المسألة (51): المأذون والوكيل عن المجتهد في التصرّف في الاوقاف أو في أموال القصَّر ينعزل بموت المجتهد، بخلاف المنصوب من قبله، كما إذا نصبه متولّياً للوقف، أو قيّماً على القصّر، فإنّه لا تبطل توليته وقيمومته على الاظهر.


المأذون والمنصوب هل ينعزلان بموت المجتهد ؟

المسألة (51): المأذون والوكيل عن المجتهد في التصرّف في الاوقاف أو في أموال القصَّر ينعزل بموت المجتهد لزوال الوكالة والاذن بزوال الحياة، لكون جواز تصرّف المأذون والوكيل فرع جواز تصرّف المجتهد، فإذا زال جواز تصرّف المجتهد بالموت زال بالنسبة إلى الفرع أيضاً بخلاف المنصوب من قبله كما إذا نصبه متولّياً للوقف، أو قيّماً على القصّر، فإنّه لا تبطل توليته وقيمومته بموت المجتهد على الاظهر.
هذه المسألة وردت في رسالة صاحب الجواهر، وجرى عليه الشيخ والشيرازيان والعروة وآخرون، وعبارة رسالة صاحب الجواهر مترجمة بالعربية كالتالي:
« ينعزل النائب عن المجتهد، وكذلك القيّم عنه من الولاية على الطفل، أو الوقف أو غيرهما، بموت المجتهد، أو جنونه، أو فسقه »(1).
ولم يعلّق أحد إلاّ صاحب العروة، حيث علّق على كلمة: « القيّم » من مجمع المسائل للمجدّد (قدس سره) ـ ولم يعلّق على مجمع الرسائل كما تقدّم ـ بقوله: « الانعزال بالمذكورات في القيّم ونحوه غير معلوم، لانّ المجتهد باعطائه الولاية قد نصبه لذلك ».
هذا التفصيل من الماتن لم أجد من علّق عليه في الفرع الاوّل منه، سوى الاخ الاكبر (قدس سره) حيث علّق على « ينعزل » بقوله: « على الاحوط » وفي موسوعة الفقه مال إلى عدم الانعزال مطلقاً.


أقوال المسألة

والاقوال في المسألة أربعة:
الاوّل: عدم الانعزال بالموت مطلقاً، وصرّح في الايضاح بالاجماع عليه، وقد مال إليه الاخ الاكبر (قدس سره).
الثاني: الانعزال مطلقاً نقل القول به عن صاحب البلغة والشيخ الانصاري (قدس سرهما) ومال إليه جمع من مراجع العصر ومن تقدّمهم كالوالد (رحمه الله) والحائري والخونساري (أحمد) والكلبايكاني والاصطهباناتي، والشاهرودي (قدس سرهم) وغيرهم.
الثالث: التفصيل بين الاذن والوكالة ونحوهما فينعزل بموت المجتهد، وبين النصب ونحوه فلا ينعزل، وهو قول الماتن وكلّ من لم يعلّق عليه كالنائيني والعراقي حيث لم يعلّقا على مجمع الرسائل ولا مجمع المسائل، وكالبروجردي والحكيم والسيّد عبدالهادي (قدس سرهم) وغيرهم.
الرابع: التفصيل المنسوب إلى صاحب الجواهر (رحمه الله): من الفرق في النصب أيضاً بين كون النصب من المجتهد نفسه فينعزل بموته، وبين كون النصب من قبل الامام (عليه السلام)، أي: باعتبار كون المجتهد الناصب هو نائب الامام، فلا ينعزل المنصوب بموت المجتهد الناصب له.


بين القائلين بالنيابة العامّة وغيرهم

هذا ولا يخفى: أنّ هذه الاقوال هي للقائلين بالنيابة العامّة للفقيه في زمن الغيبة، وأمّا القائل بعدمها ـ وهم قليل وإن ذهب إليه بعض مراجع العصر ـ فواضح أنّه يرى الانعزال بالموت مطلقاً، لانّه لا يجوز للفقيه أصل نصب الولي، والمتولّي، والقيّم ونحوهم، إلاّ بمقدار حفظ نظام المعاش من ذاك الباب لا من باب صلاحية الفقيه للنصب والعزل، لكن لا يخفى ضعفه كما سيأتي في محلّه إن شاء الله تعالى.


كلام الشيخ الانصاري

قال الشيخ الانصاري: « وينعزل المنصوب بالخصوص بموت الامام وبموت المنوب الناصب له إذا كان نائباً عنه لا عن الامام. أمّا إنعزاله بموت الامام، فلانعزال ناصبه بذلك، لانّ التولية تتضمّن الاذن والاستنابة المرتفعين بفقد المستنيب، وهذا الانعزال ليس لاجل عدم سلطنة الامام (عليه السلام) بالنسبة إلى الازمنة المتأخّرة عن زمانه ـ حتّى يقال: بأنّ إمام كلّ عصر له النصب في الازمنة المتأخّرة، فإنّ الزمان بأجمعه لجميعهم، ويفصّل حينئذ بين ما إذا فهم من دليل النصب توقيته بمدّة حياته، وبين ما إذا فهم منه أزيد من ذلك فينعزل في الاوّل دون الثاني، ويجعل نصب الصادق (عليه السلام) للفقهاء من قبيل الثاني، ولذا لا ينعزلون ـ بل لعدم قابلية الاذن والنيابة للبقاء بعد موت الاذن والمستنيب، إلاّ أن يدّعى أنّ موته (عليه السلام) كحياته وليس كموت أحدنا في العجز عن التصرّف في الاُمور حتّى لا يعقل تصرّف نوّابه بعنوان النيابة، لكنّا بمعزل عن هذه الدعوى، فإنّا لا نقول فيهم إلاّ بما صحّ لنا عنهم.
وكيف كان: فلا إشكال في انعزال القضاة بموت الامام (عليه السلام)، سواء قلنا: إنّ ذلك لاقتضاء الاستنابة والاذن الارتفاع بعد الموت، على ما هي قاعدة الوكالة، وإمّا لانفهام كون النصب مقيّداً بمدّة الحياة.


