المسألة (53): إذا قلّد من يكتفي بالمرّة ـ مثلاً ـ في التسبيحات الاربع واكتفى بها، أو قلّد من يكتفي في التيمّم بضربة واحدة، ثمّ مات ذلك المجتهد فقلّد من يقول بوجوب التعدّد، لا يجب عليه إعادة الاعمال السابقة.
وكذا لو أوقع عقداً أو إيقاعاً بتقليد مجتهد يحكم بالصحّة، ثمّ مات وقلّد من يقول بالبطلان يجوز له البناء على الصحّة. نعم، فيما سيأتي يجب عليه العمل بمقتضى فتوى المجتهد الثاني. وأمّا إذا قلّد من يقول بطهارة شيء.


المقلّد واختلاف فتوى المجتهد اللاحق

المسألة (53): إذا قلّد من يكتفي بالمرّة ـ مثلاً ـ في التسبيحات الاربع واكتفى بها، أو قلّد من يكتفي في التيمّم بضربة واحدة ثمّ مات ذلك المجتهد أو فقد شرطاً آخر من شروط صحّة التقليد كالعدالة، والايمان، والعقل ونحوها فقلّد من يقول بوجوب التعدّد، لا يجب عليه إعادة الاعمال السابقة، وكذا لو أوقع عقداً أو إيقاعاً بتقليد مجتهد يحكم بالصحّة، ثمّ مات أو فقد سائر الشروط وقلّد من يقول بالبطلان يجوز له البناء على الصحّة. نعم، فيما سيأتي يجب عليه العمل بمقتضى فتوى المجتهد الثاني. وأمّا إذا قلّد من يقول بطهارة شيء
... كالغسالة ثمّ مات وقلّد من يقول بنجاسته فالصلوات والاعمال السابقة محكومة بالصحّة وإن كانت مع استعمال ذلك الشيء، وأمّا نفس ذلك الشيء إذا كان باقياً فلا يحكم بعد ذلك بطهارته. وكذا في الحلية والحرمة، فإذا أفتى المجتهد الاوّل بجواز الذبح بغير الحديد ـ مثلاً ـ فذبح حيواناً كذلك، فمات المجتهد وقلّد من يقول بحرمته، فإن باعه أو أكله حكم بصحّة البيع وإباحة الاكل، وأمّا إذا كان الحيوان المذبوح موجوداً فلا يجوز بيعه ولا أكله وهكذا.
كالغسالة ثمّ مات أو فقد شرطاً آخر وقلّد من يقول بنجاسته فالصلوات والاعمال السابقة محكومة بالصحّة وإن كانت مع استعمال ذلك الشيء، وأمّا نفس ذلك الشيء إذا كان باقياً فلا يحكم بعد ذلك بطهارته. وكذا في الحلية والحرمة، فإذا أفتى المجتهد الاوّل بجواز الذبح بغير الحديد ـ مثلاً ـ فذبح حيواناً كذلك، فمات المجتهد أو فقد شرطاً آخر من شروط جواز التقليد وقلّد من يقول بحرمته فإن كان قد باعه سابقاً أو أكله سابقاً حكم بصحّة البيع وجواز التصرّف في ثمنه وإن كان ثمنه باقياً فعلاً وإباحة الاكل السابق وأمّا إذا كان الحيوان المذبوح موجوداً فلا يجوز بيعه ولا أكله وهكذا سائر الفروع المشابهة لما ذكر.


مسائل متشابهة

ولا يخفى: أنّ الظاهر اتّحاد الحكم والوجوه والاقوال في هذه المسألة، ومسألة تبدّل رأي المجتهد، ومسألة العدول عن الحي إلى الحي جوازاً أو وجوباً، وإن كانت قد تختلف في بعض الفروع منها، وإن كان بعضهم عنون المسألة كالاُولى، وبعضهم عنونها كالثانية، لكن مقتضى وحدة الادلّة الاتّحاد، بل وإن فصّل بعضهم بينهما كما سيأتي في القول الخامس إن شاء الله تعالى.


المسألة المثيرة لاختلاف الاراء

ثمّ إنّ هذه المسألة هي معركة الاراء، وربما لا تجد فقيهاً واحداً إلاّ وقد تبدّل نظره أكثر من مرّة، في رسائله العملية أو حواشيه على الرسائل الاُخر، كالنائيني والعراقي والحائري، حيث لم يعلّقوا على رسائل: « مجمع الرسائل » و « مجمع المسائل » وعلّقوا على العروة الوثقى.
وفروعها مختلفة أو متشابكة، وهي عدّة مسائل من واد واحد كالتالي:
1. تبدّل نظر المجتهد لنفسه، وصرّح به المجدّد الشيرازي في رسالة: « مجمع المسائل » المسألة السابعة قال: « وهكذا حكم نفس المجتهد » ولم يذكره صاحب العروة.
2. تبدّل رأي المرجع لمقلّديه ذكرها صاحب العروة في المسألة الاحدى والثلاثين قال: « إذا تبدّل رأي المجتهد، لا يجوز للمقلّد البقاء على رأيه الاوّل ».
3. موت المقلَّد والرجوع إلى غيره ذكرها صاحب العروة في المسألة الثالثة والخمسين.
4. عدول المقلّد من الحي إلى الحي في صورة الجواز أو الوجوب، كالاعلم.
وإن كان هناك:
أ: بعض من فصّل ـ كما سيأتي إن شاء الله تعالى في نقل الاقوال ـ بين موت المجتهد فلا يجب التدارك، وبين تبدّل رأي المجتهد فيجب عليه وعلى مقلّده التدارك.
ب: أو فصّل بين المجتهد نفسه، وبين المقلّد ـ عند عدول الرأي ـ.


منشأُ المسألة والاختلاف فيها

اختلفت كلمات الفقهاء في منشئها كما اختلفت فتاواهم في أحكامها.
أمّا منشؤها: فمن قائل بأنّها مسألة الاجزاء، والكلام هنا في الفقه هو الكلام عنها في الاُصول.
ومن قائل بأنّها أعمّ من مسألة الاجزاء، لاختصاص الاجزاء بالواجبات ثمّ بالعبادات فقط، وأعمّية هذه المسألة لشمولها المعاملات، وغير الواجبات.
ومن قائل بالعكس، كما عن المحقّق الايرواني.
وعن بعضهم: أنّ النسبة بينهما العموم من وجه لشمول مسألة الاجزاء للامر الواقعي والامر الاضطراري، وأشملية هذه المسألة لشمولها التكليفيات والوضعيات كلّها، وعن غيرهم غير ذلك.


