المسألة (54): الوكيل في عمل عن الغير كإجراء عقد أو إيقاع أو إعطاء خمس أو زكاة، أو كفّارة أو نحو ذلك يجب أن يعمل بمقتضى تقليد الموكّل لا تقليد نفسه إذا كانا مختلفين وكذلك الوصي في مثل ما لو كان وصيّاً في استيجار الصلاة عنه يجب أن يكون على وفق فتوى مجتهد الميّت.


هل الوكيل يعمل حسب تقليده أو تقليد الموكّل ؟

المسألة (54): الوكيل في عمل عن الغير كإجراء عقد أو إيقاع أو إعطاء خمس أو زكاة، أو كفّارة أو نحو ذلك يجب أن يعمل بمقتضى تقليد الموكّل لا تقليد نفسه إذا كانا مختلفين وكذلك الوصي في مثل ما لو كان وصيّاً في استيجار الصلاة عنه يجب أن يكون على وفق فتوى مجتهد الميّت ولو لم يعلم الوكيل والوصيّ ونحوهما مقتضى تقليد الموكّل والموصي ونحوهما فهل يجب عليه الاستعلام (1)؟
قال في رسالة صاحب الجواهر: مجمع الرسائل ما ترجمته بالعربية: « لو علم الوكيل باختلاف تقليده أو اجتهاده مع الموكّل، لزم أن يعمل بحسب تكليف الموكّل، وإن جهل ذلك عمل بحسب تكليفه نفسه، ولا يلزم عليه الفحص ولا الاستفسار عن حال موكّله، بخلاف الوصي فإنّه يعمل بحسب تقليده أو اجتهاده نفسه ».
ولم يعلّق عليه أحد من الثمانية.
وفي « ذخيرة المعاد » للشيخ زين العابدين ـ مع تعاليق اليزدي والميرزا محمّد تقي الشيرازي (قدس سرهم) ـ وحاصله: « المقلّد لمن يجوّز تولّي شخص طرفي العقد، لا يجب عليه استعلام الزوجين تقليدهما في ذلك، إلاّ إذا علم البطلان عند الزوجين » وعلّق اليزدي والشيرازي بقولهما: « الاحوط الاستعلام ».
فهنا في « العروة » لم يفرّق بين الوكيل والوصي، وفي « المجمع » فرّق بينهما.
وفي « العروة » أطلق بدون الاستعلام، وفي « الذخيرة » احتاط وجوباً بالاستعلام.
والحائري (قدس سره) لم يعلّق على « المجمع » وعلّق على « العروة » في الوصي والاجير بأحوط القولين، دون الوكيل فيعمل بنظر نفسه(2).


أقوال المسألة

الاقوال في المسألة ـ كما نذكرها ـ سبعة:
الاوّل: وجوب عمل الوكيل والوصي على تقليد أو اجتهاد نفسه مطلقاً، وإليه ذهب البروجردي والحكيم (قدس سرهما) والروحاني وغيرهم.
الثاني: العمل على تقليد الموكّل والموصي مطلقاً، وإليه ذهب الماتن هنا وجمع ممّن وافقه.
الثالث: وجوب الاحتياط بين الفتويين، وإليه ذهب الشاهرودي وأوجب الاحتياط به ابن العمّ السيّد عبدالهادي الشيرازي (قدس سرهما) وغيره أيضاً.
الرابع: التفصيل بين الوصي والاجير فكالاوّل، وبين الوكيل فكالثاني، وممّن قال به السيّدان: الشريعتمداري والكلبايكاني.
الخامس: التفصيل بين العبادات وغيرها، بلزوم عدم البطلان بنظر الاجير في العبادات مطلقاً، والعمل على فتوى الموكّل والموصي مطلقاً في غير العبادات، وبه قال الماتن في صلاة الاستيجار عن الميّت ووافقه بعض من خالفه هنا في التقليد.
السادس: التخيير بين العمل على تقليد نفسه، أو على تقليد الموكّل والموصي ونحوهما، وإليه مال الاخ الاكبر في: « موسوعة الفقه » وإن كانت حاشيته على العروة موافقة للقول الاوّل.
السابع: التفصيل بين الحجّ الموصى به وبين غيره، بمراعاة تقليد نفسه في الاوّل، وتقليد الموكّل والموصي ونحوهما في الثاني.
وهناك بعض تفصيلات أُخرى.


