المسألة (44): يجب في المفتي والقاضي العدالة.
أمّا المفتي: فقد سبق البحث عنه.
وأمّا القاضي: فللاجماع المدّعى مكرّراً من غير نكير أو خلاف من أحد.
وللروايات المستفيضة:
كصحيح سليمان بن خالد الانف في المسألة السابقة: « فإنّ الحكومة إنّما هي للامام،
العالم بالقضاء، العادل في المسلمين »(1).
وخبر أبي بصير قال: « قلت لابي عبدالله (عليه السلام) قول الله عزّوجلّ في كتابه:
(وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا
إِلَى الْحُكَّامِ) فقال: ياأبا بصير إنّ الله عزّوجلّ قد علم أنّ في الاُمّة
حكّاماً يجورون، أما إنّه لم يعن حكّام أهل العدل
... وتثبت العدالة بشهادة عدلين، وبالمعاشرة المفيدة للعلم بالملكة، أو
الاطمئنان بها، وبالشياع المفيد للعلم.
ولكنّه عنى حكّام أهل الجور، ياأبا محمّد ! أنّه لو كان لك على رجل حقّ فدعوته إلى
حكّام أهل العدل فأبى عليك إلاّ أن يرافعك إلى حكّام أهل الجور ليقضوا له، لكان
ممّن حاكم إلى الطاغوت وهو قول الله عزّوجلّ: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ
يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ
يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ)(2).
وصحيح أبي خديجة: « إيّاكم إذا وقعت بينكم خصومة أو تداري في شيء من الاخذ والعطاء
أن تحاكموا إلى أحد من هؤلاء الفسّاق »(3).
إلى غير ذلك من الروايات.
ولكون غير العادل ظالماً لنفسه، والتحاكم إليه نوع من الركون المنهي عنه في صريح
القرآن.
ولغير ذلك ممّا يبحث عنه في كتاب القضاء والخدشة في دلالتها واحدة واحدة لا تقدح
بعد كون الحكم متّفقاً عليه ظاهراً.
وتثبت العدالة في القاضي والمفتي وفي غيرهما بالاُمور التي ذكرناها مفصّلاً في المسألة الثالثة والعشرين، والتي منها بشهادة عدلين، وبالمعاشرة المفيدة للعلم بالملكة، أو الاطمئنان بها، وبالشياع المفيد للعلم وبحسن الظاهر، وبغير ذلك ممّا مرّ تفاصيلها هناك، فلا نعيد شيئاً منها سوى بحث الاطمئنان بإذن الله تعالى.
هنا في بحث الاطمئنان مطلبان ينبغي الاشارة إليهما.
الاوّل: ما الاطمئنان، وما الدليل على حجّيته ؟
الاطمئنان هو سكون النفس إلى أمر، فإمّا هو أدنى مراتب العلم، أو تال للعلم، وفوق
أقوى أنواع الظنّ القوي.
فإن أُريد به العلم ـ أدنى مراتبه ـ فغير قابل للجعل إثباتاً ولا نفياً.
ويؤيّده: تعبيرهم عنه بالعلم العادي.
وإلاّ كان دليل حجّيته بناء العقلاء وطريقيته. قال كاشف الغطاء (رحمه الله): «
وكلّ من الظنّ ـ ما لم يصل إلى الاطمئنان فيجري عليه حكم العلم ـ والشكّ والوهم،
بحكم واحد »(4).
وقال المحقّق النائيني (قدس سره): « الاطمئنان هو طريق عقلائي يعتمد عليه العقلاء
كما يعتمدون على العلم الوجداني... »(5).
وقال الخوانساري (قدس سره): « الاطمئنان الذي هو حجّة عند العقلاء »(6).
وعلّق السيّد عبدالهادي (قدس سره) بقوله: « أو سبق رضا منه ».
قال في العروة: « يجوز أكل ما ينثر في الاعراس مع الاذن ولو بشاهد الحال »(7).
ولذا تراهم في شتّى أبواب الفقه يردفون الاطمئنان بالعلم، أو يقابلون بينهما،
وأمثال ذلك.
