المسألة (48): إذا نقل شخص فتوى المجتهد خطأً يجب عليه إعلام من تعلّم منه، وكذا إذا أخطأ المجتهد في بيان فتواه يجب عليه الاعلام.


لو أخطأ الناقل المسألة

المسألة (48): إذا نقل شخص فتوى المجتهد خطاءً يجب عليه إعلام من تعلّم منه، وكذا إذا أخطأ المجتهد في بيان فتواه يجب عليه الاعلام.


أُمور خمسة

والبحث في هذه المسألة عن أُمور:
الامر الاوّل: هل وجوب الاعلام عام بالنسبة إلى الخطأ في جميع الاحكام، أم يخصّ الاحكام الالزامية ؟
الامر الثاني: هل يختصّ وجوب الاعلام بالمفتي والناقل فقط، أم يعمّ غيرهما أيضاً ؟
الامر الثالث: هل وجوب الاعلام يعمّ ما إذا وافق الكلام المنقول حجّة شرعية، من فتوى فقيه يخيّر المقلّد بينه وبين مرجع تقليده، ومن موافقة المنقول لفتوى الناقل نفسه وغير ذلك، أم يخصّ وجوب الاعلام بما إذا لم يوافق المنقول مع حجّة شرعية ؟
الامر الرابع: هل يخصّ ذلك ما إذا علم أنّ السامع أو غيره يعمل بهذه الفتوى استناداً إلى قوله أو أعمّ من ذلك ؟
الامر الخامس: هل يقيّد وجوب الاعلام بعدم الضرر والحرج ؟ وهل يفرّق بين القاصر في الخطأ والمقصّر، أم لا ؟


الامر الاوّل: هل يعمّ اعلام الخطأ جميع الاحكام ؟

أمّا الامر الاوّل: وهو هل وجوب إعلام الخطأ عام لجميع الاحكام، أو خاصّ بالالزامية منها ؟ فمقتضى إطلاق العروة وسكوت المعظم هو العموم، لكنّه مع ذلك في حاشية بعض مراجع العصر اختصاص وجوب الاعلام بما إذا كان الخطأ في تغيير حكم إلزامي، كما لو نقل الوجوب حراماً أو بالعكس، أو نقلهما إباحة، أو استحباباً، أو مكروهاً، دون ما إذا بدّل الاباحة والاستحباب والكراهة بعضها ببعض، أو بدلها وجوباً، أو حراماً.


الاستدلال للتفصيل في الاعلام

وربما يستدلّ له: بأنّ ما يفعله السامع ليس حراماً، وحصول العلم له بخلاف الواقع لا دليل على حرمة مثله حتّى يحرم التسبيب إليه، بل المعروف بين الاعلام عدم وجوب الالتزام القلبي بل ولا العلم بكلّ واحد واحد من الاحكام، إذ الظاهر أنّ أخذ العلم بالاحكام، والالتزام بها طريقيّ محض. وأدلّة التسبيب خاصّة بما أوجب فعل حرام أو ترك واجب.
وفيه: إن تمّ دليل العموم للحرمة فهو وإلاّ فالحقّ مع الاصل العملي إن وصلت النوبة إليه.
فإذا أخطأ الناقل أو المجتهد نفسه ـ مثلاً ـ فأفتى بوجوب صلاة الليل، أو حرمة شرب التتن، أو كراهة الصلاة في المسجد، أو إباحة الاكتحال للصائم، أو استحباب شمّ الرياحين للصائم، أو نحو ذلك ممّا لا يلزم منه مخالفة عملية لحكم الزامي لا يجب عليه الاعلام بالخطأ الحاصل.
وذهب جمع آخر ـ ومنهم الاخ الاكبر ـ إلى وجوب الاعلام في تبديل أي حكم بأي حكم آخر مطلقاً، سواء كان من الاحكام التكليفية، أم الوضعية.