مستند الاقوال
مستند القول الاوّل

والمهمّ بيان مستند الاقوال ثمّ تحقيق المقام.
أمّا القول الاوّل: فمستنده أنّ مقتضى الوكالة والوصاية ونحوهما هو الاتيان بالعمل على الوجه الصحيح، والمفروض أنّ العمل الصحيح عند الوكيل هو ما يقتضيه تكليف نفسه.


مستند القول الثاني

وأمّا القول الثاني: فمستنده هو أنّ المقصود إفراغ ذمّة الموكّل أو الموصي أو نحوهما، والعمل الصحيح عندهم هو ما وافق تقليدهم لا تقليد الوكيل والوصي.


مستند القول الثالث

وأمّا القول الثالث: فمستنده هو أنّ العمل المأتي به ذو جهتين، ويجب صحّته من كلتيهما:
فمن جهة استناده إلى الموكّل والموصي والموجر يجب صحّته بنظرهم لانّهم المقصودون من العمل.
ومن جهة صدوره عن الوكيل والوصي والاجير لزم صحّته بنظرهم لانّهم الذين كان عليهم الاتيان بالعمل الصحيح، مع فرض أنّ الصحيح عندهم كذا مثلاً.


مستند القول الرابع

وأمّا القول الرابع: فمستنده هو أنّ الوصي والاجير يقومان بتفريغ ذمّة الموصي والموجر، والعمل الصادر من الاجير والوصي ليس عمل الموصي والموجر حتّى يجب تطبيقه على تقليدهما، وإنّما هو عمل نفس الوصي والاجير ولكن حيث إنّه كان لتفريغ ذمّتهما، فاللازم حينئذ كون العمل بحيث يترتّب عليه تفريغ ذمّة الموصي والموجر، ولا يكون ذلك بنظر الوصي والاجير إلاّ إذا أتيا بالعمل على طبق تقليد نفسيهما.
وأمّا الوكيل: فعمله وجود تنزيلي لعمل الموكّل، فيجب فيه مراعاة تقليد الموكّل لا تقليد نفسه.


مستند القول الخامس

وأمّا القول الخامس: فمستنده هو أنّ العمل في الاقسام كلّها عمل الموكّل والموصي والموجر ونحوهم، والوكيل والوصي والاجير إنّما يأتون بعمل أُولئك لا بعمل أنفسهم، وإنّما هم مجرّد آلة في تنفيذ العمل فيجب مراعاة تقليدهم لا تقليدهم.
غير أنّه يستثنى من ذلك ما إذا كان العمل عبادياً وباطلاً بنظر العامل، فإنّه حيث لا يتمشّى منه قصد القربة حينئذ لا يصحّ العمل مطلقاً.


مستند القول السادس

وأمّا القول السادس: فمستنده هو أنّ كلّ اجتهاد من أيّ مجتهد جامع الشرائط حجّة على كلّ أحد حتّى على مقلّدي غيره، فيكفي تطبيق العمل على فتوى أيّ مجتهد كان، سواء كان مجتهد الموكّل أو الوكيل.
لكنّه يجب في مثل هذا القول تتميمه بأمرين:
الاوّل: يلزم منه جواز العمل على تقليد غير الموكّل والوكيل أيضاً من سائر أصحاب الفتاوى.
الثاني: يلزم تقييد ذلك بما إذا لم يكن العمل باطلاً بنظر العامل إذا كان عبادياً، فتأمّل.


مستند القول السابع

وأمّا القول السابع: فمستنده هو أنّ الحجّ الموصى به حيث إنّه لم يكن تكليف الميّت الحجّ القضائي وجب تطبيق العمل وفق تقليد الوصي أو الاجير، وأمّا في غيره فبما أنّ العمل عمل الموكّل والموصي ونحوهما وإنّما العامل شبيه بالالة وجب مراعاة تقليد من له العمل لا العامل.