بقية كلام الشيخ الانصاري

وربما يحكى عن الشيخ في المبسوط عدم الانعزال، لانّ ولايتهم ثابتة شرعاً فلا يزول إلاّ بدليل، والذي وجدناه في المبسوط في باب كتاب قاض إلى قاض ـ موافقاً للخلاف: إنّ الذي يقتضيه مذهبنا إنعزال القضاة بموت الامام. نعم حكي عدم الانعزال عن بعض العامّة مستدلاً بما ذكر.
هذا كلّه في منصوب الامام، وأمّا منصوب النائب، فإمّا أن يكون منصوباً للقضاء، أو يكون منصوباً لاُمور عامّة مثل تولّي الاوقاف والايتام، أو يكون منصوباً لامر معيّن كبيع مال يتيم وإحراز غلّة وقف ونحو ذلك.
أمّا الثالث: فلا ريب في انعزاله، بل ادّعى عليه الوفاق في المسالك، لانّه من باب الوكالة.
وكذا الثاني: على ما يقتضيه قاعدة الاستنابة، إلاّ أنّ المحكي عن الايضاح دعوى الاتّفاق عليه، للحوق الضرر واختلال نظام تلك الاُمور بذلك. فلو ثبت الاجماع، وإلاّ ففي نهوض ما ذكر من لحوق الضرر لرفع اليد عن القاعدة، نظر.
وأمّا المنصوب للقضاء فالاشبه إنّه ينعزل، لما عرفت في نوّاب الامام. وربما يقال بعدم إنعزال نائب المنصوب بموته، لانّه في الحقيقة منصوب من قبل الامام، وفيه نظر »(2).


كلام صاحب الجواهر

وقال في الجواهر: « المسألة التاسعة: إذا مات الامام (عليه السلام) قال الشيخ: الذي يقتضيه مذهبنا إنعزال القضاة أجمع، لانّهم نوّابه وولايتهم فرع ولايته، فإذا زال الاصل زال الفرع، فإنّ أمر كلّ عصر إلى إمام ذلك العصر.
وقال في المبسوط: لا ينعزلون، لانّ ولايتهم ثبتت شرعاً بتوليته، فلا تزول بموته للاصل المؤيّد بما في الانعزال من الضرر العام اللاحق للخلق بخلوّ البلدان من الحكّام إلى أن يجدّد الامام اللاحق نوّاباً فتعطّل المصالح.
بل في المسالك: قد يقدح هذا في ولاية الفقيه حال الغيبة بأنّ الامام الذي قد جعله قاضياً وحاكماً قد مات فيجري في حكمه الخلاف المذكور ـ ثمّ قال ـ: إلاّ أنّ الاصحاب مطبقون على استمرار تلك التولية، فإنّها ليست كالتولية الخاصّة، بل حكم بمضمونه فإنّ إعلامه بكونه من أهل الولاية على ذلك كإعلامه بكون العدل مقبول الشهادة، وذا اليد مقبول الخبر، وغير ذلك، وفيه بحث.
قلت: وجه البحث ظهور الادلّة في كونه إنشاء نصب منه، بل هو كاد يكون صريح قوله (عليه السلام): « فإنّي جعلته قاضياً وحاكماً » لا أنّه مجرّد إعلام، وكيف يكون إعلاماً وقد عرفت الاحتياج إلى إنشاء النصب والاذن ؟
نعم، قد يقال في دفعه ـ مضافاً إلى ما سمعته من النصّ(3) على نصبه من صاحب الزمان روحي له الفداء ـ: إنّ إمام العدل له النصب في الازمنة المتأخّرة عن زمان موته، فإنّ الزمان بأجمعه لجميعهم ومعصومون عن الخطأ، ولا ينطقون عن الهوى إن هو إلاّ وحي يوحى، وهذا الفرع إنّما ذكره العامّة على أُصولهم في أئمّتهم المنصوبين من قبلهم لا من ربّهم، بخلاف أئمّتنا (عليهم السلام) الذين هم أولياؤنا أحياءً وأمواتاً، وإنّما ينعزل نوّابهم بالموت حيث تكون التولية منهم مقيّدة بذلك ولو بظاهر الحال، لا لانقطاع ولايتهم بالموت، فإذا كانت من أحدهم على الاستدامة صريحاً أو ظاهراً فلا إشكال في عدم الانعزال.


مواصلة كلام الجواهر

ومنه نصب الصادق (عليه السلام) لكلّ من عرف حلالهم وحرامهم (4) الظاهر بل الصريح في ذلك، فيمضي حينئذ حكمه ولو بعد موته في زمن الامام الاخر المعبّر في الحقيقة عن الاوّل، فإنّ حكمهم واحد وأمرهم واحد، كما هو معلوم من أُصول الشيعة، بل هو من ضروريات مذهبهم.
وبذلك ظهر لك أنّ الاوّل أشبه، لكن على الطريق الذي ذكرناه، لا لانقطاع ولايتهم بالموت، ولو فرض عدم ظهور في تقيّد الولاية بزمن حياتهم كان المتّجه بقاؤها حتّى يأتي العزل من الامام المتأخّر الذي هو في الحقيقة عزل من الامام الذي قبله تمسّكاً باطلاق مقتضيها مع فرضه، أمّا إذا لم يكن بل ليس إلاّ صيرورته قاضياً في زمن الحياة فالمتّجه الحكم بانقطاعها، لانّ ذلك لا يكفي في ثبوت الاذن في الزائد عليه، إذ الاستصحاب هنا لا وقع له بعد التنويع المزبور، ومن ذلك يعلم ما في الاصل المزبور، كما هو واضح.