هنا مقدّمتان

وهنا مقدّمتان كالتالي:
المقدّمة الاُولى: لا فرق في حجّية الحجج والتعارض، التقدّم والمقارنة والتأخّر الزماني ـ إذا كان متعلّقها واحداً ـ للسبر والتقسيم المعروف:
1. حجّيتهما معاً: تناقض أو تضادّ.
2. حجّية أحدهما معيّناً: لا خصوصية وأولوية له، لكون الدليل بالنسبة إليهما جميعاً واحداً.
3. حجّية الواحد المردّد، لا وجود خارجي له.
4. يتعارضان فيتساقطان.
المقدّمة الثانية: التقليد حجّة من الحجج وأمارة من الامارات، فإذا قامت البيّنة على أنّ الدائن زيد، ثمّ قامت بيّنة أُخرى على خطأها، أو المديون زيد، ثمّ قامت بيّنة أُخرى على خطأها، الحكم ؟


أحكام المسألة والاقوال فيها

وأمّا أحكامها: فالاقوال والوجوه فيها كثيرة ربما تنيف على العشرة، والذي يحضرني في هذه العجالة من أقوالهم عشرة:
الاوّل: عدم وجوب التدارك للاعمال السابقة، وجواز البناء على الفتوى السابقة في الاثار الباقية للعمل السابق مطلقاً إلاّ ما خرج بدليل خاصّ.
الثاني: وجوب التدارك مطلقاً إلاّ ما خرج بدليل خاصّ.
الثالث: التفصيل بين انكشاف الخلاف قطعاً فيجب التدارك مطلقاً، وبين انكشاف الخلاف اجتهاداً فلا يجب التدارك مطلقاً.
الرابع: التفصيل بين انكشاف الخلاف قطعاً، أو اعتماداً على دليل اجتهادي فيجب التدارك، وبين انكشاف الخلاف اعتماداً على الاحتياط، ونحوه من الاُصول العملية فلا يجب التدارك.
الخامس: التفصيل بين تبدّل رأي المجتهد، وبين الرجوع من الميّت إلى الحي، بوجوب التدارك في الاوّل دون الثاني.
السادس: التفصيل بين العبادات والمعاملات، بوجوب التدارك في الاُولى، دون الثانية.
السابع: العكس.
الثامن: التفصيل بين كون العمل السابق لا أثر له فعلاً فلا يجب ملاحظة الفتوى الثانية، وبين كونه ذا أثر فعلي، كالحيوان المذبوح بغير الحديد اعتماداً على فتوى جواز ذلك مع وجود الذبيحة، ثمّ قلّد من يقول بعدم جوازه، فيجب ملاحظة الفتوى الثانية في هذا الاثر.
التاسع: التفصيل في الاثر الفعلي بين كونه من آثار التقليد الاوّل أو من آثار وجوده القائم فعلاً، بعدم وجوب ملاحظة الفتوى الثانية في الاوّل، ووجوب ملاحظتها في الثاني.
العاشر: التفصيل بين وجود فتوى لمجتهد جائز التقليد طبق الفتوى الاُولى فيجوز البقاء عليها وترتيب جميع الاثار، وبين عدم ذلك فبعض الاقوال السابقة على اختلاف المشارب فيها.
وهذه الاقوال وإن كان في بعضها تداخل من جانب، ولكنّها تختلف في جوانب أُخرى.


تعيين محلّ البحث والنقاش

ولا يخفى: أنّ محلّ البحث والنقاش هو ما كان لمطابقة الفتوى السابقة للواقع أو عدم مطابقتها له أثر فعلي، لا إذا لم يكن له أيّ أثر فعلاً.
مثلاً: لو كانت الفتوى السابقة: عدم وجوب طاعة الوالدين فيما لا يعلمان به، وكان يعمل اعتماداً على هذه الفتوى أعمالاً لا يرضى بها والداه، لكن لا يدعهما يعلمان بها، أو كانت الفتوى السابقة على نجاسة العصير العنبي إذا غلى والفتوى الجديدة على طهارتها، وكان ثوبه ملوّثاً بالعصير، أو كان قد باع العصير وبقي عنده ثمنه وهكذا غير ذلك.


كلام نجل كاشف الغطاء

ولا بأس هنا من نقل عبارة جامعة للمحقّق الشيخ حسن بن كاشف الغطاء (قدس سرهما) في شرحه على المقدّمة الاُصولية لكشف الغطاء من والده، ننقلها بطولها تمهيداً لمباحث المسألة، قال (قدس سره):
« إذا بان للمجتهد خطؤه في الفتوى أو الحكم قطعاً ـ إمّا لتقصير في اجتهاده السابق، أو لعدم تفحّصه فبان وجود الدليل، أو لاشتباه الدليل بغير الدليل عنده، أو لحصول القطع بالخلاف بعد أن لم يقصّر في الاجتهاد الاوّل، لكن تجدّد له ما يقضي بالقطع بخطئه ـ نقض الحكم والفتوى المتقدّمين، وبطل العمل المترتّب عليهما، لعدم الموافقة لرأيه الثاني.
أمّا لو عدل من ظنّ إلى ظنّ ـ مع احتمال صحّة الاوّل عنده، وعدم قطعه بالتقصير، بل كان عدوله لزيادة ملكته، وشدّة ذهنه، ووفور باعه، وزيادة إطّلاعه، أو لانقلاب رأيه في الاصل المبنيّ عليه ذلك الفرع، لشدّة النظر في السير، أو الادلّة العقلية زيادة على ما يطلب من الفقيه، أو الممارسة لاهل العرف واللغة في الالفاظ، أو فيما فيه الحرج عليهم، أو ما يكون مجهولاً عندهم، أو ما يكون ضرورياً أو اضطرارياً، أو غير ذلك ـ نقض الفتوى الاُولى، التي لم تبن على الدوام، دون آثارها المترتّبة عليها في الزمن الماضي، من عبادات وأحكام.
فلا يقضي ما خالف من العبادات، ولا يبطل العقود المترتّبة عليها، فلا يبطل بيع ما حكم عليه بالطهارة من المايعات، ولا المعاوضة عليه بأنحاء المعاوضات، ولا إبطال القسمة التي دخل فيها في الميراث، ولا تفليش مسجد بني على وضعه فبنى البناء عند تبدّل رأيه من الطهارة إلى النجاسة، بل ولا يحكم بغسل المباشر له من الاشياء قبل الحكم بالتنجيس، ويكون عدوله مثبتاً لحكم آخر، لا كاشفاً عن ثبوته من أوّل وهلة، ودون ما بنى على الدوام من الفتاوى والحكم الصادر منه في مقام الخصومة أو غيرها.
للزوم العسر والحرج، والهرج والمرج، وتبدّل الازواج، والاملاك، وتغيّر الاوقاف، والاختلال العظيم في الدين.


مواصلة كلام كاشف الغطاء

على أنّ الاصل يقضي ببقاء آثار الحكم السابق والفتوى، وغاية ما خرج بالدليل، ما لم يبن على الدوام، ولم يكن من الحكومات، فيبقى الباقي.
على أنّ الاجماع على عدم نقض الحكم منقول ومحصّل ـ على الاظهر ـ ومستلزم لنقض الغرض من نصب الحاكم، وشرع الحكم، حيث إنّه معدّ لقطع الخصومات وتسكين مواد الفساد.
فلو جاز نقضه، لجاز نقض النقض، وهلمّ جرّاً.
فلا يتفاوت الحال بين حكم الحاكم بحلّية تزوّج البالغة الرشيدة من دون إذن الولي، وبجواز نكاح المرضعة عشراً، وبجواز بيع العنب لمن يعمله خمراً، وبجواز بيع أرواث ما لا يؤكل لحمه ما عدا عذرة الانسان.
سواء كان حكم الحاكم بعد التداعي أو قبله عند حكمه بموضوع خاصّ، وسواء كان قبل وقوع الفعل من غيره أو بعد وقوعه وقد رفع أمره إليه، وحكم به على الدوام، وبين فتوى المجتهد بذلك، وعمل العامل بها تقليداً له، أو عمله بها جهلاً فاطّلع عليه المجتهد فأجازه في عدم جواز نقض ذلك. لانّ نصب المفتي لارشاد المستفتين وبناء شرائع دينهم عليه، وأن يكون هو المبيّن للاحكام، والمظهر للحلال والحرام.
فكلّما يتصوّر في نقض الحكم، يتصوّر في نقض ما يبنى على الدوام، والكلام الكلام.
نعم، قد يقال فيما جهل المقلّد جهلاً فطابق رأي أحد من يقلّدهم مطابقة، فهل يجوز لمن لم يطابق رأيه نقضه وإبطاله ؟ والذي يظهر هو ذلك ما لم يرجعوا إلى من يطابق رأيه عمله ينجّزه لهم.