ما هو مقتضى المقام ؟

هذه هي الاقوال مع بيان مجمل أدلّتها وقد نقض البعض وأبرم، غير أنّ الذي يقتضيه المقام هو أن يقال بالفرق:
1. بين العبادات لاحتياجها إلى قصد القربة فيلزم أن يكون الاداء بحيث لا ينافي قصد القربة.
2. وبين الانشائيات التي تتوقّف على قصد الانشاء.
3. وبين التوصّليات الصرفة التي لا تحتاج إلى أمر قلبي، كتطهير النجاسات، وأداء الديون ونحو ذلك.


الكلام في العبادات

أمّا الاوّل: وهي العبادات فيشترط فيه:
أن لا تكون باطلة بنظر الاجير، فإن استأجره لصلاة الجمعة يومها، والاجير يرى بطلانها وحرمتها، فلا معنى للاجارة لعدم تحقّق الصلاة ـ المشروط فيها قصد القربة ـ من هذا الاجير.
ولا باطلة بنظر المستأجر، كما إذا اعتقد القصر في أربعة فراسخ، أو في الاقامة خمسة أيّام، واعتقد التمام ـ الاجير ـ فيهما، فاستأجره لقضائها، فأتى الاجير بها تماماً، وذلك لانّه مستأجر لافراغ ذمّته وهو يعلم عدم فراغها ويجب على المستأجر الاستئجار ثانياً.


الكلام في الانشائيات

وأمّا الثاني: وهو الانشائيات، كما وكّله في عقد امرأة يعلم الوكيل أنّه محرم له بالرضاع عشر رضعات والموكّل يعتقد عدم الحرمة بالعشر، أو وكّله في معاملة ربوية بنظر الوكيل غير ربوية بنظر الموكّل، وهكذا.
وهنا أيضاً لا يقدر على الانشاء، وذلك لانّه:
1. قد يعلم الاجير انعقاد العقد ـ الذي هو تابع للقصد ـ على أمر خاصّ، فلا يصحّ تجاوزه، سواء علم ذلك بالشرط اللفظي، أو التباني الارتكازي، أو الانصراف الظهوري، وسواء في العبادات كالقصر والتمام في إقامة خمسة أيّام، أم الانشائيات كالعقد الفارسي، أم التوصّليات الصرفة كالغسل مرّة بالماء القليل، إلاّ إذا علم الحرمة على نفسه وبطلان الاجارة كأجير جنب بنظر نفسه لكنس المسجد، أو كونه أكلاً للمال بالباطل كإجارة الحائض للصلاة.
2. وقد يعلم إرادة المستأجر ـ أو الموكّل، أو الموصي ـ إرادة ما هو إفراغ ذمّته، ففيه يعمل الاجير ونحوه بتكليف نفسه لانّه إفراغ لذمّته ـ بنظر الاجير ـ ولعلّ الغالب هكذا.


الوكالة وأقسامها الثلاثة

ثم إنّ الوكالة والوصاية والاستيجار ونحوها على ثلاثة أقسام:
إمّا مقيّدة بقيد ـ ولو بالانصراف ونحوه ـ مبطل للعمل بنظر العامل.
أو مقيّدة بقيد غير مبطل بنظره.
أو مطلقة.


