المسألة (43): من ليس أهلاً واقعاً وظاهراً جميعاً للفتوى من جهة عدم اجتهاده فلا
إشكال كما لا خلاف في أنّه يَحرُم عليه الافتاء أمّا إذا كان أهلاً للفتوى من حيث
الاجتهاد واقعاً لكنّه لم يعلم باجتهاده ـ سواء علم جهلاً مركّباً بعدمه، أم قامت
عليه الحجّة بعدمه كالاستصحاب ونحوه، أم شكّ في تحقّقه الذي هو موضوع للعدم ـ فهذا
هو بعينه مسألة التجرّي والخلاف فيها مذكور في الاُصول بالتفصيل.
ولعلّ الاصحّ فيها مطلقاً عدم الحرمة شرعاً وإن نافى العدالة كما حقّقناه في
الاُصول.
وأمّا العكس بأن لم يكن أهلاً واقعاً ولكن علم من نفسه ـ جهلاً مركّباً ـ أنّه أهل
فلا حرمة ولا قبح من جهة العذر.
ثمّ إنّه استدلّ للحرمة لمن ليس أهلاً للفتوى من جهة الاجتهاد لا واقعاً ولا ظاهراً
بالادلّة الاربعة:
1. آيات من الكتاب الحكيم، مثل قوله تعالى: (قُلْ ءَاللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ
عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ)(1).
وقوله سبحانه: (إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ... وَأَنْ تَقُولُوا
عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ)(2).
وقوله عزّوجلّ: (وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ)(3).
وقوله جلّ وعلا: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ
الْكَافِرُونَ)(4)(فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)(5).
(فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)(6).
وغيرها من الايات الكثيرة في هذا الباب.
2. روايات من السنّة الشريفة، مثل الروايات المتواترة في حرمة الافتاء بغير علم
وقد جمع في الوسائل والمستدرك في كتاب القضاء المئات من الروايات في ذلك، وبالاخصّ
في الابواب الثلاثة: الثالث، والرابع، والخامس، من أبواب صفات القاضي. ونذكر بعضها
تبرّكاً بروايات المعصومين (عليهم السلام) وردعاً أكثر من الافتاء بغير علم ونحذف
الاسناد لعدم الحاجة إليها مع كثرتها وتواترها القطعي.
فعن رسول الله (صلى الله عليه وآله): « من أفتى الناس بغير علم فليتبوّأ مقعده من
النار »(7).
وعن الامام الباقر (عليه السلام): « من أفتى الناس بغير علم ولا هدى من الله،
لعنته ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، ولحقه وزر من عمل بفتياه »(8).
وعن الامام الصادق (عليه السلام): « أنهاك عن خصلتين فيهما هلك الرجال: أنهاك أن
تدين الله بالباطل، وتفتي الناس بما لا تعلم »(9).
وعن أبي الحسن (عليه السلام): « من أفتى الناس بغير علم، لعنته ملائكة الارض
وملائكة السماء »(10).
إلى غير ذلك من الروايات الكثيرة.
3. والاجماع القطعي بين المسلمين، فقد قام الاجماع على حرمته من الخاصّة، بل العامّة أيضاً.
4. الدليل العقلي القاطع على حرمته، لكونه قولاً بغير علم ـ خصوصاً على الله
تعالى، وفي أحكام العباد ـ ويكفي ذلك دليلاً عقلياً على تحريمه.
ولانّ حكم العقل بالقبح البالغ فيه هو في سلسلة علل الاحكام الشرعية، فيدخل في
الملازمة بين حكم العقل بالقبح وحكم الشرع بالحرمة.
لا يقال: إنّ القول بغير علم عبارة أُخرى عن الكذب، والكذب مطلقاً ليس حراماً شرعاً
ولا قبيحاً عقلاً.
فإنّه يقال: إنّ الكذب مطلقاً قبيح عقلاً وحرام شرعاً، إلاّ إذا كان هناك مزاحم
استفيد أهميّته عقلاً أو شرعاً، ولذلك نرى الفقهاء يعبّرون عن المزاحمات الاهمّ
بمستثنيات الكذب.
