المسألة (55): إذا كان البائع مقلّداً لمن يقول بصحّة المعاطاة ـ مثلاً ـ أو العقد بالفارسي، والمشتري مقلّداً لمن يقول بالبطلان، لا يصحّ البيع بالنسبة إلى البائع أيضاً، لانّه متقوّم بطرفين، فاللازم أن يكون صحيحاً من الطرفين، وكذا في كلّ عقد كان مذهب أحد الطرفين بطلانه ومذهب الاخر صحّته.


لو أوقعا عقداً يرى أحدهما بطلانه والاخر صحّته

المسألة (55): إذا كان البائع مقلّداً لمن يقول بصحّة المعاطاة ـ مثلاً ـ أو العقد بالفارسي، والمشتري مقلّداً لمن يقول بالبطلان، لا يصحّ البيع بالنسبة إلى البائع أيضاً، لانّه متقوّم بطرفين، فاللازم أن يكون صحيحاً من الطرفين، وكذا في كلّ عقد كان مذهب أحد الطرفين بطلانه ومذهب الاخر صحّته كعقد النكاح بالفارسي الذي أجراه الزوجان وكان صحيحاً بنظر الزوج فاسداً بنظر الزوجة أو بالعكس، أو كان الايجاب بالفارسية والقبول بالعربية، وبالعكس، وهكذا.
لكن جلّ من رأيت حواشيهم وشروحهم وهم أكثر من العشرين، علّقوا على هذه المسألة والتزموا بصحّة العقد من طرف من يرى صحّته، وبطلانه من الطرف الذي يرى بطلانه، وفيهم المحقّقون: النائيني والعراقي والوالد (قدس سرهم) تبعاً لشيوخهم وشيوخ شيوخهم في رسالتي: « صراط النجاة » للشيخ الانصاري، و « مجمع المسائل » للمجدّد الشيرازي، وإمضاء تعليقهما كالمحقّقين: الرشتي، والاخوند، والشيخ محمّد تقي الشيرازي وغيرهم.
نعم علّق صاحب العروة هناك بالبطلان مطلقاً كالعروة، وسكت الحائري على العروة هنا ـ رضوان الله عليهم جميعاً ـ.


أقوال المسألة

وكيف كان: فالوجوه التي يعرف منها الاقوال أيضاً في المقام أربعة:
أحدها: ما في المتن من البطلان بالنسبة للطرفين، ولم أرَ من وافقه من الحواشي والشروح سوى الشيخ عبدالكريم الحائري (قدس سره).
ثانيها: الصحّة بالنسبة للطرفين، وقد ذكر له من الوجه مقابل ما ذكر في المتن، تغليباً لجانب الصحّة التي هي الاصل في الاعمال.
ثالثها: هو التفصيل الذي ارتضاه معظم المحشّين والشرّاح من كون العقد صحيحاً بالنسبة لمن يعتقد الصحّة، فاسداً بالنسبة لمن يعتقد فساده.
رابعها: التفصيل بين ما إذا كان العقد فاسداً على مذهبيهما أو مجمعاً على فساده فباطل، وبين غير هاتين الصورتين كما لو كان فاسداً بمذهب أحدهما وصحيحاً بمذهب الاخر فصحيح.
مثلاً: لو كان مذهب أحدهما صحّة تقديم القبول وفساد العقد الفارسي، وكان مذهب الاخر العكس، فعقدا بالفارسي مع تقديم القبول، فإنّ هذا العقد فاسد بنظريهما، إذ الاوّل يرى فساد العقد بالفارسي وهذا العقد كان بالفارسية، والثاني يرى فساد العقد الذي قدّم فيه القبول وهذا العقد قدّم فيه القبول، وهكذا لو عقدا بلا قصد أو بلا اختيار وغيرها من الشروط المجمع على بطلان العقد بدونها.