استمرار كلام كاشف الغطاء

وبالجملة: فكلّ فتوى لم تبن آثارها على الدوام كذلك، أو لم تبن في بعض دون بعض، فإنّه عند عدول المجتهد عنها يجب نقض آثارها المتجدّدة التي لم تبن على الدوام ـ بعد العدول ـ كالحكم بنجاسة الماء القليل بعد طهارته، فإنّ كلّ ماء يلاقي شيئاً بعد العدول، أو كان ملاقيه وبقيت ملاقاته يحكم بتنجيسه، لا ما لاقاه فذهبت ملاقاته قبل العدول، وكذا كلّ آجر متنجّس حكم بنجاسته بعد الطبخ، بعد أن كان حاكماً بطهارته فإنّه ينجس بعد العدول، وتترتّب عليه أحكام النجاسة، وما جرى عليها من العقود المبنيّة على الدوام، من بيع، أو شراء، أو مهر، أو بناء مسجد فيه، لا يجوز نقضها، ويجب إمضاؤها وإن اتّصفت بالنجاسة، وجرت عليه أحكامها.
وكلّ فتوى بنيت آثارها على الدوام، كجواز بيع المجهول، وجواز اشتراطه في البيع، وجواز الوقف من غير قبول في الوقف العامّ، وجواز النكاح من غير صيغة خاصّة، وجواز بيع المعاطاة، وجواز الطلاق ثلاثاً في مجلس مع تخلّل الرجعة، وجواز الطلاق بشاهدين أحدهما الوكيل، وجواز استرقاق ولد الحرّ من المملوكة بالشرط، وغير ذلك.


بقية كلام كاشف الغطاء

فالذي يظهر: أنّه يجب إمضاؤها على نفسه لو فعلها بنفسه، وعلى مقلّدته، وعلى تقدير غيره وعلى المجتهد الاخر، ولا يجوز نقضها عند عدوله، كما لا يجوز الحكم على مقلّدة غيره بالبطلان إذا كان مذهبه ذلك، مع علمه بتقليدهم لمن يقول بالصحّة.
نعم: عند عدم العلم بتقليدهم لغيره، فترافعوا عنده، أو سألوه عن حكم المسألة حكم له بما عنده وبما عدل إليه، ومع عدم السؤال يحملهم على الصحّة، ولا يجب عليه الانكار من باب النهي عن المنكر إذا احتمل رجوعه إلى فتوى المجتهد الاخر المخالف.
ويجب على المجتهد إمضاء أحكام غيره وفتاويه ومعاملتها على الصحّة، فيجوز له أخذ زوجة وقع طلاقها برأي مجتهد يخالف رأيه، وأكل مال بأصل البراءة، وهكذا، لانّه كما يبطل بفتواه ما وقع مخالفاً له ممّن قلّده، يصحّح ما وقع بفتوى مجتهد آخر لا يقطع عليه بالبطلان، ولا منافاة بينهما.
وعلى ذلك جرت السيرة.
نعم، لو وقع عقد بين مجتهدين متخالفين، أو بين مقلّديهما، أو بين مقلّدة الاخر، أشكل الحال، كما إذا باع معاطاة من يذهب إلى صحّتها على من يذهب إلى فسادها وغير ذلك من أبواب الفقه.
والظاهر أنّ كلاًّ منهما يجري على مذهبه من الصحّة والفساد ـ لا بمعنى تبعّض العقد فيكون صحيحاً من الموجب وباطلاً من القابل ـ لعدم إمكانه، بل بمعنى اتّصافه بالوصفين بالنسبة إلى الشخصين.
ويُحتمل تغليب جانب الفساد عليهما معاً، وتغليب جانب الصحّة ضعيف جدّاً.


تتمّة كلام كاشف الغطاء

وذهب جماعة منّا ـ وبعض منهم نقل الاجماع ـ على وجوب نقض آثار الفتوى الاُولى من المجتهد عند عدوله إلى مخالفها بالنسبة إلى نفسه، ما لم يطرأ عليها حكم الحاكم فتقوى، فلا يجوز نقضها حينئذ لقوّة الحكم.
وما ذكرناه أقوى بالنسبة إلى الدليل، والاجماع المنقول لم يثبت، ومع ذلك فلا شكّ أنّ الاولى والاحوط الرجوع إلى الحاكم في آثار الفتاوى المبنيّة على الدوام وحكم الحاكم بها، وبعد ذلك يعمل على آثارها كي تقوى بذلك على المعارض من عدول أو تغيّر مجتهد أو غير ذلك.
ولا يشترط في حكم الحاكم المرافعة بالفعل بل ولا بالقوّة، بل كلّما تعلّق بمعيّن وأراد الالزام به فهو حكم، والرادّ عليه رادّ على الله تعالى وداخل تحت حلال محمّد (صلى الله عليه وآله) وحرامه، ويلزم من الردّ عليه الهرج والمرج والفساد.
نعم للمجتهد الحكم بما خالف الحكم الاوّل في موضوع آخر لم يتعلّق به الحكم الاوّل إذا تجدّد له رأي بخلاف الاوّل.
وكذا ما بني على الدوام ممّا لم يقع أثره من الفتاوى إذا عدل عن رأيه الاوّل، ولا كلام فيه.
ولا يجوز نقض ما حكم به الاموات، أو ما فعل على مذهبهم، ممّا يبنى على الدوام وإن علمنا مخالفة رأيهم لرأينا: من وضع مساجد وأوقاف أو تحرير أو تطليق أو نكاح أو قسم مواريث أو صرف حقوق في مواضع خاصّة من زكوات وأخماس، أو الحكم بسيادة أشخاص لا أنواع، أو أنواع لمن قلّدهم فيها ونحو ذلك كما ذكرناه في الاحياء لما ذكرناه، وتأمّل في المقام فإنّه من مزال الاقدام »(1).


نهاية كلام كاشف الغطاء

انتهت العبارة الجامعة للمحقّق الفقيه: الشيخ حسن نجل كاشف الغطاء، وقد نقلناها بطولها لما تتضمّن من فوائد، وإن كان لنا في طيّاته مواقع عديدة للتأمّل والنقاش، وربما يظهر ذلك كلّه لمن تعمّق ما ذكرناه ونذكره في المقام.
والان نعطف الكلام ـ بعد نقل هذه العبارة المفصّلة ـ على ما قيل أو يمكن أن يقال في مقام الاستدلال للاقوال أو الوجوه المذكورة ومن الله الاستعانة.


القول الاوّل: عدم وجوب التدارك مطلقاً

أمّا القول الاوّل: وهو عدم وجوب التدارك مطلقاً إلاّ ما خرج، فهو صريح الكفاية، وكاشف الغطاء، ومحتمل الحكيم.


كلام الكفاية

قال في الكفاية: « إذا اضمحلّ الاجتهاد... فلابدّ من معاملة البطلان... فيما لم ينهض دليل... كما نهض في الصلاة وغيرها مثل: « لا تعاد » و « حديث الرفع »، بل الاجماع على الاجزاء في العبادات على ما ادّعي إذا حصل القطع بالاجتهاد الاوّل، أو قامت عليه أمارة، وكذلك إذا قام عليه الاستصحاب أو البراءة النقلية... فإنّه عمل بما هو وظيفته على تلك الحال »(2).


