المسألة (56): في المرافعات اختيار تعيين الحاكم بيد المدّعي إلاّ إذا كان مختار
المدّعى عليه أعلم، بل مع وجود الاعلم، وإمكان الترافع إليه الاحوط وجوباً الرجوع
إليه مطلقاً سواء كان التحاكم في الخصام الموضوعي أم الحكمي، وسواء كانا متداعيين
أم مدّعياً ومنكراً.
هذا ظاهر الاطلاق إذ هذه الشقوق محلّ خلاف بين الفقهاء، فاطلاق الماتن في فرض وجود
عدّة من الاختلافات يقتضي كونه ناظراً إلى عدم تفصيل منه في المسألة، لكن المنقول
عن المجلّد الثاني من العروة: نفي الاشكال عن القرعة في صورة التداعي، فيمكن حمل
الاطلاق هنا على ما هو المتبادر ـ كما احتمل ـ من انصرافه إلى كون الخصمين مدّعياً
ومنكراً لا التداعي، فتأمّل.
وعلى كلّ حال فالمهمّ بيان المسألة بشقوقها المختلفة والاقوال والوجوه المحتملة
فيها.
فنقول: هنا أمران:
أحدهما: اختيار تعيين الحاكم في المرافعات بيد من شرعاً ؟ وذلك في صورة جواز الرجوع
إلى كليهما في نفسه:
1. كالقول بعدم وجوب الرجوع إلى الاعلم مطلقاً.
2. أو في باب القضاء بالخصوص.
3. أو عدم إمكان الرجوع ـ ولو شرعاً ـ إليه.
4. أو عدم إحراز اختلافه مع الاعلم في محلّ الابتلاء ونحو ذلك.
ثانيهما: هل يجب الرجوع إلى الاعلم في القضاء كالتقليد، أم أنّ القضاء يكفي فيه
الاجتهاد كبقية الاُمور الحسبية ؟
أمّا الامر الاوّل: وهو اختيار تعيين الحاكم في المرافعات بيد من شرعاً ؟ فالاقوال
وصور المسألة فيه عديدة، وذلك لانّه:
تارة يكون في صورة تساوي الحكّام في الفضيلة وأُخرى في صورة وجود التفاضل بينهم،
وعلى كلتا الصورتين قد يكون بين الخصمين تداعي وقد يكون ادّعاء وإنكار، وعلى جميع
الصور قد يكون الخلاف بين الخصمين موضوعياً، كالدار لزيد أو عمرو ؟ وقد يكون
حكمياً، كالحبوة تشمل أكثر من خاتم، أم لا ؟ ومعظم هذه الصور محلّ خلاف.
1. أنّ ظاهر حواشي المحقّق العراقي والحكيم والتنقيح وابن العمّ (قدس سرهم)، كون
الخيار بيد المدّعي مطلقاً.
2. وصريح المتن وظاهر كلّ من لم يعلّق عليه كالبروجردي والوالد وابن العمّ (قدس
سرهم) التفصيل بين الاعلم وغيره، فمع الاعلم يتعيّن الرجوع إليه مطلقاً، وإلاّ
فمختار المدّعي هو المتعيّن، وقيّد ذلك بعضهم كالوالد (قدس سره) بما لم يكن ضرر أو
حرج على المدّعى عليه.
3. التفصيل بين التخاصم في حكم أو موضوع، ففي الاوّل يشترط الاعلمية في الحاكم
سواء كان مختار المدّعي، أم لا، وفي الثاني مختار المدّعي متعيّن، وإليه ذهب جمع، منهم: السادة الاصطهباناتي والسيّد جمال الدين والشاهرودي والشيخ محمّد رضا آل
ياسين (قدس سرهم).
4. الاشكال مطلقاً في أصل كون الاختيار بيد المدّعي، وهو ظاهر حاشية الاخ الاكبر
وصريح « موسوعة الفقه » أيضاً وبعض آخرين.
5. التفصيل بين تعيّن تقليد الاعلم على المتخاصمين مع كون الشبهة حكمية فيجب
التحاكم إلى الاعلم مطلقاً، وبين غير هذه الصورة فلا، وهو ظاهر المستمسك.
6. التفصيل بين التداعي، وغيره، ففي الاوّل: إمّا القرعة رأساً كما عن المجلّد
الثاني من العروة، وإمّا تقديم حكم الحاكم الاوّل إذا حكم لكلّ منهما حاكم، وإن
حكما معاً تساقط الحكمان والمرجع حينئذ القرعة كما عن المستند، وفي الثاني: الخلاف
والاقوال المذكورة.
