المسألة (40): إذا علم أنّه كان في عباداته بلا تقليد مدّة من الزمان ولم يعلم مقداره، فإن علم بكيفيتها وموافقتها للواقع... .


لو علم بكونه مدّة بلا تقليد
موافقة العمل للواقع

المسألة (40): إذا علم أنّه كان في عباداته بلا تقليد مدّة من الزمان ولم يعلم مقداره، فإن علم بكيفيتها وموافقتها للواقع بأن صار مجتهداً فطابقت أعماله اجتهاده الذي هو في نظره مرآة الواقع، إذ ليس المراد بالواقع هو الواقع الموجود في اللوح المحفوظ، لتعذّر الاطّلاع عليه أو تعسّره، بل المراد ما يراه واقعاً.
ثمّ إنّ قول الماتن (قدس سره): « في عباداته » لا خصوصية لها إلاّ لسببين كلاهما لا مورد له:
الاوّل: ترك قصد القربة.
وفيه: أنّه أعمّ ممّا نحن فيه، إذ مع التقليد أيضاً يكون عمل تارك قصد القربة باطلاً حتّى إذا طابق العمل نفس الواقع، مضافاً إلى أنّ الاتي بالعبادة يقصد القربة عادةً.
الثاني: التفصيل بين العبادة وغيرها ـ الذي هو قول في المسألة ـ.
وفيه: ـ مضافاً إلى أنّه يقتضي الحكم بالبطلان مطلقاً، كما صرّح به الشيخ الانصاري (قدس سره) مكرّراً في كتبه: من بطلان عبادة من لم يكن عازماً على إحراز الواقع بالاحتياط، لا التفصيل الذي ذكره الماتن هنا ـ أنّ الماتن ليس من أصحاب هذا القول.


هنا تفصيلات

وهنا تفصيلات، منها: تفصيل للمجدّد الشيرازي (قدس سره) نقله عنه تلميذه الهمداني في مصباح الفقيه(1): بين العبادات الواجبة فتفسد مطلقاً مع عدم قصد الامتثال مطلقاً، وبين المستحبّة فلا، لشوب الواجبة بالتجرّي الموجب للشكّ في صدق الطاعة، ورَدّه الهمداني (قدس سره) نفسه.
وتفصيل للاخوند الخراساني في الكفاية(2) على العكس: بأنّ الصحّة والفساد في العبادة غير قابلين للجعل إلاّ بمنشأ الانتزاع، بخلاف المعاملة فإنّ الحكم بالتأثير وعدمه في المعاملة مجعول شرعاً.
وتفصيل للمحقّق النائيني: بين الصحّة الواقعية ففي العبادة والمعاملة غير قابل للجعل، وبين الظاهرية ففي كليهما قابل للجعل.
ثمّ إنّ قول الماتن (قدس سره): « بلا تقليد » هو الاعمّ من التقليد الباطل.
...أو لفتوى المجتهد الذي يكون مكلّفاً بالرجوع إليه فهو... .


مطابقة العمل لفتوى المجتهد

أو علم مطابقتها لفتوى المجتهد الذي يكون مكلّفاً بالرجوع إليه فهو غير محتاج إلى شيء من الاعادة ولا القضاء، ولا تبعة أُخرى عليه دنيوية ولا أُخروية إلاّ التوبة للتجرّي ـ على القول بحرمته ـ إذا كان مقصّراً.


أدلّة الاجزاء على الصورتين

أمّا في صورة المطابقة للواقع: فلانّ المطلوب منه ليس أكثر من الواقع سواء طابق فتوى المجتهد أم لا، إذ فتوى المجتهد طريق محض تعبّدي إلى الواقع، نظير سائر الامارات والطرق التي ليست سوى منجّزات ومعذّرات.
وما ربما يحتمل ممّا في بعض الروايات: من لزوم كون العمل بدلالة ولي الله، فليس المراد به المجتهد، بل المراد به الائمّة المعصومون عليهم أفضل الصلاة والسلام الذين صرّحت الاخبار بموضوعية كون العمل بدلالتهم ومودّتهم.
وأمّا في صورة مطابقة العمل لفتوى المجتهد فلانّه الحجّة الظاهرة، والمنجّز والمعذّر، فلو كان قد أتى بالصلاة بتسبيحة واحدة، ثمّ قلّد وكان فتوى المجتهد كفاية التسبيحة الواحدة فمعنى ذلك أنّ المجتهد ـ وهو الحجّة الظاهرة ـ يصحّح عمله، ولا يوجب عليه شيئاً من القضاء أو الاعادة أو غير ذلك من التبعات.
وقد تقدّم الكلام في ذلك في المسألة السادسة عشرة.
...وإلاّ فيقضي المقدار الذي يعلم معه بالبراءة على الاحوط وإن كان لا يبعد جواز الاكتفاء بالقدر المتيقّن.