لا يقال: إنّ نقلة الفتاوى يفتون الناس بغير علم، إذ لا يعلمون مدارك الفتاوى من
الكتاب والسنّة والاجماع والعقل.
فإنّه يقال: إنّه ليس افتاءً، ولا بغير علم.
أمّا الاوّل: فلانّ الافتاء هو اصطلاحاً وعرفاً: إبداء الرأي الشخصي، وهذا ناقل
لرأي الغير، فليس عمله افتاءً.
وأمّا الثاني: فلانّه ليس بغير علم، إذ مدرك جواز تقليده هو الذي جعله عن علم، غاية
ما هناك أنّه ليس علماً تفصيلاً عن الادلّة المفصّلة، بل إجمالاً عن دليل واحد في
الجميع، ولا يختلف العلمان في اطلاق الحجّية وجواز الاستناد ـ على المشهور المنصور
ـ.
نعم إذا كان السائل والمجيب مختلفي الحجّة على الوظيفة الشرعية ـ اجتهاداً أو
تقليداً ـ يأتي البحث عن الجواز وعدمه من جهة الاغراء بالجهل منه، وقد مضى بعض
الكلام عنه.
وأمّا المجتهد الذي ليس أهلاً للفتوى من الجهات الاُخر، مثل عدم كونه بالغاً، أو عادلاً، أو رجلاً، أو طاهر المولد أو نحو ذلك، فهل يحرُم عليه الافتاء أيضاً ؟ فيه وجوه وأقوال:
تقدّم أنّ في المسألة وجوهاً وأقوالاً وهي كالتالي:
أحدها: الحرمة مطلقاً.
ثانيها: الجواز مطلقاً.
ثالثها: التفصيل بين كون افتائه إغراءً بالجهل فيحرم، وبين عدمه فلا يحرم.
رابعها: التفصيل بين موافقة فتواه للاحتياط أو لفتوى من يجوز تقليده فيجوز له
الافتاء، وبين عدمه فلا.
خامسها: التفصيل بين الشروط المذكورة لمرجع التقليد، فمع فقد بعضها يجوز، ومع فقد
بعضها الاخر لا يجوز.
استدلّ للقول الاوّل: وهو التحريم مطلقاً بأُمور:
الاوّل: كون الافتاء منصباً للمعصوم كما في قوله (عليه السلام): « ياشريح! قد جلست
مجلساً لا يجلسه إلاّ نبي أو وصي نبي، أو شقي »(11). والفاقد للشرائط يشكّ في كونه
منصوباً من قبل المعصوم (عليه السلام)، فيحرم عليه تولّي منصب يشكّ في جواز تولّيه.
الثاني: إطلاق أدلّة الشروط، فإنّ مقتضاه شموله للمجتهد المفتي وغيره على السواء.
الثالث: إطلاق ما دلّ على تحريم الاغراء والاغواء، وافتاء من ليس جائز العمل بقوله
اغراءً واغواءً، لانّهما من مصاديق الاضلال المحرّم.
الرابع: حرمة التسبيب للحرام الواقعي، والمفروض أنّ تقليد مثله حرام.
ونوقش في أدلّة التحريم الاربعة جميعاً:
أمّا الاوّل: وهو كون الافتاء منصباً للمعصوم، فلعدم كون الافتاء من المناصب
المختصّة بالمعصوم، ويكفي فيه عدم الدليل على كونها منصباً خاصّاً بالمعصوم.
مضافاً إلى أنّ أدلّة الاُصول: إطلاق بعضها، وعموم بعضها الاخر لكلّ المكلّفين،
دالّ على جوازه لغير الجامعين للشرائط.
مع أنّه وردت « الفتيا » في بعض الروايات صريحاً كقوله (عليه السلام): « اجلس في
مسجد المدينة وأفتِ الناس »(12).
وأمّا الثاني: وهو إطلاق أدلّة الشروط، فلانّ ظاهر الشروط كونها شروطاً في حجّية
فتواه للغير، لا في جواز افتائه نفسه.
إن قلتَ: إن جاز الافتاء جاز الاخذ بها، فإذا لم يجز الاخذ بها لم يجز أصل الافتاء
أيضاً.