القسم الاوّل

أمّا القسم الاوّل: وهو ما إذا كان القيد مبطلاً للعمل بنظر العامل، كما إذا قيّد الصلاة بالاتيان بها في مكان مخصوص هو غصب بنظر العامل، أو قيّد العقد بإتيانه فارسياً والمفروض بطلان العقد الفارسي بنظر العامل، أو قيّد غسل الثياب النجسة بعدم عصرها مع لزوم العصر في غسل الثياب بنظر العامل.
فربما قيل ببطلان الوكالة والاجارة والوصاية ونحوها في مثله مطلقاً، إذ المقيّد إمّا غير مشروع أو لغو لبطلانه، وبدون القيد لا وكالة عليه، فالعمل مطلقاً في مثل المقام غير صحيح.
وفرّق بعضهم بين مثل الاوّلين وبين مثل غسل الثياب بلا عصر، بالبطلان فيهما دونه، حيث إنّ الصلاة في المغصوب مبغوضة، والعقد بالفارسي في الفرض موجب للتعاون على الاثم الذي هو ترتيب الاثر، وأمّا الغسل بلا عصر فنهايته بقاء النجاسة في الثياب وهو لا يقتضي بطلان الوكالة لانّه لا مانع هنا إلاّ التعاون على الاثم المفروض تقيّده بكونه إثماً بنظر العامل كما حقّق في باب العدالة، أو لغوية الوكالة في مثله، والمفروض تعلّق غرض عقلائي من الموكّل به فليس لغواً.


تحقيق وتدقيق

والتحقيق هو التفريق بين العلم الدقّي للعامل بكون العمل مبغوضاً للشارع وبين غيره، بالبطلان في الاوّل دون الثاني، حتّى إذا كان العمل غير صحيح اجتهاداً بنظر العامل، إذ ليس إتيان العمل غير الصحيح بنظر العامل مطلقاً مبغوضاً للشارع.
مثلاً: لو استؤجر للصلاة بشرط أن لا يقرأ السورة ـ وكان الغرض في ذلك اتمام الصلوات أسرع لانّ السورة غير واجبة بنظره ـ لكن اجتهاد العامل أو تقليده كان بطلان مثل هذه الصلاة فالظاهر صحّة الوكالة وجواز الاتيان بالصلاة بلا سورة، إذ ليس إتيان الصلاة بلا سورة قضاءً عن ميّت مبغوضاً للشارع مطلقاً حتّى في مثل المقام. لانّ غايته عدم كفايته بنظر العامل.
نعم، لو قيّد باتيانها محدثاً وبلا طهارة بطلت الوكالة والصلاة معاً للعلم بمبغوضيته حينئذ.
وكذلك لو وكّله باجراء صيغة النكاح بالفارسي، فالظاهر صحّة الوكالة والعقد معاً، إذ ما دام العمل بنظر الموكّل صحيحاً فلا يهمّ عدم صحّته بنظر الوكيل، وحديث التعاون على الاثم غير وارد هنا، إذ لا إثم على الموكّل باجتهاده أو تقليده، والتسبيب للحرام أيضاً في غير ما نحن فيه فيما علم من الشرع مبغوضيته مطلقاً، أو في صورة كون العمل الصادر عن الموكّل غير مستند إلى حجّة شرعية، أمّا مع عدمهما ـ كما هو المفروض ـ فلا.
فما في بعض شروح العروة من بطلان ذلك كلّه لمخالفته لاجتهاد الوكيل، محلّ نظر بل منع، وكذا تمثيله له بمثل اعطاء السهم لشخص ليرمي غزالاً هو بنظر الرامي إنسان، مع الفارق، لانّه ممّا علم قطعاً مبغوضيته للشارع مطلقاً.
والحاصل: أنّه حينئذ يجب على الوكيل والوصي والاجير الاتيان بالعمل كما قيّده له الموكّل والموصي والموجر، إلاّ ما علم مبغوضيته مطلقاً، فالوكالة والوصية والاجارة فيه غير صحيحة، لا أنّها صحيحة والعمل باطل.


القسم الثاني

وأمّا القسم الثاني: وهو ما إذا قيّد الموكّل أو الموصي العمل بقيد غير مبطل للعمل بنظر كليهما ـ سواء كان قيداً لازماً أو غير لازم ـ فإنّه يصحّ العقد والعمل ويجب الاتيان بالعمل مقيّداً بذلك القيد، لانّه الذي وقع عليه عقد الوكالة، أو الوصاية، أو الاجارة، فلو وكّله في إتيان العقد بالعربي، لم يجز له الاتيان به فارسياً وإن كان العقد الفارسي بنظره صحيحاً، وذلك لانّه خلاف عقد الوكالة، أو الاجارة، وكذا خلاف الوصية، كما هو واضح.