خلاصة القول

وخلاصة القول فيه أنّ العامي غير المقلّد، حينما يريد تطبيق أعماله على فتوى المجتهد له صور ثلاث:
1. إمّا يعلم بموافقة أعماله لفتوى المجتهد.
2. وإمّا يعلم بمخالفتها لفتوى المجتهد.
3. وإمّا لا يعلم كيفيتها، ويشكّ في موافقتها ومخالفتها لفتوى المجتهد.
أمّا الصورة الاُولى: فلا إشكال في صحّة أعماله كما ذكرنا.
وأمّا الصورة الثانية: فلا إشكال أيضاً في الوجوب العقلي للاعادة أو القضاء عليه إذا خالف عمله فتوى المجتهدين معاً، المجتهد الذي كان يجب عليه تقليده حال العمل، والذي يجب عليه تقليده الان.
أمّا لو وافق إحدى الفتويين فهل يكفي مطلقاً كما احتملناه سابقاً بل استقربناه، وفاقاً لبعض المراجع العظام كالسيّد عبدالهادي الشيرازي (قدس سره) وغيره، أم يجب موافقة المجتهد الثاني كما عليه الماتن ومعظم المراجع المعاصرين والمقاربين، أم اللازم موافقته للمجتهد الاوّل، لكن يكفي في ترتيب آثار عدم القضاء والاعادة الموافقة للمجتهد الثاني كما ذهب إليه بعض آخر مثل السيّد البروجردي (قدس سره) ؟ أقوال.
وأمّا الصورة الثالثة: وهي التي ذكرها الماتن بقوله وإلاّ يعلم مطابقتها للواقع فيقضي المقدار الذي يعلم معه بالبراءة على الاحوط وإن كان لا يبعد جواز الاكتفاء بالقدر المتيقّن.


أقوال المسألة

هذه هي مسألة الاقل والاكثر غير الارتباطيين (أي: الاستقلاليين)، والاقوال المعروفة فيه أربعة:
1. وجوب تحصيل البراءة اليقينية.
2. وجوب قضاء المقدار المتيقّن فوته.
3. وجوب القضاء إلى حصول الظنّ بالبراءة.
4. التفصيل بين الوقت وخارجه بوجوب الاعادة في الوقت دون القضاء خارج الوقت.
والماتن ومعظم المراجع المعاصرين والسابقين عليهم الذين تركوا التعليق على المتن هنا اختاروا القول الثاني، وهو المنسوب إلى المشهور، وإن كان الماتن احتاط ـ احتياطاً استحبابياً ـ باختيار القول الاوّل.
واحتمل أو قيل بتفصيلات أُخرى مثل التفصيل بين العبادات وغيرها، أو التفصيل بين التكاليف الموقّتة ممّا تقضى بفوت وقتها كالصلاة والصوم وبين غيرها كالخمس والزكاة والحجّ والنذور المطلقة، بجريان البراءة في الاُولى دون الثانية، إلى غير ذلك من الاقوال والمحتملات.


محلّ كلام الاعلام

ولا يخفى: أنّ محلّ الكلام والنقض والابرام للاعلام إنّما هو فيما إذا تنجّز التكليف في وقت ما، ثمّ شكّ في مقدار الفائت منه في الوقت المتنجّز، كما مثّلوا له بما إذا مضت عليه سنون، وكان قد صلّى أحياناً فيها وتركها أحياناً، والان حصل له الشكّ في أنّ ما تركها من الصلوات هل هي لسنة واحدة أو لسنتين مثلاً.
أمّا إذا شكّ في أصل ثبوت التكليف عليه مثلما لو علم أنّه لم يصلّ من حين بلوغه إلى اليوم، وهو في السنّ السادسة عشرة، لكنّه شكّ في أنّ بلوغه كان في السنّ الرابعة عشرة، أمّ السنّ الخامسة عشرة، حتّى يجب عليه قضاء سنة واحدة أم سنتين، أو علم بأنّ بلوغه كان في الرابعة عشرة ولكنّه شكّ في عمره الان هل هو خمس عشرة سنة أم ستّة عشرة سنة، ففي مثل ذلك لا يبعد عدم وجوب قضاء المقدار المشكوك إذ الشكّ في أصل توجّه التكليف وهو مجري للبراءة.


القول الاوّل وأدلّته
الدليل الاوّل

استدلّ للقول الاوّل: وهو وجوب تحصيل البراءة اليقينية بما يلي:
الاوّل: بأنّ الاشتغال اليقيني يقتضي البراءة اليقينية، وقد اشتغلت ذمّته يقيناً بتكاليف كثيرة، لا يعلم مقدار البراءة التي حصّلها، فيجب عليه القضاء بأكثر الاحتمالات حتّى يحصل له العلم ببراءة ذمّته.


الدليل الثاني

الثاني: باستصحاب عدم الاتيان به، القاضي بوجوب تداركه.
وليس الفوت سوى عدم الاتيان بالمأمور به كما أُمر به، وليس أمراً وجودياً حتّى يكون ترتّبه على عدم الاتيان مثبتاً.
قالوا: وهذا في الواجبات غير الموقّتة ظاهر، وأمّا في الموقتة كالصلاة والصوم ونحوهما من جهة أنّ التقييد بالوقت من باب تعدّد المطلوب، فيستصحب أصل التكليف.
وقد أيّدوا ذلك بما روي في قضاء الصوم: من أنّ الله تعالى يريد من عباده صوم شهر في السنة، ويريد كذلك كون ذلك الشهر شهر رمضان، فإذا فات المطلوب الثاني وهو الوقت بقي المطلوب الاوّل وهو أصل الواجب.
ونُسب هذا القول إلى جمع، منهم المحقّقان: صاحب الحاشية والشيخ كاظم الشيرازي (قدس سرهما).