القول الاوّل وأدلّته

استدلّ للقول الاوّل: وهو البطلان بالنسبة للطرفين، بوجوه أربعة ترجع ثلاثة منها إلى ما ذكره الماتن ولكن بتقريرات مختلفة:
أحدها: أنّ البيع ـ وهكذا كلّ عقد ـ فعل واحد تشريكي بين طرفين، فيجب كونه صحيحاً على المذهبين، لتوقّفه عليهما.
ثانيها: أنّ العقد ـ عند الشارع ـ مركّب من الايجاب والقبول، فهو عند الشارع لا يؤثّر إلاّ بعد تمام المركّب، ولا يكون تامّاً إلاّ بعد صحّته من الطرفين.
ثالثها: أنّ العقد ـ بما هو أمر واحد ـ إمّا صحيح أو فاسد، ولا معنى لاعتباره صحيحاً بالنسبة لاحد الطرفين وفاسداً بالنسبة للطرف الاخر.
رابعها: ما ذكره شيخنا الحائري (قدس سره) في شرحه ما حاصله: أنّ العرف الذي بيده الاعتبار في المعاملات، ليس بناؤه على ترتيب آثار الصحّة من طرف واحد إذا كان الطرف الاخر لا يرى صحّته ولو كان ذلك من أجل أمر تخيّلي بنظر من يرى الصحّة، فالعقد بالفارسي ـ مثلاً ـ الصحيح بنظر البائع الموجب لايجابه عليه تسليم المبيع، إذا كان باطلاً بنظر المشتري بحيث لا يوجب عليه تسليم الثمن للبائع ولا يجوز له تسلّم المبيع منه، الذي ينتهي إلى النزاع عادة، مثل هذا العقد ليس عند العرف صحيحاً حتّى بالنسبة للبائع، فكأنّ ذلك من شروط الصحّة الضمنية الارتكازية، ولا أقل من الشكّ في صحّة مثل هذا العقد، فلا يمكن ترتيب أحكام الصحّة عليه.


مناقشة الادلّة
مناقشة الدليل الاوّل

والكلّ مخدوش.
أمّا الاوّل: فكون العقد واحداً تشريكياً صحيح، ولكن توقّف صحّته على كونه صحيحاً في المذهبين غير تامّ، إذ اللازم هو الصحّة الواقعية وهو موجودة عند من يرى صحّته، والتفكيك في الحكم الظاهري غير عزيز بالنسبة للشخص الواحد، فكيف بالنسبة لشخصين ؟ ولا يشترط في صحّة العقد بالاضافة إلى الصحّة الواقعية، الصحّة الظاهرية بنظر الجميع.
وقوله: لتوقّفه عليهما، إن أراد به التوقّف على إنشائيهما فصحيح وليس معناه بطلان العقد فيما نحن فيه، وإن أراد التوقّف على الصحّة في نظريهما فليس له دليل.


مناقشة الدليل الثاني

وأمّا الثاني: فإنّ المقدّمتين مسلّمتان، غير أنّ توقّف تمام العقد على الصحّة من الطرفين: إن كان المقصود التمام بنظريهما فغير ثابت، وإن كان المقصود التمام في الواقع فلا يورد إشكالاً على التفصيل.


مناقشة الدليل الثالث

وأمّا الثالث: فإنّه ـ مضافاً إلى أنّه لا يرد القول ببطلان العقد مطلقاً أو صحّته كذلك، وإنّما يرد القول بالتفصيل بالصحّة والبطلان من كلّ واحد من الطرفين ـ إن أُريد من الصحّة والفساد في العقد الواحد الواقعيين فثابت غير مضرّ إذ الكلام ليس على الواقع، وإن أُريد من الصحّة والفساد في العقد الواحد الظاهريين بالنظرين فغير ثابت لزومه.
والحاصل: أنّ العقد بنظر البائع ـ مثلاً ـ صحيح واقعاً حتّى من جانب المشتري، فيرتّب عليه الاثر ولا يضرّه تخيّل المشتري بطلانه، إذ مع كونه صحيحاً في نظر البائع تكون فتوى المشتري بالبطلان تخيّلاً غير واقعي بنظر البائع.


مناقشة الدليل الرابع

وأمّا الرابع: فإنّه قد يؤخذ عليه ما يلي:
أوّلاً: أنّه مصادرة لانّ اعتبار العرف هذا الشرط الضمني أوّل الكلام، وقد يؤيّده: عدم ذهاب معظم الفقهاء ـ وهم شريحة من العرف قطعاً ـ إلى ذلك.
وثانياً: النزاع الذي يأتي من قبل العقد لا يصحّ جعله ـ وجوداً أو عدماً ـ من شروط العقد، للزوم الدور.
وثالثاً: مع صدق العناوين الشرعية كالبيع مثلاً عليه في (أَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ)(1) ونحوه فلا مجال للشكّ العرفي، إذ الاطلاقات الشرعية توسّع دائرة الموضوعات العرفية. والانصراف عن مثله لا دليل عليه والنزاع المتوقّع إن حدث يفصل أمره بما في كتاب القضاء، والله العالم.