قلت: لا تلازم بينهما، ومن أيّ دليل استفيد التلازم الشرعي حتّى يترتّب عليه حرمة
الافتاء من أجل حرمة الاخذ به ؟ أليس غير الاعلم لا يجوز تقليده مع وجود الاعلم على
القول المعروف بين المتأخّرين من الفقهاء فتوىً أو احتياطاً، ولكن مع هذا يجوز له
الافتاء، وطبع الرسالة العملية، ونحو ذلك ؟
وأمّا الثالث: وهو إطلاق ما دلّ على تحريم الاغراء والاغواء، فليس ذلك من الاغراء
والاغواء في شيء، كيف وهو يرى أنّ الفتوى بغير ذلك اغواء وإضلال، فإن لم نقل
بوجوب الافتاء عليه إظهاراً لما يعتقده حقّاً، فلا أقل من الجواز ؟
مضافاً إلى أنّ الاضلال إذا كان بالنظر إلى الواقع فلا يختصّ الاشكال بما نحن فيه،
لانّه حتّى المجتهد الاعلم يحتمل كون فتواه بالنظر إلى الواقع إضلالاً، وإذا كان
الاضلال بالنظر إلى رأي المفتي فليس هذا المورد منه، إذ هذا المفتي المجتهد الفاقد
لسائر الشروط يرى أنّ رأيه هو الصواب فكيف يكون إضلالاً وإغواءً.
وأمّا الرابع: وهو حرمة التسبيب للحرام الواقعي، فمطلقاً لا دليل على حرمة التسبيب
للوقوع في المبغوض الواقعي، والامثلة المذكورة له ـ كوجوب الاعلام في بيع الدهن
المتنجّس، وغيره ـ لا يتعدّى عنها إلاّ بالقياس المحرّم في الشريعة، ولم يعلم مناط
قطعي يتعدّى به إلى سائر الموارد.
مضافاً إلى أنّ الافتاء ليس بنظر المفتي تسبيباً للوقوع في الحرام الواقعي، إذ
المفتي يرى أنّ فتواه إمّا واقع أو مجز عنه، فيراها جائز العمل بل واجب العمل،
والعامي إذا كان عارفاً بأنّ المفتي ليس جامعاً للشرائط المعتبرة في مرجع التقليد
فيجب عليه عدم العمل بفتياه، وإن لم يعلم بذلك وشكّ وجب عليه الفحص عنه، وإن اطمأنّ
إليه جاز له تقليده.
واستدلّ للقول الثاني: وهو الجواز مطلقاً بأُمور:
الاوّل: عدم سلامة ما استدلّ به على المنع، و « كلّ شيء مطلق » فيجوز.
الثاني: جواز أو وجوب إظهار العلم لقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ
مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ
لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ
اللاَّعِنُونَ)(13) فإذا حرم الكتمان وجب الاظهار، فالمجتهد الذي يرى كفاية
التسبيحة الواحدة، أو وجوب السورة، أو بطلان الصلاة بالتأمين بعد الحمد يجب عليه
إظهار ذلك، ولا أقل من جوازه.
واشتراط العمل بقوله بشروط، تكليف للمقلّد لا للمجتهد نفسه.
وإطلاق الاية يشمل ما نحن فيه، وورودها في اليهود، ونزول البيّنات والهدى في علامات
النبي (صلى الله عليه وآله) وغير ذلك ليست حاصرة دلالتها عليها، بل تحمل تلك على
أنّها موارد لا مخصّصات.
الثالث: تقييد التحريم في روايات الافتاء بكونه: « عن غير علم » أو « عن الرأي » أو نحوهما، الدالّ على أنّ علّة الحرمة فيها، أو مصبّها هو القيد على سبيل التقييد، لا على سبيل تعدّد المطلوب، وملاحظة عشرات الروايات في الابواب الاُولى من كتاب القضاء في الوسائل والمستدرك كفيل بإثبات ذلك.