كلام صاحب الحاشية

وعن المحقّق صاحب الحاشية أنّه قال: بأنّ موارد الدوران بين الاقل والاكثر على قسمين:
أحدهما: ما إذا شكّ في أصل وجود تكليف، زائداً على المتيقّن، وهنا مجرى البراءة لا محالة.
ثانيهما: ما إذا شكّ في مقدار التكليف المنجّز الواصل إلى المكلّف زائداً على القدر المتيقّن، وهنا مورد للاحتياط.
وما نحن فيه من هذا القبيل إذ الذي كان مدّة بلا تقليد كان التكليف بالعبادات منجّزاً عليه، فإذا أراد تلافيها بعد مدّة، وشكّ في أنّه سنة أو سنتان فاحتمال أن يكون التكليف المنجّز الواصل إليه سنتين يوجب عليه الاحتياط.
واستدلّ لذلك: بأنّ احتمال التكليف المنجّز منجّز عقلاً، لكونه مساوقاً لاحتمال الضرر الاُخروي المهمّ قطعاً، ودفع مثل هذا الضرر المحتمل (أي العقاب) لازم عقلاً.
ومثّل لذلك بالفسقة الذين لا يقلّدون ويتركون الصلاة، ثمّ بعد سنين كثيرة يتوبون فيشكّون في مقدارها، فهؤلاء بما أنّ التكليف في وقته كان منجّزاً عليهم، يجب عليهم تدارك كلّ المنجّزات المحتملة بالاحتياط، وليس ذلك كتردّد الدَين بين الاقل والاكثر، إذ فيه الشكّ في أصل تعلّق الدَين بذمّته زائداً عن المتيقّن، وهو مورد للبراءة لحديث الرفع وغيره.


مناقشة كلام صاحب الحاشية

وأشكل عليه: بأنّ التنجّز يدور مدار المنجّز حدوثاً وبقاءً، فإذا كان المنجّز كان التنجّز، وإلاّ فلا، وفي المقام حيث لا علم بوجود تكليف منجّز، فلا تنجّز، واحتمال وجود تكليف منجّز موجب لاحتمال التنجّز مندفع بالبراءة، وليس احتمال وجود تكليف منجّز موجباً لليقين بالتنجّز حتّى يكون مجرى للاشتغال.
مضافاً إلى أنّ ما فرّق به صاحب الحاشية بين الصلوات وبين الدَين غير ظاهر، إذ الدَين أيضاً كذلك فيما إذا استدان مرّات متعدّدة كلّ مرّة ديناراً ـ مثلاً ـ ثمّ شكّ في أنّه هل استدان خمس مرّات أو ست مرّات، ففي ذلك أيضاً احتمال وجود تكليف منجّز، إذ كلّ مرّة استدان ديناراً توجّه إليه تكليف منجّز بأداء دينار، فإذا وفّى بعد ذلك خمسة دنانير احتمل وجود تكليف منجّز عليه بأداء دينار سادس أيضاً.
وعليه: فإنّه يجب عليه في المقام أيضاً الاحتياط، ونحوه أيضاً ما إذا استدان مرّة واحدة وشكّ في أنّه كان خمسة دنانير أم ستّة، مع أنّه (قدس سره) أطلق القول فيما حكي عنه بجريان البراءة عن الزائد في الدَين.


الدليل الثالث

الثالث: وقد يستدلّ لذلك: ببناء العقلاء فيمن قصّر وقت التكليف على لزوم الاحتياط عليه، ولا يقبلون منه العذر بالنسيان إذا انكشف بعد ذلك أنّ التكليف كان أكثر من المتيقّن. إذ التقصير يجعله بحكم الترك الاختياري، لانّ ما بالاختيار لا ينافي الاختيار.


الدليل الرابع

الرابع: ويستدلّ له أيضاً: بأنّ فتح باب البراءة في أمثال المقام يوجب العلم بالوقوع كثيراً في مخالفة الواقع، نظير ما قالوا في وجوب الفحص عن الشبهات الموضوعية التي ترك الفحص عنها يؤدّي إلى مخالفة الواقع كثيراً مثل الفحص عن الاستطاعة، وعن الخمس والزكاة، وعن مقاديرهما، ونحو ذلك.
وقد يجاب عن الدليلين الاخيرين بما يلي:
أوّلاً: بأنّ إطلاقات البراءة محكمة في المقام وفي غير المقام، ويكفي ذلك في عدم لزوم اتّباع بناء العقلاء، وهكذا في حصول العلم بالوقوع في مخالفة الواقع كثيراً، وله في الفقه نظائر، مثل فتوى الفقيه مقلّدين له واجدي المني بإجراء كلّ منهما البراءة في حقّ نفسه، مع علم الفقيه بمخالفة إحدى البراءتين للواقع، وغير ذلك كثير.
وثانياً: بأنّ الدليل أخصّ من المدّعى، إذ المدّعى هو عموم جريان الاشتغال، والدليل لزوم الاشتغال فيما ترك عن تقصير. فليفصّل في المقام.