كلام العروة وتعليق المستمسك عليه

قال الماتن (قدس سره): « وأمّا نفس ذلك الشيء إذا كان باقياً، فلا يحكم بعد ذلك بطهارته »(3) وعلّق عليه الحكيم بقوله: « فيه نظر وكذا ما بعده ». وما بعده هو قول الماتن (قدس سره): « وكذا في الحلّية والحرمة، فإذا أفتى المجتهد الاوّل بجواز الذبح بغير الحديد... فمات المجتهد الاوّل وقلّد من يقول بحرمته... إذا كان الحيوان المذبوح موجوداً، فلا يجوز بيعه ولا أكله ».
وفي المستمسك أفتى بذلك وفرّق بين ما كان من آثار تقليد الاوّل فله حكم تقليده، وما كان واقعة فعلية فله حكم تقليد الثاني.
ومثّل للثاني بالمسكر الذي أفتى الاوّل بطهارته، ورتّب عليه الاثار، وأفتى الثاني بالنجاسة، وجب اجتناب المسكر.
ويؤخذ عليه: أنّه مع مسّ الثوب للمسكر حال تقليد الاوّل، وثوب آخر حال تقليد الثاني، تجوز الصلاة مع الثوب الاوّل دون الثاني.


تعليق كاشف الغطاء على المستمسك

وربما يجاب: بأنّه من التفريق غير العزيز في الفقه، كطهارة أعضاء الوضوء وبقاء الحدث. وعلّق كاشف الغطاء بقوله: « لا يبعد الجواز، فإنّه من آثار الفتوى السابقة، فهو كجواز وطي المرأة المعقودة بالفارسية بفتوى المجتهد السابق، نعم لو أفتى المجتهد اللاحق بحرمة لحم حيوان كان حلالاً بفتوى السابق، حرم أكله... ».
وفيه: أنّه في الكل هكذا مع أنّه لا خصوصية.


كلام العروة وتعليق العراقي عليه

وفي الصلاة على الميّت قال صاحب العروة الوثقى: « إذا لم يعلم أنّ الميّت رجل أو امرأة يجوز له أن يأتي بالضمائر مذكّرة بلحاظ الشخص والنعش والبدن، وأن يأتي بها مؤنّثة بلحاظ الجثّة والجنازة، بل مع المعلومية أيضاً يجوز ذلك. ولو أتى بالضمائر على الخلاف جهلاً أو نسياناً ـ لا باللحاظين المذكورين ـ فالظاهر عدم بطلان الصلاة »(4).
وعلّق العراقي هنا: « في صورة جهله إشكال ما لم ينته إلى نسيان في مقدّمة من مقدّماته وإلاّ فيمكن تصحيحه بعموم « لا تعاد » بناءً على عدم إنصرافه عن هذه الصلاة أيضاً، وأنّ اشتمال الاستثناء على الركوع والسجود والطهارة غير مضرّ بالعموم المزبور. وإلاّ فيشكل أمر الجهل مطلقاً بل النسيان أيضاً، لصدق فوت الجزء في مقدار يكون واجباً فتبطل الصلاة ».


كلام المحقّق النراقي

قال النراقي (قدس سره): « هذا أي التخيير بين المتساويين وإن اختلفا في الفتوى مسلّم بين الفقهاء، أرسلوه إرسال المسلّمات من غير احتمال إشكال فيه، مع أنّه خلاف القاعدة »(5).
بل لم أرَ الخلاف من أحد أخذاً من صاحب الجواهر في المجمعين إلى منهج الرشاد إلى العروة، والحواشي لها، أكثر من خمسين من علّق على التخيير إلاّ القمّي الاب والوالد وبعض آخر.
بل المعظم لم يذكروا التخيير بين المتساويين حتّى مثل المحقّق العراقي في المقالات ونهاية الافكار ـ مع تفصيل الثاني ـ وإنّما ذكر محتمل الاعلمية ونفى الاحتمال بالاصل، حيث قال: « ويندفع... بأصالة عدم التفاضل... فإذا جرى الاصل المزبور يترتّب عليه جواز الاخذ بفتوى غيره... فلا جرم ينتهي الامر إلى التخيير... بلا احتياج إلى إحراز عنوان تساويهما في الفضل، كي يقال بمثبتية الاصل المزبور... وهكذا الكلام في فرض احتمال الافضلية في كلّ منهما... »(6).


أدلّة الاجزاء وصحّة الاعمال السابقة

والحاصل: أنّ تصحيح الاعمال السابقة يمكن أن يستدلّ له بأُمور كثيرة ربما بلغت العشرين أو زادت، نذكر بعضها المهمّ:


الدليل الاوّل

أحدها: أنّ مقتضى إطلاق الادلّة التخيير وهو الفرق بين الخبرين المتعارضين والفتويين المتعارضين، ففي الخبرين تعارضهما يسقطهما عن الحجّية دون الفتويين.
وذلك لانّ المجعول في باب الخبرين: الحجّية على نحو الوجود الساري ـ أي جميع الاخبار ـ فهذا الجعل متناقض في المتعارضين.
وأمّا في باب الفتويين فإنّ المجعول: صِرف الوجود لترتّب الاثر على صِرف الوجود ـ في رجوع الجاهل إلى العالم ـ إذ لا معنى لالزام المكلّف بالرجوع إلى جميع الفقهاء، فالاطلاقات تشمل المتعارضين.


مناقشة الدليل الاوّل

وأُورد عليه أوّلاً: بإشكال مخدوش وهو أنّه لا إطلاق معتبر لنا في الباب ـ للاشكال سنداً، أو دلالةً ـ.
وفيه: الاطلاقات موجودة مثل: « من كان من الفقهاء صائناً لنفسه... » والسند بالعمل معتبر.
وثانياً: وفيه نقضاً:
أ: بالاقرار والبيّنة وقول ذي اليد....
ب: وبالاخبار التي يكفي واحدها.
وثالثاً: ما نصنع بالعلم الاجمالي ببطلان إحدى الفتويين، لتنجّزه مطلقاً حتّى إذا كان متعلّق بعضه سابقاً ـ بل كلّ الاطراف سابقاً ـ كما إذا علم بطلان إحدى الصلوات الخمس يوم أمس، فإنّ هذا العلم الاجمالي في هذا اليوم منجّز وإن كان كلّ أطرافه سابقاً، فما الذي أوجب الاستثناء هنا ؟


أمران أوجبا الاستثناء

الذي أوجب الاستثناء بنظرنا أمران:
الاوّل: التسالم المذكور سابقاً.
الثاني: بناء العقلاء.
وإلاّ فإنّ: 1. لا تعاد خاصّ ببعض أجزاء وشرائط الصلاة وبغير الجهل على مبنى والاختلاف قد يكون في المستثنى كماء الغسالة، وحدّ الركوع والوقت.
2. وحديث الرفع، لا يلتزمون به:
أ ـ لما ذكره الشيخ وغيره من أنّه وإن كان عنواناً ثانوياً وارداً على أدلّة الاجزاء والشرائط إلاّ أنّه لكثرة تخصيصه موهون.
ب ـ مضافاً إلى ضعف الدلالة على مبنى رفع غير الوضعية فقط ورفع غير الجزئية والشرطية(7)، ونحو ذلك.
ج ـ مع أنّ حديث الرفع إطلاقه يشمل غير الفتوى من الامارات والطرق، كذي اليد، والسوق، والبيّنة، والاقرار، ولا يلتزم به أحد، ولا تخصيص للفتوى، فإذا قامت بيّنة على طهارة ماء، فاغتسل للجنابة منه، ثمّ قامت بيّنة أُخرى على نجاسة ذلك الماء ذلك الوقت، أو قال ذو اليد بالطهارة، وبعد ذلك قال ذو يد آخر بنجاسته، فهل حديث الرفع يشمل مثل ذلك ؟ كلاّ، لم يقل به أحد، فما دليل استثناء باب التقليد ؟


التصريح بالاطلاق وإرادة التفصيل

ثمّ إنّه وإن صرّح في الكفاية وحاشية العروة لكاشف الغطاء ومحتمل الحكيم في حاشيته وصريحه في المستمسك ـ كما تقدّم ـ بإطلاق صحّة ما مضى على تقليد الفتوى الاُولى، أو فتوى الاوّل، إلاّ أنّه ربما يريدون تفصيل إنكشاف البطلان بالعلم أو العلمي ـ وهو القول الثالث في ما سردناها ـ إذ لا يحتمل قولهم بالاجزاء حتّى مع العلم بالبطلان، إذ الادلّة ـ غير لا تعاد الشامل للعلم قطعاً على مبنى شمولها للجهل ـ: من الاجماع، وحديث الرفع ونحوهما، لا يشملان العلم بالبطلان.