ولعلّ أوّل من عبّر بالعلم العادي هو فخر المحقّقين، فإنّه مكرّراً عبّر بذلك في
إيضاح الفوائد في شرح القواعد واستدلّ لحجّيته ببناء العقلاء. قال في الحجّ في
تخلية السرب: « العلم العادي الذي لا يعدّ العقلاء نقيضه من المخوفات كإمكان سقوط
جدار سليم قعد تحته »(8).
وتبعه في المسالك، في بحث القدرة على التسليم قال: « إنّ الشرط تحقّق وجوده عادةً
عند الاجل ـ ثمّ قال: ـ وبقيد « العادة » يندفع تخيّل كون ما هو معدوم الان مستصحب
العدم فلا يحصل بوجوده في ثاني الحال إلاّ الظنّ، فإنّ هذا الظنّ الغالب المستند
إلى قرائن الاحوال المستمرّة يفيد العلم العادي، وإن لم يفد العلم الحقيقي »(9).
وتبعهما المحقّق الاردبيلي في مجمع الفائدة مكرّراً أيضاً، قال في قصد العشرة في
السفر: « أنّ القصد مع العلم العادي بالكون في بلد عشراً ـ على أي وجه كان، سواء
قصد ذلك قبل الوصول أو بعده، أو يكون له شغل يعلم توقّفه على ذلك، وغير ذلك ـ
موجب للاتمام، وأنّ عدم ذلك موجب للقصر »(10).
وقال صاحب العروة في رسالة « سؤال وجواب » في إخبار الكفّار بشراء الجلد من مسلم:
« ولا يكفي إخبارهم بذلك، نعم لو حصل الاطمئنان بذلك، بحيث يلحق بالعلم العادي لا
يبعد كفايته »(11).
بل إنّ صاحب الجواهر (قدس سره) جعل العلم العادي من مثبتات القصاص قال: « فالضابط
في القصاص العلم العادي بتسبّب موت المقتول من فعله المتعمّد به »(12). إلى غير ذلك
من الكلمات الكثيرة.
الثاني: قد تختلف الكلمات في بعض الموارد في حجّية الاطمئنان.
مثلاً: في ثبوت الكسوف والخسوف جاء في العروة: « يثبت الكسوف والخسوف وسائر
الايات بالعلم وشهادة العدلين وإخبار الرصدي إذا حصل الاطمئنان بصدقه على إشكال في
الاخير لكن لا يترك معه الاحتياط وكذا في وقتها ومقدار مكثها »(13).
فبعضهم قال: « لا إشكال فيه » كالشيخ الحائري، وبعضهم قال: « أقواه الثبوت »
كابن العمّ، وبعضهم قال: « الاشكال قوي » كالحكيم، والمعظم سكتوا على المتن،
كالنائيني والعراقي والبروجردي والوالد والاخ (قدس سرهم).
والوجه فيه ليس الاشكال في أصل الاطمئنان، إذ هؤلاء هم قبلوا الاطمئنان في كثير من
الموارد، فقد ورد في العروة في عشرات المسائل ولكن لاسباب أُخرى:
السبب الاوّل: مثلاً السيّد الحكيم الذي أشكل في الاطمئنان في صلاة الايات علّله في
المستمسك بأنّه خبر حسّي، ولا يعتبر قول أهل الخبرة إلاّ في الحدسيات.
وفيه: أنّه إن لم يكن ثقة فقوله غير معتبر في الحدسيات أيضاً، وإن كان ثقة كان
معتبراً في كليهما.
السبب الثاني: وكذا في ثبوت الهلال قال في العروة: « ولا يثبت بقول المنجّمين »(14) وأطلق بلا تفصيل بين حصول الاطمئنان وعدمه مع أنّه صرّح بكفاية العلم الشخصي وإن
لم يره أحد. ولم يعلّق أحد فيما رأيت.
وذلك لانّ المستفاد من نصوص ثبوت الهلال، إنحصار الثبوت بالرؤية ـ بنفسه أو بعدلين
ونحو ذلك ـ أو عَدّ الثلاثين من الشهر السابق، فهذه النصوص ردع لبناء العقلاء هنا
كما في القياس ونحوه.