القول الثاني والاستدلال له بأُمور
الامر الاوّل

واستدلّ للقول الثاني: وهو وجوب قضاء المقدار المتيقّن فوته بأُمور:
الاوّل: أنّ القضاء بأمر جديد، ومع الشكّ في مقدار الفائت يكون المقدار المتيقّن منه محلاً للامر القطعي بالقضاء، والمقدار المشكوك منه مجرى للبراءة للشكّ في التكليف به.
وما مرّ من أنّ موضوع القضاء الفوت، وهو أمر عدمي لا وجودي، فيستصحب عدمه.
ففيه: أنّ الفوت وجداناً وعرفاً أمر وجودي، والمستصحب هو عدم الاتيان بالمأمور به، وإثبات الفوت الوجودي، بالامر العدمي مثبت لا محالة.
نعم، لو قيل بكون الفوت أمراً عدمياً، أو كون القضاء بالامر الاوّل، توجّه التمسّك بالاستصحاب في إثبات الاشتغال بالمقدار المشكوك، لكن مع ذلك البراءة حاكمة عليه بإطلاقاتها.


الامر الثاني

الثاني: قاعدة الفراغ، فإنّها تقضي باعتبار ما شككت فيه مأتيّاً به، فيبقى فقط وجوب الاتيان بما قطع فوته عنه.
واختلف الاعلام ـ خصوصاً في الاُصول ـ حتّى المعاصرون والمقاربون في التمسّك بهذه القاعدة لمثل المقام من جهة أنّ روايات القاعدة بعضها معلّلة بقوله (عليه السلام): « هو حين يتوضّأ أذكر منه حين يشكّ »(3) وقوله (عليه السلام) فيمن شكّ بين الثلاث والاربع بعد تمام الصلاة: « لم يعد الصلاة، وكان حين انصرف أقرب إلى الحقّ منه بعد ذلك »(4).
وإطلاق صحيح إسماعيل بن جابر عن الامام الباقر (عليه السلام): « كلّ شيء شكّ فيه ممّا قد جاوزه ودخل في غيره فليمض عليه »(5).
وموثّق محمّد بن مسلم ـ لابن بكير ـ عن الامام الباقر (عليه السلام): « كلّ ما شككت فيه ممّا قد مضى فامضه كما هو »(6).


الفراغ بين الاطلاق والتقييد

لقد اشترط بعض الاعلام: احتمال الذكر والالتفات حين العمل حتّى يصحّ معه إجراء قاعدة الفراغ، باعتبار دوران الحكم في الروايات مدار التعليل في هاتين الروايتين.
وبعض لم يشترط ذلك ـ مثل المحقّق النائيني(7)، والسيّد عبدالهادي الشيرازي، والاخ الاكبر وآخرين ـ تبعاً لجمع من المحقّقين، منهم: كاشف الغطاء في أُصوله وفقهه، وولده الحسن في أنواره، والشيخ هادي الطهراني في بعض مباحثه الاُصولية، وتلميذه البهبهاني (قدس سرهم) وغيرهم، باعتبار أنّ ذلك حكمة لا علّة، فلا يدور الحكم مدارها.
وأيّدوا ذلك بصحيح الحسين بن أبي العلاء قال: « سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن الخاتم إذا اغتسلت ؟ قال: حوّله من مكانه، وقال في الوضوء: تديره، فإن نسيت حتّى تقوم في الصلاة فلا آمرك أن تعيد الصلاة »(8) لظهوره في أنّه كان حين الغسل والوضوء غافلاً.
وبعبارة أُخرى: هل قاعدة الفراغ تعبّدية محضة ولها إطلاق أو لا إطلاق لها، أو أمارة عرفية ؟ فعلى القول الاوّل يصحّ التمسّك بها للمقام، وعلى القولين الاخيرين لا يصحّ، إذ ما نحن فيه لم يكن المقلّد ملتفتاً إلى كيفية أعماله السابقة التي صدرت عنه بدون تقليد.


الامر الثالث

الثالث: أصالة الصحّة الجارية في أعمال الانسان نفسه كما تجري في أعمال الاخرين، فإنّها قاضية بصحّة ما شكّ فيها ممّا قد مضى.
وليس مدركها فقط أدلّة قاعدة الفراغ حتّى تكون معها دليلاً واحداً ـ كما تصوّره بعض شرّاح العروة ـ وإنّما مدركها الاجماع والسيرة القطعية كما عن القوانين، والمحقّق الهمداني، والشيخ محمّد حسين الاصفهاني وغيرهم.
قال الاخير: « بل السيرة قائمة على عدم الاعتناء بالشكّ إذا تعلّق بعباداته ومعاملاته الصادرة منه قبلاً، وقلّما يتّفق لاحد عدم الشكّ في أعماله الماضية »(9).
وعن الاوّلين الاستدلال له باختلال نظام المعاش والعسر والحرج فقد حكي عنهما أنّهما قالا: فإنّه لولا الحمل على الصحّة لاختلّ نظام المعاش والمعاد ولم يقم للمسلمين سوق، فضلاً عن لزوم العسر والحرج المنفيين في الشريعة، إذ ما من أحد إلاّ إذا التفت إلى أعماله الماضية من عباداته ومعاملاته إلاّ ويشكّ في أكثرها لاجل الجهل بأحكامها أو اقترانها بأُمور توجب الشكّ فيها، كما أنّه لو التفت إلى أعمال غيره يشكّ في صحّتها غالباً.
ولا يخفى: أنّ أصل الصحّة إنّما يجري إذا كان بعد العمل، لظهور أدلّته في ذلك كما نبّه عليه جمع، فلا يجري إذا كان في أثناء العمل وحصل له الشكّ في الاجزاء الماضية، نعم تجري قاعدة التجاوز في بعض الموارد كالصلاة وغيرها على تفصيل في الاُصول.


