المسألة (49) إذا اتّفق في أثناء الصلاة مسألة لا يعلم حكمها، يجوز له أن يبني على أحد الطرفين، بقصد أن يسأل عن الحكم بعد الصلاة أو يراجعها بنفسه وأنّه إذا كان ما أتى به على خلاف الواقع يعيد صلاته، فلو فعل ذلك أي أتمّ العمل برجاء المطابقة للواقع وكان ما فعله مطابقاً للواقع لا يجب عليه الاعادة.
في هذه المسألة مطالب كالتالي:
الاوّل: الظاهر وجوب البناء على أحد الطرفين، لا جوازه، إذ ليس له مقابل سوى
إبطال الصلاة المدّعى على حرمته الاجماع، والمحقّق عليه الشهرة القطعية.
ولعلّ مراد الماتن من الجواز: المقابل للحرمة والاعمّ من الوجوب، لا الجواز بالمعنى
الاخصّ.
ثمّ إنّ المعروف بين الاعلام عدم جواز قطع الصلاة لمثل ذلك، إذ يحتمل صحّة الصلاة
مع البناء على أحد الطرفين، واحتمالها مساوق لاحتمال حرمة قطعها، واحتمال التكليف
المنجّز في المقام منجّز.
وفصّل بعض المراجع بين ما إذا كان عدم تعلّمه لهذه المسألة قبل الصلاة عن تقصير،
أو قصور، فحكم في الاوّل بحرمة إبطال الصلاة ووجوب البناء على أحد الطرفين. وفي
الثاني بجواز قطع الصلاة.
واستدلّ للفرق: بأنّ المقصّر الملتفت قبل الصلاة تنجّز في حقّه التكليف الواقعي
باتمام الصلاة صحيحة، وحيث يحتمل تمكّنه من ذلك يجب عليه البناء على أحد الطرفين،
لاحتمال تحصيل البراءة اليقينية عن التكليف اليقيني المتوجّه إليه بالبناء على أحد
الطرفين، وفي مثله يكون احتمال التكليف المنجّز منجّزاً، إذ قطع الصلاة حرام
بالاجماع.
وأمّا القاصر فيقصر الاجماع عن شمول مثله، لكونه لبّياً، والمتيقّن منه ما إذا
كان المكلّف متمكّناً من التعلّم قبل العمل، فيكون مخيّراً بين قطع الصلاة
واستئنافها وبين البناء على أحد الطرفين.
ويورد عليه: ـ مضافاً إلى استدلال جمع لحرمة قطع الصلاة بعموم قوله تعالى: (وَلاَ
تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ)(1)وغيره من الادلّة اللفظية ـ أنّ عموم أو اطلاق
معقد الاجماع يكفي للشمول، كما هو بناء الفقهاء في مختلف أبواب الفقه.
مع أنّ كون المقصّر متيقّناً دون القاصر، فيه تأمّل، إذ استخراج المتيقّن يجب أن
يكون إمّا بالانصراف، أو أغلبية الوجود، أو كونه أظهر الافراد ونحو ذلك، وما نحن
فيه الفردان مساوقان في ذلك عند العرف.
الثاني: إذا بنى على أحد الطرفين، ثمّ راجع المسألة، أو سأل عنها مقلَّده،
فتبيّن بطلان مثل هذه الصلاة، فهل تجب عليه الاعادة مطلقاً، أم إذا كان مخلاًّ بركن
؟ وجهان بل قولان:
من أنّ مقتضى إطلاق حديث « لا تعاد » عدم وجوب إعادة الصلاة لشيء من الزيادات
والنقائص مطلقاً، خرج عنه ما خرج بدليل خاصّ، كالعمد، وبقي الباقي تحت الاطلاق،
خصوصاً في القاصر الذي لم تصدر عنه هذه الزيادة أو النقيصة لترك واجب أو فعل حرام.
ومن أنّ مورد حديث « لا تعاد » ـ كما قيل: ـ ما إذا كان العمل صحيحاً عند الفاعل
بالتقليد أو الاجتهاد بحيث لو لم ينكشف له الخلاف لم تجب إعادته، وليس الامر كذلك
في المقام، لانّ المكلّف تجب عليه الاعادة، انكشف له الخلاف أم لم ينكشف، لقاعدة
الاشتغال القاضية بوجوب الاعادة والاتيان بالمأمور به من الابتداء، لمكان الشكّ في
صحّة ما أتى به من الصلاة.
وقد يفصّل بالتزام وجوب الاعادة مطلقاً في المقصّر، لكونه أشبه شيء بالعمد إذ ما
بالاختيار لا ينافي الاختيار، والمخالفة منه وإن لم تكن عمدية حال المخالفة إلاّ
أنّ تقصيره في تعلّم الحكم سبّب له هذه المخالفة، فكأنّها مخالفة عمدية، دون القاصر
لشمول « لا تعاد » له.