وهناك ربما يستفاد تفصيلات أُخرى من تضاعيف بعض الكلمات لا يهمّ التعرّض لها
واستقصائها.
استدلّ للقول الاوّل: وهو كون اختيار الحاكم بيد المدّعي مطلقاً، بأُمور:
أحدها: أنّ المدّعي هو المطالب بالحقّ وعليه أن يثبت الدعوى، فيجب على المنكر
متابعته ولا أقلّ من الفحص عنه.
وفيه: الاشكال في كلتا المقدّمتين:
1. إذ المنكر أيضاً عليه أن يبطل الدعوى ولو بخدش أدلّة المدّعي.
2. الحقّ: إن أُريد به الحقّ الذي يدّعيه فهو غير ثابت، وإن أُريد به حقّ الدعوى
فهو أعمّ من كون اختيار تعيين الحاكم بيده، بل لكليهما هذا الحقّ، إذ للمنكر أن
يرجع إلى القاضي ويطلب منه الفصل في قضيتهم.
مضافاً إلى أنّ كون حقّ الدعوى للمدّعي أعمّ من تقديم قاضيه، لعدم ملازمة عقلية أو
عقلائية أو شرعية بينهما.
والتنظير ـ من البعض ـ بمدّعي النبوّة، منقوض علمياً وخارجاً. أمّا علمياً فإنّ
على مدّعي النبوّة الاتيان بمعجزة يقتنع به الخصم، أو تتمّ عليه الحجّة، لا مطلقاً.
وأمّا خارجاً فإنّ الانبياء ـ عادةً ـ كانوا يأتون بالمعجزات المطلوبة للاُمم منهم،
نعم بعد ذلك كانوا لا يخضعون لكلّ طلب.
ثانيها: الاجماع المنقول عن المستند، قال المحقّق العراقي (قدس سره) في حاشيته
هنا: « في اعتبار الاعلمية في باب الترافع نظر لاطلاق المقبولة، وحينئذ فالمدّعي
باق على اختياره مطلقاً، على ما يظهر من المستند من دعوى الاجماع على كون اختيار
التعيين بيد المدّعي، لانّه من شؤون استنقاذ الحقّ الذي أمره راجع إليه كما لا يخفى
» وهذا الاجماع معتضد بما حكي من الاجماع على أنّه لو رفع أحد الخصمين أمره إلى
الحاكم فطلب الحاكم الخصم الاخر وجب عليه الاجابة.
مع أنّ هذا لا يطرد في المنكر، إذ لو رفع إنكاره إلى الحاكم لا يسمع منه إنكاره.
وقيل: حتّى إنّه إذا طلب المنكر من الحاكم تخليصه من دعوى المدّعي فلا تجب على
الحاكم إجابته، فتأمّل.
وأشكل عليه صغرى: بالخلاف والاقوال.
وكبرى: باحتمال الاستناد إلى بعض الوجوه وقد ذكر واحد منها.
وفيه: الاشكال الكبروي غير تامّ عندنا لبناء العقلاء، ولا يضرّ معه الاشكال
الصغروي.
ولكن فيه: أنّ المدّعى أعمّ من الدليل، إذ وجوب حضور المنكر لو دعاه الحاكم أخصّ من
كون تعيين الحاكم مطلقاً بيد المدّعي كما لا يخفى.
مضافاً إلى ما في بعض الشروح: من منع عدم وجوب إجابة الحاكم للمنكر إذا طلب منه
تخليصه من الدعوى، مستدلاً: بأنّ الحاكم منصوب لرفع الخصومات، سواء رجع إليه
المدّعي أم المنكر، لاطلاق أدلّة الحكومة.
ثالثها: ما قاله الشيخ الانصاري (قدس سره) في قضائه من تقديم اختيار المدّعي، قال: « قدّم اختيار المدّعي لانّ له الاستعداء على خصمه عند كلّ واحد منهما، فيجب عليه إعداؤه، بإحضار خصمه، أو الحكم عليه غائباً إن كان بعيداً »(1) وفيه: ما تقدّم في الاوّل، فهو يشبهه.
رابعها: ما أشار إليه المحقّق العراقي (قدس سره) من إطلاق مقبولة عمر بن حنظلة وهو
قوله (عليه السلام): « ينظران من كان منكم ممّن قد روى حديثنا ونظر في حلالنا
وحرامنا وعرف أحكامنا، فليرضوا به حكماً، فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً »(2).