استمرار كلام الجواهر

ولو مات القاضي الاصلي الذي نصبه إمام العدل انعزل كلّ نائب له في شغل معيّن، كبيع على ميّت أو غائب أو سماع بيّنة في حادثة معيّنة بغير خلاف، كما في المسالك قال: وفي التصرّف في شغل عام كقوام الوقوف والايتام وجهان: ناشئان من الوجهين اللذين في نوّاب الامام، من حيث التبعية وترتّب الضرر بزوال ولايتهم إلى أن يتجدّد الولاية.
وفيه: أنّه مع فرض كونهم وكلاء عنه لا إشكال في انفساخها بموته، من غير فرق بين كون متعلّقها عامّاً أو خاصّاً، لانّ الفرض زوال ولاية الاصل بموته، بل الظاهر ذلك مع فرض كونهم أولياء، لانّ ولايتهم فرع ولايته، لكن عن الايضاح نفي الخلاف عن عدم انعزالهم، فإن تمّ إجماعاً فذاك، وإلاّ كان المتّجه ما ذكرنا، نعم لو كان النصب وكيلاً أو وليّاً عن الامام وكان ذلك جائزاً له لم ينعزل قطعاً، والله العالم.
وأمّا الخليفة عنه في القضاء فقيل: لم ينعزل أي: النائب عنه فيه، لانّ الاستنابة فيه مشروطة بإذن الامام (عليه السلام) فالنائب عنه كالنائب عن الامام، فلا ينعزل بموت الواسطة، كما لا ينعزل وكيل الوكيل إذا أذن له في توكيله عن الموكّل.
وقيل: ينعزل وإليه أشار المصنّف بقوله: والقول بإنعزاله أشبه بأُصول المذهب وقواعده، لانّه فرعه، وكالوكيل عنه ينعزل بموته وليس هو نائباً عن الامام وإن توقّف استخلافه عنه عليه.


تتمّة كلام الجواهر

وربما أشكل القولان معاً على إطلاقهما: أمّا الاوّل: فلانّ النيابة قد تكون مستندة إلى قرائن الاحوال كاتّساع الولاية، والنائب فيها ليس نائباً عن الامام بل عن القاضي، ولم يحصل من الامام ما يقتضي الاذن لفظاً حتّى يقال: إنّ الاستنابة مشروطة بإذن الامام، ولو سلم أنّ التولية على هذا الوجه إذنٌ في المعنى لم يدلّ على كونه إذناً في استنابته عن الامام بوجه من الدلالات.
وأمّا الثاني: فلانّ من جملة الاقسام أن يكون الامام قد أذن له صريحاً في الاستنابة إمّا مطلقاً أو عن الامام، فلا يتمّ الحكم مطلقاً بكون النائب تابعاً للمستنيب.
فيتّجه على هذا وجه ثالث قد جزم به الرافعي في الروضة من بعض كتب الشافعية وهو: أنّ القاضي إن لم يكن مأذوناً في الاستخلاف بل استخلف بناءً على جوازه مطلقاً أو مع شهادة القرائن انعزل خليفته بموته، لانّ الاستخلاف في هذه الحالة إمّا أن يكون جوازه مشروطاً بالحاجة فكان النائب كالمعين في العمل، فإذا زالت ولايته بطلت المعاونة، لعدم الحاجة إليها، وإمّا لانّ الخليفة كالوكيل حيث جوّزناها مطلقاً، فتبطل بموت الموكّل لانّه كالمعين أيضاً، وإن لم يكن لحاجة وكان مأذوناً في الاستخلاف نظر، فإن قال: استخلف عنّي فاستخلف لم ينعزل خليفته، لانّه مأذون من جهة الامام، فكأنّه حينئذ سفير في التولية وإن قال: استخلف عن نفسك أو أطلق، إنعزل، لظهور غرض المعاونة وبطلانها ببطلان ولايته ـ وفيها أيضاً: ـ لو نصب الامام نائباً عن القاضي فعن السرخسي لا ينعزل بموت القاضي ولا انعزاله، للاذن له من جهة الامام.
ومال إليه في المسالك قال: إلاّ أن يكون الاذن مقيّداً بالنيابة عن القاضي فيتبعه كالاوّل، وهو جيّد. لكن قد يناقش بالتفصيل بين ما يستفاد منه الاذن، فإنّ دعوى إنحصار إفادة القرائن في الاستخلاف عنه لا عن الاصل ممنوعة، ضرورة أعمّيتها من ذلك، كما هو واضح »(5).


ملاحظة المسألة من جهات

والمسألة ينبغي أن تلاحظ من جهات:
1. الاصل العملي.
2. بناء العقلاء.
3. الادلّة الخاصّة.


الجهة الاُولى

1. أمّا الاصل العملي: الذي بنى عليه معظم المتأخّرين، فهو الانعزال مطلقاً في المأذون والوكيل والمنصوب وغيرها، وذلك:
أ: أنّ مقتضى عدم الدليل على استمرار الولاية، عدم استمرارها، لانّ الشكّ في سعة حكم وضيقه ـ سواء كان حكماً تكليفياً أم وضعياً ـ عدم سعته.
ومعه لا يجري الاستصحاب في الولاية لانّ الاستصحاب مسبّبي، وأصل عدم السعة سببي، ولذا الاصل عند المشهور أنّ القضاء بأمر جديد، إذ استصحاب حكم الاداء بعد زوال وقته محكوم لاصل عدم سعة الجعل عند الشكّ.
ب: لو كان الموكّل وجاعل المنصب هو القيّم والولي لزالت ولايته وقيمومته بالموت، والفرع لا يزيد عن الاصل.