مناقشة ومناصرة

أقول: الاجماع المصطلح عليه عند المتأخّرين لعلّه مقطوع العدم فيما نحن فيه.
وأمّا السيرة فادّعاؤها في محلّه، وتوفّر الشرطين ـ: إحراز الاتّصال بزمن المعصوم (عليه السلام) وإحراز امضائه ولو لعدم الردع ـ مدّعيه غير مجازف وإن كان لمناقشته مجال، وقد ناقشه بعض المعاصرين بقوّة. لكنّها في غير محلّها والله العالم.


الامر الرابع

الرابع: حديث: « لا تعاد الصلاة إلاّ من خمس » فإنّه قاض بصحّة ما شكّ في صحّته ممّا قد أتى به في الصلاة خاصّة، بناءً على شموله لمثل المقام كما ليس بالبعيد، وفاقاً لجمع من الاعلام المعاصرين ومن تقدّمهم.


القول الثالث والدليل عليه

وأمّا القول الثالث: وهو القضاء إلى حصول الظنّ بالبراءة، المنسوب إلى المشهور القول به، فقد استدلّ له: بمزيج من أصل الاشتغال، وقاعدة عدم الحرج في الدِين.
فإنّ مقتضى وجوب العمل بالاحكام ومقتضى العلم بأنّ إجراء البراءة في مثل المقام يوجب كثيراً الوقوع في مخالفة الواقع ومقتضى الاستصحاب وغير ذلك، مقتضى ذلك كلّه وجوب الاتيان بكلّ ما شكّ في إتيانه من التكاليف الماضية حتّى يحصل العلم بفراغ الذمّة.
غير أنّ ذلك لمّا كان يوجب العسر والحرج، إذ احتمال التكليف باب واسع وأمر خفيف المؤونة فلو وجب معه الاحتياط كان عسراً وحرجاً أن يأتي الانسان بكلّ ما يحتمل التكليف به ممّا قد مضى، خصوصاً مع ملاحظة أنّ الانسان غالباً ينسى الماضي جملةً وتفصيلاً لذلك كان الاكتفاء بمقدار يحصل معه الظنّ بالبراءة، أو الظنّ قائم مقام العلم عقلاً وعرفاً وشرعاً إذا تعذّر العلم وجداناً أو تنزيلاً. فمدرك ما نُسب إلى المشهور من وجوب القضاء إلى حصول الظنّ بالبراءة هو: ضمّ الاشتغال إلى نفي الحرج.


إيرادان
الايراد الاوّل

وأُورد عليه أوّلاً: بأنّ إجراء البراءة في تلك الموارد لا يستلزم العلم بالوقوع في الحرام للعامي المقلّد الذي يجري البراءة لعمل نفسه، فلا علم حتّى يحتاج إلى تحصيل البراءة منه.
وأمّا إيجاب ذلك العلم للمجتهد المفتي، إذ يعلم المفتي بإجراء البراءة أنّ في مَن أفتى لهم بالبراءة أفراد بذمّتهم التكاليف، ومع علم المجتهد إجمالاً بذلك كيف يسوغ له الفتوى لهم.
والجواب عنه نقضاً: بأنّ أشباه ذلك ونظائره في الفقه كثيرة، كالفتوى لواجدي المني بالطهارة، وغير ذلك.
وحلاً: بأنّ لكلّ شخص تكليفه الخاصّ به، والمجتهد يفتي لكلّ مقلّد حسب تكليفه الخاصّ به.
حتّى أنّ بعض الفقهاء أفتى بذلك في صورة العلم التفصيلي من المجتهد بتعلّق التكليف بالمقلّد، كما إذا علم المجتهد أنّ المقلّد لا يضرّه الصوم، أو يده متنجّسة، أو هو مستطيع، ونحو ذلك فاستفتاه في ذلك بعد ما كان المقلّد خائفاً من ضرر الصوم، أو شاكّاً في نجاسة يده، أو شاكّاً في الاستطاعة، فإنّ على المفتي أن يقول له: تكليفك عدم الصوم، وعدم الحجّ، ويدك طاهرة.
إلاّ أنّ إطلاق القول بذلك في جميع الابواب والموارد فيه إشكال، وإن كان لابدّ من الالتزام به: فالتفصيل بين ما يعلم من الشريعة إرادة وجوده على كلّ صورة كقتل المحارب، أو إرادة عدمه على كلّ صورة كقتل المؤمن، وبين ما لا يعلم ذلك كأبواب الطهارة والنجاسة أحرى.
وعلى كلّ: فالمجتهد ليس مسؤولاً عن تشخيصات مقلّديه للموضوعات، وإنّما عليه تنقيح حكم المسألة وإلقائه إليهم.


