المسألة (45): إذا مضت مدّة من بلوغه وشكّ بعد ذلك في أنّ أعماله كانت عن تقليد صحيح أم لا، يجوز له البناء على الصحّة في أعماله السابقة... .


لو شكّ في الصحّة بعد مدّة من بلوغه

المسألة (45): إذا مضت مدّة من بلوغه وأتى بأعمال العبادات والمعاملات وغيرهما في تلك المدّة وشكّ بعد ذلك في أنّ أعماله كانت عن تقليد صحيح أم لا، يجوز له البناء على الصحّة في أعماله السابقة.
قال بعض الشرّاح: الفرق بين هذه المسألة وبين المسألة الواحدة والاربعين ـ والتي كان نصّها: « إذا علم أنّ أعماله السابقة كانت مع التقليد، لكن لا يعلم أنّها كانت عن تقليد صحيح أم لا، بنى على الصحّة » ـ هو: أنّ المفروض هنا الشكّ في نفس وجود التقليد الصحيح، وهناك في صحّته مع فرض العلم بوجوده.
ففيه أوّلاً: أنّه خلاف ظاهر العبارتين.
وثانياً: لا فرق عندنا بينهما لعموم موثّقة محمّد بن مسلم عن أبي
... وفي اللاحقة يجب عليه التصحيح فعلاً.
جعفر (عليهما السلام): « كلّما شككت فيه ممّا قد مضى فامضه كما هو »(1).


وجه الصحّة وملاكها

والوجه في الصحّة هو قاعدة الفراغ وأصل الصحّة.
وعن البعض قياس أصل الصحّة في المقام بأصل الصحّة الجاري في الوضوء المترتّب عليه صحّة الصلاة، إلاّ أنّ البحث هو في صحّة الاعمال السابقة هل هي من آثار صحّة التقليد أو التقليد الصحيح ؟ أم من آثار مطابقة الواقع أو الحجّة الظاهرة ؟
وأبرم ونقض البعض في ذلك، إلاّ أنّ الذي يبدو للنظر هو أنّ صحّة الاعمال السابقة إنّما هي مترتّبة على المطابقة للواقع أو للحجّة الظاهرة، والتقليد الصحيح أو صحّة التقليد من مصاديق الحجّة الظاهرة، كما أنّ الحجّة الظاهرة نفسها إنّما صارت حجّة لكشفها عن الواقع ـ تعبّداً ـ بالمعذّرية والمنجّزية لا الكشف الحقيقي.
ثمّ إنّ البحث عن وجوب التروّي قبل ترتيب أحكام الشكّ وعدمه هو ما مضى مختصراً في شرح المسألة التاسعة والثلاثين، وقد ذكرناه مفصلاً في تنبيهات الاستصحاب من الاُصول.


وجوب تصحيح الاعمال اللاحقة

وفي اللاحقة من أعماله يجب عليه التصحيح فعلاً لانّه مكلّف في الحال بالعمل الصحيح، فيجب عليه إحراز الصحّة بالتقليد، أو الاجتهاد، أو الاحتياط، لعدم وجود دليل أو قاعدة أو أصل تقضي بصحّة ما يأتي من أعماله.


مناقشة وجوب التصحيح

وما ربما يتوهّم: من أنّ صحّة الاعمال السابقة تلازم صحّة الاعمال اللاحقة لوحدة التكليف، والمكلَّف، والمكلّف به، فالتفكيك بالحكم بصحّة الاعمال السابقة، وبطلان اللاحقة إذا أتى بها كالسابقة، ليس صحيحاً، لانّه تفكيك بين المتلازمين.
وقد يمثّل لذلك: بما إذا كان في السنين السابقة يصلّي الجمعة فقط دون الظهر، فإن قلنا بوجوب عدم الاعتداد بصلاة الجمعة في اللاحق من سنيّ حياته، كان ذلك منافياً للحكم بالاعتداد بصلاة الجمعة التي أدّاها في الماضي من سنيّ عمره، ففيه ما يلي:


الاشكال في المناقشة
الاشكال الاوّل

أوّلاً نقضاً: بأنّ لمثل هذا التفكيك نظائر كثيرة في الفقه:
كالتفكيك بين الطهارة الحدثية والخبثية فيمن توضّأبطرف العلم الاجمالي في النجاسة ـ على المشهور ـ حيث حكموا بطهارة يده، واستصحاب حدثه.
وكالتفكيك فيمن قلّد برهة مجتهداً كان يحرّم الجمعة، ثمّ قلّد من يوجّب الجمعة، وكالتفكيك بين صلاتي الظهر والعصر فيما إذا حدثت فعلية الشكّ واليقين الاستصحابي بالنسبة للحدث والطهارة عنده بين الصلاتين، بصحّة الاُولى وبطلان الثانية، أو العكس على اختلاف الموارد، والحالة السابقة.
إلى غير ذلك ممّا مليء به الفقه في أبواب مختلفة.


الاشكال الثاني

وثانياً حلاً: بأنّ الفارق بين الاعمال السابقة واللاحقة هو: أصل الصحّة الجاري في الاعمال السابقة دون اللاحقة، وقاعدة الفراغ، وقاعدة لا تعاد في الصلاة خاصّة، وقاعدة التجاوز في الصلاة أيضاً، ونحو ذلك.


الاشكال الثالث

وثالثاً: بالفرق بين الاعمال السابقة واللاحقة في المقام:
إذ صحّة الاعمال اللاحقة بملاحظة جريان القاعدة في الاعمال السابقة من باب التلازم بين صحّة السابقة وصحّة اللاحقة إنّما هو إثبات للاثار بواسطة الملازمة العقلية، وإثبات الاثار بواسطة اللوازم العقلية مثبت غير صحيح كما عليه المشهور من الاُصوليين، بل كاد أن يكون إجماعاً في الازمنة الاخيرة، بل ربما عدّه البعض من ضروريات الاُصول، بل الفقه أيضاً، وإن كان في استدلالات السابقين كالسيّد والشيخ والعلاّمة (قدس سرهم)وغيرهم تمسّك بالاصل المثبت في غير واحد من مسائل الفقه في الابواب المتفرّقة.
وهكذا إجراء أصل الصحّة في التقليد، واعتباره تقليداً صحيحاً وترتّب صحّة الاعمال السابقة عليه، لا يوجب صحّة الاعمال اللاحقة، لانّه لا يكون إلاّ بواسطة حكم العقل ببقاء ما كان على ما كان، فيكون صحّة الاعمال اللاحقة رهينة حكم العقل بالبقاء، وحيث هو من اللوازم العقلية فلا تثبت الاثار بواسطتها.
هذا، وفي المقام فروع تعرّض لها بعض الشرّاح، أضربنا عنها لبنائها على الاختلاف المبنوي في أصل الصحّة ومقدار دلالتها ممّا استفيض البحث عنه في الاُصول، فليطلب هناك.


(1) الوسائل: الباب23 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، ح3.