الجهة الثانية

2. وأمّا بناء العقلاء: فإنّ العقود تابعة للقصود، وليس ذلك خاصّاً بالعقد، بل بكلّ إنشاء يوجده أيّ عاقل فيما يصلح له الانشاء فيه حتّى الايقاعات: من الاذن والنذر ونحوهما، إلاّ ما وسّع الشارع أو ضيّق:
وسّع: مثل عقد الانقطاع إذا لم يذكر المدّة.
ضيّق: مثل عقد النكاح المعاطاتي ـ على المشهور من بطلانه ـ.
فمقتضى ارتكاز العقلاء (ولعلّه بناؤهم) أن يكون الاذن والتوكيل تابعاً ـ بما هما إنشاءان ـ تابعان لقصد الاذن والموكّل سعة وضيقاً، بمدّة الحياة أو حتّى بعد الموت.
ومقتضى ذلك: التفريق بالقصد، والاطلاق من حيث الاذن، والوكالة، والنصب.


الجهة الثالثة

3. وأمّا الادلّة الخاصّة: فاستدلّ للبقاء بعد الموت ـ وهو القول الاوّل ـ بأُمور:


القول الاوّل: عدم الانعزال مطلقاً وأدلّته

حجّة القول الاوّل: وهو عدم الانعزال مطلقاً، أُمور:
أحدها: إجماع فخر المحقّقين في الايضاح الذي تقدّم نقله في عبارتي الشيخ الانصاري وصاحب الجواهر (قدس سرهما).
وفيه: إشكال صغرىً: بمسلّمية عدم الاجماع.
وأشكل عليه كبرىً: باحتمال الاستناد، لكنّه سبق منّا الاشكال في ذلك.
ثانيها: ما في الايضاح نقلاً عن والده قال: « وأمّا المنصوبون في شغل عام كقوّام الايتام والوقوف. قال والدي المصنّف: إنّهم لا ينعزلون بموت القاضي وانعزاله بغير خلاف، لئلاّ يختلّ أبواب المصالح، وسبيلهم سبيل المتولّين من قبل الواقف »(6).
ثالثها: ما تقدّم من سيرة العقلاء.
رابعها: ولاية الفقيه، أو ولاية الحسبة، فإنّ مقتضاها البقاء، للسبر والتقسيم.


كلام صاحب الموسوعة الفقهية

قال في « موسوعة الفقه » ـ بعد مقدّمة تمهيدية ـ: «إنّ من بيده الاعتبار لو اعتبر شيئاً مستمرّاً كان اللازم القول باستمراره إلى أن يجيء الرافع، وفيما نحن فيه حيث إنّ الامام عجّل الله تعالى فرجه، اعتبر ولاية الفقيه العامّة في زمان الغيبة ـ كما سبق ـ فالنصب من الفقيه حكمه حكم النصب من الامام (عليه السلام)، فلو نصب الفقيه أو وكّل أو أذن في شيء مستمرّاً كان للمأذون التصرّف ولو مات المجتهد، لانّ إنعزاله بالموت لا يخلو من أن يكون:
إمّا لعدم اعتبار عقلائي لذلك، وفيه: أنّ العقلاء يعتبرون ذلك، ولذا نرى في الحكومات الفعلية أنّ الملك أو الوزير لو أعطى منصب المتصرّفية لاحد، ثمّ عيّن المتصرّف شخصاً للجباية أو الحراسة أو نحوهما كان له حقّ ذلك ولو بعد موت المتصرّف أو عزله أو نحوهما، إلاّ بردع من المتصرّف الثاني.
وإمّا لردع الشارع عن ذلك الاعتبار، وفيه: أنّه لا دليل على الردع.
وإمّا لعدم ولاية عامّة للفقيه، وفيه: أنّ الدليل الذي يدلّ على حقّ الفقيه في نصب أصل المتولّي ونحوه دليل على العموم مطلقاً ـ كما عرفت سابقاً الولاية العامّة للفقيه ـ فلو وكّل الفقيه شخصاً أو أذن له أو أعطاه التولية أو القيمومة أو نحو ذلك مستمرّاً، كان له ذلك مستمرّاً ولو بعد موته»(7).


تأييد وتسديد

ويؤيّد ذلك كلّه: بأنّه لم ينقل من المعصومين (عليهم السلام) طيلة قرنين ونصف إنعزال وكلائهم أو المنصوبين من قبلهم بمجرّد الموت، ولو كان لبان.
وإليك قائمة بأسماء بعض وكلائهم:
قال في رجال النجاشي: « أيّوب بن نوح... كان وكيلاً لابي الحسن وأبي محمّد (عليهما السلام) »(8).
وفي كامل الزيارات: « القاسم بن محمّد بن علي بن إبراهيم الهمداني وكيل الناحية المقدّسة بهمدان بعد أبيه محمّد الذي كان وكيلاً بعد أبيه علي »(9).
وفي من لا يحضره الفقيه: « ـ عبدالرحمن بن الحجّاج ـ كان وكيلاً لابي عبدالله (عليه السلام)، ومات في أيّام الرضا (عليه السلام) »(10).
وفي جامع الرواة: « الحسن بن عباس بن خراش... كان وكيلاً »(11).
وفيه أيضاً: « الحسين بن عبد ربّه... كان وكيلاً »(12).
وفيه أيضاً: « عبدالله بن جندب البجلي... كان وكيلاً »(13).
وفيه أيضاً: « علي بن الريّان بن الصلت... كان وكيلاً »(14).
وفيه أيضاً: « نصر بن قابوس... كان وكيلاً لابي عبدالله (عليه السلام) عشرين سنة... وإنّه من خاصّة الكاظم ومن ثقاته »(15).
وفيه أيضاً: « أبو علي بن راشد كان وكيلاً مقام الحسين بن عبد ربّه »(16).