القول الثاني والاستدلال له بأُمور
الامر الاوّل

واستدلّ للقول الثاني: وهو الصحّة بالنسبة للطرفين بأُمور:
أحدها: ما عن بعض المحقّقين في حاشيته على المكاسب: من أنّ العقد أمر قائم بطرفين فإذا صحّ بالنسبة إلى طرف واحد دلّ ذلك بدلالة الالتزام على الصحّة من الطرف الاخر أيضاً.
وفيه: ـ مضافاً إلى أنّه دليل ناقص، إذ هو مبني على مسلّمية صحّة العقد من طرف واحد، فلا يكون دليلاً في مقابل من يقول بمقالة الماتن: من بطلان العقد بالنسبة إلى كليهما.
مع أنّ لقائل أن يعكس الاستدلال، فيقول: إنّ البطلان من طرف يدلّ بدلالة الالتزام على البطلان من الطرف الاخر لكون العقد قائماً بطرفين ـ أنّ في المقام مرحلتين مرحلة الظاهر ومرحلة الواقع.
أمّا في مرحلة الظاهر فالبائع يرى صحّة العقد من الطرفين لا من طرف واحد، والمشتري يرى بطلان العقد من الطرفين لا من طرف واحد، فليس في الظاهر تفكيك بين الحكمين، وإنّما هو تفكيك بين الرؤيتين والنظرين، وما أكثر التفكيك بذلك في الموضوعات والاحكام.
وأمّا في مرحلة الواقع فمضافاً إلى عدم التكليف بالواقع بما هو واقع بل بالواصل منه: أنّ التلازم المذكور غير مسلّم، فلعلّ الصحّة من جانب لا تلازم في الواقع الصحّة من الجانب الاخر، وهكذا في العكس، إذ العقد أمر اعتباري والاعتبار سعة وضيقاً ومن جهة عامّة الخصوصيات يتبع كيفية الاعتبار كما لا يخفى.


الامر الثاني

ثانيها: أنّه بناءً على السببية يكون الايجاب الفارسي ـ مثلاً ـ سبباً ظاهرياً مؤثّراً حقيقة في النقل والانتقال بحسب جعل الشارع، فإذا حكم ظاهراً بصحّته مطلقاً، جاز للمشتري الذي يرى البطلان الواقعي أن يعتمد على هذه السببية ويقبل هذا الايجاب، فيصحّ العقد صحّة ظاهرية، نظير الصحّة اعتماداً على الاُصول والامارات.
وفيه أوّلاً: السببية غير مسلّمة، بل ربما يقال بأنها مسلّم البطلان، إذ غاية ما يمكن أن يقال في الاحكام الظاهرية هو ما بنى عليه المتأخّرون والمعاصرون: من أنّها منجّزات ومعذّرات لا أكثر من ذلك، إذ الادلّة عقليها ونقليها لا تدلّ على أكثر من ذلك، فالنزاع صغروي، والاشكال إثباتي لا ثبوتي.
وثانياً: إذا تمّ ذلك، فيصحّ الاعتماد على هذا الايجاب عند من يرى سببيته للنقل والانتقال، لا عند من لا يرى السببية فيه، فهذا السبب عند من لا يرى سببيته كالحجر في جنب الانسان، وتصحيح العقد اعتماداً على الاُصول والامارات إنّما يتمّ إذا كان مورد الشكّ، لا ما إذا كان مع قيام الحجّة على البطلان، ولو كانت الحجّة أصلاً عملياً، مثل: أصل عدم الدليل، أو عدم الدلالة ونحو ذلك، فإنّه دافع للشكّ موضوعاً دفعاً تعبّدياً.
وثالثاً: الدليل أخصّ من المدّعى، إذ لو صحّ ما ذكر فيما كان الايجاب صحيحاً، والقبول فاسداً، فما الحلّ في العكس ؟


