المسألة (50): يجب على العامي في زمان الفحص عن المجتهد أو عن الاعلم أن يحتاط في أعماله.
هنا مقدّمات كالتالي:
الاُولى: هذا الوجوب عقلي محض وله تقريران:
1. بلحاظ الاشتغال العقلي الذي يلزم الانسان بتحصيل البراءة وجداناً أو تعبّداً.
2. لمّا كان العقل يخيّر بين الثلاثة الاجتهاد والتقليد والاحتياط، فما دام لم يمكن
الاوّلان تعيّن الثالث، نظير الزمان والمكان والخصوصيات التي انحصر أداء التكليف في
بعضها كالحجّ مع بعض الرفقة، وهكذا.
ولا يخفى: أنّ الاحتياط إنّما يجب بين أقوال من يحتمل وجود الحجّة بينها، لا بين
جميع الاقوال، ولا بين جميع الوجوه المحتملة، فلو علم أنّ الاجتهاد أو الاعلمية
منحصر في أحد اثنين وجب عليه فقط الاحتياط بين أقوالهما دون أقوال الباقين.
هذا إذا أمكن الاحتياط، وأمّا فيما كان من الدوران بين المحذورين ولم يمكن
الاحتياط، كما إذا أفتى أحدهما بوجوب صلاة الجمعة والاخر بحرمته، أو أفتى أحدهما
بوجوب الاحتياط والاخر بحرمته، تخيّر بين القولين عقلاً.
وقد يقال في زمان الفحص عن الاعلم: بجواز تقليد مجتهد مّا والعمل بفتاواه ريثما
يظهر الحال، وذلك لامرين:
أحدهما: الاجماع المنقول مكرّراً على عدم وجوب الاحتياط على العامي.
وثانيهما: أنّ وجوب تقليد الاعلم المبني على بناء العقلاء عليه إنّما هو فيما كان
الاعلم متميّزاً، وأمّا مع عدم تميّزه فلا يجب تقليد الاعلم، ولا بأس بالذهاب إليه.
لكن ذلك لا يجري في زمان الفحص عن المجتهد بل لابدّ حينئذ من الاحتياط معيّناً.
الثانية: لا خصوصية للعامي، بل كلّ من جاز له التقليد أو الاجتهاد في زمان عدم التمكّن من المنجّز والمعذّر فيهما، كالمجتهد حال بحث المسألة، أو المجتهد إن قلنا بجواز تقليده للغير ـ كما تقدّم أنّه قول جمع ـ.
الثالثة: ليس ذاك خاصّاً بالفحص عن الاجتهاد أو الاعلمية، بل يعمّ كلّ شروط مرجع التقليد من العدالة، وطهارة المولد ونحوهما.
الرابعة: هذا فيما يجب تقليد الاعلم فيه، ويختلف على المبنيين:
1. مع العلم بوجوده، كالسيّد عبدالهادي الشيرازي (قدس سره).
2. أو مطلقاً، وذلك:
أ ـ مع إحراز الخلاف في محلّ الابتلاء.
ب ـ وعدم الحرج.
ج ـ وعدم موافقة غيره للاحتياط.
الخامسة: هنا إيرادان: أوّلهما على الماتن، والاخر على بعض معلّقي المتن.
أمّا الايراد الاوّل: فهو على الماتن الذي احتاط في أصل وجوب تقليد الاعلم لماذا
لم يحتط هنا وأرسل المسألة إرسال المسلّمات ؟ إذ كان اللازم أن يقول: يجب على
العامي في زمان الفحص عن المجتهد أن يحتاط في أعماله، والاحوط ذلك أيضاً في زمان
الفحص عن الاعلم.
وأمّا الايراد الثاني: فهو على من يقيّدون وجوب تقليد الاعلم بقيد، مثل: عدم موافقة
فتوى غير الاعلم للاحتياط أو العلم بالمخالفة أو غيرهما، حيث كان اللازم عليهم
التعليق على هذه المسألة مع أنّهم غالباً تركوا ذلك.
ولعلّ ذلك من الماتن والمعلّقين لاجل علمهم بعدم خفاء مثله بعد تكرّر ذلك منهم في
مختلف المسائل.
السادسة: لا فرق في الفحص بين أن يكون للتقليد ابتداءً أو استدامة، على القول بوجوب العدول من الحي إلى الاعلم وكذا بعد موت المرجع للبقاء والعدول.
السابعة: الاحتياط هنا إضافي لا حقيقي ـ كما نبّه عليه المعظم ـ بالنسبة لمن يحتمل
أعلميّتهم، لا مطلقاً.
كمن أحدث بالاصغر في أثناء الغسل، فيجب إعادة الغسل والوضوء، دون إكمال الغسل
الاوّل إذا كان القائل به غير أعلم مسلّماً، ولعلّ مراد الماتن ذلك، لا الاحتياط
مطلقاً.
وكذا صلاة الجمعة لا تجب، إذا كان من يحتمل أعلميّتهم، ليس فيهم من يقول بوجوبها
العيني.
ثمّ إنّ المسألة ذات فرعين:
أحدهما: الاحتياط زمان الفحص عن المجتهد، ولا إشكال في لزوم الاحتياط، لكونه
المقدور من أفراد التخيير الثلاثة: الاجتهاد والتقليد والاحتياط.
ولا فرق في ذلك بين التخيير العقلي، كالزمان والمكان في الصلاة ونحوهما وما نحن
فيه، وبين الشرعي كالخصال في الكفّارة، إذ التخيير إنّما هو إلى بدل، فما لم يكن
بدل، فلا تخيير بل تعيين فعلاً بالنسبة لهذا الشخص.
ثانيهما: الاحتياط زمان الفحص عن الاعلم، لو وصلت النوبة إلى الاصل العملي: فهو عدم
حجّية غير الاعلم حتّى زمن الفحص عن الاعلم، لكن قد يقال بكفاية تقليد جامع الشرائط
ـ غير الاعلمية ـ للامرين الانفين:
1. الاجماع المنقول مكرّراً على عدم كون الاحتياط تكليفاً للعامي، قال في
المستمسك: « قيام الاجماع على عدم وجوب الاحتياط على العامي »(1).
2. أنّ عمدة دليل وجوب تقليد الاعلم، بناء العقلاء، وكما قيّدوا هذا البناء
بقيود، منها: العلم بالمخالفة في الابتلاء، كذلك مقيّد بغير وقت الفحص عن الاعلم.
وهذا بحث صغروي بالنسبة لبناء العقلاء.
ولذا قال في المستمسك: « لكن في وجوب الاحتياط على العامي في صورة الفحص عن الاعلم، تأمّل، لاحتمال عموم دعوى الاتّفاق على جواز التقليد للفرض وإن لم يحضرني عاجلاً
من ادّعاه صريحاً »(2).
وصرّح الاخ الاكبر بقوله: « لا يبعد » في حاشية العروة، وأفتى في موسوعة الفقه.
3. ولقول الماتن (قدس سره) في وجوب تقليد الاعلم: « مع الامكان » وحال الفحص
مصداق لغير الممكن، فإذا لم يجب في هذه الحال تقليد الاعلم تخيّر بين تقليد غير
الاعلم والاحتياط، فمن أين تعيّن الاحتياط ؟