بقيّة كلام الموسوعة الفقهية

ثمّ إنّ الاخ الاكبر (قدس سره) في موسوعة الفقه في ذيل المسألة ذكر قائلاً: « أنّ الاذن والوكالة والنصب وجعل القيّم ونحوها واحدة معنىً، مختلفة مورداً، ففي التصرّف في الاملاك يقال: (الاذن)، وفي الاذن في نقل الملك أو إيجاد صيغة العقد ونحوهما يقال: (الوكالة) وفي الاوقاف والحكومات يقال: (النصب) وفي الايتام والقصّر يقال: (القيّم) ومرجع كلّها إلى: الاذن في ذلك التصرّف(17).


القول الثاني: الانعزال مطلقاً والدليل عليه

حجّة القول الثاني: وهو الانعزال مطلقاً ـ سواء كان المجتهد أذن له في التصرّف بأموال الصغار، أو الوقف ونحوهما، أم وكّله في ذلك، أم نصبه وولاّه وجعله قيّماً، وهو للشيخ الانصاري ومعظم من تأخّر عنه، كالوالد والحائري والسيّد أحمد الخونساري والاصطهباناتي والسيّد محمود الشاهرودي وآخرين (قدس سرهم) ـ أُمور:


أوّل الادلّة

الاوّل: ـ مضافاً إلى الاصل عند الشكّ الذي تقدّم ـ أنّ نصب المجتهد القيّم والوالي ونحوهما نوع إذن ووكالة في ممارسة ذاك العمل، إذ المجتهد نفسه مأذون في ذلك، فيأذن غيره، أو يوكّله، فليس النصب في الحقيقة إلاّ عبارة أُخرى عن الاذن والتوكيل، وبالاجماع ينعزل الوكيل والمأذون بموت الموكّل والاذن، فكذا المنصوب.
وأُورد عليه: بالفرق ـ موضوعاً عرفاً ـ بين النصب وجعل القيمومة والولاية ونحو ذلك، وبين الاذن والتوكيل، والفرق يظهر في مقام الارادة، والنيّة، وكيفية الانشاء.


ثاني الادلّة

الثاني: أنّ إعطاء المنصب من المجتهد فرع ولاية المجتهد، وبموت المجتهد تزول ولايته، فيزول ما هو فرعها وهو النصب.
وأُجيب: بأنّ الدليل دلّ على أنّ منح المنصب حدوثاً يحتاج إلى حياة المجتهد، ولم يدلّ الدليل على كونه بقاءً أيضاً محتاجاً إلى حياة المجتهد، كيف فرع الحدوث لا يمكن جعل النصب وإحداثه ؟ أمّا في البقاء فيمكن وتتعلّق به الاعتبارات العقلائية.


ثالث الادلّة

الثالث: أنّ المجتهد ليس له حقّ جعل المنصب والولاية لاحد، إذ الثابت للمجتهد من ذلك هو القيام بأُمور الحسبة التي يعلم إرادة الله تعالى لها في كلّ حال مع شروطها الاُخرى، أمّا جعل شخص متولّياً أبدياً على الوقف، ونحو ذلك فلم يثبت للمجتهد، فكيف يستمرّ ما لم يثبت الحقّ في إنشائه ونفوذه ؟
ورُدَّ: بأنّ المفروض المفروغية عن هذه الصلاحية، إذ الكلام في السالبة بانتفاء المحمول، لا السالبة بانتفاء الموضوع، وسيأتي في محلّه صلاحية المجتهد الجامع للشرائط لهذا الجعل ونحوه.
وهذا الدليل الاخير هو العمدة في حمل جمع من المراجع المقاربين والمعاصرين على الميل إلى هذا القول، لكنّه كما ترى.


القول الثالث: التفصيل بين الاذن والوكالة ووجهه

واستدلّ للقول الثالث: وهو التفصيل بين الاذن والوكالة فينعزل بموت المجتهد، وبين النصب والجعل فلا ينعزل بالموت، بوجوه:


الانعزال والدليل عليه

أمّا الانعزال في الاذن والوكالة بالموت فقال بعض الشرّاح: « والوجه فيه واضح، لارتفاع الاذن وبطلان الوكالة بالموت، مضافاً إلى الاجماع بقسميه فيهما ».
وقد يؤخذ عليه: بأنّ الاجماع منقوله لا يفيد، ومحصّله ـ مضافاً إلى أنّه غير حاصل ـ محتمل الاستناد، فلا يكون دليلاً مستقلاً.
ووضوح ارتفاع الاذن وبطلان الوكالة بالموت غير ثابت، إذ ليس المهمّ التعبير بلفظ: الاذن، والوكالة ونحوهما، إنّما المهمّ مقدار إرادة المجتهد من هذه الالفاظ ومقدار دلالتها بأنفسهما، وإذا ثبت ما ذكره في حجّة القول الاوّل: من أنّ المستفاد من هذه الالفاظ في مقام الجعل هو الجعل نفسه، بطل هذا الاستدلال.


عدم الانعزال وأدلّته
الدليل الاوّل

وأمّا عدم إنعزال المجعول والمنصوب فبأُمور:
أحدها: الاجماع، نقل عن الشيخ والمحقّق الكركي وغيرهما، وتقدّم نقل الايضاح عن والده نفي الخلاف عنه.
وفيه: أنّ المحصّل منه غير حاصل، والمنقول منه غير مقبول.
نعم، الشهرة محقّقة على الظاهر إجمالاً، لا مطلقاً، لما ربما يدّعى من عدم التزام مشهور متأخّري المتأخّرين والمقاربين والمعاصرين بذلك.