الامر الثالث

ثالثها: قيام السيرة بين المسلمين على الاكتفاء في العبادات والمعاملات على الصحّة في نظر الاتي بالعمل، فإمام الجماعة، والواسطة بين الامام والمأموم، يعتمد على الصحّة في نظريهما فتقام الجماعة، وكذلك في العقد فإنّ المسلمين لا يفحصون عن كيفية إيقاع الطرف الاخر العقد ويكتفون به، ويبنون على صحّتها، وعدم ورود ردع عن الائمّة (عليهم السلام) في ذلك يتمّم دليلية السيرة.
وفيه: عدم تسليم السيرة حتّى في مثل المقام الذي يرى أحدهما البطلان، بل السيرة بالخلاف أقرب إلى التصديق، إذ بناء المسلمين في عباداتهم ومعاملاتهم على الاتيان بها صحيحة، فإذا رأوا شخصاً يأتيها باطلة بنظرهم فلا يعتمدون عليه، بل قال بعضهم: بأنّ بناء المسلمين استقرّ على الاحتياط عند الشكّ في كيفية إتيان العمل أيضاً، فتأمّل.
هذا ـ مضافاً ـ إلى أنّ في باب صلاة الجماعة التي مثّلوا بها، دلّت الادلّة الخاصّة على أنّ صحّة الجماعة ليست متوقّفة على صحّتها بنظر المأموم بل على صحّتها بنظر الامام، فالامام الصحيح صلاته بنظره يصحّ الاقتداء به.
ويؤيّد ذلك: عدم جواز الاقتداء بمن يعلم المأموم عدم طهارته من الحدث، أو كون صلاته قبل دخول الوقت، أو عدم صحّة قراءته ونحو ذلك.


كلام الشيخ الانصاري

وعن الشيخ الانصاري (قدس سره) في المكاسب (2) ابتناء صحّة العقد وبطلانه في حقّهما على الخلاف في أنّ الاحكام الاجتهادية أبدال، أم أعذار، حيث إنّه لو كانت الاحكام الاجتهادية بمنزلة الاحكام الاضطرارية في كونها أحكاماً شرعية بدلية عن الواقع بحيث يجوز للمجتهد نفسه ولغيره ترتيب آثار الصحّة عليها صحّ العقد في حقّهما، ولو كانت أعذاراً بحيث لا يعذر فيها إلاّ من اجتهدها أو قلّد فيها فلا يصحّ في حقّهما.


كلام صاحب الجواهر

وسبق الشيخ (رحمه الله) إلى ذلك صاحب الجواهر (رحمه الله) مع ترجيحه الصحّة، قال في صلاة الجماعة بعد كلام طويل ما يلي:
« ومن هنا لم يبعد في النظر جواز ائتمام المجتهد أو مقلّده بآخر، أو مقلّده المخالف له في الفروع مع استعمال محلّ الخلاف في الصلاة، كما لو تستّر الامام بسنجاب أو نحوه ممّا يرى المأموم عدم جوازه، أو كفّر ـ مثلاً ـ في الصلاة، أو فعل غير ذلك أو تركه، لصحّة صلاة الامام في حقّه عند المأموم، ولذا يجتزي بعبادته لو كانت تحمّليّة عنه مثلاً، بل يجري عليها جميع أحكام الصحيحة من إسقاط الاعادة والقضاء وحرمة الابطال وغيرهما، بل ينبغي القطع بذلك بناءً على واقعية الحكم الحاصل بالظنّ الاجتهادي ثانياً، وأنّه من انقلاب التكليف كالتقيّة والتيمّم عند الاضطرار، لا عذريته وأنّ المكلّف به الحكم الاوّلي، وأنّ جهة الحسن والقبح والمطلوبية والمبغوضية جارية عليه، وأنّه مراعاة لمصلحته المترتّبة عليه سوّغ الشارع العمل بالظنّ لاحتمال مصادفته، فإن أصاب فعشر حسنات، وإلاّ فهو معذور وله حسنة، وإن كان هذا هو التحقيق عندنا، لكن قد يقال بالصحّة بناءً عليه أيضاً، وإن لم تكن بتلك المكانة من الوضوح، لما عرفت من أنّ ظنّ المأموم فساد صلاة الامام بمنزلة عدمه، لعدم حجّيته حتّى للظانّ نفسه في حقّ الغير الذي لم يكن من مقلّدته، فلا يمنعه حينئذ من الحكم بصحّة صلاة الامام في حقّه ظنّه فسادها، وليس الائتمام بها يصيّرها صلاة له كي يعتبر فيها ظنّه، بل هي بعد صلاة الامام يراعي فيها تكليفه نفسه، ويكفي في جواز الائتمام إحراز ما يعتبر فيها عنده، لتناول إطلاق الادلّة لها، لصدق اسم الصلاة حينئذ عليها، ضرورة اتّحاد مقتضي الصحّة ممّا دلّ على حجّية ظنّ المجتهد بالنسبة إلى صلاة الامام والمأموم وإن ظنّ كلّ منهما فساد صلاة الاخر، إلاّ أنّ الشارع ألغى هذا الظنّ في حقّ الغير، على أنّه هو مع ظنّ الفساد يحتمل الصحّة في الواقع، وأنّ خلاف ظنّه هو الصواب »(3).