الرابع: ما دلّ على جواز الفتوى بما يعلم من دون تقييده بشيء:
مثل صحيحة أبي الجارود زياد بن أبي رجاء عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: « ما
علمتم فقولوا، وما لم تعلموا فقولوا: الله أعلم، فإنّ الرجل ينتزع الاية فيخرّ
فيها أبعد ما بين السماء والارض »(14).
ومثل الحديث المعروف عن الامام الصادق (عليه السلام) القائل: « القضاة أربعة،
ثلاثة في النار، وواحد في الجنّة: رجل قضى بجور وهو يعلم فهو في النار، ورجل قضى
بجور وهو لا يعلم فهو في النار، ورجل قضى بالحقّ وهو لا يعلم فهو في النار، ورجل
قضى بالحقّ وهو يعلم فهو في الجنّة » (15) وغير ذلك ممّا يجده المتتبّع لابواب كتاب
القضاء.
وما يقال: من تقييد هذه المطلقات بأدلّة شروط مرجع التقليد.
ففيه: أنّ التقييد في جانب المقلّد ومن أجل العمل به، لا في جانب الافتاء.
واستدلّ للقول الثالث: وهو التفصيل بين كون افتائه اغراءً وبين عدمه، فالحرمة في الاوّل والجواز في الثاني: بأنّ الفتوى بالعلم في نفسه لا حرمة فيه، إنّما قد تحرم لعروض الاغراء بالجهل، بحيث كان كيفية إفتائه والملابسات المحيطة بها موجبة للاغراء بالجهل، كما إذا طبع رسالة ووزّعها على الناس، ودعاهم إلى تقليده، وتصدّى منصب الفتوى ونحو ذلك.
أقول: إن كان يستفاد من الادلّة مبغوضية العمل بفتوى غير الجامع للشروط مطلقاً
نظير قتل المؤمن، وإضلال الناس عن الحقّ، ونحوهما ممّا علم مبغوضية وقوعه مطلقاً، فحينئذ يحرم الاغراء به والتسبيب العرفي نحوه مطلقاً.
وإن لم يستفد ذلك من الادلّة جاز حتّى في صورة الاغراء بالجهل، إذ لا دليل على حرمة
مطلق أقسام الاغراء بالجهل، بل ذاك منحصر فيما علم من الشريعة مبغوضيته مطلقاً.
وما نحن فيه لا يستفاد من أدلّة الافتاء ذلك، بل الذي احتملناه سابقاً وقال به بعض
المعاصرين ومال إليه آخرون هو: أنّ الشروط كلّها أو جُلّها لاجل الثقة بكون الفتوى
فتوى بالحقّ، ولذا يكفي الاطمئنان إلى المفتي في مقام مجرّد العمل بقوله وفتواه، لا
في مقام اعتباره زعيماً عامّاً للمسلمين، نظير سائر أهل الخبرات، في شتّى العلوم
والفنون.
نعم، اشتراط كونه إمامياً شيعياً فالظاهر كونه من قبيل الشروط التي يستفاد مبغوضية
الافتاء مع عدمها، كما ذهب إليه، أمّا بقية الشروط ففيها تأمّل.
وقد يستدلّ للقول الرابع: وهو التفصيل بين موافقة فتوى المجتهد غير الجامع للشرائط
للاحتياط أو لفتوى مجتهد جامع للشرائط فيجوز له الافتاء، وبين غيره فلا، بما مرّ
من نفس هذا التفصيل في تقليد غير الاعلم الموافق فتواه لفتوى الاعلم، أو للاحتياط:
من أنّ ملاك الحجّية موجود في هذه الفتوى، إذ الفتوى بما هي فتوى ليست حجّة، وإنّما
حجّيتها بما لها من المرآتية الحقيقية أو التنزيلية للواقع، وهي بنفسها موجودة في
الفتوى الموافقة لها.
وهذا التفصيل لم أعثر عليه صريحاً في كلام القوم إنّما يصحّ استنباطه من تضاعيف
كلماتهم في مسألة تقليد الاعلم وغيرها.