الاستدلال لوجوب الاعلام مطلقاً

استدلّ لوجوب الاعلام مطلقاً من وجوه:


أوّل الوجوه

الاوّل من وجوه وجوب الاعلام مطلقاً: حكم بغير ما أنزل الله ظاهراً، وكونه معذوراً حال الحكم، لا يستلزم معذوريته بعد التفاته، فالحكم بغير ما أنزل الله مبغوض حدوثاً وبقاءً.
ففي صحيحة عبدالرحيم القصير عن الامام الصادق (عليه السلام): « لا يخرجه (أي: المسلم) إلى الكفر إلاّ الجحود والاستحلال، أن يقول للحلال: هذا حرام، وللحرام: هذا حلال... »(1).
وفي رواية جارود قال: قال لي أبو عبدالله (عليه السلام): ياجارود ينصحون فلا يقبلون... قلت لهم: مسوا بالمغرب قليلاً، فتركوها حتّى اشتبكت النجوم... »(2).
مع أنّ تأخير المغرب إلى اشتباك النجوم في نفسه حلال.
أترى من أخطأ ونقل عن المفتي وجوب تأخير المغرب إلى أن تشتبك النجوم ثمّ علم بخطأه لا بأس به ولا يجب التنبيه ؟ كلاّ.


ملاحظتان
أُولى الملاحظتين

الاُولى: قد يكون المتعدّد سبباً وسبباً للسبب، وهكذا، كما إذا كانت الرسالة خطاءً فنقل الناقل المسألة خطأً، فالسبب نفس المجتهد والناقل، والناقل عن الناقل أيضاً، وهكذا وذلك:
أوّلاً: لصدق التسبيب على الجميع.
وثانياً: لكونه حكماً بغير ما أنزل الله.


ثاني الملاحظتين

الثانية: كما يجب للتسبيب، والحكم بغير ما أنزل الله تعالى الاخبار بالخطأ، كذلك يجب إخبار من له نفس التأثير كالوصي والوارث ونحوهما في الديون والصلاة والصوم والحجّ ونحوها.
قال في العروة: « يجوز له تمليك ماله بتمامه لغير الوارث، لكن لا يجوز له تفويت شيء منه على الوارث بالاقرار كذباً، لانّ المال بعد موته يكون للوارث فإذا أقرّ به لغيره كذباً فوّت عليه ماله، نعم إذا كان له مال مدفون في مكان لا يعلمه الوارث يحتمل عدم وجوب إعلامه، لكنّه أيضاً مشكل، وكذا إذا كان له دَين على شخص، والاحوط الاعلام، وإذا عُدّ عدم الاعلام تفويتاً فواجب يقيناً »(3).
ولم يعلّق المعظم عليه، إلاّ الحجّة الكوهكمري بقوله: « لكنّه بعيد ».


ثاني الوجوه

الثاني من وجوه وجوب الاعلام مطلقاً: أنّه إضلال، لعدم اختصاصه بالخطأ في الحكم الالزامي، فكما لا يجوز مع العلم والعمد الفتوى بحرمة أو وجوب صلاة الليل، كذلك يجب عليه الاعلام إذا أفتى أو نقل خطأً ذلك، وكما إنّ الابتداء إضلال، كذلك الاستمرار، غايته معذوريته ما لم ينكشف الخطأ، فإذا إنكشف وجب رفعه، لرفع علّة العذر.


ثالث الوجوه

الثالث من وجوه وجوب الاعلام مطلقاً: ملاك الحديث المعروف(4) في تقسيم القضاة إلى أربعة، وفي الجنّة منهم واحد فقط وهو الذي قضى بالحقّ وهو يعلمه حقّاً، وغيره في النار، ومن الغير ما نحن فيه لانّه أفتى بالباطل ـ إذ تبديل أي حكم بآخر باطل، لزوميين كانا، أو غير لزوميين، أو مختلفين ـ.
ومعذوريته ما دام الغفلة لا تستصحب مع تغيّر الموضوع.
وصدق: « قضى بالباطل » عليه من الاوّل، لكنّه لا عذر له بعد الالتفات.
ووروده في القضاء لا يخصّصه به دون الفتوى: لوحدة الملاك والمناط ـ كما تقدّم في شرح المسألة الاُولى تفصيل ذلك ـ ولكون القضاء طريقياً إلى حكم الله، فكذا الفتوى أو نقلها.
والحديث معتبر من جهات:
1. معتمد عليه فتوىً قديماً وحديثاً فهو مجبور سنداً.
2. مشهور رواية بألفاظ « الباطل » و « القضاء » و « الجور » فهو مصداق « خذ بما اشتهر بين أصحابك ».
فالحديث المشهور رواية، حجّة أقوى فكيف لا يكون حجّة مستقلّة.
3. مرسل ابن أبي عمير الذي مجمع إجماعات ثلاثة على اعتباره: 1. إجماع أصحاب الاجماع 2. إجماع الثلاثة هو والبزنطي وصفوان بن يحيى 3. إجماع الشيخ في خصوص ابن أبي عمير.


