواز الاستنقاذ مع العلم بالخطأ، كما حكموا بجواز خصومة غير عمرو مع زيد في نفس هذا المال عند نفس هذا الحاكم، وجواز حكم الحاكم بالمال لذلك الغير مع تمام حجّته، وهذا دليل عدم السببية للحكم.
ومنها: غير ذلك.


نقد وتقييم

والذي ربما يقتضيه النظر هو الثالث، إذ الالتزام بلوازم كلّ من الطريقية المحضة والسببية المحضة مشكل جدّاً.
مضافاً إلى أنّه مخالف لظاهر النصوص، مثل: ما دلّ على عدم تغيير الواقع من جهة الحكم عمّا هو عليه، كصحيح هشام السابق الذكر المروي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ونحوه غيره.
ومثل: ما دلّ على لزوم كون الحكم بالعدل والحقّ، وأنّ لسان القاضي بين جمرتين من نار.
ومثل: ما دلّ بالاطلاق على لزوم تنفيذ حكم الحاكم، وعدم جواز نقضه وردّه، كمقبولة ابن حنظلة ومشهورة أبي خديجة المعتبرتين.


احتمال التفصيل والقول به

هذا، وعن بعضهم: احتمال التفصيل أو قول بالتفصيل في الشبهات الموضوعية: بين ما إذا استند الحاكم في الحكم إلى اليمين فالسببية، وبين ما إذا استند إلى البيّنة فالطريقية.
ومستند هذا التفصيل هو الاخبار الواردة في أنّ من كان له على غيره مال فأنكره فاستحلفه فحلف، لم يجز له الاقتصاص من ماله بعد اليمين، بتعليل أنّ الايمان ذهبت بالحقوق، لكن المشهور لم يلتزموا هذا التفصيل، وتفصيله في كتابي: القضاء والايمان.
قال الماتن (قدس سره): « إلاّ إذا تبيّن خطأه » التبيّن ـ في نفسه ـ أعمّ من الوجداني والتعبّدي، بأمارة أو أصل عملي، لانّ المراد به: الظهور، والحجّة، وهي أعمّ من الثلاثة، قال تعالى: (إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإ فَتَبَيَّنُوا)(23) وقال سبحانه: (حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الاَْبْيَضُ...)(24).
نعم، لا يشمل الاصل العملي لما تقدّم من أنّه مع الشكّ لا يجوز النقض.


خطأ الحاكم وأقسامه
القسم الاوّل

ثمّ إنّ خطأ الحاكم على أقسام:
أحدها: ما إذا قطع باشتباه الحاكم في الحكم، لعلمه بأنّ فتوى هذا الحاكم ليس هكذا، وجواز نقض مثل هذا الحكم للحاكم نفسه، أو لغيره واضح، لانّه في الحقيقة ليس نقضاً للحكم، بل نقضاً لما تخيّل كونه حكماً، مضافاً إلى عدم شمول لفظ الحكم في الادلّة لمثله عرفاً، أو انصرافاً.
وقد نقل بعض الاعلام (رحمه الله) عن مرجع تقليد كان قد حكم في قضية وكتب الحكم، قال: فرأيت الحكم وعلمت أنّه قد أخطأ فيه، فأخذت الورقة من يد المتخاصمين، وأتيت بها إلى حرم الامام أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام، وعند الفجر التقيت به وأريتها له، فنظر فيها فانتبه إلى الخطأ فأزال الكتابة فوراً برطوبة لسانه كي لا تبقى، وأمر بإحضار الخصماء، وحكم لهم من جديد.


القسم الثاني

ثانيها: ما إذا حصل القطع بالخلاف في الموضوع الخارجي، كما إذا حكم الحاكم بأنّ الدار لزيد ـ حسب الموازين الشرعية ـ ثمّ حصل له القطع الخارجي بأنّها لعمرو، أو حصل هذا القطع لغير الحاكم، وهذا القسم محلّ كلام طويل بين الاعلام وفيه تفصيل وأقوال ووجوه واحتمالات.
وقد أغرب بعضهم فيما نُسب إليه، فأفتى بجواز ترتيب الاثر على هذا الحكم حتّى لنفس زيد مع علمه بأنّ الدار لعمرو، ونقل عنه أنّه مثّل لذلك بما إذا حصل النزاع في زوجيّة امرأة فحكم الحاكم بزوجيّتها لزيد، وعلم زيد أنّها ليست زوجته جاز له مع ذلك وطيها لمكان الحكم، وهو من الغرابة بمكان.