لكن يرد عليه ما أُورد عليه في مسألة تقليد الاعلم: من أنّ موافقة الواقع إن كانت
مجزية ـ كما هو المعروف والمختار ـ إلاّ أنّ مجرّد موافقة الطريق من غير استناد
إليه ليست كافية لجواز الفتوى عقلاً، لانّه بلا مؤمّن، نعم مجرّد علمه ـ ولو بعد
ذلك ـ بهذه الموافقة كاف في التأمين العقلي كما تقدّم.
ففي المقام إن كانت هذه الفتوى موافقة للواقع جاز الافتاء بها، وإن لم تكن موافقة
للواقع لم يجز الافتاء بها. فمطلق موافقتها لفتوى الجامع للشرائط لا يجوز الافتاء
بها.
نعم بما أنّ الاحتياط موافق للواقع دائماً، فموافقة فتوى غير الجامع للشرائط
للاحتياط موجبة لجواز الافتاء بها من جهة أنّه افتاء بالاحتياط، وليس افتاءً من غير
الجامع.
وأمّا القول الخامس: وهو التفصيل بين شروط مرجع التقليد، فمع فقد بعضها يجوز له
الافتاء، ومع فقد بعضها الاخر لا يجوز.
فإنّ ملاك هذا التفصيل: هو أنّ مجرّد كونه شرطاً للمقلَّد لا يحرم على المجتهد
الافتاء مع فقده عنده، لعدم التلازم بينهما لا عقلاً ولا شرعاً، فإذا كان لنا دليل
على حرمة الفتوى ـ مع فرض وجود الاجتهاد والعلم بالوظيفة الشرعية ـ قلنا به، وإلاّ
كان الاصل البراءة، لما حقّق في الاُصول من جريان البراءة في الشكّ في الشرطية
والجزئية كغيرهما.
وفيه: لم أجد ذلك في شيء من الاحاديث إلاّ ما ذكره في المستدرك عن مصباح الشريعة
عن الامام الصادق (عليه السلام): « لا تحلّ الفتيا في الحلال والحرام بين الخلق،
إلاّ لمن كان أتبع الخلق من أهل زمانه وناحيته وبلده بالنبي (صلى الله عليه وآله)»(16).
وفيه: دلالةً بأنّ المراد منه المعصوم (عليه السلام) بقرينة روايات متواترة « من
أفتى
... وكذا من ليس أهلاً للقضاء يحرم عليه القضاء بين الناس... .
الناس بغير علم »(17) ونحوه.
وسنداً: بأنّ مصباح الشريعة لم يعلم كونه من المعصوم (عليه السلام)، بل هو معلوم
العدم.
قال في الوسائل: « لم أنقل عن مصباح الشريعة، لثبوت عدم اعتباره »(18).
وقال المجلسي (قدس سره): « أُسلوبه لا يشبه سائر كلمات الائمّة (عليهم
السلام)وآثارهم »(19).
قال في الذريعة: « كان يقول المجلسي إنّ مؤلّف مصباح الشريعة هو شقيق البلخي »(20).
وكذا من ليس أهلاً للقضاء يحرم عليه القضاء بين الناس بلا خلاف فيه بل الاجماع
عليه بقسميه.
ويدلّ عليه صحيح سليمان بن خالد عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: « اتّقوا
الحكومة فإنّ الحكومة إنّما هي للامام، العالم بالقضاء العادل في المسلمين كنبي أو
وصي نبي »(21).
وخبر إسحاق بن عمّار عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه
السلام)
... وحكمه ليس بنافذ، ولا يجوز الترافع إليه، ولا الشهادة عنده... .
لشريح: « ياشريح قد جلست مجلساً لا يجلسه إلاّ نبي أو وصي نبي، أو شقي »(22)
وغيرهما.
أمّا موضوع من له الاهلية، هل هو المجتهد فقط: إمّا مطلقاً، وإمّا خصوص المطلق
منه، أو مطلق العارف بالحكم ولو عن تقليد ؟
ففيه خلاف، ونُسب إلى المشهور الاوّل، وعن الجواهر الثاني، وإليه ذهب بعض من
عاصرناهم ومال إليه آخرون، ومحلّ البحث عن ذلك كتاب القضاء.
وحكمه ليس بنافذ إذ الاصل عدم نفوذ حكم أحد على أحد، إلاّ من جعل الله النفوذ لحكمه، والمفروض عدم الجعل فيمن لا أهلية له.