وأشكل عليه كالاشكال على كلّ إطلاق من هذا القبيل: بأنّ أمثال ذلك ليس في مقام
البيان من جهة الاعلمية وعدمها، فلا إطلاق من جهتها، فتأمّل.
ثمّ إنّ عمدة هذه الادلّة كما قيل: هو الاجماع إن تمّ، ولكن ـ مضافاً إلى أنّه
منقول ـ كيف يتمّ مع وجود الخلاف والاقوال المتعدّدة في المسألة ؟ وعلى فرضه
فالظاهر كونه من الاجماعات المستنبطة، التي يستنبطها الفقهاء أحياناً اعتماداً على
أصل مسلّم أو دليل مسلّم يعتبرون المورد من صغرياته.
والدليلان الاخران لا يفيان بالتنجيز والاعذار.
فالمرجع القرعة التي ذهب إليها جمهرة من الاعاظم:
منهم: المحقّق الاردبيلي في مجمع الفائدة قال: « فلا يبعد الرجوع إليه (عليه
السلام)إن أمكن بسهولة وإلاّ القرعة »(3).
ومنهم: كاشف الغطاء في كشفه قال: « وبعد التعارض يقترعان »(4).
ومنهم: صاحب العروة في الملحقات قال: « فمقتضى القاعدة مع عدم أعلمية أحد
الحاكمين هو القرعة، إلاّ إذا ثبت الاجماع على تقديم مختار المدّعي... وأمّا مع
تداعيهما... واختار كلّ منهما غير ما اختاره الاخر ـ مع فرض تساويهما ـ فلا ينبغي
الاشكال في القرعة »(5).
ومنهم: غير هؤلاء وحيث إنّ المسألة مرتبطة بالقضاء نكتفي هنا بهذا المقدار.
واستدلّ للقول الثاني: وهو التفصيل بين وجود الاعلم فالرجوع إليه مطلقاً، وبين عدمه
فمختار المدّعي ـ بعد نسبة البعض ذلك إلى المشهور وإن كان في صحّة النسبة إشكالاً
مضافاً إلى الاصل ـ بالروايات الدالّة على التحاكم إلى الاعلم ـ كما قالوا ـ نذكر
منها أربعة:
1. مقبولة عمر بن حنظلة وقد جاء فيها: « الحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما »(6).
2. معتبرة داود بن الحصين عن أبي عبدالله (عليه السلام) في رجلين اتّفقا على عدلين
جعلاهما بينهما في حكم، وقع بينهما فيه خلاف، فرضيا بالعدلين، فاختلف العدلان
بينهما، على قول أيّهما يمضي الحكم ؟ قال (عليه السلام): « ينظر إلى أفقههما
وأعلمهما بأحاديثنا وأورعهما، فينفذ حكمه، ولا يلتفت إلى الاخر »(7).
3. خبر موسى بن اكيل عن أبي عبدالله (عليه السلام) وجاء فيه: « ينظر إلى أعدلهما
وأفقههما في دين الله فيمضى حكمه »(8).
4. عهد أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى مالك الاشتر رضوان الله عليه، وجاء فيه:
« اختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك »(9).
5. وبأصالة التعيين عند الدوران، واستدلّ له بغير ذلك أيضاً ممّا مرّ في القول
بوجوب تقليد الاعلم.
وأشكل في الجميع:
أمّا الاصل: ـ فمضافاً إلى تقدّم البراءة عليه إذا كان مرجعه إلى الشكّ في أصل
التكليف ـ أنّ الاطلاقات واردة عليه، ومحلّه بعد فقد أي دليل اجتهادي.
وأمّا الروايات ـ فمضافاً إلى ما قيل: من ضعف السند في جميعها أو بعضها، وإن كان
لنا إشكال في ذلك بل منع، خصوصاً في العهد ثمّ المقبولة ثمّ المعتبرة، وإلى ما
قيل أيضاً: من كونها في الاختلاف في الحكم لا الشامل للموضوع أيضاً، فتأمّل ـ:
أنّها ـ غير العهد ـ في مقام الحلّ بعد صدور حكمين مختلفين في قضية واحدة، وهو
أجنبي عمّا نحن فيه، إذ الكلام في ابتداء الرجوع وأنّه إلى الاعلم بالتعيين أم
التخيير بينه وبين غيره.