مناقشة كلام الجواهر

وأشكل عليه السيّد الماتن (قدس سره) في الحاشية بوجهين:
الاوّل: أنّ البدلية بالمعنى المذكور يستلزم التصويب الباطل.
الثاني: أنّ ترتيب الاثر على نظر المجتهد إنّما يصحّ للمجتهد الاخر إذا كان فعله موجداً للموضوع بالنسبة للاخر، أمّا إذا كان فعل أحدهما قائماً مقام فعل الاخر فلا يترتّب الاثر فيما كان نظر الاخر بطلانه.
مثلاً: لو كان المؤثّر في تجويز أكل المال في حقّ البائع هو الايجاب الصحيح فقط، وفي حقّ المشتري هو القبول الصحيح فقط، أمكن أكل المال من الطرفين مع اعتقاد كلّ واحد منهما صحّة انشائه فقط دون إنشاء الاخر، لكن المفروض أنّ أثر البيع ـ مثلاً ـ وهو جواز أكل المال مترتّب على البيع الصحيح المتقوّم بجزئين، لا الايجاب فقط، ولا القبول فقط، فلا مناص من لزوم كون العقد صحيحاً عند كلّ من يريد ترتيب الاثر من أكل المال ونحوه.


الايراد على المناقشة

وأُورد على كلا الوجهين ما يلي:
أمّا الايراد على الوجه الاوّل: فبأنّ البدلية لا تستلزم التصويب نظير التقيّة على المعروف وكذا الاحكام الاضطرارية، ومرجع ذلك إلى أنّ الواقع لا يخلو عن الحكم، وحيث إنّ المكلّف لم يصل إليه، أو لم يصل الحكم إلى المكلّف، فقد جعل الشارع له بديلاً، وأين هذا من التصويب الباطل الذي يقتضي خلو الواقع عن الحكم، أو تبدّل الواقع ـ بما هو واقع ـ إلى مؤدّيات الامارات ؟
نعم، تحقّق مقام الثبوت أعمّ من تحقّق مقام الاثبات، لانّ إمكان ذلك ليس معناه القول به، إذ يتوقّف ـ بالاضافة إلى ذلك ـ على وفاء الادلّة به، والمعروف خلافه، لالتزامهم التنجيز والاعذار في مؤدّيات الطرق والامارات والاُصول.
وأمّا الايراد على الوجه الثاني: فبأنّ العقد وإن تقوّم بطرفين، إلاّ أنّه على البدلية يصحّ المجموع المعبّر عنه بالبيع.
مثلاً: إذا كان الايجاب صادراً صحيحاً عن فاعله، والقبول صادراً صحيحاً عن فاعله (أي: بنظريهما) لانّه مركّب يجب تحقّق جزئيه خارجاً: إمّا تحقّقاً واقعياً، أو تحقّقاً بدلياً. فتأمّل، فإنّ العقد بنظر المبطل له ليس له تحقّق أصلاً، لا واقعياً ولا بدلياً.


القول الثالث وأدلّته

واستدلّ للقول الثالث: وهو التفصيل المعروف خصوصاً بين المتأخّرين ـ من صاحب الجواهر والشيخ الانصاري وحواشي العروة غالباً، غير الماتن ونادر ـ: من صحّة العقد بالنسبة لمن يراه صحيحاً، وبطلانه بالنسبة لمن يرى بطلانه، بمعنى جواز ترتيب آثار الصحّة للاوّل، وعدم جوازه للثاني، بأُمور:


الدليل الاوّل

الاوّل: شمول الادلّة الدالّة على صحّة البيع لهذا البيع المعيّن عند من يرى صحّته، وشمول الادلّة الدالّة على البطلان له بنظر من يرى بطلانه.
فالذي لا يشترط العربية يرى البيع الفارسي مشمولاً لقوله تعالى: (أَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ)(4) و (تِجَارَةً عَنْ تَرَاض)(5) وغيرهما، والذي يشترط العربية يرى بطلان البيع الفارسي لخروجه تخصّصاً أو تخصيصاً عن عمومات البيع والتجارة وإطلاقاتهما، وهذا يقتضي صحّته بالنسبة لمن يرى الصحّة، وبطلانه بالنسبة لمن يرى البطلان.