القسم الثالث

ثالثها: ما إذا كان الحكم على خلاف الموازين الشرعية المسلّمة، كما إذا طالب الحاكم المدّعي بالحلف فحلف ابتداءً وأخذ المال المتنازع عليه، أو طالب المنكر بالبيّنة فأقامها وأُعطي له المال، فإنّه يجوز بل يجب نقضه للحاكم نفسه ولغيره، ومنه فقد الحاكم، أو المدّعي، أو المنكر، أو الشاهدان، الشروط اللازمة فيهم.
وهناك أقسام أُخرى، بل موارد أُخرى وقع الكلام في جواز نقض الحكم فيها وعدم جوازه، وحيث إنّ البحث مكانه كتاب القضاء فنقتصر منه هنا على هذا المقدار.


تتميم: في استئناف الحكم

هل يجوز الاستيناف المتعارف عليه هذا اليوم في العالم، أو في كثير من البلاد، أم لا ؟ ـ وذلك قبل ظهور الخطأ، فيكون بمنزلة الفحص لكشف الخطأ، أو عدم الخطأ ـ ظاهر جمع من المحقّقين ومنهم المحقّق في الشرائع والشهيد في المسالك والاخ الاكبر في موسوعة الفقه وغيرهم: الجواز.
قال في الشرائع: « الثالثة: لو قضى الحاكم على غريم بضمان مال وأمر بحبسه، فعند حضور الحاكم الثاني، ينظر، فإن كان الحكم موافقاً للحقّ لزم، وإلاّ أبطله، سواء كان مستند الحكم أي الثاني قطعيّاً، أو اجتهادياً... »(25).
ومثّل في الجواهر للقطعي بالاجماع والخبر المتواتر، وللاجتهادي بالخبر الواحد ومنصوص العلّة ونحوهما، قال: « لانّه يكون حينئذ الاوّل من الحكم بغير ما أنزل الله تعالى »(26).
وظاهر آخرين: عدم جواز الاستيناف، لعدم جواز الردّ حتّى مع إحراز الخطأ، كما تقدّم عن الجواهر، وملحقات العروة، وسبق إلى ذلك المفيد والمرتضى (قدس سرهما)(27).


تعقيب وتنقيب

أقول: مقتضى القاعدة جواز الاستيناف على القول بجواز النقض وفي موارده.
وعدم الجواز على القول بعدم جواز النقض وفي موارده.
بل قد يجب الاستيناف ـ إذا كان في حقوق الناس، بل حقوق الله المهمّة، كالقتل والجلد ونحوهما ـ.
وقد يحرم، إذ الاستيناف نوع فحص وهو جار في الفتوى أيضاً خصوصاً إذا احتمل عقلائياً الخطأ.
بل الاستيناف مطلقاً ـ ما لم يلزم محذور من جهة أُخرى ـ في نفسه جائز مطلقاً، حتّى على القول بحرمة النقض وفي مواردها.


(1) العروة الوثقى: الصوم، فصل12، السادس.
(2) العروة الوثقى: التقليد، م67.
(3) الوسائل: الباب6 من أبواب أحكام شهر رمضان، ح1.
(4) العروة الوثقى: في شرائط صحّة الاعتكاف، م24.
(5) تعليقة المحقّق العراقي على العروة: ص172.
(6) الوسائل: الباب2 من أبواب مقدّمة العبادات، ح12.
(7) المسالك: ج7، ص442، في وجوب تسليم المهر بالعقد أم لا ؟
(8) الغنائم: ج3، ص27، في مسألة أنّه في صلاة الجمعة قنوتان أو قنوت واحد.
(9) النساء: 58.
(10) الوسائل: الباب1 من أبواب صفات القاضي، ح5.
(11) الوسائل: الباب11 من أبواب صفات القاضي، ح6.
(12) « الهرج » على وزن ضرب: الفتنة، و « المرج »: الاختلاط.
(13) النساء: 58.
(14) الوسائل: الباب11 من أبواب صفات القاضي، ح1.
(15) الجواهر: ج40، ص34.
(16) الوسائل: الباب2 من أبواب كيفية الحكم، ح1.
(17) أمالي الشيخ الطوسي: المجلس الثاني عشر، ح84.
(18) تكملة العروة الوثقى: كتاب القضاء، الفصل الاوّل، م32.
(19) الجواهر: ج35، ص130.
(20) القواعد: الاقرار، المطلب الثاني.
(21) فوائد الاُصول: ج3، ص85.
(22) جامع المدارك: ج5، ص44.
(23) الحجرات: 6.
(24) البقرة: 187.
(25) شرائع الاسلام: في مكروهات القضاء، الثالثة.
(26) الجواهر: ج40، ص94.
(27) التذكرة بأُصول الفقه « من مؤلّفات المفيد »: ج9، ص38. والذريعة: ج2، ص528.