وما أدّعي: من وحدة المناط:
ففيها: أنّ رفع التخاصم والنزاع في مورد صدور حكمين مختلفين متوقّف على تعيين
المرجّح، بخلاف ما إذا لم يصدر بعد حكم فإنّه بالتخيير يتمّ الامر أيضاً، فالمناط
ليس مسلّماً.
هذا مضافاً إلى ما مرّ في الاستدلال بعهد الامام أمير المؤمنين (عليه السلام): من
قرينة الاولوية لا الوجوب، إذ لو لزم ذلك لوجب أن يكون مالك الاشتر بنفسه هو
الحاكم، لانّه أعلم من غيره لطول صحبته للامام واستفادته من نمير علمه الفيّاض.
وأمّا التقييد بعدم الضرر والحرج، كما إذا كان الاعلم في مكان يضرّ بأحدهما أو
يكون في الذهاب إليه حرج عليه، وكذا التحاكم إلى مختار المدّعي إذا كان موجباً
للضرر أو الحرج على المدّعى عليه: فهو لا بأس به، إذ الحرج والضرر يرفعان كلّ
إلزام في الشريعة إلاّ ما خرج بدليل خاصّ، وليس ما نحن فيه منه.
نعم، يبقى الاشكال في أصل إطلاق شقّي هذا القول.
واستدلّ للقول الثالث: وهو التفصيل بين التخاصم في حكم فالاعلم مطلقاً، أو في موضوع فمختار المدّعي، بأنّ ظاهر روايات نفوذ حكم الاعلم في القضاء هو ما إذا كان الخلاف في الحكم، وفيه نلتزم بوجوب الرجوع إليه مطلقاً، وأمّا في صورة الخلاف في الموضوع فلا، لاطلاقات أدلّة الحكومة، والخارج عنها فقط هذا المورد الواحد.
وأشكل عليه ـ مضافاً إلى ما مرّ من الجواب عنها في القول الثاني ـ: أنّها مطلقة
كلّها، ويؤيّده: التفصيل بين الحكم والموضوع، والفرق بينهما موضوعاً أو حكماً
إنّما هو تفصيل حادث في العصور المتأخّرة لم نجد منه عين ولا أثر في أزمنة
المعصومين عليهم الصلاة والسلام، حتّى يقال بأنّ الروايات وردت في الخلاف الحكمي
لا الموضوعي، أو يحمل إطلاقها بالانصراف على الخلاف الحكمي، مع توفّر الخلاف بين
الناس من القسمين حكماً وموضوعاً.
مع أنّ العبرة بإطلاق جواب الامام (عليه السلام) وإن كان مورد السؤال في بعضها عن
الحكم بالخصوص، أو بالانصراف.
واستدلّ للقول الرابع: وهو الاشكال مطلقاً في أصل كون الاختيار بيد المدّعي،
باطلاقات أدلّة الحكومة، الشاملة لنفوذ حكم كلّ فقيه حكم بحكمهم (عليهم السلام)
كان أعلم أم لا، وكان مختار المدّعي أم المدّعى عليه، في الخلاف الحكمي أم
الموضوعي.
والاطلاق فيها في مقام البيان، لانّه ممّا لو كان قيد لبان، لوجود الخلاف خارجاً
في كلّ من الحكم والموضوع، والفضيلة، والاختيار، وعدم الاستفصال قرينة الاطلاق،
وليس في البين قدر متيقّن حتّى يحمل الاطلاق عليه.
والاشكال في ذلك: تارةً بعدم الدليل على كلّية « لو كان لبان ».
وأُخرى صغرى: بأنّ وجود الخلاف الخارجي بما هو لا يكفي لجعل المورد من مصاديق هذه
الكلّية.
وثالثة: بأنّ ما ذكر: من أدلّة تخصيص الامر بالاعلم، واختيار المدّعي، والشبهة
الموضوعية، ممّا قد بان، فالمورد خارج بالتخصّص.
غير تامّ أوّلاً: بأنّ كلّية « لو كان لبان » قاعدة عقلائية مسلّمة، وهي ظاهراً
أمارة وليس مجرّد أصل عملي بنى عليه العقلاء عند الشكّ كأصل الاشتغال ونحوه، ولو
أنكر مثل هذه القاعدة لم يمكن الاستدلال بمعظم المطلقات، لبنائها غالباً على هذه
القاعدة.
