المسألة (42): إذا قلّد مجتهداً ثمّ شكّ في أنّه جامع للشرائط أم لا، وجب عليه الفحص.
هنا فرعان:
أمّا الفرع الاوّل: فهو أنّه إذا كان مقلّداً مدّة، وعلم جامعية المرجع وشكّ في
بقاء الجامعية، فالاستصحاب. والمعروف عدم وجوب الفحص، كما تقدّم في الشكّ في
بقاء الحياة أو غيرها من الشروط وقلنا هناك بأنّ مقتضى مبنانا الفحص، ومقتضى مباني
محقّقي المتأخّرين كالشيخ والاخوند وتلميذه وتلاميذهم أيضاً الفحص للوقوع في مخالفة
الواقع كثيراً.
1. قال الشيخ الانصاري في بلوغ المسافة الموجب للقصر: « وهل يجب الفحص أم لا ؟
وجهان: من أصالة العدم... ومن تعليق الحكم بالقصر على المسافة النفس الامرية،
فيجب لتحصيل الواقع عند الشكّ إمّا الجمع وإمّا الفحص، والاوّل هنا منتف إجماعاً
فتعيّن الثاني... »(1).
ونحوه غيره، ومورده الاستصحاب.
ثمّ هل يترتّب أحكام الشكّ قبل التروّي أم لا ؟ مقتضى ما ذكروه في موارد مختلفة
وتصريحهم بعدم صدق الشكّ: العموم.
2. وقال الشيخ أيضاً: « إنّ الاصل في... الشبهات الموضوعية التي لا تعلم غالباً
إلاّ بالفحص هو وجوب الفحص كما تقدّم في وجوب الاستعلام لمن اشتبه عليها الحيض
بالعذرة أو القرحة »(2).
3. وقال الشيخ أيضاً: « دم الاستحاضة تنقسم بحسب قلّته وكثرته وتوسّطه إلى ثلاثة
مختلفة في الاحكام، وحيث لا طريق عادة إلى معرفتها إلاّ بالفحص والاعتبار، وجب
على المستحاضة اعتبار الدم لتعرف كونه من أي الثلاثة ؟ »(3).
4. قال صاحب العروة: « إذا شكّ في مقدار ماله، وأنّه وصل إلى حدّ الاستطاعة أو
لا، هل يجب عليه الفحص أم لا ؟ وجهان: أحوطهما ذلك، وكذا إذا علم مقداره وشكّ في
مقدار مصرف الحجّ وأنّه يكفيه أم لا ؟ »(4).
وعلّق جمع من المحقّقين كالنائيني والبروجردي والاصفهاني، والاخ الاكبر وآخرون.
وهكذا في الخمس، والزكاة، والمسافة، وغيرها، وهذان الفرعان من الاستصحاب الموضوعي.
5. وقال صاحب العروة أيضاً: « وإن شكّ في أنّها ـ العورة ـ من زوجته أو مملوكته
أو أجنبية فلا يجوز النظر، ويجب الغض عنها لانّ جواز النظر معلّق على عنوان خاصّ
وهو الزوجية أو المملوكية، فلابدّ من إثباته »(5).
ولم يعلّق الممحقّقون: النائيني، والعراقي، والحائري، والحكيم، والبروجردي وغيرهم
(قدس سرهم) ـ وإن علّق آخرون ـ.
والحاصل: أنّ التعليلات المذكورة في هذه الكلمات تعمّ جميع الموارد ـ إلاّ ما خرج
بدليل أخصّ ـ وهي كالتالي:
1. « تعليق الحكم على المسافة النفس الامرية » كما في كلام الشيخ (قدس سره).
2. « الاصل في الشبهات الموضوعية التي لا تعلم غالباً إلاّ بالفحص، هو وجوب الفحص
» كما في كلام الشيخ (قدس سره) أيضاً.
3. « وحيث لا طريق عادة إلى معرفتها إلاّ بالفحص والاعتبار وجب » كما في كلام
الشيخ أيضاً.
4. « وجهان: أحوطهما ذلك » أي: وجوب الفحص كما في كلام صاحب العروة، لانّ عدم
الفحص يوجب الوقوع في مخالفة الواقع كثيراً.
5. « لانّ جواز النظر معلّق على عنوان خاصّ... فلابدّ من إثباته » كما في كلام
صاحب العروة ومقتضى ذلك لزوم الفحص.