الدليل الثاني

ثانيها: أنّ حقّ الجعل ونصب القيّم والمتولّي الذي كان للامام (عليه السلام) هو بنفسه يكون للمجتهد الجامع للشرائط، فكما أنّ بموت الامام لا ينعزل من نصبهم أولياء بالاجماع، كذلك من هو بمنزلة الامام (عليه السلام) وهو المرجع الجامع للشرائط.
وقد يستدلّ لذلك بالتوقيع الشريف: « فإنّهم حجّتي عليكم وأنا حجّة الله »(18). فالتقابل بين الحجّتين يعطي اتّحادهما حكماً إلاّ ما خرج بالدليل، وممّا لم يدلّ دليل على إخراجه: إعطاء صلاحيات الحجّية الشاملة لنصب القيّم، ونحوه.
والاشكال فيه سنداً: بمحمّد بن محمّد بن عصام وإسحاق بن يعقوب، غير وارد، بعد عمل جملة من الفقهاء برواياته في شتّى الابواب: الخمس والقضاء وغيرهما.
ودلالة: بما عن الاخوند في حاشية الرسائل وغيره، بأنّ الحجّية أعمّ من الولاية.
وفيه: ـ مضافاً إلى أنّ الكلام في المعصوم (عليه السلام) هو الكلام في غيره ـ أنّ هذا بناءً على عموم ولاية الفقيه صحيح، وأمّا بناءً على عدم عموم الولاية مشكل حتّى إذا ثبت ذلك بالحسبة ـ كما تقدّم ـ.


الدليل الثالث

ثالثها: أنّ نصب القيّم والولي ونحو ذلك من شؤون الحكّام والقضاة، وقد جعل الامام (عليه السلام) للمجتهد الحكومة والقضاء، فما هو من شؤونهما مجعول للمجتهد أيضاً.
أمّا الصغرى: فلا إشكال في أنّ القضاة والحكّام في البلاد كانوا يجعلون متولّياً على الوقف الذي لا متولّي له، وقيّماً على صغار لا وليّ لهم ونحو ذلك، سواء في ذلك حكّام الجور وقضاتهم، وحكّام العدل وقضاتهم مثل: محمّد بن أبي بكر، ومالك الاشتر، وابن عباس وغيرهم.
وأمّا الكبرى: فيكفي للاستدلال على عدم السقوط: مقبولة عمر بن حنظلة، وصحيحة أبي خديجة، وممّا جاء في الاُولى: « فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً »(19) وفي الثانية: « فإنّي قد جعلته قاضياً »(20).


إشكال غير وارد

والاشكال فيهما سنداً بالجهالة، غير وارد. بعد اعتماد الاصحاب عليهما (21).
مضافاً: إلى اعتبار عمر بن حنظلة وهو شيخ صفوان بن يحيى الذي ورد في حقّه: « إذن لا يكذب علينا » وراويه يزيد بن خليفة وهو أيضاً شيخ صفوان.
وقد نصّ الشهيد الثاني على وثاقة عمر بن حنظلة (22)، وجمع آخر كالعلاّمة الفاني (رحمه الله) في بحوث في فقه الرجال وغيره آخرون (23).
وقال في التنقيح في صحيحة أبي خديجة ـ: « الوجه فيه تضعيف وتوثيق الشيخ الطوسي له في مكانين، فيتساقطان ويبقى توثيق النجاشي، وكونه من رجال كامل الزيارات »(24).
وقد استدلّ بروايات عمر بن حنظلة وأبي خديجة هنا في غير المورد:
1. المفيد في خلاصة الايجاز (25).
2. الطوسي في الخلاف (26).
قال الشيخ الانصاري (قدس سره): « خصوصاً صفوان الذي لا يروي إلاّ عن ثقة »(27).
وقال أيضاً: « لكن الراوي عنه صفوان الذي لا يروي إلاّ عن ثقة »(28).


كلام بعض الاعلام

قال الشيخ الطوسي: « ولاجل ذلك سوّت الطائفة بين ما يرويه محمّد بن أبي عمير وصفوان بن يحيى وأحمد بن محمّد بن أبي نصر وغيرهم من الثقات الذين عرفوا بأنّهم لا يروون ولا يرسلون إلاّ عمّن يوثّق به، وبين ما أسنده غيرهم »(29).
وقال النجاشي عن أبي خديجة: « ثقة ثقة »(30).
وقال العلاّمة في الخلاصة: « قال الشيخ الطوسي (قدس سره): إنّه ضعيف. وقال في موضع آخر: إنّه ثقة... والوجه عندي التوقّف عمّا يرويه لتعارض الاقوال فيه »(31).


نقد وتقييم

والاصحّ: الاعتبار لتساقط قولي الشيخ بتعارضهما، فيبقى قول النجاشي بلا معارض.
والقول: بأنّها متعارضة فيسقط الجميع نظير نقل زرارة الحرمة والحلّ في شيئين، ونقل محمّد بن مسلم خلاف أحدهما، فهل يسلم قول محمّد بن مسلم ؟ كلاّ.
أقول: نعم يسلم وله نظائر في الفقه.
والاشكال فيه بأنّ جعل القضاوة، أو الحكومة أعمّ من جعل صلاحية نصب القيّم والولي، لاحتمال أن يراد بهما رفع الخصومة فقط، مندفع بأنّ ظاهر لفظتي: حاكم وقاض، ولو بقرينة الانصراف أو مقابلتهما في الروايات بحكّام العامّة وقضاتهم هو القاضي والحاكم مثلما كان للعامّة، ولا إشكال في ممارسة قضاة العامّة وحكّامهم لهذه الاُمور.
اللهمّ إلاّ إذا اعتبر صدر الروايتين وأمثالهما من التنديد بالتحاكم إلى قضاة الجور قرينة لارادة جعل الحاكم والقاضي في مجرّد رفع الخصومة، فتأمّل.
مضافاً إلى أنّ الولاية العامّة التي ذهب إليها المشهور كفيل بمنح الصلاحية في ذلك للمجتهد الجامع الشرائط.


الدليل الرابع

رابعها: الاستصحاب، وتقريره من وجهين:
أحدهما: استصحاب الموضوع وهو بقاء تلك المناصب والولايات ونحوهما بعد موت المجتهد.
ثانيهما: استصحاب الحكم الوضعي أو التكليفي، وهو صحّة أو جواز تصرّفات الولي والقيِّم والمنصوب بعد موت المجتهد.