الدليل الثاني

ثانيها: أنّ فتوى المجتهد أمر ظاهري، وهو مقتض للاجزاء، ومعنى الاقتضاء للاجزاء هو: كفايته عن الواقع إن لم يصادف الواقع.
وأُورد عليه: ـ مضافاً إلى الخلاف في وجود الامر الظاهري من رأس، وإلى أنّ الامر الظاهري موجب للاجزاء، بل المعروف خصوصاً بين المتأخّرين عدمهما، فالتكاليف مع المصادفة للواقع وعدمها منجّزات ومعذّرات فقط وفقط، فلا أمر ظاهري، ومعه لا إجزاء بعد انكشاف الخلاف قضاءً للمنجّزية والمعذّرية ـ أنّ الدليل أخصّ من المدّعى، إذ مسألة اقتضاء الامر الظاهري للاجزاء وعدمه تختصّ بالتكليفيات من الواجبات فقط، وأمّا المحرّمات، والاحكام الوضعية وغيرها، فلا يشملها الدليل مع أنّها داخلة في المدّعى.


الدليل الثالث

ثالثها: الاجماع، وعن بعضهم دعوى الضرورة عليه.
وفيه: ـ مضافاً إلى الخلاف فيه، بل ادّعاء الاجماع على خلافه، كما عن العلاّمة (قدس سره) ـ أنّ هذا الاجماع لقطعية استناده، ولا أقل من احتماله، لا يعتمد عليه.


الدليل الرابع

رابعها: الاجماع العملي، المعبّر عنه بالسيرة المتشرّعية على عدم إعادة الاعمال ولا قضائها عند تبدّل رأي المجتهد، أو صيرورة المقلّد مجتهداً، أو تبدّل مرجع تقليده بموت أو سقوط عن جواز التقليد بفقد شرط آخر، أو نحو ذلك.
وأُورد عليه: بعدم ثبوتها كلّياً مع شروطها بحيث تكون حجّة شرعية: من عموم السيرة، واستمرارها، واتّصالها بزمان المعصوم (عليه السلام)، وعدم ردعه (عليه السلام) عنها، بإحراز ذلك كلّه وجداناً أو تعبّداً، فتأمّل.


الدليل الخامس

خامسها: ما عن الفصول من: « أنّ الواقعة الواحدة لا تتحمّل اجتهادين » وفسّرت: بأنّ الاجتهاد الثاني لا يهدم آثار الاجتهاد الاوّل.
وفيه: ـ مضافاً إلى أنّه لا يعلم المراد من هذه العبارة المجملة ـ أنّه أوّل الكلام.


الدليل السادس

سادسها: أنّ لازم عدم ترتيب الاثار على الاجتهاد الاوّل هتك الشريعة وعدم انضباطه، وذلك: لانّ الشارع لو حكم بشيء فأتى به العبد بالطريق المقرّر له شرعاً، ثمّ وجب بحكم الشارع نقضه وتهديم ما أتى به سابقاً لارتفع وثوق العقلاء بالشرع، وليس هذا ونحوه طريقة الشرع الحكيم في سنّ الاحكام للناس.
وأُورد عليه: بأنّ الشرع وضع أحكاماً، ووضع إليها طرقاً، فإن أخطأ المجتهد في استخراج الاحكام وأوجب الشرع عليه الاعادة والقضاء، فأيّ هتك فيه للشرع ؟


الدليل السابع

سابعها: أنّ نصب الشارع المجتهد للفتوى، وأمره العباد بأخذ الاحكام منه والعمل بقوله، يقتضي عرفاً: صحّة ما أتى به المكلّف تقليداً له، وعدم الاعادة فيها.
وأُجيب: بأنّه لا مانع من رفع اليد عن هذا المقتضي بدليل آخر، كالحاكم الذي نصب للحكم ولا مانع حينئذ من جواز نقض حكمه في بعض الموارد.


الدليل الثامن

ثامنها: لزوم الحرج الشديد، والهرج والمرج، إذ قد يتبدّل رأي المجتهد عدّة مرّات، أو قد يتبدّل مرجع تقليد شخص طيلة حياته أكثر من عشر مرّات، فلو وجب في كلّ مرّة تبدّلت الفتوى، أو تغيّر مرجع التقليد: عدم ترتيب آثار الصحّة على الاعمال الصادرة سابقاً المخالفة لفتوى الثانية، والثالثة، والرابعة وهكذا، لزم الهرج والمرج، والحرج الشديد الاكيد.
وأُجيب: بأنّ الحرج شخصي فلا يرفع الحكم إلاّ عن الشخص الخاصّ في المورد الخاصّ، فلا يرفع الحكم عمّن ليس عليه حرج ـ كما حقّق في الاُصول ـ فالدليل أخصّ من المدّعى.


الدليل التاسع

تاسعها: أنّ الاجتهادين كلاهما حجّة مستندة إلى أدلّة شرعية، وكذلك المجتهدان، فلماذا رجّح الاجتهاد الثاني فقط ؟
ولِمَ لا يكونان كلاهما حجّة بقاءً كما كانا كذلك حدوثاً ؟
وأُجيب: بأنّ الاجتهاد الاوّل قد زال بالاجتهاد الثاني، لظهور فساد ما اعتمد عليه فيه، وكذلك فتوى المجتهد الاوّل قد زال بموته، ولذا عدل عنهما للمستقبل.


الدليل العاشر

عاشرها: الاستصحاب بمختلف وجوهه وأنواعه: من استصحاب عدم وجوب الاعادة والقضاء، أو استصحاب الصحّة ونحوهما.
وأُورد عليه: ـ مضافاً إلى الاشكال في استصحابات الاحكام مطلقاً الذي أصرّ عليه بعض مراجع العصر ـ أنّه تعليقي، إذ لو كانت الحجّية باقية للفتوى الاُولى، أو لفتوى الاوّل، صحّ التمسّك به، والمفروض عدم البقاء.


أدلّة أُخرى على الاجزاء

وهناك أدلّة أُخرى ذكروها في المقام، ولكن فيما ذكرناه كفاية.
والحاصل: أنّ الادلّة وإن خدش فيها واحداً واحداً بأجوبة لم تكن تامّة في بعضها وإن تمّ بعضها الاخر، إلاّ أنّ المجموع من هذه الادلّة وغيرها ربما يشرف الفقيه على الاطمئنان إلى عدم لزوم الاعادة والقضاء، إلاّ فيما استثني بأدلّة أُخرى وبحكم ثانوي، فتأمّل.