ولا يجوز الترافع إليه، ولا الشهادة عنده لكونه ترويجاً للباطل، وتعاوناً على
الاثم والعدوان، ونوع ركون إلى الذين ظلموا، خصوصاً في الترافع إليه.
هذا في مطلق من لا أهلية له، وأمّا خصوص العامّة الذين سلب عنهم الاهلية لعدم
إيمانهم بالمعنى الاخصّ فيدلّ على عدم جواز الترافع إليهم عشرات الروايات الواردة
في عدم جواز الترافع إليهم، ممّا عقد له صاحبا الوسائل والمستدرك أوّل باب من أبواب
كتاب القضاء.
وأشكل بعض مراجع العصر في حرمة مطلق الشهادة عنده، بأنّها ليست
... والمال الذي يؤخذ بحكمه حرام، وإن كان الاخذ محقّاً، إلاّ إذا انحصر
استنقاذ حقّه بالترافع عنده.
مطلقاً من الاعانة على الاثم، وعدم وجود دليل آخر له غير الاعانة على الاثم، ولذا
قال فيه: « محلّ نظر بل منع ».
لكنّه يشكل أوّلاً: بكونه مطلقاً تعاوناً على الاثم كما لا يخفى.
وثانياً: يكفي في الباب صدق الركون إلى الظالم، وكونه ترويجاً للباطل، وصدق التحاكم
على الشهادة عنده، وغير ذلك من العناوين المحرّمة مطلقاً.
نعم، استدلال بعض آخر من المراجع المعاصرين لذلك: بكونه تشريعاً عملياً مطلقاً، فيه
نظر بل إشكال موضوعاً وحكماً.
والمال الذي يؤخذ بحكمه حرام، وإن كان الاخذ محقّاً وهو المشهور بين الاعلام
مطلقاً، سواء كان المال دَيناً أم عيناً، كلّياً أم جزئياً.
وعن صاحب العروة في ملحقاتها: التفصيل بين المال المأخوذ بحكم قضاة العامّة، وبين
المأخوذ بحكم من لا أهلية له لفقده سائر الشرائط كالعدالة ونحوها، بالميل إلى
الجواز في الثاني.
وعن آخرين: التفصيل بين العين والدَين، فيجوز في الاوّل دون الثاني.
ومن حاشية السيّد البروجردي (رحمه الله): أنّ المحرّم في المحقّ هوالاخذ لاالمال.
والمسألة لم تزل محلّ نقاش حتّى بين الاعلام المعاصرين، ومحلّ تنقيحها كتاب القضاء.
إلاّ إذا انحصر استنقاذ حقّه بالترافع عنده إمّا لعدم وجود قاض شرعي جامع للشرائط،
أو للتقيّة في قضائه، أو لعدم استعداد الطرف الاخر من القضاء إلى الجامع للشرائط أو
لغير ذلك، فيجوز الترافع حينئذ عند القاضي الفاقد لشرائط القضاء، ويجوز الشهادة
عنده، ويكون المال المأخوذ بحكمه حلالاً، عيناً كان أم دَيناً.
هذه الفتوى هي المنسوبة إلى جماعة، وإليها ذهب الماتن وكلّ من يحضرني حواشيهم من
مراجع العصر والذين سبقوهم، واستدلّوا له بأدلّة.
منها: نفي الضرر، ولم يحرز كونه من مورد الضرر، كالجهاد، والخمس، والزكاة ونحوها.
ومنها: مناط الاخبار الدالّة على جواز الحلف كاذباً بالله تعالى لدفع الضرر المالي
عن نفسه أو غيره، كموثّقة ابن بكير عن زرارة عن الامام الباقر (عليه السلام) قال:
« قلت له: إنّا نَمُرُّ على هؤلاء القوم فيستحلفونا على أموالنا وقد أدّينا زكاتها، فقال: يازرارة إذا خفت فاحلف لهم ما شاؤوا، قلت: جعلت فداك بالطلاق والعتاق ؟
قال: بما شاؤوا »(23).