الايراد الثاني

وثانياً: على فرض كون المقام مقام الاشتغال فلا مورد معه للاكتفاء بالظنّ إذ (إِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً)(10).
وأمّا حديث لزوم الحرج بوجوب اليقين بالفراغ ـ فمضافاً إلى أنّه ليس كذلك دائماً، كما إذا دار أمر الفائت بين ثلاث صلوات وأربع، أو أمر الخمس بين دينار ودينارين أو نحو ذلك ـ أنّ المعروف المشهور الذي كاد أن يكون إجماعاً هو أنّ الحرج إنّما هو شخصي لا نوعي، فكلّ من كان تحصيل العلم بفراغ الذمّة حرجاً عليه، فيقتصر على ما يرتفع به الحرج عنه ولا مقيّد له بالظنّ، حتّى أنّه لو كانت الفوائت من مختلف الواجبات عليه كثيرة بحيث كان تحصيل الظنّ بالفراغ أيضاً حرجياً لم يجب حتّى الظنّ، ومن لم يكن تحصيل العلم بفراغ الذمّة حرجياً عليه وجب عليه تحصيله.
فالقول بوجوب القضاء إلى حصول الظنّ بالفراغ منتقض طرداً وعكساً، بالاضافة إلى عدم الدليل عليه.


القول الرابع ووجهه

وأمّا القول الرابع: وهو التفصيل بين الوقت وخارجه، فيجب الاتيان بما لم يصبح قضاءً كالحجّ، والخمس، والزكاة، والصلاة التي لم يمض وقتها، ولا يجب قضاء ما فات وقتها كالصلاة بعد الوقت، والصوم بعد شهر رمضان ونحوهما.
فوجهه: عدم جريان قاعدة حيلولة الوقت، في الاوّل، دون الثاني.
لكن فيه: أنّ هذا في الحقيقة ليس تفصيلاً في المسألة ـ وإن ذكره البعض واعتمده قولاً مغايراً لبقيّة الاقوال ـ وذلك لانّ الكلام فيما قضي وقته، وصار قضاءً، ولذا كان مدار كلمات الفقهاء على كلمة: « القضاء » والماتن عبّر بقوله: « فيقضي ».
نعم، بعض الكلمات فيه إطلاق، لكنّه منصرف إلى القضاء كما قيل.
لكن احتمل أيضاً فيها عدم لزوم الاتيان، لقاعدة الفراغ، بل أفتى بعض المعاصرين به في الصلاة خاصّة لحديث « لا تعاد » ومحلّ تنقيحه كتاب الصلاة.
هذا كلّه فيما إذا كان الشكّ بعد تمام العمل، أمّا إذا كان الشكّ في أثناء العمل بالنسبة لاجزائه الماضية فلا تجري أُصول الصحّة والفراغ وحيلولة الوقت ونحوها.
نعم يجري في بعض الموارد قاعدة التجاوز كالصلاة بالاجماع، والغسل والتيمّم على الاصحّ وفاقاً لجمع من الاعيان، والوضوء على احتمال وإن كان قد نقل الاجماع مستفيضاً على خلافه.


من فروع الشكّ في مقدار الفائت

ثمّ إنّ هذا كلّه فيما إذا كان يأتي بالاعمال لكن لا عن مستند صحيح، وأمّا إذا لم يأت بها في أوقاتها وبعد ذلك شكّ في مقاديرها:
فإن كان تركه عن قصور فالظاهر المدّعى عليه الاجماع المحقّق فيه الشهرة بين المتأخّرين جريان البراءة بحقّه عقلاً ونقلاً، وإن كان في كونه إجماعياً منع، لتصريح بعض الفقهاء بالاشتغال في مسائل عديدة من الاقلّ والاكثر الاستقلاليين كالشكّ في الفوائت، وتسبيك الذهب والفضّة، ومراجعة الديوان في الديون، ونحو ذلك ممّا يجده المتتبّع في شتّى أبواب الفقه.
وإن كان الترك عن تقصير كما إذا كان غير مبال بالدِين فلم يصلّ ولم يصم، ومضى عليه مدّة من الزمن ثمّ تاب وأراد قضاءها وحصل له الشكّ في مقاديرها، فالظاهر: وجوب الاحتياط عليه عقلاً، لكونه مجرى للاشتغال العقلي، لعدم قبح عقاب مثله عقلاً، إذ يكفي وجود التكليف في حينه وتركه له عن تقصير وعمد منجّزاً له على فرض وجوده، والشكّ وإن كان في أصل التكليف الزائد، إلاّ أنّ احتماله في مثله منجّز عقلاً على تقدير الاصابة.