القول الثاني: وجوب التدارك مطلقاً

واستدلّ للقول الثاني: وهو وجوب التدارك مطلقاً إلاّ ما خرج بالدليل، بما ذكرناه في أجوبة القول الاوّل، بعد كون المقتضي للادلّة الاوّلية هو: لزوم التدارك، إذ مع لزوم اتّباع الفتوى الثانية، أو فتوى المجتهد الثاني، أصبحت الاُولى فيهما بلا ملاك، وكما لا يجوز الاعتماد ابتداءً على الاُولى فيهما كذلك استدامة، لعدم الفرق.
والجواب: ـ مضافاً إلى أنّ لزوم اتّباع الثانية أوّل الكلام ـ أنّ كون ذلك مقتضى الادلّة الاوّلية محل إشكال، مع أنّ صيرورة الاُولى بذلك بلا ملاك غير تامّ.
هذا كلّه بالاضافة إلى الفرق بين الاعتماد ابتداءً واستدامة: بجريان قاعدة الاجزاء وغيرها في السابق دون اللاحق، وبكون السابق حجّة ظاهراً ابتداءً لا استدامة.


من أدلّة وجوب التدارك
أوّل الادلّة

واستدلّ لوجوب التدارك مطلقاً أيضاً بوجوه أُخرى نذكر بعضها تتميماً للفائدة:
أحدها: أنّ الاوامر الشرعية تابعة للمصالح الواقعية، والنواهي للمفاسد الواقعية، وهما لا تسقطان إلاّ بأُمور: كالطاعة، والمعصية، وعدم القدرة، وفوات الغرض ونحو ذلك، والكلّ منتف في المقام.
فسقوط الامر والنهي الواقعيين: بمجرّد امتثال الامر الظاهري، أو امتثال المنجّز والمعذّر إن كان مع بقاء المصلحة والمفسدة اللتين أوجبتا الامر والنهي، فغير معقول، لاستلزامه انفكاك العلّة عن معلولها.
وإن كان بالطاعة، فالمفروض انتفاؤها.
أو بالمعصية، فالمفروض وجود المعذّر.
وإن كان بعدم القدرة، فهو خارج عن محلّ البحث.
وإن كان لاجل فوات الغرض، فلا دليل عليه.
وأُجيب: بأنّ الاخير هو الصحيح، وهو فوات الغرض، إذ قيام الدليل على الاكتفاء بالمنجّز والمعذّر لازمه العرفي استيفاء الغرض به بدلاً عن الواقع.
مضافاً إلى أنّه لا دليل على وجوب تحصيل مصلحة الواقع مطلقاً حتّى في مثل المقام، فالنوبة إذا وصلت إلى الاصل كان الاصل الجاري في المقام هو: البراءة، للشكّ في وجوب تحصيل الواقع فيما نحن فيه، لا الاشتغال، لانّ مجراه العلم بتنجّز التكليف، وهو مشكوك فيه كما قلنا.


ثاني الادلّة

ثانيها: أنّ الفقهاء بنوا على نقض الاثار في الموضوعات، فلو اعتمد على أصل الطهارة في ماء ثمّ قامت البيّنة على نجاسته التزموا بالعمل بالامارة وهكذا، فلتكن الاحكام كذلك، لعدم فرق أو فارق.
مع أنّهم لم يحكموا بالصحّة في موارد من الاحكام أيضاً، كما لو توضّأ بمائع وصلّى لقيام الامارة على كونه ماءً ثمّ تبيّن كونه خمراً، فإنّ وضوءه وصلاته باطلان، وغير ذلك من الموارد.
وأُجيب: بأنّ الفقهاء لم يفرّقوا في ذلك بين الاحكام والموضوعات بل ساقوهما بحكم واحد، فقولكم في انكشاف نجاسة الماء: « التزموا بالعمل بالامارة » إن كان القصد العمل فيما مضى فهو غير مسلّم، وإن كان المقصود العمل فيما يأتي فهو صحيح ولكنّه لا يستدلّ به لكم.


ثالث الادلّة

ثالثها: لماذا الفرق بين آثار الاعمال الماضية، بالذهاب إلى الصحّة في الاثار الماضية، والبطلان في الاثار الباقية، فالمنشأ واحد، فإمّا يقال: ببطلان كليهما، أو بصحّة كليهما، والثاني لا يصار إليه لاستلزامه فقهاً جديداً، فيبقى الاوّل وهو الحكم ببطلان كليهما ؟
بيان ذلك: أنّ الماء المحكوم ظاهراً بالطهارة المنكشف بعد الوضوء والغسل والصلاة نجاسته، إمّا أن نقول ببطلان الوضوء والغسل والصلاة مع نجاسة اليد الملامسة له، أو نقول بصحّتها مع طهارة اليد، فالتفكيك بين متلازمين باطل عقلاً، ولا يمكن الحكم بطهارة اليد والطهارة الحدثية حالاً، فيبقى الحكم بنجاسة اليد وبطلان الوضوء والغسل والصلاة.
وأُجيب: ـ مضافاً إلى أنّ ما لا يمكن التفكيك فيه هما: المتلازمان العقليّان أو الخارجيان، أمّا المتلازمان الجعليان أو الاعتباريان فيصحّ التفكيك بينهما إذا قام الدليل على التفكيك، كما إذا قام الدليل على التلازم فيما لا تلازم عقلي في البين وكم له من نظائر في الفقه، كالتوضّي والغسل بماء مشتبه بالنجس شبهة محصورة، حيث حكموا بطهارة أعضائه مع استصحاب الحدث فيه، وكاللحوم المجلوبة من بلاد الكفّار (بناءً على قول) من الحكم بالحرمة والطهارة معاً فيها تحكيماً للاصلين: أصل الحرمة، وأصل الطهارة، وغير ذلك ـ أنّ الفارق في آثار الاعمال الماضية هو: شمول أدلّة الاحكام للباقية دون الماضية، فاليد الملاقية للماء المنكشف نجاسته مشمولة لملاقي النجس وجداناً، فيحكم بنجاسة هذه اليد، بخلاف الاعمال الماضية، فتدبّر.


رابع الادلّة

رابعها: ما عن المحقّق النائيني (قدس سره): من أنّ القول بالاجزاء يلازم التصويب المحرّم ولا نقول به، فلا إجزاء.
بيان الملازمة: أنّ التصويب المحرّم قسمان:
أحدهما: ما التزمه الاشاعرة من خلو الوقائع عن الاحكام، وتبعية الاحكام لاراء المجتهدين.
ثانيهما: ما ينسب إلى المعتزلة من أنّ لكلّ واقعة حكماً واقعياً ولكنّه مراعى بعدم أداء نظر المجتهد إلى خلافه، فلو أدّى نظره إلى الخلاف وقع التزاحم بين الحكمين وترجّح جانب الحكم الظاهري.
والاجزاء إمّا مبني على أنّ الحكم الواقعي غير موجود فهو الاوّل، أو على أنّ الحكم الظاهري يقلب الحكم الواقعي حتّى مع إنكشاف الخلاف وهو الثاني، إذ في غير هذين القسمين لا إجزاء، فلو قلنا بوجود الحكم الواقعي وعدم قلب الظاهري للواقعي مع إنكشاف الخلاف فلا محلّ للاجزاء.
إذن: فالقول بالاجزاء يلازم التصويب المحرّم ولا نقول به، فلا إجزاء.
وقد يؤخذ عليه بما مرّ: من أنّ ظاهر جعل الشارع شيئاً أمارة هو الاكتفاء به مطلقاً، سواء انكشف الخلاف أم لا، وليس معنى ذلك كون أحكام الله مراعاة بعدم أداء نظر المجتهد إلى خلافها، بل معنى ذلك هو توسعة دائرة الاحكام الظاهرية تسهيلاً على العباد في تحصيل الاحكام، ومثله ليس تصويباً، ولا محرّماً.
وهناك وجوه أُخرى ذكروها في الاستدلال على وجوب التدارك مطلقاً تطلب من المفصّلات.


