المسألة (41): إذا علم أنّ أعماله السابقة كانت مع التقليد، لكن لا يعلم أنّها
كانت عن تقليد صحيح أم لا، بنى على الصحّة.
إنّ المباحث التي تعرّض لها جمع من الشرّاح هنا ثلاثة:
الاوّل: الشكّ في صحّة التقليد من جهة الشكّ في كون مرجع التقليد جامعاً للشرائط أم
لا.
الثاني: الشكّ في أنّ تقليده هل كان بميزان شرعي أم لا ؟ بمعنى أنّه هل استند في
تقليده للمجتهد المعيّن، إلى بيّنة، أو وثوق أو نحوهما أم لا، بعد يقينه بأنّ ذلك
المجتهد كان جامعاً للشرائط.
الثالث: الشكّ في أنّ أعماله التي أتى بها عن هذا التقليد هل تحتاج إلى إعادة
وقضاء أم لا ؟
ظاهر المتن: هو البحث عن الثاني فقط، والبحث الاوّل سيذكره الماتن في المسألة
التالية، والبحث الثالث مبتن على البحث الثاني على سبيل الاصل الموضوعي، إذ الحكم
بصحّة تقليده موجب لعدم وجوب إعادة أو قضاء، والحكم بعدم صحّة تقليده موجب للاعادة
قطعاً، والقضاء فيما لم يدلّ دليل خاصّ على الخلاف ـ على مبنى المشهور من أنّ
للقضاء أمراً عامّاً بقوله (عليه السلام): « يقضي ما فاته كما فاته »(1)ـ.
وعلى كلّ حال: فمفروض المتن هو مثل ما لو قلّد زيداً الجامع للشرائط، ثمّ شكّ في
أنّ تقليده كان بهوى نفسه، ووجهه العاطفي لزيد، أو إحسان زيد إليه ونحو ذلك، أم
كان مستنداً إلى مدرك شرعي، فهل تقليده هذا محكوم بالصحّة ليترتّب عليه عدم
الاعادة والقضاء، وعدم جواز العدول إلى غيره، ونحو ذلك، أم لا ؟
مقتضى أصالة الصحّة الجارية في عمل الانسان نفسه كجريانها في عمل الغير: الصحّة.
أشكل العراقي (قدس سره) في حاشية العروة: بأنّ الشكّ في حجّية الحجّة، شكّ في أصل
الحجّية، فلا يشمله أصل الصحّة. كما إذا عمل بقول ثقة ثمّ شكّ في وثاقته،
والتقليد حيث إنّه كان عقلياً لا يشمله التعبّدات الشرعية. والشكّ في المسبّب وهو
الحكم الذي عمله نتيجة التقليد شبهة حكمية، وأصل الصحّة موضوعي.
وفيه: إطلاق « كلّما شككت فيه » يشمل الشكّ في الحجّة.
وعلّق الخوانساري (قدس سره) بقوله: « لو كان الشكّ من جهة عدم التفاته بالحكم مشكل
».
وفيه: ما تقدّم من عدم تمامية لزوم إحراز الالتفات.
وعلّق الوالد (قدس سره) بقوله: « مشكل، يجري فيه التفصيل في المسألة السابقة فإن
علم بصحّتها التعبّدية أو الوجدانية كفى، وإلاّ قضى بمقدار يعلم بالبراءة، ولا يبعد
كفاية قضاء مقدار اليقين بالاشتغال » ـ على تأمّل للوالد (قدس سره) ـ.
وفيه: تقدّم التفصيل بين القاصر والمقصّر، وعدم لزوم الالتفات.
بيان العراقي (قدس سره): 1. الحجّة ليس لها مفاد كان الناقصة، إذ ليس لنا حجّة
صحيحة وفاسدة، لكن التقليد قد يكون صحيحاً وقد يكون فاسداً، فلا يجري أصل الصحّة
لانّه شكّ في أصل العمل.
2. التقليد حكم عقلي، فلا تناله يد الجعل التعبّدي ـ أصل الصحّة ـ.
3. نفس العمل له جهة صحّة وفساد، لكنّه شبهة حكمية.