وثانياً: بأنّ الخلاف الخارجي إن كان محلّ إبتلاء الكثير من الناس فورد إطلاق،
كان من موارد القاعدة الكلّية، وما نحن فيه من أظهر مصاديق ذلك.
وثالثاً: بأنّ المورد لو كان صغرى لقاعدة « لو كان لبان » كان ذلك أمارة مخصّصة
ومقيّدة لعمومات وإطلاقات الاعلم واختيار المدّعي لو كان عموم أو إطلاق، ومعمّمة
للشبهة الحكميه لو كان خصوص في ذاك الجانب، والله أعلم.
واستدلّ للقول الخامس: وهو التفصيل بين تعيّن تقليد الاعلم على المتخاصمين وكون الخلاف بينهما حكمياً فيجب عليهما التحاكم إلى الاعلم مطلقاً، وبين غير هذه الصورة فلا، بأنّه إذا كان المتخاصمان يوجبان تقليد الاعلم، وكان خلافهما في الاحكام ممّا يكون التقليد فيها ثابتاً لزم عليهما الرجوع إلى الاعلم، ومن صغريات الرجوع إلى الاعلم التحاكم إليه، وإذا كان المتخاصمان لا يوجبان تقليد الاعلم فلا يجب عليهما التخاصم إلى الاعلم مطلقاً، وكذا إذا كان الخلاف بينها موضوعاً، فإنّه حيث لا يجب التقليد في الموضوعات رأساً، فلا يجب كون التخاصم في الموضوعات إلى الاعلم بطريق أولى.
وفيه أوّلاً: أنّ خلط باب التقليد بباب القضاء غير متّجه إلاّ على القول بوحدة
البابين حكماً، وهي مع الاختلاف الكثير بينهما في الاحكام لا تتمّ إلاّ في الموارد
التي حصل الاطمئنان بوحدة المناط فيهما، ومثله في المقام وإن ادّعي إلاّ أنّه غير
مسلّم، لتوفّر الدواعي في رفع التخاصم بما لا تتوفّر في مجرّد التقليد وأخذ الحكم
كما لا يخفى، فالمناط غير مطمئن إليه.
وثانياً: أنّ أصل إخراج الخلاف الموضوعي غير معلوم الوجه بعد كون الموضوعات منها
مستنبطة وتحتاج إلى التقليد فيها، كما هو مذهب المشهور ومنهم القائلون بهذا
التفصيل.
مضافاً إلى أنّ الموضوعات التي يقع التخاصم فيها وتنجرّ إلى الحكومة هي غالباً
المستنبطة منها، فإطلاق القول بعدم لزوم التخاصم إلى الاعلم إذا كان الخلاف
موضوعياً، ممّن يرى وجوب تقليد الاعلم، ووحدة بابي: القضاء والتقليد في ذلك، محلّ
تأمّل وإشكال.
وثالثاً: أنّ هذا التفصيل ناقص: من جهة لزوم تقييده باتّفاق المتخاصمين على كون
الاعلم هو الفلاني، إذ لو تعيّن عليهما تقليد الاعلم، وكان الخلاف بينهما حكمياً، لكنّهما اختلفا في شخص الاعلم هل هو زيد أو عمرو، أو تردّدا فيه، أو تردّد
أحدهما فيه، مع كون الواجب عليه تقليد الاعلم إذا تشخّص وتعيّن ؟ ففي هذه الموارد
يقتضي أن لا يوجب هذا المفصّل الرجوع إلى حاكم أعلم.
واستدلّ للقول السادس: وهو التفصيل بين التداعي وغيره:
أمّا مع التداعي والخلاف في الرجوع إلى زيد أو عمرو: فترجيح حاكم يعيّنه أحدهما
بلا مرجّح ملزم، فيبقى الامر مشكلاً وهو: إمّا ينحلّ بالقرعة ابتداءً كما عن
المجلّد الثاني من العروة الوثقى، أو انتهاءً كما عن المستند وذلك على ما تقدّم
آنفاً عند سرد الاقوال.
وأمّا مع كون التخاصم بين مدّع ومنكر فلا يوجد هذا المحذور، فيبقى الامر على تقديم
ماذا ؟ وذلك على الخلاف الموجود في المسألة.
وهذا التفصيل لا بأس به: من جهة أنّ الظاهر انصراف الاقوال الخمسة المتقدّمة إلى
غير صورة التداعي، فلعلّ بعضهم أو كلّهم يرتضي أيضاً هذا التفصيل.