رابع الوجوه

الرابع من وجوه وجوب الاعلام مطلقاً: الاحاديث الواردة في ضمان المفتي لما يفتيه، كصحيحة عبدالرحمن بن الحجّاج في قصّة ربيعة الرأي، وقول الامام الصادق (عليه السلام): « وكلّ مفت ضامن »(5) وغير ذلك، خرج عنه مدّة الغفلة والخطأ والاشتباه، لارتفاع الحكم معها، وبقي ما بعد الغفلة مشمولاً للضمان.


خامس الوجوه

الخامس من وجوه وجوب الاعلام مطلقاً: أنّه تسبيب إلى تغيير حكم الله تعالى، إذ المتعارف فيمن يتعلّم الاحكام أن يعلمها للناس، ولا أقلّ من أنّه ينقله إلى شخص واحد، وكما أنّ التسبيب الابتدائي حرام، فكذلك التسبيب الاستمراري، لوحدة الملاك فيهما.


سادس الوجوه

السادس من وجوه وجوب الاعلام مطلقاً: أدلّة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر الشاملة لما نحن فيه إن لم يكن من أظهر مصاديقها.


سابع الوجوه

السابع من وجوه وجوب الاعلام مطلقاً: ما دلّ على وجوب تبليغ الاحكام مثل آية النفر(6) وآية الكتمان(7)وغيرهما من الايات الدالّة بالالتزام على لزوم رفع الاشتباه المنقول في الحكم، سواء كان المشتبه مفتياً، أم مقلّداً ناقلاً، وقد تقدّم في شرح المسألة الاُولى بحث هذه الايات فلا نعيد.
إلى غير ذلك ممّا ذكروه في المقام، وهي وإن صارت محلّ النقض والابرام بالنسبة إلى كلّ واحد واحد منها، ومن جهة طردها، أو عكسها، أو كليهما، إلاّ أنّ القول بأنّ المستفاد من جميعها لزوم التنبيه في المقام ليس بعيداً، فالاحتياط لا يترك في مختلف الاحكام مطلقاً إن لم يستلزم محذور آخر، من حرج، أو ضرر، أو نحو ذلك.


تفصيل بعض المراجع

ويستفاد من كلام بعض المراجع التفصيل بين علم المخطئ بعدم ترتّب أثر هذا النقل، من عمل السامع به، أو نقله إلى غيره، أو نحوهما، كما إذا أفتى أو نقل الفتوى خطأً لزيد ثمّ سقط زيد عن القدرة على العمل بتلك المسألة وعن نقلها فلا يجب حينئذ الاعلام، وبين غير هذه الصورة فيجب الاعلام.
وربما يقرّر التفصيل بين عدم العلم بترتّب الاثر فلا يجب الاعلام، وبين العلم بترتّب الاثر فيجب الاعلام.
والاستدلال له: ربما يكون بطريقية التعلّم للعمل، فإذا لم يكن مقدّمة للعمل فلا يجب، ولا يحرم، أمّا إذا تسبّب العمل بغير الواقع هناك يجب التنبيه.


تفصيل المحقّق الاردبيلي

وعن الاردبيلي (قدس سره) التفصيل بين إنكشاف الخطأ انكشافاً قطعياً فيجب الاعلام، وبين انكشاف الخطأ اجتهادياً فلا يجب الاعلام.
والوجه فيه: أنّ أدلّة تعليم الجاهل، وحرمة التسبيب في الوقوع في الحرام، والامر بالمعروف والنهي عن المنكر ونحوها، إنّما تختصّ بما إذا أحرز الموضوع، وهو لا يكون محرزاً إلاّ مع العلم والقطع، وأمّا مع الاجتهاد القابل نفسه للخطأ فلا.
ويورد عليه: بأنّ الاجتهاد واقع تنزيلي، ويجب المعاملة معه معاملة الواقع، إلاّ فيما خرج بدليل خاصّ، فكما يجب الاعلام إذا انكشف الخطأ إنكشافاً قطعياً، كذلك يجب الاعلام في إنكشاف الخطأ إنكشافاً اجتهادياً.
نعم، هذا التفصيل له وجه في مسألة تبدّل الاجتهاد، لانّه مسبوق بالاجتهاد المنجّز والمعذّر، أمّا فيما نحن فيه المسبوق بالخطأ المحض، الذي لا معذّرية له إلاّ ما دام الخطأ والجهل باقياً، ففيه إشكال.