وللمحقّق النائيني هنا كلام وهو: « إنّ تعليق الحكم على أمر وجودي يقتضي إحرازه... من جهة الملازمة العرفية بين تعليق الحكم على أمر وجودي وبين عدمه عند عدم
إحرازه »(6).
وهذا مأخوذ من الكلام المتقدّم من العروة حيث قال: « لانّ جواز النظر معلّق على
عنوان خاصّ وهو الزوجية والمملوكية، فلابدّ من إثباته ».
وكلام العروة أدقّ لتعبيره بكلمة: « عنوان » الاعمّ من الامر الوجودي.
ورتّب النائيني (قدس سره) على ذلك فروعاً أسماها مهمّة:
منها: الماء المشكوك الكرّية يتنجّس بملاقاة النجاسة.
ومنها: أصالة الحرمة في الدماء والفروج والاموال: « الزوجة » و « المملوكة » و «
لا يحلّ مال... ».
وفيه أوّلاً: الاحراز وعدمه صرف طريق ـ للظهور العقلائي ـ ولا فرق بين الموارد،
إلاّ إذا قام دليل خاصّ على خصوصية الاحراز.
وثانياً: الموضوعات هي النفس الامرية، التي عبّر عنها الشيخ (قدس سره) في ما تقدّم.
وثالثاً: المشهور على خلافه في باب الكرّية، قال في العروة: « الماء المشكوك
كرّيته مع عدم العلم بحالته السابقة في حكم القليل على الاحوط، وإن كان الاقوى عدم
تنجّسه بالملاقاة... »(7).
رابعاً: أنّ المحقّق النائيني (قدس سره) نفسه، لم يلتزم بذلك في الفقه في موارد
عديدة ذكرنا بعضها في الاُصول.
وأمّا الفرع الثاني: فهو أنّه إذا كان مقلّداً وشكّ بعد مدّة ـ سارياً ـ هل كان
واقعاً سابقاً جامعاً أم لا ؟
لعلّ مراد الماتن من المتن: الشكّ الساري، لا الطاري، إذ لا إشكال ظاهراً في
جريان الاستصحاب في الشكّ الطاري، والشكّ الساري هو الذي يحتاج معه إلى الفحص لعدم
حجّية قاعدة اليقين على ما هو المعروف بين الاعلام، لانّه شكّ في أصل الحجّية،
ولا يفرق فيه الشكّ حدوثاً، أو بقاءً.
فكما أنّ في الشكّ الابتدائي بأهلية زيد للتقليد لا يجوز تقليده بل يلزم الفحص قبل
التقليد، فكذلك الشكّ بعد التقليد في أنّه هل كان عند التقليد أهلاً له أم لا ؟
أيضاً يوجب الفحص عنه.
هذا بالنسبة إلى أعماله الاتية، أمّا أعماله السابقة التي كانت بهذا التقليد،
فيجري فيها أصالة الصحّة، ولا تحتاج إلى شيء من الاعادة أو القضاء أو غيرهما.
وهنا تفصيل للمحقّق النائيني (قدس سره)(8) وهو: عدم جريان قاعدة الفراغ إذا كان
المشكوك ليس بيد المكلّف وجوداً وعدماً، وذلك كما إذا شكّ بعد الفراغ من قدّم
العصر قبل الوقت المشترك في أنّه هل في الاثناء دخل الوقت المشترك أم لا ؟
واستدلّ له بأنّ قاعدة الفراغ مرتبط بالمكلّف لا بما هو خارج عن قدرته.
وأشكل على نفسه بقوله: ما الفرق بين صلاة الظهر لو شكّ في دخول الوقت في الاثناء
حيث تسالموا على قاعدة الفراغ ؟
وأجاب: بأنّ مراعاة دخول الزوال بيد المكلّف، دون دخول الوقت المشترك. ثمّ قال:
ولذا إذا علم عدم المراعاة للزوال حين الصلاة ـ بأن كان غافلاً ـ ثمّ بعد الفراغ
شكّ في أنّه مصادفةً هل دخل الوقت أم لا ؟ تقدّم بعدم جريان الفراغ.
وفيه: ما تقدّم من إطلاق: « ما » في « كلّ ما شككت فيه ممّا قد مضى » وأنّها قاعدة
تسهيلية.
نعم، لو انكشف أنّ المجتهد لم يكن جامعاً للشرائط كان حال أعماله السابقة حال
أعمال من لم يقلّد أصلاً، وعمل بلا تقليد، وقد مضى بحثه عند شرح المسألة السابعة
والثلاثين، فراجع.