القول الثالث والدليل عليه

واستدلّ للقول الثالث: وهو التفصيل بين إنكشاف الخلاف قطعاً وعلماً فيجب التدارك، وبين الانكشاف اعتماداً على الادلّة الاجتهادية والاُصول العملية فلا يجب التدارك، بأنّه مع القطع بالخلاف لا تجري أيّة قاعدة أو دليل، فلا إجزاء للامر الظاهري، ولا غيره، وأمّا مع عدم انكشاف الخلاف القطعي، فالاجتهاد الثاني لا يسقط الاوّل عن الحجّية.


القول الرابع والاستدلال له

واستدلّ للرابع: وهو لبعض مراجع العصر، وقد ينسب إلى ابن إدريس (رحمه الله)أيضاً: من التفصيل بين الانكشاف القطعي بالخلاف أو اعتماداً على الادلّة الاجتهادية فيجب التدارك، وبين انكشاف الخلاف اعتماداً على الاُصول العملية كالاحتياط والبراءة ونحوهما فلا يجب التدارك إلاّ مع بقاء الوقت، بأنّ مقتضى القاعدة: عدم الاجزاء مع انكشاف الخلاف.
إلاّ أنّ الاُصول العملية بما أنّها ليست سوى وظائف مقرّرة للعبيد في وقت العمل، وليست مضامينها أحكاماً إطلاقاً لا واقعية ولا ظاهرية، وقد مضى وقت العمل بالقول السابق، فلا توجب مخالفتها الاعادة والقضاء.
وأمّا في قيام القطع بالخلاف أو قيام الادلّة الاجتهادية، فيظهر معهما كون الدليل السابق المعتمد عليه جهلاً مركّباً.
وأمّا قيد مع بقاء الوقت، فعن ابن إدريس الاستدلال له: بأنّه إذا ظهر خطأ المجتهد والوقت باق فالفعل يجب إعادته مطلقاً، لكون الامر قد توجّه إليه، لدخوله في موضوعه وعدم الدليل على التقييد بغير من أتى به مطلقاً.
وعن الشيخ كاظم الشيرازي (قدس سره) تأييد ذلك: بأنّ الادلّة الاوّلية تقتضي ذلك، لانّ المسقط لها إمّا الامتثال والمفروض عدمه، أو حيلولة الوقت ولم يحل، أو غير ذلك فليبيّن.


مناقشة التفصيل المذكور

وفيه: 1. إطلاق التسالم، وبناء العقلاء ينفي التفصيل.
2. أدلّة حيلولة الوقت للشكّ، لا للعلم التعبّدي والاُصول العملية من العلم التعبّدي، ولذا قالوا بحلولها محلّ القطع الطريقي.
قال الشيخ الانصاري: « ثمّ من خواص القطع الذي هو طريق إلى الواقع، قيام الامارات الشرعية والاُصول العملية مقامه في العمل »(8).
وفي بعض نُسخ الفرائد: « وبعض الاُصول العملية ».
نعم، لصاحب الكفاية إشكال في قيام الاُصول العملية ـ غير الاستصحاب ـ مقام القطع، ببيان: أنّ الاُصول العملية وظائف وليست أحكاماً، فلا تحلّ محلّ القطع، وله بحث في الاستصحاب.
لكن الظاهر أنّه مجرّد بحث لفظي، إذ:
1. المهمّ للفقيه والاُصولي في بحث القطع الطريقي تنجيزه وإعذاره.
2. وهذا المهمّ موجود في أضعف الاُصول العملية وهو الاشتغال العقلي والبراءة العقلية.
ولذا فلعلّ إضافة « بعض » في بعض نسخ الرسائل مِن بعض مَن بعد الشيخ (قدس سره) لا من نفسه.


القول الخامس وأدلّته

واستدلّ للقول الخامس: ـ لبعض الشرّاح ـ وهو التفصيل بين تبدّل فتوى المجتهد فيجب معه التدارك، وبين الرجوع من الميّت إلى الحي فلا يجب التدارك.
أمّا الاوّل: فلانّ مقتضى اضمحلال الاجتهاد الاوّل، وكشف فساده، وعدم اختصاص الحكم المجعول شرعاً لزمان دون زمان هو حجّية الاجتهاد الثاني فقط، ومعه لا مورد للاجزاء.
وأمّا الثاني: فلانّ متعلّق فتوى المجتهد الثاني وإن كان هو الحكم الكلّي، إلاّ أنّ حجّية هذا الرأي إنّما هي من حين الرجوع إليه لا من الاوّل، ولم ينكشف خطأ الحجّة الاُولى بل انتهى أمدها، فلا مقتضى لعدم الاجزاء.
وفيه: ـ مضافاً إلى لزوم إضافة الرجوع من الحي إلى الحي أيضاً ودليله: اضمحلال الاوّل، وحجّية رأي الحي من حين الرجوع لا من الاوّل ـ أنّ الفرق جميل، لكنّه من غير فارق، وذلك:
1. نقضاً: بأنّ الاضمحلال في كلا الطرفين والحجّية من حين الرجوع أو التبدّل في كلا الطرفين.
2. وحلاً: بأنّ مقتضى أمارية الفتوى حجّية لوازمها، ومنها بطلان العمل السابق.


القول السادس ودليله

واستدلّ للقول السادس: وهو وجوب التدارك في العبادات دون المعاملات، بأنّ مقتضى القاعدة وجوب التدارك فيهما غير أنّ وجوب التدارك في المعاملات له مانع أوجب عدم الالتزام بالتدارك، وهو أنّ الاحكام الوضعية ـ كالملكية، والزوجية، ونحوهما ـ اعتبارات خاصّة من الشرع والعرف لمصالح دعت تلك المصالح إلى هذه الاعتبارات، وما دام الامر كذلك فلا يتصوّر كشف خلاف لها حتّى يقال بالاجزاء أو عدمه.
مثلاً: العقد الفارسي كان سبباً للزوجية لاجل أمر اعتباري، والامر الاعتباري موجود دائماً، فيكون العقد الفارسي ذا مصلحة دائماً، وليست تلك المصلحة تحصيلية لامر آخر، حتّى يكون مجال للقول بأنّ ذلك الامر الاخر الواقعي حصل أو لم يحصل، أجزأ عنه هذا أم لم يجزئ عنه.
ويجاب: ـ مضافاً إلى وحدة الملاك في العبادات والمعاملات فما وجه هذا التفصيل ؟ ـ بأنّ المحقّق المعروف عند أهل التحقيق، بل المدّعى عليه الاجماع مكرّراً هو أنّ الامارات والاُصول والطرق كلّها كواشف لا غير ضمّ إلى جهة كشفها مصلحة التسهيل على الاُمّة المبني عليها الشريعة السمحاء.
مع أنّ ما ذكر ليس سوى ما يؤول إلى التصويب، كما لا يخفى.