الامر الثاني: هل الاعلام يخصّ شخص المخطي ؟

وأمّا الامر الثاني: وهو هل وجوب الاعلام يختصّ بشخص المخطي من الناقل أو المفتي أم يعمّ غيرهما ؟ فصريح بعض: هو الثاني لشمول الادلّة لغيرهما أيضاً، وذلك لانّ إعلام الجاهل واجب على الجميع، وأدلّة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر عامّة.
نعم، قاعدة التسبيب، وحديث القضاة أربعة ونحوهما، تختصّ بالمفتي والناقل فقط، ولكن في غيرها الكفاية أيضاً. فلو أفتى زيد خطأ لمقلّده بأنّ جلسة الاستراحة غير واجبة، وأنت تعلم بأنّ فتواه الوجوب لزم إرشاد المقلّد إلى فتوى مجتهده.
وربما يفصّل بين ما إذا كان الخطأ قطعيّاً فيجب الاعلام، كما إذا نقل أنّ صلاة الصبح ثلاث ركعات، وبين ما إذا كان اجتهادياً فلا، كما لو نقل عدم وجوب جلسة الاستراحة مع وجوبها عنده.
ووجهه: أنّ الادلّة شاملة بالنسبة للاوّل، وأمّا بالنسبة إلى الثاني فلا، إذ مع عدم القطع بمخالفة المنقول للواقع يشكّ في صدق موضوع « الجاهل » عليه حتّى يجب إرشاده، وكذا صدق « الحكم » عليه حتّى يجب تبليغه ونحوهما.
إلاّ أنّ تنزيل الاجتهاد منزلة الواقع شرعاً يوجب ثبوت أحكام الواقع له إلاّ ما خرج بدليل قطعي.


الامر الثالث: هل الاعلام يعمّ الموافق لحجّة أُخرى ؟

وأمّا الامر الثالث: وهو هل وجوب الاعلام يعمّ ما إذا وافق المنقول خطأً حجّة شرعية أُخرى كفتوى فقيه آخر يكون المقلّد مخيّراً بينه وبين مجتهده الذي يقلّده، أم يختصّ بغير ذلك ؟ فمقتضى القاعدة: هو الثاني، لعدم شمول الادلّة المذكورة لما وافق المنقول خطأً فتوى فقيه تكون حجّة، وكونه مخطئاً في النقل لا يوجب مطلقاً لزوم الاعلام، إذ أدلّة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإرشاد الجاهل، وتبليغ الاحكام، وقاعدة التسبيب وغيرها، لا تشمل هذه الصورة.
وأحرى بالاشكال ما إذا وافق المنقول خطأً فتوى الناقل، وأولى منهما ما إذا كان نقل الناقل موافقاً للاحتياط، كما إذا كان نقل الناقل: نجاسة العصير الزبيبي، ورأي المجتهد المنقول فتواه: طهارته، فنقل لمقلّده نجاسة العصير ثمّ تبيّن له أنّه خطأ، فإنّه إذ وافق المنقول الاحتياط فلا كلام.
وقد يستشكل فيه أيضاً بلزوم إحراز أنّ هذا احتياط مطلقاً كما إذا كانت هذه الفتوى تسبّب له ترك العصير الزبيبي فقط، أمّا إذا احتمل معارضته باحتياط آخر وهو ـ مثلاً ـ إتلاف أطنان من العصير ففيه إشكال، فتأمّل.


الامر الرابع: هل الاعلام يخصّ العالم بعمل السامع ؟

وأمّا الامر الرابع: وهو أنّه على القول بوجوب الاعلام مطلقاً أو في بعض الموارد، هل يخصّ الوجوب ما إذا علم أنّ السامع أو غيره سيعملون بما نقله أو أفتى به استناداً إليه، أم أعمّ، كما إذا كان المنقول إليه محتاطاً، فيحتمل أن لا يكتفي ولا يعتمد على قوله فحسب بل يحتاط ويراجع الرسالة العملية، أو يسأل آخرين عن ذلك ؟
فإنّه لا يبعد التعميم، إذ احتمال الاعتماد والاستناد إليه منجّز عليه عقلاً، لانّه إن عمل مستنداً إلى قوله كان منه تسبيباً فيجب عليه رفع الخطأ بالاعلام، وهذا الوجوب عقلي محض ولا يستلزم منه وجوب شرعي، لانّه في سلسلة المعاليل للاحكام الشرعية.
إلاّ أن يقال: بتعميم الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع، ففي سلسلة العلل بالعلّية، وفي سلسلة المعاليل بالكشف حتّى لا يلزم محذور الدور، فتأمّل.