القسم الثالث

وأمّا القسم الثالث: وهو ما إذا كانت الوكالة والوصاية والاجارة مطلقة غير مقيّدة بقيد أصلاً وإن كان المنصرف منها هو الاتيان بالعمل الصحيح، فهو الذي جعله بعضهم موقع النقض والابرام، وإن كان الظاهر ـ كما يظهر من بعض التفصيلات أيضاً ـ كون النزاع في الاعمّ من ذلك.
والذي يقتضيه المقام هو القول بكفاية العمل بنظر نفسه، سواء علم نظر من له العمل أم لا، خالف نظره أم لا، وذلك أنّه مع عدم تقييد العقد بكون العمل المأتي به بلون خاصّ كان المقصود إتيان العمل صحيحاً، وقد أتى العامل بالعمل صحيحاً، فلا يلزمه شيء آخر.
والقول: بأنّه نائب عن من أتى بالعمل له فيجب كونه مطابقاً لنظره.
مخدوش كبرى وصغرى.
أو أنّ المقصود إفراغ ذمّة صاحب العمل، وهو لا يكون إلاّ بإتيان العمل صحيحاً بنظره.
ففيه: أنّ الافراغ المطلق حاصل بنظر العامل، والافراغ المقيّد بكونه بنظر صاحب العمل لم يدلّ عليه قيد، ولا انصراف، ولا دليل شرعي.
فالظاهر: كفاية الاتيان بالعمل صحيحاً بنظر العامل وإن كان الاحتياط بجمع النظرين مهما أمكن أقرب إلى الصواب، ومن ذلك ربما يظهر بعض ما في بعض التفصيلات المذكورة وغيرها من الكلام، والله العالم بحقائق الاحكام.


هنا فروع
الفرع الاوّل

وهنا فروع لا بأس بالتعرّض لها تبعاً لجمع من الفقهاء:
الاوّل: المتبرّع بعمل عن شخص هل يجب عليه مراعاة نظره أو نظر مجتهده، أم يجب عليه مراعاة نظر المتبرّع عنه ونظر مجتهده ؟
فيه خلاف أيضاً: فمن مساو له مع الوكيل في الحكم، ومن قائل بالاشكال في أحدهما دون الاخر.
لكن لا يبعد كون الكلام في المتبرّع هو الكلام في الوكيل وغيره بفارق واحد: وهو أنّ الوكالة والوصية والاجارة ونحوها كان لها مجال التقييد، دون المتبرّع فإنّه يجوز له إتيان العمل صحيحاً بنظر نفسه حتّى مع التفات المتبرّع عنه ومنعه عن ذلك العمل، كما صرّح به بعض.
نعم، مع التفات المتبرّع عنه إلى كيفية العمل، وعدم كفايتها في نظره لا يجوز له أن يكتفي به، كما لو دفع المتبرّع الفطرة عن غير الهاشمي إلى هاشمي وكان بنظره كافياً، ولم يكن كافياً بنظر المتبرّع عنه وجب على المتبرّع عنه دفع فطرته إلى غير الهاشمي ثانياً، ولم يجز له الاكتفاء بذلك، وهذا كالموكّل والموجر وغيرهما، فإنّهم جميعاً في هذا الحكم سواء.