غير أنّ في أصله بحثاً يأتي في كتاب القضاء إن شاء الله تعالى، لانّ مورد تفصيل
الكلام عنه هناك.
وأمّا الامر الثاني: وهو هل يجب الرجوع إلى الاعلم في القضاء كالتقليد، أم لا يجب
ويكفي فيه الاجتهاد كبقية مسائل الحسبة ؟
فالظاهر: وجود الخلاف فيه أيضاً، احتاط صاحب العروة وجوباً هنا وفي المسألة الثامنة
والستين أيضاً.
قال في العروة هنا كما تقدّم: « بل مع وجود الاعلم وإمكان الترافع إليه الاحوط
الرجوع إليه مطلقاً »(10).
وقال في المسألة الثامنة والستين: « لا يعتبر الاعلمية في ما أمره راجع إلى
المجتهد، إلاّ في التقليد... نعم الاحوط في القاضي أن يكون أعلم من في ذلك البلد
أو في غيره ممّا لا حرج في الترافع إليه »(11).
ومعنى قول الماتن: « مطلقاً » أي: سواء اختاره المدّعي أم المدّعى عليه، أم لم
يختاره أحد منهما.
والغريب من البعض كالسيّد عبدالهادي (قدس سره) حيث علّق على المسألة الثامنة
والستين بقوله: « استحباباً » ولم يعلّق على المسألة السادسة والخمسين، مع أنّ
الاحتياط في كلتيهما في العروة وجوبي.
والاقوال في المسألة على ما يلي:
1. اشتراط الاعلمية مطلقاً ـ فتوى أو احتياطاً ـ لصاحب العروة والمعظم.
2. عدم الاشتراط مطلقاً، إلاّ مع اختلاف الحكمين، للعراقي وغيره.
3. التفصيل بين كون مورد الترافع موضوعاً فلا يشترط الاعلمية، أو حكماً ـ كالحبوة
ـ فيشترط، لجمع كالمحقّقين: النائيني وكاشف الغطاء.
4. عدم اشتراط الاجتهاد، للجواهر.
والعمدة في الادلّة مقبولة ابن حنظلة: « ينظران من كان منكم ممّن روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا، وعرف أحكامنا، فليرضوا به حكماً»(12).
1. فمن لم يشترط الاعلمية استند إلى هذا الاطلاق، وقد جاء في ذيل المقبولة ـ
الصحيحة على الاصحّ ـ: « فإن كان كلّ واحد اختار رجلاً من أصحابنا فرضيا أن يكون
الناظرين في حقّهما، واختلفا فيما حكما، وكلاهما اختلفا في حديثكم، فقال (عليه
السلام): الحكم ما حكم به أعدلهما، وأفقههما، وأصدقهما في الحديث، وأورعهما »(13).
وكذا صحيحة أبي خديجة: « يعلم شيئاً من قضايانا »(14).
2. ومن اشترط الاعلمية مطلقاً استند إلى « أفقههما ».
وفيه: أ ـ مورده التعارض.
ب ـ اشترط في الرواية: « الاورعية » و « الاصدقية » و « الاعدلية » ولا يقولون به،
فالاعلمية تنزيهي لا الزامي.
3. ومن فصّل بين الموضوعية والحكمية، قال: بأنّ الاطلاق يشمل غير الاعلم والافقهية في التعارض وهو في اختلاف الحكم لا الموضوع.
4. ومثل صاحب الجواهر استند إلى أنّ « العلم » أعمّ من الاجتهاد.
قال في الجواهر: « إلى غير ذلك من النصوص البالغة بالتعاضد أعلى مراتب القطع،
الدالّة على أنّ المدار: الحكم بالحقّ الذي هو عند محمّد وأهل بيته صلوات الله
عليهم أجمعين، وأنّه لا ريب في اندراج من سمع منهم أحكاماً خاصّة مثلاً، وحكم
فيها بين الناس وإن لم يكن له مرتبة الاجتهاد والتصرّف »(15).
إلى أن قال: « فدعوى قصور من علم جملة من الاحكام مشافهة، أو بتقليد لمجتهد، عن
منصب القضاء بما علمه، خالية عن الدليل، بل ظاهر الادلّة خلافها، بل يمكن دعوى
القطع بخلافها... »(16).
ونكتفي هنا من البحث بهذا المقدار، وندع التفصيل لكتاب القضاء إن شاء الله تعالى.