القول السابع والدليل عليه

واستدلّ للقول السابع: وهو عكس السادس: من وجوب التدارك في المعاملات دون العبادات، أمّا المعاملات فالتدارك للاصل، وأمّا العبادات فعدم التدارك للاجماع على عدم وجوبه فيها، وهو الفارق.
ويجاب: ـ مضافاً إلى عدم تحقّق الاجماع في كلّ العبادات، فالدليل أخصّ من المدّعى ـ أنّ المدرك لم ينحصر بالاجماع حتّى يخصّص به القول، بل المدارك متعدّدة، كبناء العقلاء والسيرة وحديث الرفع ونحو ذلك، وهي على قدم واحد إمّا أن تشمل العبادات والمعاملات معاً، وإمّا أن لا تشملهما معاً.


القول الثامن والاستدلال له

واستدلّ للقول الثامن: وهو التفصيل بين كون العمل ذا أثر فعلي فيجب العمل في أثره الفعلي بالفتوى الثانية أو بفتوى الثاني، وبين غيره فلا يجب الاعادة أو القضاء أو التدارك، بالجمع بين ما دلّ على لزوم اتّباع الحجّة الفعلية وهي الفتوى الثانية، وبين ما هو مقتضى القاعدة العرفية من كون مطلق الامر ولو ظاهرياً موجباً للاجزاء، فيعمل فيما مضى بالقاعدة العرفية، وفي الاثر الفعلي بالحجّة الفعلية.
وهذا القول هو ظاهر المتن ومعظم الساكتين عليه، أمثال: النائيني وابن العمّ والبروجردي، وإليه ذهب جمع من مراجع العصر، وإن كان بينهم اختلاف في عدد من الموضوعات: في أنّها هل هي مندرجة تحت هذا الكلّي أو لا ؟
والوجه فيه متين وإن كان غير خال أيضاً عن الاشكال.


القول التاسع ووجهه

وأمّا القول التاسع: وهو التفصيل في الاثر الفعلي بأنّه إن كان من آثار التقليد الاوّل فلا يجب التدارك، وإن كان من آثار وجوده الحاصل فعلاً فيجب التدارك، وإليه ذهب في المستمسك.
مثلاً: في لحم المذبوح بغير الحديد اعتماداً على الفتوى بجواز ذلك لا يجوز أكله ولا بيعه إذا قلّد بعد ذلك من يقول بحرمة ذلك لانّ الحرمة حكم هذا اللحم الموجود فعلاً، وفي مثل العقد بالفارسي يجوز ترتيب آثار الزوجية حتّى إذا قلّد القائل ببطلان العقد بالفارسي إذ الزوجية ليست من آثار وجود الزوجة، بل من آثار ذلك العقد السابق.
فعمدة الدليل لذلك: أنّ حكم الشارع سابقاً بصحّة العقد الفارسي يرتّب عليه جميع آثاره لانّه معنى الصحّة عرفاً، لكن الشارع لم يحكم بحلّية هذا اللحم إلاّ عند أكله، والمفروض أنّه عند الاكل قامت الحجّة على حرمته.
ويؤخذ عليه: أنّ الفرق غير ظاهر عرفاً:
إذ كما حكم الشارع بصحّة العقد الفارسي في حينه كذلك حكم بحلّية المذبوح في حينه.
وكما قامت الحجّة فعلاً على بطلان العقد الفارسي في حينه كذلك قامت الحجّة فعلاً على حرمة الحيوان المذبوح بغير الحديد في حينه.
فإمّا يقال بالصحّة فيهما، أو يذهب إلى البطلان فيهما، فالدليل المذكور غير واف بالمقصود.


القول العاشر وملاكه

وأمّا القول العاشر: وهو التفصيل بين وجود فتوى لمجتهد جائز التقليد طبق الفتوى السابقة فيجوز التعويل عليها، وبين عدمه فأحد الاقوال الاُخرى.
فيستدلّ له في الشقّ الاوّل: بأنّ التقليد طريقي، ولا يجب فيه تعيين مرجع التقليد على ما هو التحقيق بل اللازم عقلاً فيه هو مجرّد الاستناد، ومع وجود فتوى يجوز الاستناد عليها طبق الفتوى السابقة يتمّ صحّة العمل بها.
وفي الشقّ الثاني: بعدم ما يدلّ على الصحّة سوى دليل الاجزاء الذي عرفت ما في إطلاقه.
وقد يؤخذ عليه: أنّه بالنتيجة قول بعدم الاجزاء وليس قولاً جديداً في مقابل بقية الاقوال.


خلاصة الاقوال

هذه هي أقوال الذين حضرني أقوالهم في المسألة، والمسألة مشتبكة الفروع فلا يحسن إطلاق الحكم الكلّي فيها القابل لورود النقض والابرام على مصاديقها المختلفة.
والاحوط ـ في غير ما دلّ دليل خاصّ فيه على الاجزاء مثل: « لا تعاد » وبعض مسائل الطهارة والنجاسة، ومسائل الاكل والشرب ونحوهما ممّا لا أثر فعلي لها، ونحوها في غير ذلك ـ مراعاة الاحتياط، فإنّه طريق النجاة.


تتمّات المسألة الثالثة والخمسين
التتمّة الاُولى

الاُولى: إذا تبدّل نظر المقلَّد إلى بطلان النظر السابق، ولم يعلم المقلِّد وكان مستصحباً في حكمه، أو مات المقلَّد، فقلّد آخر، ولم يعلم باختلاف الفتوى.
قد يقال: بالتفصيل بين القصور والتقصير، ففي القصور يكفي الماضي ويجري التسالم وبناء العقلاء، وفي التقصير لا تسالم ولم يحرز بناء من العقلاء.


التتمّة الثانية

الثانية: قيل بجواز العمل بالاجتهاد السابق للمفتي والمقلّد، لعدم العلم ببطلان الاُولى وصواب الثانية، خصوصاً في المتباينين حيث يحتمل ـ وجداناً ـ بطلان الثانية. وخصوصاً إذا كانت الثانية خلاف المشهور.
وفيه: أنّه لا حجّة فعلاً، وهذا يكفي فلا عذر.


التتمّة الثالثة

الثالثة: إذا عدل عن الحي إلى الحي ـ في صورة الجواز، كالمتساويين، أو إلى الاعلم على القول بالجواز لا الوجوب ـ ثمّ علم تخالف الفتويين في محلّ الابتلاء، فهل يجوز له العود إلى الاوّل ؟
على القول بالوجوب: لا يجوز العود في العدول عن الميّت، قال صاحب العروة في المسألة العاشرة: « لا يجوز له العود » ووجّهه كاشف الغطاء ـ تلميذه ـ بأنّه كتقليد الميّت ابتداءً.
وفيه: وجداناً ليس منه، ولذا قال المحقّق العراقي في الحاشية: « إلاّ إذا كان ـ أي الميّت ـ مساوياً أو أعلم، وإلاّ فلا بأس بعد صدق الشكّ في بقاء أحكامه أي الميّت الظاهرية » فيستصحب.
وأمّا في العود من الحي إلى الحي: فربما يقال: بالجواز، لما تقدّم من التخيير الاستمراري في المتساويين ولزوم التناقض في الفتويين أحياناً، كلزومه في الرجوع من الميّت إلى الحي.


(1) شرح المقدّمة المخطوط / الورقة 55 ـ 56 المصوّر من مكتبة الامام الرضا (عليه السلام) في مشهد المقدّسة.
(2) كفاية الاُصول: ص470.
(3) العروة الوثقى: التقليد، م53.
(4) العروة الوثقى: فصل في كيفية صلاة الميّت، م5.
(5) مناهج الاحكام والاُصول: ص300.
(6) نهاية الافكار: ج4، ص256.
(7) الرسائل: ج2، ص32.
(8) فرائد الاُصول: ج1، ص33.