الدليل الثاني

الثاني: ما ذكره جمع من المحشّين والشرّاح: من أنّ التلازم بين الايجاب والقبول صحّة وفساداً في الواقع، لا يستلزم مثل هذا التلازم بينهما في الحكم الظاهري (أعني: التكليف الفعلي) إذ الحكم الواقعي ـ مضافاً إلى أنّه غير مكلّف به مطلقاً ما لم يصل إلى المكلّف ـ آثاره ولوازمه تتبع تنجّزه، فإذا لم يكن متنجّزاً لم يتنجّز آثاره ولوازمه.
وأورد عليه بعضهم: بأنّه إذا ثبت التلازم الواقعي بين الايجاب والقبول صحّة وفساداً، لزم ثبوت مثل ذاك التلازم ظاهراً في الحكم الظاهري، لانّ الحكم الظاهري ليس إلاّ نفس الحكم الواقعي بما له من اللوازم والاثار والخصوصيات، باستثناء ما خفي منه أو من آثاره على المكلّف، حيث يكون المكلّف بالنسبة لما خفي عنه معذوراً.
نعم، لو دلّ دليل خاصّ على أنّ الاثار هي آثار ذات الحكم الواقعي، لا آثار الواقعة، تبعت تلك الاثار نفس الحكم الواقعي ولم تتعدّ إلى الحكم الظاهري، ولكنّه منفي فيما نحن فيه.


الدليل بصياغة أُخرى

لكن يمكن تغيير تقرير الاستدلال بما يصحّ معه الانتاج، بأن يقال: إنّ التلازم ثابت بين صحّة الايجاب والقبول وبين تأثير العقد في ترتيب الاثار، وهذا واقعياً وظاهرياً تامّ، إذ الصحّة الواقعية للايجاب والقبول تلازم تأثير العقد التأثيرات الواقعية، وبالعكس الفساد.
وهكذا الصحّة الظاهرية للايجاب والقبول تلازم تأثير العقد التأثيرات الظاهرية، وبالعكس الفساد.
وفيما نحن فيه الصحّة الظاهرية للايجاب والقبول موجودة في نظر من يراهما صحيحين، فترتيب آثار الصحّة عليهما عنده بلا إشكال، وعند من يراهما أو أحدهما فاسداً لا صحّة للعقد المركّب من إيجاب وقبول غير صحيحين، فلا يصحّ له ترتيب آثار الصحّة على هكذا إيجاب وقبول.


الدليل الثالث

الثالث: أنّ العقد بما هو مركّب من أمرين كلّ واحد منهما تكليف شخص غير الاخر، فلابدّ أن يكون حكماً واحداً لمكلّفين إثنين يعمل كلّ منهما حسب تكليفه الشخصي فيه، نظير كلّ تكليف مركّب من تكليفين لشخصين اثنين.
فالجنابة المردّدة بين اثنين، كيف يجري كلّ واحد منهما البراءة في حقّ نفسه حسب تكليف نفسه ؟ كذا ما نحن فيه، وله في مختلف أبواب الفقه نظائر كثيرة يجدها المتتبّع لتضاعيف الابواب المتفرّقة.
والظاهر: أنّ الادلّة الثلاثة المذكورة تقريرات مختلفة لدليل واحد، ذكر كلّ تقريراً منها، غير أنّا ذكرناها جميعاً ليكون أقوى في الاحاطة بمقالة القوم.