وفيه أوّلاً نقضاً: بالمسألة الاربعين الانفة، كيف أجروا البراءة في الزائد مع
أنّه شكّ في أصل العمل ؟
وحلاً: بأنّ أدلّة الصحّة، والفراغ ـ المحلّي ـ أعمّ. وقد أغرب الشيخ ـ كما في
مصباح الاُصول ـ حيث حكم في الشكّ في النيابة باستحقاق الاُجرة، وعدم فراغ ذمّة
الميّت. وأشكل عليه بأنّ استحقاق الاُجرة ليس للحجّ الصحيح مطلقاً، بل الصحيح
النيابي، فإمّا يحرزان أو لا.
وفيه ثانياً: التقليد حكم عقلي، لا ينافي شمول أصالة الصحّة التعبّدية لمنشأه، كما
في الاحتياط مع حرجيته أو ضرريته.
وقوله (قدس سره): التقليد حكم عقلي، ولا يناله أصل الصحّة الشرعي.
فيه: أوّلاً: أصل الصحّة ينال فعلية الاحكام التي لاجلها وجب عقلاً التقليد.
وثانياً: أصل تقليد الخبير الثقة عقلي، ولكن العدالة، والرجولة، والحياة ونحوها
شرعي.
وفيه ثالثاً: وأمّا أصل الصحّة موضوعي لا حكمي فهو المشهور لكن صاحب الجواهر أشكله
في موارد عديدة منها في صلاة الجماعة.
أحدهما: أنّه هل لنا دليل على وجوب كون الاستناد عن مدرك شرعي زيادة على كون
المرجع المستند إليه صالحاً للتقليد أم لا ؟
ظاهر البعض وجوب ذلك وضعاً، بمعنى بطلان التقليد إذا قلّد لهوى نفسه مجتهداً جائز
التقليد، حتّى أنّ بعضهم أجاز العدول عن مثل هذا مع تحريمه العدول مطلقاً،
باعتبار أنّ هذا ليس عدولاً واقعاً، وإنّما تخيّل عدول، أو شبيه بالعدول، لانّ
تقليده كان تخيّل تقليد، أو شبيهاً بالتقليد.
وأشكل في ذلك آخرون، منكرين وجود دليل على لزوم كون الاستناد ـ بما هو استناد ـ عن
مدرك شرعي حجّة، أكثر من وجوب صلاحية المرجع للتقليد، ولعلّ هذه الفتوى هي الاقرب
إذ الاستناد ليس سوى طريق عقلائي إلى إطاعة المولى، وإذا تحقّقت الاطاعة بتقليد من
يجب تقليده كفى ذلك من غير حاجة إلى أكثر منه.
نعم، هذا بنفسه هو نوع تجر، لكن حتّى على القول بكون التجرّي حراماً لا يسري حرمة
التجرّي بالاستناد، إلى حرمة المستند إليه بعد فرض صحّته واقعاً وفي نفس الامر.
ثانيهما: أنّ استدلال جمع لهذه المسألة بما تبعناهم فيه أوّلاً من أصالة الصحّة،
وقاعدة الفراغ في غير محلّه، إذ مفروض المسألة ما إذا كانت الاعمال موافقة لفتوى
مجتهد جائز التقليد، لكنّه شكّ في أنّ أصل تقليده كان عن مستند شرعي أم لا ؟ ومثل
هذا الشكّ لا أثر له بناءً على الطريقية المحضة للتقليد فلا أثر للاستناد أصلاً
سواء في صورتي: كون المقلَّد ـ بالفتح ـ جامعاً للشرائط أم لا ؟ حتّى يجري بلحاظه
أصل الصحّة، أو قاعدة الفراغ.
الاُولى: الظاهر أنّه يجب عليه تصحيح تقليده فعلاً، ولا إشكال فيه، وإن لم ينبّه
عليه غير السيّد الميلاني (قدس سره)فيما رأيت إلاّ على القول بحجّية قاعدة اليقين،
أو أمارية قاعدة الفراغ كجمع، منهم: كاشف الغطاء.