وعن الامام الرضا (عليه السلام) قال: « إنّ الرجل ليصدق على أخيه فيناله عنت من
صدقه، فيكون كذّاباً عند الله، وإنّ الرجل ليكذب على أخيه يريد به نفعه، فيكون
عند الله صادقاً »(24).
ومنها: مؤيّدات عديدة في أعمال المعصومين (عليهم السلام) وترافعهم إلى أهل الجور،
كترافع النبي (صلى الله عليه وآله) مع المدّعي إلى أبي بكر وعمر، وترافع علي (عليه
السلام) مع اليهودي إلى شريح، وتحاكم الامام السجّاد (عليه السلام) مع زوجته
الخارجية إلى والي المدينة، وترافع أحد الباقرين (عليهما السلام) مع بعض مدّعي
أمواله إلى القاضي.
وغير ذلك.
ومنها: أنّ العمومات منصرفة إلى صورة إمكان الترافع إلى العادل لما في بعضها «
انظروا إلى رجل منكم... » وإن كانا مثبتين، فتأمّل.
أقول: أمّا أدلّة جواز الحلف كاذباً للضرر المالي ونحوه، فقياس ما نحن فيه لمجرّد
دفع الاستبعاد ومقام الثبوت، ولا ينفع لمقام الاثبات.
وأمّا ترافع المعصومين إلى الظالمين:
ففيه أوّلاً: العمل لا إطلاق له، فلعلّه ليس لمجرّد استنقاذ الحقّ بل لجهات أُخر
أهمّ من مراجعة الظالمين ـ مثلاً ـ لكرامتهم، بحيث إذا لم يراجعوا كان مهيناً لهم.
وثانياً: أنّها لم تثبت سندياً، لكونها غالباً مراسيل.
يبقى عمومات نفي الضرر. وهي ـ بما هي ـ بما أنّها ثانوية، تكون حاكمة على
الاوّلية مطلقاً. إلاّ إذا كانت قوّة في الادلّة الاوّلية نظير قصّة الامام الحسين
(عليه السلام) مع عمر بن سعد وقول عمر: « أخاف أن تهدم داري ».
ولعلّ الاكثر ـ في عبارة النراقي وكذا الخوئي (قدس سرهما) ـ استفادوا القوّة في
حرمة مراجعة الظالم.
وأمّا الانصراف إلى صورة إمكان الرجوع إلى العادل:
فإن كان لاجل غلبة ذلك أو دوامه في عصور المعصومين (عليهم السلام)، فذلك لا يكفي في
الانصراف.
وإن كان للظهور، فهو أوّل الكلام، ففي صحيح عبدالله بن سنان كما في الكافي روى
محمّد بن يحيى عن أحمد بن محمّد ـ هو ابن عيسى ـ عن الحسن ابن محبوب عن عبدالله بن
سنان عن الامام الصادق (عليه السلام) قال: « أيّما مؤمن قدّم مؤمناً في خصومة إلى
قاض أو سلطان جائر فقضى عليه بغير حكم الله فقد شركه في الاثم »(25).
وهنا تتمّة وهي: أنّ مراجعة الظالم حرام، وللضرر جائز، فنسبة الضرر المجوّزة لذلك
تستفاد من ارتكاز المتشرّعة.
وعليه: فالضرر المجوّز للتيمّم ـ مثلاً ـ غير الضرر المجوّز للكذب، وكلاهما غير
المجوّز للاكل وإعطاء الربا. وكلّها غير الضرر المجوّز لاعانة الظالم وهكذا، ولو
شكّ مفهوماً، أو مصداقاً، فالاصل مع العموم كبقيّة الموارد.
ونُسب إلى الاكثر، بل المشهور: إطلاق عدم الجواز حتّى في صورة توقّف استنقاذ الحقّ
عليه، لاطلاق الادلّة، وكونه إعانة على الاثم، وكون الترافع نفسه منكراً يجب
الانتهاء عنه، ونحو ذلك من العمومات والمطلقات التي يجب تقييدها وتخصيصها بأدلّة
نفي الضرر ونحوها.
وتفصيل الكلام موكول إلى القضاء.