الفرع الثاني

الفرع الثاني: في الوكيل والاجير بناءً على القول بلزوم العمل بتكليف نفسه أو جوازه، لو عمل الوكيل أو الاجير بمقتضى تقليده أو اجتهاده، ثمّ بان ذلك للموكّل والموجر وكان تكليفهما مغايراً، فهل لهما أن لا يرضيا بالعمل، ويستردّا المال المبذول في مقابل العمل ؟ احتمالان:
من أنّ مقصودهما لم يتمّ، إذ لو كان الموكّل غير الهاشمي ـ مثلاً ـ قد دفع زكاة فطرته إلى الوكيل ليوصلها إلى مستحقّها، فدفعها الوكيل إلى الهاشمي لرؤيته كفايتها، ثمّ علم بذلك الموكّل الذي يرى عدم كفاية دفع فطرة غير الهاشمي إلى الهاشمي، فيجب على الموكّل دفع الفطرة ثانياً إلى غير الهاشمي.
ومن أنّ الوكيل عمل بما هو تكليفه الشرعي، ولم يخن في المال، فلا يجب عليه ردّه إلى الموكّل، إذ الاذن الشرعي بالتصرّف كاف عن الاذن الشخصي لصاحب المال.
نعم، على القول بوجوب العمل بنظر الموكّل، لو عمل الوكيل بنظر نفسه، كان للموكّل استرداد المال، لانّه نوع خيانة، وتصرّف فيما لم يؤذن به لا مالكياً ولا شرعياً فيضمن.


الفرع الثالث

الثالث: هل يجب على الموكّل التحقيق عن كيفية عمل الوكيل، أم لا ؟
ربما يقال بالوجوب، قضاءً للاشتغال اليقيني حتّى يعلم بالبراءة اليقينية، إذ مع قيام احتمال عمل الوكيل بنظر نفسه، ومخالفة نظره لنظر الموكّل، يبقى استصحاب اشتغال ذمّة الموكّل حتّى يعلم بفراغها، ومجرّد الدفع إلى الثقة ـ في المقام ـ غير كاف بعد احتمال أن يعمل الثقة بما لا يسقط تكليف الموكّل بنظره ـ احتمالاً عقلائياً ـ.
ويحتمل عدم وجوب التحقيق، إذ مقتضى إطلاق حمل فعل المسلم على الصحيح ذلك حتّى يثبت خلافه.
وقد يؤيّد ذلك: بما جرت عليه سيرة السلف والخلف من العلماء والمتديّنين وعامّة الشيعة: من أنّهم يوكلون في الصلاة عن الميّت، والحجّ، والعقد، والطلاق وغير ذلك، ثمّ لا يحقّقون عن كيفية العمل المأتي به، ويرتّبون الاثار عليه مع الاختلاف بينهم في الاجزاء والشروط ونحوهما تقليداً أو اجتهاداً.


الفرع الرابع

الرابع: هل يجوز للعامل إخبار من له العمل بالكيفية التي أتى بها مع علمه أو ظنّه أو احتماله أن يكون المأتي به مخالفاً لنظر صاحب العمل فيوجب عليه إعادة العمل ثانياً أم لا ؟ احتمالان:
من أنّ الاصل جواز ذلك، وإيجاب هذا القول إعادة العمل على من له العمل لفتواه الخاصّة به لا يوجب تكليفاً شرعياً بحقّ الوكيل.
ومن أنّ ذلك ربما يكون نوعاً من الايذاء المبغوض شرعاً، ولا أقلّ من كونه إرشاداً في الموضوعات المرغوب عنه شرعاً في بعض موارده ـ كما قيل ـ.
ويؤيّده: الصحيح عن عبدالله بن سنان وأبي بصير عن الامام الصادق (عليه السلام)قال: « اغتسل أبي من الجنابة فقيل له: قد أبقيت لمعة في ظهرك لم يصبها الماء فقال له: ما كان عليك لو سكتّ، ثمّ مسح تلك اللمعة بيده »(3).
لكنّه بلحاظ ظاهر « ما كان عليك » نفي الوجوب لا نفي الجواز، والاوّل أقرب، وإن كان الثاني أحوط وأولى.


الفرع الخامس

الخامس: في الولي، نفى بعض: الاشكال في وجوب عمل الولي على طبق نظر نفسه أو نظر مجتهده، وإن كان تكليف المولّى عليه بخلافه، وهكذا المتولّي، لانّ المتولّي ولي شرعاً.
فمتولّي الوقف الذُرّي يعمل بنظر نفسه في الوقف لا بنظر الموقوف عليه، وولي الصغير أو السفيه يعمل بنظر نفسه مقابل ملاحظة حالهما: من عدم التكليف أو مقابل تقليد الصغير إن قلنا بصحّة تقليده مع رشده وعقله.
صريح بعض: كصاحب العروة في صلاة القضاء عن الميّت المسألة الخامسة عشرة، وفي ختام الزكاة المسألة الاُولى، وكذا الساكتين عليه: أنّ الولي للميّت، والقاصر، والمجنون، يعملون على تكليف أنفسهم، دون الميّت والمولّى عليه.