إشكال وجواب

وما يقال: من أنّ البراءة مقدّمة على الاشتغال مع الشكّ في أصل الزائد.
ففيه: أنّ ذلك مع القصور، له معذّر عقلي، وأمّا في مفروض الكلام فلا معذّر عقلي له، فيجب عليه تحصيل المؤمّن، وأمّا البراءة الشرعية وإن كان إطلاق مثل حديث الرفع شاملاً له، إلاّ أنّه مع وجود القدر المتيقّن في البين وهو القاصر، بل الانصراف ـ عرفاً ـ إليه، يمنع ظهوره في الشمول للمقصّر ـ كما حقّق في الاُصول ـ.
نعم، إن استظهر الاطلاق فالبراءة الشرعية محكمة، كما ذهب إليه في المقام بعضهم قديماً وحديثاً، فالخلاف هنا مبنائي يرجع إلى الخلاف في مدى الاستظهار من أدلّة البراءة الشرعية، والله العالم.


تتمّات
التتمّة الاُولى

الاُولى: لو مات الذي لم يقلّد، فهل صلواته وصيامه على الولد الاكبر أم لا ؟
الظاهر: أنّ الحكم يتبع الاب نفسه، فإن قلنا هناك: ـ كالحكيم والحائري والسيّد عبدالهادي وكاشف الغطاء وآخرين إحتياطاً أو فتوىً ـ بأنّ على الولد حتّى ما قصّر فيه الاب، كان على الولد كلّه، وإن قلنا إنّ عليه القصور فقط، اختصّ بالقصور.


التتمّة الثانية

الثانية: هل تجري قاعدتا التجاوز والفراغ، في التجاوز البنائي، أو تخصّان التجاوز والفراغ التعبّدي ؟
وبعبارة أُخرى: هل هاتان القاعدتان هي أصالة عدم الغفلة العقلائية التي قرّرها الشارع، أم أخصّ منها ؟
الكلمات مضطربة في المقام:
ففي العروة في بحث الاستنجاء إطلاق جريانهما، وفيها في بحث الاستبراء عدم الاطلاق.
قال في بحث الاستنجاء: « لا يبعد جريان قاعدة التجاوز في صورة الاعتياد »(11).
وقال في بحث الاستبراء: « إذا شكّ في الاستبراء يبني على عدمه، ولو مضت مدّة، بل ولو كان من عادته »(12).
ولم يعلّق في كلا الموردين الحائري، والاصفهاني، والشريعتمداري، وعلّق ابن العمّ بجريان القاعدة في الاستبراء والاستنجاء جميعاً بالاعتياد، وكذا كاشف الغطاء (قدس سرهم).


كلام العروة في الزكاة

وقال في العروة في بحث الزكاة: « إذا علم بتعلّق الزكاة بماله وشكّ في أنّه أخرجها أم لا، وجب عليه الاخراج للاستصحاب، إلاّ إذا كان الشكّ بالنسبة إلى السنين الماضية، فإنّ الظاهر جريان قاعدة الشكّ بعد الوقت أو بعد تجاوز المحل »(13). وأشكله جمع ومنهم الوالد والحائري ووافقه جمع ومنهم الاخ وابن العمّ والسيّد محمّد تقي الخوانساري وآخرون، فسكتوا على المتن.
قال الاصفهاني (قدس سره): « إذا كان من عادته إخراج الزكاة في كلّ سنة لا يبعد جواز البناء على إخراجها ».
وقال البروجردي (قدس سره): « لو كانت عادته إخراجها أوّل حلولها مثلاً وشكّ في أنّه أخرجها فيه أو سهى عنها لم يبعد الحكم بالمضي، على إشكال فيه ».
ونحوهما تعاليق النائيني وكاشف الغطاء وآخرين.


كلام العروة في الجماعة

وقال في العروة أيضاً في الصلاة في بحث الجماعة: « لو شكّ في أنّه نوى الايتمام أم لا... نعم لو ظهر عليه أحوال الايتمام كالانصات ونحوه، فالاقوى عدم الالتفات »(14).
وعلّق جمع بأنّه لو كان من نيّته الجماعة بحيث كان احتمال عدمها مستنداً إلى الغفلة لم يبعد جريان قاعدة التجاوز.
وفي التنقيح: وإنّما كان الترديد مستنداً إلى الغفلة في رفع اليد عمّا قد نواه سابقاً، فحينئذ لا يبعد الحكم بالصحّة عملاً بقاعدة التجاوز، كما يقتضيه التعليل الوارد في بعض أخبارها: أنّه حين العمل أذكر، أو أقرب إلى الحقّ، فلاجل عموم العلّة يحكم بعدم الاعتناء باحتمال الغفلة في المقام.
وقال الشيخ الانصاري: « ولاجل ما ذكرنا رجّح فخر الدين في الايضاح عدم الالتفات في معتاد الموالاة، تمسّكاً بالصحيح السابق الدالّ على حكم الشكّ بعد الدخول في الصلاة، ولقضاء العادة، وما دلّ على عدم اعتبار الشكّ في الشيء بعد الخروج عنه والدخول في غيره، وهو المتعيّن في الاستدلال، ومبني على ما ذكره: من أنّ المناط في الخروج عن الشيء تجاوز محلّه المتعارف المعتاد وإن بقي محلّ تداركه شرعاً. وقد وافق الفخر على ذلك الشهيدان في الالفية وشرحها وبعض أمالي الشهيد والمحقّق الثاني في جامع المقاصد »(15).