إشكالات وأجوبة

وأُورد عليه أوّلاً: بكونه من الاستصحاب في الحكم المعارض دائماً.
وفيه: ما لا يخفى.
وثانياً: بالشكّ في بقاء موضوع الاستصحاب، إذ يحتمل كون ولاية الولي من آثار ولاية القاضي الجاعل لها، فإذا مات القاضي ارتفعت ولاية الولي لارتفاع ولاية القاضي لا محالة.
وفيه: أنّ هذا عبارة أُخرى عن الشكّ في المقتضي وليس شكّاً في أصل بقاء الموضوع العرفي، ومعه مجال الاستصحاب مفتوح، لانّه لو منعنا عن الاستصحاب بمثل ذلك أشكل علينا الامر في كثير من الموارد التي أجرى عامّة الفقهاء فيها الاستصحاب، مثل استصحاب الحياة فإنّه يشكّ في مقدار اقتضاء الشخص للبقاء.
وقد اعترف الشيخ الانصاري (قدس سره) بذلك في استصحاب أحكام الشرائع السابقة، قال (قدس سره): « غاية الامر احتمال مدخلية بعض أوصافهم المعتبرة في موضوع الحكم، ومثل هذا لو أثّر في الاستصحاب لقدح في أكثر الاستصحابات بل في جميع موارد الشكّ من غير جهة الرافع »(32).
واتّحاد الموضوع عرفاً كاف كما حقّق في محلّه، وفيما نحن فيه موضوع الاستصحاب ولاية الولي، وقيمومة القيِّم ونحوهما، وهما مع الشكّ في بقائهما يكفل الاستصحاب للبقاء.
وثالثاً: بمعارضته باستصحاب عدم النفوذ في العقود والايقاعات وسائر التصرّفات الصادرة من الولي والقيّم.
وفيه: أنّه لا يعارضه لكونه مسبّبياً، واستصحاب الولاية، أو جواز التصرّف سببي، وما دام الاصل السببي جارياً لا مجال لاجراء الاصل المسبّبي ـ كما حقّق في الاُصول ـ.


الدليل الخامس

خامسها: أنّ للمجتهد نوعين من الاعمال:
أحدهما: ما يعمله ممّا هو من شؤون ولايته الشخصية بما هو مجتهد جامع للشرائط.
ثانيهما: ما يعمله ممّا هو واسطة في إثباته.
ونصب المتولّي ونحوه من قبيل الثاني، إذ النصب ونحوه بما هو من شؤون الله تعالى ـ أوّلاً وبالذات ـ فإعمال المجتهد له إنّما يكون واسطياً، كالوكيل أو الوصي في إجراء عقد، أو إعمال شيء، لا أصلياً صلاحياً، فلا وجه لانعدامه بموت المجتهد، لعدم ترتّب شيء على الواسطة بقاءً.
وفيه: أنّ كون ذلك من هذا النوع دون ذاك أوّل الكلام.
مضافاً إلى الاشكال في أصل وجود نوعين، بل المسلّم نوع واحد: إمّا ضيّق على القول بعدم الولاية العامّة، وإمّا واسع على القول بالولاية العامّة.


القول الرابع: التفصيل بحسب الاعتبار ودليله

واستدلّ للقول الرابع المنسوب إلى الجواهر: من التفصيل بين كون النصب عن نفس المجتهد فتبطل الولاية بموته لانّه من شؤون نفسه، وبين كون النصب عن الامام (عليه السلام) فلا تبطل لانّه من شؤون ولاية الامام (عليه السلام)، بأدلّة:
وعمدة الدليل والفارق هو: أنّ الولاية وجعل ولي على شيء من وقف أو صغير أو نحوهما إن كان باعتبار المجتهد نائباً عن الامام، فبموته لا تبطل الولاية، لانّ الناصب حقيقة هو الامام (عليه السلام)، والمجتهد كان واسطة في النصب، والامام حيّ باق ـ صلوات الله وسلامه عليه، وعجّل الله تعالى فرجه الشريف ـ فكذا الولاية تكون باقية.
وأمّا إذا جعل المجتهد الولاية من قبل نفسه، فتكون فرعاً عن ولايته هو، وكما يبطل بالموت أصل ولايته كذا يبطل فرعه وهو توليته شخصاً آخر.


مناقشة الدليل

وفيه أوّلاً: ما الدليل على أصل جواز توكيل المجتهد من قبل الامام (عليه السلام) ؟
ومجرّد صلاحيته لجعل النيابة لغيره: أعمّ من أن يكون ذلك الجعل من قبل الامام (عليه السلام) وهكذا ولاية المجتهد عن الامام لا يعني: جواز جعل ولي من قبل الامام (عليه السلام).
وما يقال: من أنّ منصب الحكم والقضاء بما هو ـ أوّلاً وبالذات ـ منصب الامام وقد فوّض في زمن الغيبة إلى المجتهدين، فكلّ تصرّف وظيفي يقوم به المجتهد إنّما يكون نيابياً، ومن تصرّفاته جعل القيّم والمتولّى ونحوهما، فمنصوبه منصوب الامام، ولازم ذلك عدم بطلان التولية بموت المجتهد مطلقاً.
ففيه: ـ مضافاً إلى أنّه خلاف التفصيل المذكور، وتأييداً للقول الاوّل ـ أنّه لا تلازم بين كون المجتهد نائباً عن الامام وبين كون جعله التولية بالنيابة عن الامام (عليه السلام) لعدم الدليل على الثاني، ومعه لا يكفي إطراداً للاحكام المترتّبة عليه.
وثانياً: ما الدليل على أنّ صلاحية نصب المجتهد القيّم والولي لازمه انعزاله بموت المجتهد، إذ هو أعمّ من الحدوث فقط، والحدوث مع البقاء، ألا ترى أنّ الجدّ أو الاب يجعل القيمومة لشخص وتبقى القيمومة مستمرّة بعد موتهما، وكذا الواقف يجعل التولية لشخص، وتبقى الولاية بعد موت الواقف ؟