كلام العروة في قضاء الولي

قال صاحب العروة في قضاء الولي عن الميّت في المسألة الخامسة عشرة: « في أحكام الشكّ والسهو يراعي الولي تكليف نفسه اجتهاداً أو تقليداً لا تكليف الميّت مثلاً: لو كان الميّت يعتقد بطلان الصلاة في الجهل وعدم شمول « لا تعاد » له، والولي يعتقد الصحّة، أو العكس بخلاف أجزاء الصلاة وشرائطها، فإنّه يراعي تكليف الميّت، وكذا في أصل وجوب القضاء، فلو كان مقتضى تقليد الميّت أو اجتهاده وجوب القضاء عليه، يجب على الولي الاتيان به وإن كان مقتضى مذهبه عدم الوجوب. وإن كان مقتضى مذهب الميّت عدم الوجوب لا يجب عليه وإن كان واجباً بمقتضى مذهبه... »(4).


مناقشة كلام العروة

وأشكل المعظم على قول الماتن: « وكذا في أصل وجوب القضاء » حتّى قال المحقّق النائيني: « ينبغي أن يعدّ هذا الالحاق من سهو القلم ».


كلام العروة في إخراج الولي الزكاة

وقال صاحب العروة في ختام كتاب الزكاة: المسألة الاُولى: « استحباب استخراج زكاة مال التجارة ونحوه للصبي والمجنون، تكليف للولي، وليس من باب النيابة عن الصبي والمجنون... »(5).
وذلك لانّ معنى الولاية والتولية هو إيكال الاُمور إليه، فنظره فيها هو المتّبع شرعاً، ولذا قالوا في الصبي: إنّه ليس له حقّ الاعتراض على الولي حين بلوغه، فيما فعله أيّام صغره ولا تغريمه ولو أدّى نظره اجتهاداً أو تقليداً إلى خلافه.
فلو أدّى الولي زكاة مال الطفل لتقليده من يقول بالجواز، أو أدّى خمس أموال الطفل لتقليده من يقول بوجوبه على الولي، ثمّ بلغ الطفل وقلّد من يقول بعدم استقرار أيّ حقّ مالي على الطفل مطلقاً زكاة أو خمساً أو غيرهما ـ كما هو مذهب بعض ـ فليس للطفل تغريم الولي.
وهكذا المتولّي فلو أدّى نظره إلى جواز بيع الوقف، وكان نظر الموقوف عليه عدم الجواز جاز له البيع، وبالعكس العكس.
وكذا الحكم في ولي الغائب، سواء كان الحاكم الشرعي، أم منصوبه، أم عدول المؤمنين، أم غيرهم.


لو كان تصرّف الولي غير مسقط للتكليف

ثمّ إنّ الولي إن كان تصرّفه غير موجب لسقوط التكليف في الاحكام الوضعية بنظر المولّى عليه بعد رفع الحجر عنه، كما إذا جنى الصبي والمجنون جناية ليس لها دية بنظر الولي، فلمّا بلغ أو أفاق كان نظرهما ـ اجتهاداً أو تقليداً ـ تعلّق الديّة، أو كان نظر الولي عدم الخمس والزكاة، أو أنّ الولي دفع الخمس أو الزكاة إلى غير المستحقّ بنظر المولّى عليه، أو كان نظر الموقوف عليه أنّ خمس الحاصل يصرف في مصرف خاصّ، ونظر المتولّي أنّ العشر يصرف، فبقى العشر الاخر للموقوف عليه ونحو ذلك من الامثلة الكثيرة، فالحكم فيها جميعاً هو ما سبق، والكلام الكلام، في الوصي والوكيل والاجير، والله العالم.