كلام العروة في الغُسل

وقال في العروة أيضاً في الطهارة في بحث الغُسل: « إذا شكّ في غسل عضو من الاعضاء الثلاثة... نعم لو شكّ في غسل الايسر أتى به وإن طال الزمان لعدم تحقّق الفراغ حينئذ، لعدم اعتبار الموالاة فيه وإن كان يحتمل عدم الاعتناء إذا كان معتاد الموالاة »(16). ولم يعلّق عليه جمهرة من الاعلام كالوالد وابن العمّ والاخ والحائري والبروجردي وآخرين (قدس سرهم).
قال الحكيم (قدس سره): « إذا حصل الفراغ في بنائه لم يعتد بالشكّ بعده ».
وقال الشيخ الانصاري (قدس سره): « ذكر جماعة من الاصحاب مسألة معتاد الموالاة في غسل الجنابة إذا شكّ في الجزء الاخير، كالعلاّمة وولده والشهيدين والمحقّق الثاني وغيرهم قدّس الله أسرارهم، واستدلّ فخر الدين على مختاره في المسألة بعد صحيحة زرارة المتقدّمة ـ وهي قوله (عليه السلام): « إذا خرجت من شيء ودخلت في غيره فشكّك ليس بشيء » ـ: بأن خرق العادة على خلاف الاصل (أي: الاصل العقلائي، مثل: أصالة عدم السهو والغفلة ونحوهما) ـ إلى أن قال (قدس سره): ـ وإن كان الظاهر من قوله (عليه السلام) فيما تقدّم: « هو حين يتوضّأ أذكر منه حين يشكّ »: أنّ هذه القاعدة من باب تقديم الظاهر على الاصل، فهو دائر مدار الظهور النوعي ولو كان من العادة »(17).
وقال الشيخ أيضاً: « ولذا قد يفصّل بين من اعتاد الموالاة فيه (أي: الغسل) وغيره، وهو الاقوى. أمّا مع عدم اعتياد الموالاة فلعدم تحقّق الفراغ والتجاوز والمضيّ، وأمّا معه فلتحقّق هذه الاُمور عرفاً... »(18).


النسبة بين العادة والبناء

ومن المعلوم: أنّ بين العادة، والبناء عموم مطلق، لاخصّية العادة، وأعمّية البناء، والذي يظهر من الكلمات أنّ مرجع العادة إلى البناء. للتصريح من جماعة على أنّ مرجع قاعدتي: الفراغ والتجاوز، إلى أصالة عدم الغفلة والسهو ونحوهما.
ومع البناء على شيء، يكون احتمال المخالفة إمّا للسهو أو الغفلة أو نحوهما. ولذا لا يتصوّر بأصحاب العادة، القول بجريان قاعدة الفراغ حتّى مع البناء على العدم في مرّة. بل صرّح جمع ومنهم المحقّق النائيني (رحمه الله)(19) على جريان القاعدة حتّى مع العلم بالغفلة حين العمل ولكن احتمل الاتيان بالمشكوك اتّفاقاً.
والحاصل: أنّه بعد التصرّف في مادّة: المضي، بإرادة المحل منها، يبقى العموم للمحلّ الشرعي والعادي والبنائي، أو خصوص المحل الشرعي، في قوله (عليه السلام): « كلّ ما شككت فيه ممّا قد مضى فامضه كما هو » ونحوه.
ويبقى هنا ما ذكره الشيخ (قدس سره) وغيره: من أنّ الحكم بالفراغ والتجاوز مع العادة يستلزم في الفقه ما لا يمكن التزامه فتأمّل.


التتمّة الثالثة

الثالثة: إذا لم يأت بالاعمال أصلاً فلم يقلّد، ولا أتى بعمل، وتردّد بين الاقل والاكثر، فهل الزائد مجرى البراءة كما هو صريح بعض، أو الاشتغال كما هو صريح آخرين، أو التفصيل بين القاصر والمقصّر ؟


(1) مصباح الفقيه: ج1، ص104.
(2) الكفاية: ص220.
(3) الوسائل: الباب42 من أبواب الوضوء، ح7.
(4) الوسائل: الباب27 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، ح3.
(5) الوسائل: الباب13 من أبواب الركوع، ح4.
(6) الوسائل: الباب23 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، ح3.
(7) لا يخفى: أنّ المحقّق النائيني (رحمه الله) في تقرير درسه أكّد على إطلاق القاعدة بالنسبة لعدم الالتفات حال العمل، ولكنّه لم يلتزم به في الفقه في حواشيه على العروة وغيرها.
(8) الوسائل: الباب41 من أبواب الوضوء، ح2.
(9) نهاية الدراية: ج3، ص312.
(10) يونس: 36.
(11) العروة الوثقى: فصل في الاستنجاء، م5.
(12) العروة الوثقى: فصل في الاستبراء، م5.
(13) العروة الوثقى: الزكاة، ختام فيه مسائل متفرّقة، الثانية.
(14) العروة الوثقى: فصل في صلاة الجماعة، م11.
(15) كتاب الطهارة للشيخ الانصاري: ج2، ص492.
(16) العروة الوثقى: في أحكام غسل الجنابة، م11.
(17) فرائد الاُصول: ج3، ص331.
(18) كتاب الطهارة للشيخ الانصاري: ج2، ص490.
(19) فوائد الاُصول: ج4، ص649.