الامر الخامس: هل الاعلام خاضع للعناوين الثانوية ؟

وأمّا الامر الخامس: وهو هل أنّ وجوب الاعلام ـ في موارده ـ حكمه حكم بقية الواجبات من كونه خاضعاً للعناوين الثانوية من ضرر وجرح وغيرهما، وهل يفرّق بين القاصر في الخطأ والمقصّر، أم لا ؟
فالظاهر: أنّه خاضع لها لحكومة العناوين الثانوية عليه، وذلك كما إذا استلزم الاعلام ضرراً مالياً، أو حرجاً نفسياً، وكذا يفرّق بين الذي أخطأ في النقل قصوراً، أو أخطأ تقصيراً.
قال في مجمع الرسائل ما ترجمته: « إذا نقل شخص قول المجتهد لاخر، ثمّ ظهر من جهة المجتهد نفسه خلافه، لا يجب عليه الاعلام، ولكن إذا أخطأ فهم المسألة ونقلها خطأً، فإن أمكن الاعلام وجب، وإن لم يمكن فلا إشكال فيه »(8).
نعم، ينبغي تقييد ذلك بكون الخطأ قصوراً لا تقصيراً، وإلاّ فالاصل العقلي عدم ارتفاع استحقاق العقوبة بالتقصير، إلاّ إذا دلّ دليل خاصّ، والادلّة الخاصّة ـ كما في القصر والتمام، والجهر والاخفات ـ ناظرة إلى الحكم الوضعي وهو عدم الاعادة، كما لا يخفى.


تأييد وتأكيد

ويؤيّده: ما في إضلال الناس من أنّه لا يغفر له حتّى يعيدهم ويهديهم، كما في صحيحة هشام بن الحكم، وأبي بصير عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: « كان رجل في الزمن الاوّل طلب الدنيا من حلال فلم يقدر عليها، وطلبها من حرام فلم يقدر عليها، فأتاه الشيطان فقال له: ألا أدلّك على شيء تكثر به دنياك وتكثر به تبعك ؟ فقال: بلى، قال: تبتدع ديناً وتدعو الناس إليه، ففعل فاستجاب له الناس وأطاعوه، فأصاب من الدنيا، ثمّ إنّه فكّر، فقال: ما صنعت ابتدعت ديناً ودعوت الناس إليه، ما أرى لي من توبة إلاّ أن آتي من دعوته إليه فأردّه عنه، فجعل يأتي أصحابه الذين أجابوه، فيقول: إنّ الذي دعوتكم إليه باطل، وإنّما ابتدعته، فجعلوا يقولون: كذبت هو الحقّ، ولكنّك شككت في دينك، فرجعت عنه، فلمّا رأى ذلك عمد إلى سلسلة فوتد لها وتداً ثمّ جعلها في عنقه، قال: لا أحلّها حتّى يتوب الله عزّوجلّ عليّ، فأوحى الله عزّوجلّ إلى نبي من الانبياء: قل لفلان: وعزّتي لو دعوتني حتّى تتقطّع أوصالك ما استجبت لك، حتّى تردّ من مات على ما دعوته إليه فيرجع عنه »(9).
بضميمة: أنّ كلّ حرام بمنزلة البدعة، والمقصّر كالعامد وغيرهما.


(1) الكافي: ج2، ص27، كتاب الايمان والكفر، باب إنّ الاسلام قبل الايمان، ح1.
(2) الوسائل: الباب16 من أبواب المواقيت، ح15.
(3) العروة الوثقى: أحكام الاموات، م3.
(4) الوسائل: الباب12 من أبواب صفات القاضي، ح59.
(5) الوسائل: الباب7 من أبواب آداب القاضي، ح2.
(6) التوبة: 122.
(7) البقرة: 159.
(8) مجمع الرسائل: ص43.
(9) الوسائل: الباب79 من أبواب جهاد النفس، ح1.