إشكالات ثلاثة
الاشكال الاوّل

ولكن أُورد على هذا التفصيل في القول الثالث إيرادات:
أحدها: أنّ البيع معاملة واحدة مركّبة من جزئين، فإمّا أن تكون في الواقع صحيحة، وإمّا أن تكون فاسدة، فالحكم بالصحّة والفساد معاً فيها مخالف للواقع قطعاً.
وأجاب عنه الشيخ الانصاري (قدس سره) ومن تبعه: بأنّ ذلك تفكيك في الحكم الظاهري دون الحكم الواقعي، وما أكثر مثل هذا التفكيك في الفقه، فالحكم بطهارة وحدث المتوضّي بالماء المشتبه بالنجس محصوراً، والحكم بطهارة وحرمة اللحم الذي شكّ في ذكاته من غير أمارة عليه، والحكم بتنصيف درهمي الودعي وغير ذلك، كلّها من هذا القبيل، فليكن مثله ما نحن فيه.


الاشكال الثاني

ثانيها: أنّ العقود تحتاج إلى الانشاء، وكيف يصحّ إنشاء عقد ممّن يرى بطلانه ؟
فالذي يرى بطلان البيع بالفارسي لو أوقع الايجاب الطرف الاخر فارسياً، كيف يمكن له إنشاء القبول على هذا الايجاب الذي بنظره لا يصلح إيجاباً ؟
وكذا من يرى بطلان تقديمه القبول لو قدّم الطرف القبول، كيف يمكنه إنشاء الايجاب على مثل هذا القبول الذي لا يراه قبولاً ؟
وفيه: أنّ الانشاء خفيف المؤونة كما قالوا، ويمكن الانشاء بلحاظ ترتيب الاخر آثار الصحّة، أو الانشاء عصياناً كما ينشي غير المبالين بالدين العقود الفاسدة، أو الانشاء جهلاً بالبطلان مركّباً أو بسيطاً ونحو ذلك، وحيث إنّ أحدهما يرى صحّة العقد يرتّب آثارها عليه دون الاخر.


الاشكال الثالث

ثالثها: أنّ الحكم بالصحّة لطرف والفساد لاخر يوجب وقوع النزاع بين الناس، لاختلاف الفقهاء في كثير من خصوصيات وشروط العقود والايقاعات، ويستبعد إجازة الشرع لمثله.
وفيه: ـ مضافاً إلى أنّ الاستبعاد لا يكون مدركاً للحكم وعدم الحكم بعد تمامية الادلّة، وإلى كثرة أمثاله في الفقه لمن تتبّع مختلف أبوابه ـ أنّ النزاع لو وقع يعمل فيه بأحكام النزاع: من مراجعة الحاكم الشرعي، والنظر في الامر، والحكم بما يقتضيه الامر فيه.


القول الرابع ووجهه

وأمّا التفصيل الثاني: وهو القول الرابع في المسألة، المفرّق بين كون العقد الواقع باطلاً بالاجماع أو عند المتعاقدين فيحكم ببطلانه مطلقاً، وبين كونه صحيحاً عند أحدهما باطلاً عند الاخر فالتفصيل الاوّل: من الحكم بالصحّة بالنسبة لمن يراه صحيحاً، والبطلان بالنسبة لمن يراه باطلاً.
والوجه فيه: ما ذكر في التفصيل السابق بإخراج صورتين منه:
إحداهما: ما وقع الاجماع على بطلانها، ولا إشكال في بطلانها للاجماع.
ثانيتهما: ما اتّفق العاقدان على بطلانها.
ومقتضى التفصيل السابق: هو الحكم ببطلان العقد بالنسبة إليهما أيضاً، إذ كلّ واحد منهما يرى بطلانه ظاهراً، واختلافهما في جهة البطلان لا يوجب الحكم بالصحّة بعد ثبوت أصل البطلان عند كليهما.
نعم، على القول بالسببية وكفاية أن يأتي كلّ منهما ما هو صحيح عند نفسه مطلقاً يمكن الحكم بالصحّة في الصورة الثانية، لكن هذا القول في غير محلّه، بل لا يمكن الالتزام به.


هنا قول خامس

وللشيخ الانصاري (قدس سره) هنا قول خامس قال ما حاصله: « هل إنّ الاحكام الظاهرية ـ المجتهد فيها ـ بمنزلة الواقعية الاضطرارية، فالايجاب بالفارسية من المجتهد القائل بصحّته عند من يراه باطلاً بمنزلة إشارة الاخرس، وإيجاب العاجز عن العربية، وكصلاة المتيمّم بالنسبة إلى واجد الماء، أم هي أحكام عذرية لا يعذر فيها إلاّ من إجتهد أو قلّد فيها ؟ فإن كان الاوّل: فيصحّ العقد لكليهما، وإن كان الثاني: فيصحّ للمعذور دون الاخر.
ثمّ قال ما حاصله أيضاً: هذا كلّه إذا كان بطلان العقد عند كلّ من المتخالفين مستنداً إلى فعل الاخر، كالصراحة والعربية والماضوية والترتيب، أمّا إذا كان ـ بنظر المبطل ـ مستنداً إلى أصل العقد، كالتنجيز، والموالاة، وبقاء المتعاقدين على صفات صحّة الانشاء إلى آخر العقد فالظاهر أنّ اختلافها يوجب فساد المجموع... »(6).
وقريب منه لصاحب الجواهر (قدس سره)(7).