قال في العروة: « إذا شكّ بعد الصلاة في الوضوء لها وعدمه بنى على صحّتها، لكنّه
محكوم ببقاء حدثه، فيجب عليه الوضوء للصلوات الاتية. ولو كان الشكّ في أثناء
الصلاة وجب الاستيناف بعد الوضوء، والاحوط الاتمام مع تلك الحالة ثمّ الاعادة بعد
الوضوء »(2).
وعلّق جمع كالقمّي والخوانساري وآل ياسين وآخرين بقولهم: « لا يترك » على احتياط
المتن، ولا وجه له إلاّ احتمال أمارية قاعدة الفراغ احتمالاً معتنىً به.
وصرّح بذلك جمع، منهم: كاشف الغطاء وولده الحسن.
قال في كشف الغطاء: « الشكّ في أصله ـ أي الوضوء ـ وحكمه: أنّه إن شكّ وقد دخل
فيما يتوقّف أو يترتّب عليه فلا اعتبار بالشكّ بالنسبة إلى المدخول فيه، وبعد
الفراغ منه فيه وجهان: أقواهما عدم الالتفات إلى الشكّ، فيسوغ الدخول به في غيره
كسائر الشروط في سائر العبادات »(3).
وقال قبل ذلك: « وبناء الوجهين على فهم المراد من قولهم (عليهم السلام): إنّ
الشكّ بعد الدخول في عمل آخر لا اعتبار له، فهل يفهم منه: البناء على الحصول
مطلقاً فيسري إلى المدخول فيه وغير المدخول فيه، أو مقيّداً فيختصّ بالمدخول فيه ؟
»(4).
الثانية: هل يلزم الفحص ؟
لم أرَ من تعرّض له ومقتضى القاعدة ـ عند القوم ـ عدمه، وعندنا لزومه إلاّ إذا
أستفيد من خصوص أدلّة الفراغ والصحّة والتجاوز قوّةً يظهر منها عدم لزوم الفحص،
فتأمّل.
الثالثة: هل الاحكام المذكورة والمباني خاصّة بمن عمل مع التقليد مدّة، ثمّ شكّ
في صحّة تقليده، أم تنتقل إلى من عليهم التكليف لتكليف هذا الشخص، كالولد الاكبر
في الصلاة والصوم، والورثة في الحجّ والخمس والزكاة والديون ونحو ذلك ؟
يختلف الحكم باختلاف المباني، فعلى مبنانا: لا تكليف على نفسه ولا عليهم،
ويؤيّده في هذا الفرع: السيرة المتّصلة، للقطع بكثرة أمثاله وعدم ورود شيء.
وعلى مبنى المباني الاُخرى: عليهم مثل ما عليه، لوحدة الملاك.
وهنا اختلاف في أنظار فقيه واحد، انظر إلى المسائل التالية:
قال في العروة في قضاء الولي: « إذا علم الولي أنّ على الميّت فوائت ولكن لا يدري
أنّها فاتت لعذر من مرض أو نحوه، أو لا لعذر، لا يجب عليه القضاء وكذا إذا شكّ في
أصل الفوت وعدمه »(5).
وقال أيضاً في قضاء الصوم: « إنّما يجب على الولي قضاء ما علم إشتغال ذمّة الميّت
به....
وأمّا لو علم أنّه كان عليه القضاء وشكّ في إتيانه حال حياته أو بقاء شغل ذمّته
فالظاهر عدم الوجوب عليه »(6).
وعلّق جمع بما يلي:
النائيني: الاظهر الوجوب.
البروجردي: محلّ تأمّل.
الحكيم: بل هو غير ظاهر.
آل ياسين: بل الظاهر الوجوب.
الشيرازي: فيه تأمّل.
الرابعة: هل يجوز العدول عنه ـ فيما لا يجوز ـ كالعدول إلى الحي، أو غير الاعلم
الحي ـ مع موت مجتهده ـ ونحو ذلك ؟
يختلف على المباني وقد تقدّم بيانها ولا يخفى التخريج على المتأمّل.
وما ذكره البعض من كون جواز العدول عنه أثر شرعي لذلك.
ففيه: أنّ جواز العدول وعدمه من آثار كون العمل السابق المعدول عنه موافقاً للحجّة
أم لا، لا من آثار كون كيفية تقليده صحيحة أم لا بعد فرض صحّة أعماله ؟ فتأمّل.