الثالث: ما ذكر من البناء على أحد الطرفين هو فيما لم يمكن الاحتياط في المقام، أو
لم يلتفت المكلّف إلى إمكانه ـ وفاقاً لجمع من الفقهاء ـ إذ مع إمكان الاحتياط كما
إذا شكّ في وجوب جلسة الاستراحة يجب عليه الاحتياط تحصيلاً للبراءة اليقينية.
نعم، إذا لم يحتط، ثمّ تبيّن عدم لزوم الاحتياط كان عمله صحيحاً مع صدور قصد
القربة منه، وكان هذا نوعاً من أنواع التجرّي كما عدّها الشيخ الانصاري (قدس سره)
في الرسائل: من أنّه يتحقّق بالشكّ في وجوب شيء وتركه، أو الشكّ في حرمة شيء
وارتكابه.
لكن إذا ظهر بعد ذلك لزوم الاحتياط لم يكن عمله صحيحاً وكان آثماً.
أمّا الاثم: فلتركه الواجب من دون مؤمّن أو معذّر، ولا يصلح « رفع ما لا يعلمون »
معذّراً له، لما حقّق في الاُصول: من عدم جريانه في الاحكام إلاّ بعد الفحص واليأس.
وأمّا البطلان: فلمخالفة المأتي به للمأمور به، ولا يدخل في عموم « لا تعاد »
لخروج العمد عنه، وهذا كالعمد مناطاً بل من أفراده عرفاً، بل ولغةً أيضاً ـ كما
قاله بعضهم ـ.
الرابع: حال البناء على أحد الطرفين هل يجب قصد السؤال عن المسألة بعد تمام الصلاة، أم لا يجب، أم يصحّ ولو قصد عدم السؤال، أو عدم الاعادة إذا ظهر الخلاف، كما ربما يتّفق للذين لا يبالون بالدين ؟ وجوه وأقوال ذهب إلى كلّ واحد منها بعض:
إنّ ظاهر المتن، وصريح بعض الشرّاح هو: وجوب قصد السؤال بعد تمام الصلاة، خروجاً
عن التشريع المحرّم، إذ هذه الصلاة مع عدم البناء على السؤال لا يعلم كونها مطلوبة
للشارع، ولا يمكن قصد الرجاء به، والعبادة بدون العلم بالمطلوبية وبدون قصد الرجاء
تشريع محرّم.
وربما يزاد ذلك: بطلان الصلاة بعدم قصد السؤال حتّى إذا ظهرت بعد ذلك تامّة
الاجزاء والشرائط، لكونه نوعاً من التشريع وعدم صحّة التشريع وإن طابق الواقع.
وصريح آخرين من الشرّاح وغيرهم هو: عدم لزوم قصد السؤال بعد الصلاة حتّى إذا طابقت
فهي وإلاّ أتى بها ثانياً صحيحة، إذ الميزان في الصحّة إتمام الصلاة بالبناء على
أحد الطرفين برجاء كونه مطلوباً لله تعالى، وهذا وحده كاف في صدق الامتثال معه لو
طابق الواقع، وفي خروجه عن التشريع، إذ احتمال المطابقة للواقع يخرجه عن التشريع، وقصد السؤال بعد الصلاة أمر خارج عن أصل الصلاة وإن كان هو مقتضى التديّن، لكنّه
لا دخل له في هذه الصلاة، فإن طابق المأتي به المأمور به صحّ وإن لم يقصد السؤال.
بل صرّح بعضهم بصحّة الصلاة حينئذ وإن قصد عدم السؤال، أو قصد عدم الاتيان بها
ثانياً لو ظهرت هذه الصلاة غير صحيحة. لما ذكر من عدم دخل ذلك في صحّة هذه الصلاة
لو طابقت المأمور به.
وقد مرّ ما ينفع المقام عند شرح المسألة السادسة عشرة فراجع.
الخامس: لا يختصّ هذا الحكم بالصلاة فقط، بل يجيء في سائر العبادات، وكذا
المعاملات، بل وسائر الاحكام، فلو كان في السفر في مكان لا يعلم هل يجب عليه نيّة
الصوم، أو يجب عليه عدم نيّة الصوم ؟ فإنّه يبني على أحد الطرفين.
وكذا لو اتّفقت له في الحجّ مسألة دار أمرها بين محذورين بنى على أحدهما.
وهكذا في سائر الاحكام من المعاملات وغيرها.
مع فرق بينهما وبين العبادات في النيّة، وبين المعاملات وغيرها في قصد الانشاء،
والامر لا يخفى على أهل الفضل.
وقد تقدّم بعض ما ينفع المقام أيضاً في المسائل: السابعة والسادسة عشرة والسابعة
والعشرين والثامنة والعشرين، وسيأتي ـ إن شاء الله تعالى ـ في كتاب الصلاة في
المسألة الثامنة عشرة من (فصل في الشكوك التي لا اعتبار بها) وغيرها.