مناقشة القول الخامس

وفيه أوّلاً: عدم التزام الشيخ (قدس سره) نفسه في رسائله العملية(8) بذلك، إذ أفتى ـ كما تقدّم ـ بإطلاق الصحّة للذي يرى الصحّة، وإطلاق البطلان للذي يرى البطلان.
وهذه عبارة صراط النجاة مترجمة بالعربية: « إذا اشترى شخص شيئاً بعقد كان برأي مجتهده صحيحاً، ويراه البائع باطلاً، فهو للمشتري صحيح وللبائع باطل »(9).
وثانياً: ما تقدّم من أنّ الحكم الظاهري يمكن تنافيهما لشخصين اجتهاداً أو تقليداً أو مختلفاً.


إشكال صاحب العروة

وأشكل على الشيخ صاحب العروة في حاشية المكاسب بأمرين كلاهما غير تامّ:
1. البدلية ـ كالاخرس ونحوه ـ فإنّه بالمعنى المذكور يستلزم التصويب الباطل، إذ معنى ذلك تبدّل الواقع بالاجتهاد.
وفيه: ليس ذلك معناه، بل معناه: تبدّل الوظيفة، والتنظير بالاخرس والمتيمّم لتقريب الذهن لا تبدّل الواقع.
2. أنّ ترتيب الاثر للمصحّح إنّما يكون عند تحقيق المبطل الموضوع للمصحّح. أمّا مع كون فعل المبطل قائماً مقامه، فلا.
وفيه: أيّ فرق بينهما، فيما يراه المصحّح محقّقاً للموضوع، ويراه قائماً مقامه ؟


حاصل الكلام

والحاصل: أنّ الوارد على كلام الشيخ هو الاشكالان الاوّلان ـ نقضاً وحلاً ـ وأمّا الاخران فغير واردين، كما لا يخفى.


فروع فقهية

هنا فروع فقهية نسردها تباعاً:
1. على قول مشهور المتأخّرين: لكلّ واحد من المتعاقدين حكم نفسه، هل يجوز الاقدام مع العلم والعمد ؟
2. مع فرض أنّ الحاكم الشرعي يحكم بينهما ويفضّ النزاع، فهل يصير حلالاً لمن يرى اجتهاداً أو تقليداً بطلانه، حتّى مع الفتوى بالبطلان(10)؟
3. نفس هذه المسألة تأتي في الايقاعات أيضاً: كالطلاق والابراء والقضاء الصحيح بنظر أحدهما، والباطل بنظر الاخر، وهكذا.
4. لو كان العاقد واحداً عن اثنين مختلفين في الرأي، فما هو الحكم ؟
هذا تمام الكلام في اختلاف الطرفين في المعاملات اجتهاداً، أو تقليداً أو ملفّقاً، وأمّا اختلافهما في العبادات ففيه تفصيل سيأتي إن شاء الله تعالى في أبواب الصلاة، والخمس، والزكاة وغيرها من اختلاف الامام والمأموم في شروط الصلاة، أو الجماعة، أو الطهارة، أو غيرها، واختلاف المعطي والاخذ في الخمس والزكاة، وهكذا.


(1) البقرة: 275.
(2) المكاسب: ج3، ص178.
(3) الجواهر: ج13، ص393.
(4) البقرة: 275.
(5) النساء: 29.
(6) المكاسب: ج3، ص178.
(7) الجواهر: ج13، ص393.
(8) صراط النجاة، مجمع المسائل، تاج الحاجّ.
(9) صراط النجاة: م32.
(10) يلاحظ مستند الشيعة: ج17، ص95 الثانية عشرة، ويلاحظ أيضاً رسالة التستري: ص29 وفيها عدّة مسائل تنفع المقام.