هل للمولّى عليه الامتناع ؟

ثمّ إنّه هل للمولّى عليه الامتناع إذا أمكنه ذلك وأدركه كبعض الصبيان الاذكياء المقاربين للبلوغ ؟ احتمالان:
من أنّ المال يتعلّق به.
ومن أنّ حجّية عمل المتولّي والولي شرعاً معناها عدم جواز معارضتهما فيه، فلا يجوز.
وربما يقال: بأنّ لكلّ منهما أن يعمل حسب نظره، فإذا أدّى إلى المخاصمة تحاكما، ويكون الحكم حينئذ هو الحكم في كلّ تحاكم في الاختلاف الحكمي.


الفرع السادس

السادس: ربما أشكل البعض في القاضي عن الميّت المقصّر، سواء الولد أم الوصي بل في مطلق الاجير عن الميّت: بأنّه لا يتمكّن من الاتيان بالعمل، لا برأي الميّت، ولا برأي الاجير والوصي، ولا الجمع بينهما، إلاّ إذا جمع العامل الاحتياطات كلّها وعلم بالصحّة الواقعية.
وذلك: لانّ الميّت كان مكلّفاً حال حياته بالصلاة ـ مثلاً ـ فلو كان قد أتى بها سقط عنه التكليف: إمّا بالطاعة أو الاعذار، سواء طابق عمله الواقع أم خالفه وطابق الحجّة.
وأمّا مع تفريط الميّت في الصلاة، انعقدت في ذمّته، والذمّة لا تفرغ إلاّ بالاتيان بالعمل مطابقاً للواقع، وأنّى للاجير تحصيل الواقع إلاّ بعد جمع الاحتياطات كلّها، بل مع ذلك لا يحصل اليقين ـ أحياناً ـ بدرك الواقع.


مناقشة الاشكال

لكن فيه: أنّ التكليف القضائي هو التكليف الادائي بتغيّر الوقت والزمان، فإذا لم يؤدّه الميّت، أدّاه نائبه الولد، أو الوصي، أو الاجير، وكما أنّ حال حياة الميّت كان الحكم الظاهري (أي: التنجيز والاعذار) قائماً مقام الحكم الواقعي إذا تخلّف عنه، كذلك في القضاء بعد موته، فتأمّل.
والكلام في كون المناط هل هو تكليف الميّت تقديراً (أي: لو كان حيّاً) أو تكليف الولد أو الوصي أو تكليف الاجير، هو الكلام فيما مضى ؟ والاقوى مراعاة الاتي بالعمل تكليف نفسه، والاحوط تكليفه وتكليف الميّت، أمّا تكليف الولد والوصي ـ إن لم يكونا مباشرين للقضاء ـ فلا يلزم مراعاته لانّه مجرّد وسيط.
نعم ربما يقال: إنّ على الولد والوصي أن لا يستأجرا للصلاة والحجّ وغيرهما من يعلمان أنّ العمل الذي يأتي به باطل بنظرهما.
وللمقام فروع أُخرى تطلب من مظانّها في تضاعيف أبواب الفقه إذ المسألة سيّالة ولا تختصّ بباب واحد ولذا ذكرها الماتن في صلاة القضاء عن الميّت في المسألة الخامسة عشرة، وفي ختام الزكاة المسألة الاُولى، وفي شرائط وجوب الحجّ في المسألة الواحدة بعد المائة، وغيرها.


(1) يلاحظ نجاة العباد للشيخ زين العابدين المازندراني، ص588.
(2) في رسالة الماتن « سؤال وجواب »: ص308، م490، وكذا م494، وم495 مذكورة هذه المسألة. وكذا في العروة الوثقى: الصلاة، صلاة الاستيجار، م15.
(3) الوسائل: الباب41 من أبواب الجنابة، ح1.
(4) العروة الوثقى: فصل في قضاء الولي، م15.
(5) العروة الوثقى: كتاب الزكاة، ختام فيه مسائل متفرّقة، الاُولى.