فرع
لو فقد المجتهد بعض الشروط أبداً

إذا فقد مرجع التقليد صلاحية الاذن ؟ والتوكيل والنصب والتولية ونحوها، بغير الموت: من فقد شرط آخر من الشروط، كصيرورته كافراً، أو فاسقاً، أو مخالفاً، أو مجنوناً، أو كنسيان الاجتهاد مطلقاً، أو ضعف الاجتهاد عنده بحيث صار مجتهداً غير مطلق، أو صيرورته مفضولاً بعد أن كان أعلم ـ بناءً على اشتراط الاجتهاد المطلق، والاعلمية ـ فهل ذلك موجب لانعزال من أذن لهم أو وكّلهم، أو نصبهم كالموت ـ على القول به ـ أم لا ؟
الظاهر: كون فقد سائر الشرائط نظير فقد الحياة في الاستدلال، وفي الاوجه والاقوال، إذ لا دليل خاصّ في فقد الحياة حتّى يخصّص بها دون ما سواها من الشروط، وإنّما عمدة الدليل هو: أنّ هذه المناصب للمجتهد هل هي ابتدائية أم استمرارية أيضاً ؟ فالدليل واحد في المسائل كلّها، وقد ذكر الفقهاء في كتاب الوكالة أنّها تبطل بالموت والجنون والاغماء من كلّ واحد من الموكّل أو الوكيل.
وعليه: فلو جنّ الفقيه بطل إذنه، وتوكيله، ونصبه ونحوها، بناءً على القول بالبطلان مطلقاً، وهكذا لو فسق، أو صار مخالفاً، أو صار مفضولاً، وهكذا غيرها.
وبناءً على التفصيلين المذكورين، أو على القول بعدم البطلان مطلقاً يكون الكلام الكلام، والدليل الدليل، والايراد الايراد، والنقض النقض.


إذا فقد المجتهد شرطاً موقّتاً

هذا إذا فقد مرجع التقليد بعض الشروط إلى الابد، وأمّا إذا فقده موقّتاً، كما إذا عرض له النسيان على أثر مرض ثمّ زال، أو فسق ثمّ تاب، ونحو ذلك.
فقد يفصّل بين قصر المدّة كساعة وساعتين، ويوم ويومين، وبين طولها كسنة وسنتين، بعدم زوال منصوباته ونحوها في الاوّل وزوالها في الثاني، وذلك لبقاء المصداقية العرفية في الاوّل للادلّة الدالّة عليها دون الثاني.
وفي المدّة التي يشكّ فيها كشهر وشهرين مثلاً هل يستصحب، أم لا ؟
الظاهر: ابتناؤه على إحراز وحدة الموضوع عرفاً فيستصحب، أو عدم إحرازه الاعمّ من إحراز العدم فلا.
هذا ما يبدر إلى الفكر عاجلاً.
وإذا شكّ الفقيه حتّى في المدّة القصيرة كساعة وساعتين، فمقتضى الاُصول العملية المجعولة حالة الشكّ: العدم، للشكّ في الحجّية وهو موضوع عدم الحجّية، ولانّه من قبيل التمسّك بالعام في الشبهة المصداقية.
وقد نقل عن جمع من المراجع، منهم: السيّد حسين القمّي والسيّد أحمد الخونساري (قدس سرهما) أنّهما أنشئا وكالاتهما من جديد بعد الاغماء الحاصل لهما بسبب التحذير الذي كان للعملية الجراحية، فتأمّل.


(1) مجمع الرسائل: م28.
(2) القضاء والشهادات: ص66.
(3) الوسائل: الباب11 من أبواب صفات القاضي، ح9.
(4) الوسائل: الباب 11 من أبواب صفات القاضي، ح6.
(5) الجواهر: ج40، ص64.
(6) الايضاح: ج4، ص305.
(7) موسوعة الفقه: ج1، ص370.
(8) رجال النجاشي: ص102.
(9) كامل الزيارات: ص11.
(10) من لا يحضره الفقيه: ج4، ص448.
(11) جامع الرواة: ج1، ص205.
(12) جامع الرواة: ج1، ص244.
(13) جامع الرواة: ج1، ص479.
(14) جامع الرواة: ج1، ص580.
(15) جامع الرواة: ج2، ص291.
(16) جامع الرواة: ج2، ص403.
(17) موسوعة الفقه: ج1، ص368.
(18) الوسائل: الباب11 من أبواب صفات القاضي، ح9.
(19) الوسائل: الباب11 من أبواب صفات القاضي، ح1.
(20) الوسائل: الباب1 من أبواب صفات القاضي، ح5.
(21) فقد استدلّ به:
1. الحلبي أبو الصلاح في الكافي: ص424.
2. وابن إدريس في السرائر: ج3، ص539.
3. والشرائع: ج4، ص861.
4. وكشف الرموز: ج2، ص494.
5. والعلاّمة في شتّى كتبه ومنها المختلف: ج4، ص464.
6. وفخر المحقّقين في الايضاح: ج4، ص297.
7. والشهيد في الذكرى: ص3، الطبعة القديمة.
(22) الدراية: ص131.
(23) و (24) التنقيح: ج1، ص380 وص353.
(25) خلاصة الايجاز: ص49.
(26) الخلاف: ج1، ص631.
(27) كتاب الطهارة للشيخ الانصاري: ج1، ص83.
(28) كتاب الصلاة للشيخ الانصاري: ج2، ص579.
(29) عدّة الاُصول: ج1، ص154.
(30) جامع الرواة: ج1، ص349.
(31) الخلاصة: ص355.
(32) فرائد الاُصول: ج3، ص226.